المشهد الأول

جلست منى مقابلة مرآتها ذات الإطار الذهبي البديع رمقت وجهها بنظرة
مجهرية فرأت فيه رونقا وانسجام فارتسمت على زاوية ثغرها اليسرى
إبتسامة رضا ...نعم كل شيء على ما يرام ...
عيونها العسلية ذات الأهداف الكحلية مرسومة بإتقان وبشرتها نظرة طرية
والفضل يعود لطبقة الكريم الأصلية التي إقتنتها من أشهر محل لبيع
لوازم وعطور النساء...شعرها الكستنائي يداعب كتفيها برقة ودلال ؛
تذكرت كما كان يتساقط مؤخرا ، وأشهر أخصائي جلد قال لها ان مشكلتها
القلق ودواؤها الهدوء و السكينة ورغم هذا فقد وصف لها عقاقيرا ...
انتبهت منى لاحمر شفاهها إنه بلون نهاري ولا يصلح طبعا لسهرات المساء ....
بسرعة إختارت لونا زاهيا من مجموعتها الراقية ويتناسب حتما مع فستانها البرتقالي
وعقد اللؤلؤ الذي كان يطوق جيدها المرمري والآن صدقا كل شيء على ما يرام ...
مدت منى يدها إلى هاتفها الفضي الثمين وتفقدت الساعة إنها تقترب من التاسعة ليلا...
لقد وعدها زوجها سهيل بالعودة مبكرا هذه الليلة فهل سيفي حقا بوعده؟...
شردت منى لدقائق وهي تحمل قنينة العطر النفيسة ولم يعدها إلا صراخ إبنها
سامي ذو التاسعة ربيعا وهو صاعد السلم والخادمة ممسكة بذراعه...
- ماذا هناك يا صبيحة؟
- إنه سامي يا سيدتي دقت التاسعة ولا يريد أن يذهب إلى الفراش...
- ايتها البليدة دعيني أنهي اللعبة ثم أنام...
- انها مجرد لعبة على الحاسوب غدا بحول الله ستنهيها
التصق سامي بكتف والدته وقال :
- إذن سأبقى مع ماما قليلا لم أرها منذ الصباح .
أكيد فلقد امضت منى جل ساعات المساء في قاعة التجميل الحديثة حيث يستقبلها
الجميع بحفاوة ولباقة ويودعونها وهم يرددون " أنت رائعة اليوم يا سيدتي "
وتفتح هي باب الشارع متمتمة " ولكن أموالي أروع مني أيها المتملقون "
أمسكت منى يد ابنها برفق وقالت :
- مازلت صغيرا على السهر يا حبيبي نم الآن وغدا بحول
الله اصطحبك إلى المدرسة بنفسي ..
- خذيه يا صبيحة واحرصي على أن ينظف أسنانه جيدا ؛
- هل حضرت ما طلبته منك؟
- نعم سيدتي كل شيء كما أمرت....
- انصرفي أنت أيضا إلى غرفتك سأتولى أمر العشاء....
بعد ساعة نزلت منى إلى الصالة... طاولة الطعام كانت مرتبة باعتناء
ووضعت صبيحة في وسطها شمعدان يحمل شموعا معطرة زاهية الألوان ...
استلقت منى على الأريكة وتنهدت بعمق وهي تفكر
- اعلم أن سهيل لا تهمه كثيرا ذكرى زواجنا ولن يفي بوعده ...
لم تتحرك منى من مكانها لكن الساعة كانت ماضية بدقة وعزم نحو
منتصف الليل وأخيرا رن الهاتف... انه سهيل يخبرها أن الوفد الأجنبي الذي
كان ينتظره منذ أيام وصل إلى المطار وذهب لاستقباله وهو مجبر لاصطحاب
الجميع إلى المطعم والعشاء معهم ووعدها بالدخول إلى المنزل فور التحاقهم بالفندق....
نعم نعم الأعذار دائما الاعذار إنه بارع كالعادة ...
تفقدت منى منافذ المنزل وبخطوات متثاقلة صعدت إلى غرفتها أغلقت بابها ارتمت
على سريرها الفخم انكمشت كطفلة صغيرة تخشى الغول والظلام ...
احست أن وسادة زوجها تحدق فيها بتهكم واستهزاء ، اطبقت جفنيها فانحدرت دمعتان
استدارت ناحية أخرى علها تنساه وتنام.....
المشهد الثاني

جلست فاطمة وهي تتحسس قدميها " كم أنا متعبة اليوم لقد عملت كثيرا في مزرعتي
ورغم هذا التعب إلا أنني فخورة جدا بنفسي فمحصول الثوم والفول والبازلاء
كان وافرا هذا العام ، الحمد لله إنها بركة ونعمة من الله "
مدت يدها إلى درج خزانة صغيرة بجانبها واخرجت مرآة ومشطا ، حلت جديلتها السوداء
اللامعة وبدأت تمشط شعرها ، كانت دائما تشعر بالراحة بعد تمشيط خصلاته الحريرية ...
تذكرت فاطمة القدر التي كانت تغلي على النار هرولت مسرعة فهي لا تريد أن يحترق
العشاء وإبراهيم سيعود من صلاة المغرب بعد حين ؛ ولكن إبراهيم تأخر
هذه المرة ربما التقى صديقا له وسايره في الحديث ...
خمنت فاطمة... أصلحت كحلها ودخلت غرفة البنات....
كان يحيى ذو الثلاث سنوات يراقب مريم بكرتها وهي تحمل كتابا وتراجع
درس التاريخ أما خديجة فكانت منهمكة ترسم نادت امها لتريها رسمتها
الجميلة ، قبلتها فاطمة وقالت :
- انك رسامة ماهرة يا خديجة ستمنحك معلمتك العلامة كاملة
فرحت الطفلة بإطراء والدتها وقالت:
- انا ارسم احسن من مريم ؛ ردت مريم :
- وأنا أذكى منك يا شاطرة وعلاماتي دائما ممتازة
وبدأت الفتاتان في المشاحنة كعادتهما لكن فاطمة كانت دائما تحسم
الأمر بذكاء وتراجعهما وتعانقهما بحنان...
ما إن فتح إبراهيم باب البيت حتى هرع الأولاد ناحيته وكان آخرهم
يحيى ، كانت هذه اللحظة في حياته الأسعد ولا يبادلها بكل مال الدنيا ...
منظر أطفاله وفرحتهم الغامرة بعودته
لا تعادلها إلا فرحته بهم وهم يستقبلونه وكأنهم لم يروه منذ أعوام....
- هل تعشيتم؟
- طبعا لا إننا ننتظرك يا أبتي ... ردت مريم
- إذن لنرى ما حظرت لنا أمكم من طعام
وهنا تكمن راحة مريم ؛ رؤية أطفالها وزوجها وهم يأكلون الطعام الذي جهزته
بشهية ونهم فتشعر كأنها تسبح في بحر من السعادة...
أُكل الطعام وانصرف الأب وأبناؤه إلى فسحة الدار ما عدا فاطمة ومريم التي
امرها والدها بمساعدة أمها في تنظيف المطبخ ... بعد قليل التحقتا بالجميع
حضرت فاطمة مشروبا ساخنا ولذيذا ...
- انه طيب جدا يا فاطمة ماذا وضعت فيه؟
- اوراق نعناع من مزرعتي وينسون ؛ إنه شراب مفيد جدا للهضم ويجلب النعاس
- مزرعتك... هل تقصدين تلك الحوزة الصغيرة خلف الدار؟ سأل زوجها مشاكسا
- ولكنها كبيرة في عيني وسر الرزق البركة يا إبراهيم
هز إبراهيم رأسه وقال : هذه المرة ايضا غلبتني يا أم أولادي بارك الله في فهمك
وزادك إيمانا كعادة يحيى بدأ يتشقلب ويقوم بحركاته البهلوانية وتارة يقلد
والده فتعالت ضحكات الجميع...
وتعلقت عيونهم وقلوبهم بهذا المخلوق الصغير الذي ادخل البهجة والإنشراح إلى
نفوسهم ولم يهدأ حتى غلبه النعاس ونام في حجر أمه ...
- خذيه إلى مخدعه لينام مرتاحا يا فاطمة ؛ وانتما يا حبيباتي إلى بيت الوضوء
سنصلي العشاء جماعة ....
وتعالى صوت الحق مناديا للصلاة قرة عين المسلمين وأم إبراهيم أهله
واستقبلوا القبلة وأعينهم إلى السماء ....
يا رحمان يارحيم يا حي يا قيوم برحمتك نستغيث وعفوك نرجو وفضلك اوسع....
لكل من تكرمت وقرأت هذه الأسطر اقتراح لمشاركة الجميع :
رجاءا سجلي حضورك اقرئي بتفكر واختاري لنفسك بكل حرية
إذا سنحت لك فرصة الاختيار فأي البطلتين تفضلي أن تكوني
" بطلة المشهد الأول أم بطلة المشهد الثاني ... ولكن وبصراحة
لم؟
رحيق وندى
مشاركة في فعالية " الاثر الطيب "
http://zupimages.net/up/15/07/0927.gif
مشهدان معبران عن وجهين متناقضين من الحياة
أعجبتني الشخصية الثانية بكل إيجابياتها وتفانيها وبساطتها وصدقها وحقيقتها
الصورة الأولى لشخصية مصطنعة سلبية تفتقد الجوهر وتتعلق بالمظهر ..
يسيطر عليها حب الذات هامشية ..
وقد تكررت صورة هذه المرأة في المجتمع الآن خاصة ..
الثانية شخصية ناجحة على صعيد الحياة
و الأخرى فاشلة ..
أجدت التعبير .. ورسمت الحروف بدقة في لوحتين جميلتين من واقع الحياة ..
بوركتِ !.