هذا مثل شعبي يقال في مواطن كثيرة, تعبر عن استغراب قائلها من أن الناس لا تقرأ ولا تسمع, وبالتالي لا تتعظ بما تقرأ في الصحف والمجلات أو تسمع ما يدور علي ألسنة الناس من حوادث فيها العبرة لمن يريد أن يعتبر, ويقعون في نفس الأخطاء التي وقع فيها غيرهم.. فيقولونها هكذا ولكن مين يقرأ ومين يسمع؟! والأمثلة الشعبية تعبر عن المعرفة التراكمية للأجيال المتعاقبة.. وهو مثال واقعي جدا ومعبر للغاية, فمعظم الناس لا تقرأ.. بينها وبين القراءة عداء مستحكم.. أنا لا أتحدث عن الأميين بطبيعة الحال.. فهؤلاء معذورون, ولكني أتحدث عن المتعلمين الذين لا ينظرون في صحيفة يومية ولا في مجلة أسبوعية..
فالقراءة بالنسبة لهم كانت مفروضة عليهم خلال مراحل التعليم التي مروا بها, سواء كان تعليما متوسطا أو تعليما عاليا, ولم يكن هناك بد من قراءة المقررات لأداء الامتحانات واجتيازها, من أجل الحصول علي الشهادات ليس إلا.. وماداموا قد حصلوا علي الشهادات فلم القراءة؟! ونحن في عصر التليفزيون والفضائيات وبها ما يغنينا عن القراءة وقرفها!! وأقول إن الذي لا يقرأ يظن أنه لا ينقصه شيء.. ولو كانت القراءة لمجرد معرفة الأخبار فلربما أغناه التليفزيون عنها, ولكن القراءة هي أولا وقبل كل شيء غذاء للعقل لا غني عنه, ولا بديل له, وإلا لما أقسم الله بالقلم وما يكتب به ن والقلم وما يسطرون( القلم1).
والانسان يسمع ما يرويه الناس وما يتحدثون به.. والمفروض أن الانسان يعقل ما يسمع, يزنه ويقيمه.. ويستنتج منه أشياء.. ويعتبر بأشياء.. ويخرج بدروس مستفادة, إن هو عمل بمقتضاها تفادي الوقوع فيما وقع فيه غيره, ولكن البعض لا يستفيد مما يسمع وكأنه لم يسمع شيئا, ويقع في نفس الأخطاء التي وقع فيها غيره, وينزلق في نفس المنزلقات التي انزلق فيها غيره.. والناس الذين يعقلون يتعجبون ويتساءلون.. كيف أن فلانا تورط في كذا وكذا ولم يتعظ بما جري قبله لأناس آخرين فعلوا فعله ونهجوا نهجه.. أي ان الدروس والعظات حاضرة.. ولكن الناس تتجاهلها ولا تعمل بموجبها.
لقد أعطانا الله العقل لنستخدمه في أمور حياتنا.. وميزنا به عن سائر خلقه.. ولكن البعض لا يستخدمه.. ولا يتعظ بمن لم يستخدموه فكان مآلهم الوقوع في المحظور.. ولذلك ينبهنا خالقنا في غير موضع من كتابه الحكيم.. أن نكون ممن يتعظ ويأخذ العبرة مما يقرأ ومما يسمع لقد كان في قصصهم عبرة لأولي الألباب( يوسف111) وأولو الألباب هم أولو البصائر.. وهم الذين يعقلون إن في ذلك لعبرة لأولي الأبصار( آل عمران13)..
الانسان اذا لم يحسن استخدام أنعم الله عليه وفي مقدمتها البصر بالأمور, يهبط بنفسه عن مستوي الانسان الذي كرمه الله وفضله علي كثير من خلقه.. ولم يصبح هناك فارق يذكر بينه وبين المخلوقات التي لا عقل لها.. والتي تحكمها غريزة البقاء ليس إلا.. أم تحسب أن أكثرهم يسمعون أو يعقلون إن هم إلا كالأنعام بل هم أضل سبيلا( الفرقان44).
الإنسان الذي لايعقل يفقد كثيرا من آدميته.. وللأسف فإننا نقرأ ونسمع عن بني آدميين يتصرفون كالأنعام بل أضل ـ كما يقول الخالق جل وعلا في الآية الكريمة ـ نقرأ عن واحد من الناس شك في أن ابنه البالغ من العمر ثماني سنوات أضاع جنيهين كانت زوجته قبل خروجها من المنزل قد قالت له إنها ستتركهما له علي الكمودينو, فأراد أن يعاقبه, فأوصله بفيشة الكهرباء فصعقه التيار الكهربائي ومات لتوه.. ماذا تقولون في هذا البني آدم؟! إن مستواه الذهني يقينا أقل من مستوي البهائم.. أو الذي يقذف زوجته بوابور الجاز المشتعل, لأنها تأخرت عليه في اعداد الطعام!! هل هذا انسان؟! أو الذي يستدرج طفلة بقطعة حلوي الي مكان مهجور ثم يعتدي عليها, ويسرق قرطها, ثم يكتم أنفاسها, ويتركها جثة هامدة لا حراك لها حتي لاتدل عليه.. هل هذا انسان؟! هو انسان من حيث الشكل الخارجي, لكنه من حيث الجوهر حيوان.. بل أقل مرتبة من الحيوان.. وأشياء أخري كثيرة من هذا القبيل نقرأها ونسمع بها, ونتواري خجلا مما يفعله البعض منا ويحسبون علي البني آدميين!!
والله.. هناك أقوام من المتعلمين ـ ولا أقول انصاف المتعلمين أو حتي الأميين ـ يأتون أفعالا يندي لها جبين الانسانية.. ويحار المرء فيها وفيمن يأتونها.. وكأن ليست لهم عقول البتة.. ولو عقلوا لما أتوها ولترفعوا عنها.. فالانسان الذي كرمه الله وأعطاه العقل لايجوز له أن يهبط بنفسه الي الدرك الأسفل من السلوكيات.. لأنه بنزوله الي هذا المستوي سوف يلحق بنفسه وبأهله أبشع الضرر.. ثم بالمجتمع ككل.. سوف يلحقه الخزي والعار ما تبقي له من عمر.. وأما أهله فقد جني عليهم دون ذنب جنوه.. لن تستقيم لهم حياة بعد انكشاف أمر عائلهم وتورطه في فضيحة مخزية.. فلماذا ينظر الواحد منهم الي موقع قدميه فقط ولا ينظر أمامه؟! انه لو نظر أمامه فسيجد أن الاستقامة أولي به من الانحراف عن الجادة, وأن الانحراف لو أتي له ببعض المغانم أو جلب له شيئا من اللذات فسوف يكون طعم تلك اللذات بعد حين أمر في حلقه من العلقم, ولسوف تتحول المغانم الي مغارم, فلن يهنأ بما غنم.. ولسوف يدفع ثمنا باهظا إما من حريته أو من راحة باله أو من استقراره الأسري.. كل ذلك في آن واحد معا أو علي التوالي(!!) وذلك بخلاف عذاب الآخرة الذي ينتظره ولعذاب الآخرة أشد وأبقي( طه127)..
لقد خلق الله لنا السمع والأبصار والأفئدة( وهي العقول) لكي نستخدمها علي وجهها الصحيح, ونحمد الله أن وهبنا إياها لكيلا نتنكب الطريق وجعل لكم السمع والأبصار والأفئدة لعلكم تشكرون( النحل78) ولكن البعض لايستخدمها ولا يصغي لها, فيتعثر ويفقد حاسة الاتجاه, وتختل عنده المقاييس, ولا يعود يعرف كيف يخرج من الشرنقة التي نسجها حول نفسه..
الإنسان مسئول عن نفسه وعما يفعل بهذه النعم إن السمع والبصر والفؤاد كل أولئك كان عنه مسئولا( الإسراء36)...
د. فتحي مرعي
من جريده الاهرام بتاريخ
1\3\2003
سيدة الوسط @syd_alost
عضوة شرف في عالم حواء
يلزم عليك تسجيل الدخول أولًا لكتابة تعليق.
بنت ابوها
•
فعلا امر مخجل ان يتمتع الانسان بنعمة العقل ولا يستفيد منها في مايفيده
الصفحة الأخيرة