من روائع الشيخ علي الطنطاوي رحمه الله
رحلة في أعماق الذات...رحلة في تناقضات الحياة...رحلة مع صراع الإنسان المؤمن في زمن لا يعترف إلا بالماديات!
أترككم مع مقتطفات من الكتاب
أنـــــا
هنا يتذكر الشيخ مراحل حياته بدءا بالطفولة إلى الشباب و الحماس إلى الفترة التي عمل فيها معلما و هو كاره للمهنة.....)
نزل الشاب إلى ميدان الحياة برأس مترع بالعلوم و المباديء السامية , و يد مثقلة بالشهادة الابتدائية و الثانوية العالية و جيب خاو خال.
فلم تكن إلا جولة واحدة حتى ولى منهزما!
ذلك أن سلاحه من طراز قديم لم يعد يصلح اليوم في معركة الحياة!
و لقد خدعته المَدْرسة و كذبت عليه و صورت له الحياة على غير حقيقتها...قالت له المدرسة:"العلم خير من المال, العلم يحرسك و أنت تحرس المال", فرأى أن المال في الحياة خير من العلم, العلم لا ينال إلا بالمال...و رأى أن أصحاب الأموال الجاهلين تبيحهم الحياة أجمل ما تملك من متع و لذائذ و مجد و جاه و العلماء الفقراء محرومون من كل شيء....
و قالت له المدرسة:" الأخلاق أساس النجاح" و ضرب له المعلم مثلا سيئا طلابا لا أخلاق لهم و لا عفاف و ضرب له مثلا عاليا طلابا كانوا نموذج الطهر و الاستقامة و الشرف, فرأى أن الأولين قد بلغوا أعلى المراتب و أسمى المناصب و الآخرين تحت تحت ...على العتبة.....فعلم أن المدرسة كانت تكذب عليه!
ما هو هذا المستقبل؟ و هل اقتربت منه شبرا واحدا و أنا اركض وراءه منذ سبعة و عشرين عاما؟ فمتى أصل إليه و أين هو؟.....
و بعد , فلِمَ أفكر في هذا؟ إنني لا أدري من أنا, و لا أعرف كيف وجدت, و لا أعلم ما هي صلتي بذلك الطفل الذي نسيت حتى صورة وجهه, و ذلك التلميذ الذي لم أعد أعرفه إلا بالتخيل, و ذلك الطالب الذي أحبه و أتشوق إليه, و ذلك المعلم الذي أرثي و أشفق عليه؟
هل أنا كل هؤلاء؟ و ماذا بعد؟ يا الله! أحس كأني جننت حقا؟!

للحديث بقيه
أنكرت نفسي و لم أعد أراها شيئا....و نسيت يدي و رجلي, حتى لقد حسبتها جزءا من الكرسي أو السرير الذي اجلس عليه, و أضعت ميولي كلها و شهواتي, حتى لم يبق لي إلا (أنا) و إنما صرت أنا الكون كله...الكون الذي ردد معي قولي : لا إله إلا الله , فأحسست حينما أنكرت نفسي بلذة الوجدان التي لا توصف:
لا يعرف العشق إلا من يكابده و لا الصبابة إلا من يعانيها
و بدأت أفهم ما كنت قرأته من أقوال أهل التصوف و تعلمت أن الإنسان لا يحس بعظمة الله إلا إذا نسي نفسه و عظمته. هنالك يجد هذا "الجرم الصغير" الذي هو رملة في الصحراء وعدم في وجود الكواكب و الذي لا يمتد عمره أكثر من لحظة في عمر السماء.....يجده أكبر من الكواكب و أخلد من السماوات لأنه عرف الله و أدرك حلاوة الإيمان...
وقمت بعد ذلك أصلي فلما قلت : الله أكبر, محي الكون كله من وجودي و لم يبق إلا أنا العبد المؤمن الضعيف , و الله العظيم الجبار!
ليس في الدنيا شيء أجل و لا اجمل من الصلاة!
**********
من دموع القلب
لم أعد أجد في الحياة ما يغريني بها, و يرغبني فيها...وماذا في الحياة؟ كل لذة فيها مغشاة بألم, فيها الربيع الجميل, , و لكن فيه بذور الصيف المحرق, و الشتاء القاسي. و فيها الحب, و لكن لذة الوصال مشوبة بمخافة الهجر. و فيها الصحة و الشباب, و لكنهما يحملان الهرم و المرض. فيها الغنى, و لكني ما عرفته و ما أحسبني سأعرفه أبدا.
لقد كرهت الحياة, و زادها كراهة لي هؤلاء الناس, فلم يفهمني أحد و لم أفهم أحدا. إن حزنت فأعرضت عنهم مشتغلا بأحزاني قالوا متكبر, و إن غضبت للحق فنازعت فيه قالوا شرس, و إن وصفت الحب الذي أشعر به كما يشعرون قالوا فاسق, و إن قلت كلمة الدين قالوا جامد, و إن نطقت بمنطق العقل قالوا زنديق, فما العمل؟ إليك يا رب المشتكى.....
يتبع...