
آيات أفردت صفحات من البهاء والجمال ..!
من بديع ماخطته يد القدرة والكمال
قوافل تبتلٍ يرددها ثغر الكون،
يسفر منها الفلق ، وتمور في أمواج الضياء
تتفتح بها المسام المغلقة في جسد الكون العريق
تهمس بلغات كأنها مستلّة من ربوع الجِنان ..!
تتوحد في كينونتها كل ذرة .. تحتويها آفاق السماوات ومناكب الأرض ..
مروراً بالطير ، وصعداً للكواكب والنجوم .. والمجرات
وهبوطاً بأجنحة التسبيح إلى ذراري الجبال المتوارية بين غاشية السحاب ..
لتتعانق مع صلوات الوهاد والوديان والفلوات
وتنبعث في أنفاس الشجر المخضلّ ..
ترتيلاً وتسبيحاًخاشعاً، مندغماً في وحدة الكون
تسبيحٌ من نوع فريد .. غريب عن كنه إدراكنا وعن أليف نطقنا ..
يسري في خلايا كل مخلوق في ضمير هذا الكون الرحيب ..!
" تسبح له السماوات السبع والأرض ومن فيهن وإن من شيءٍ إلا يسبح بحمده
ولكن لاتفقهون تسبيحهم".
كل شيء في الكون يسبح باسم الله تعالى ويسجد له..!
تلك حقيقة ناصعة ..لاشية فيها ، كالنور الأبلج إذ يغشى الأبصار
قصورنا وإدراكنا المحدود .. جعلنا نجهل كنه هذه الصلوات
التي تنبعث من أرواح كل ما برأ الله في هذا العالم الشاسع من أرواح حيةٍ
ومن كل حجر ومدر ..!
ومن سياق القرآن تسطع أمامنا تلك الحقيقة ..
ونعرف أن كلّ مافي الكون .. مصلياً ومسبحاً..
قد علم الله تعالى صلاته وتسبيحه..
وقد علم صلاة نفسه وتسبيحه .. الذي كُلِّفه وأُلْزمه..!

والجبال آية
تنفرد الجبال بالهيبة والجلال .. مفترشة صدر الأرض الرحيب ..
وتحيط الأبصار بها حيثما اتجهت ..!
تتطاول فنراها شامخة تعانق أجواز الفضاء
شاهقة تملأ القلوب بروعة تجلي الحسن فيها .. وتحبس الأنفاس !..
تتسامى بأشواق الروح حين ترتقي سلالمها صعداً ..!
تستشرف الأفق البعيد في هيبة وكبرياء..
رواسي .. أن تميد الأرض بنا ..
تتفجر منها وفيها ينابيع الخيرات
متباينةً.. مابين جدد بيض وحمر مختلف ألوانها .. وغرابيب سود
وأخرى خلع عليها الربيع طيلسانه .. ووشاها بالزهور
وتلك قد ارتدت بياض عروس الشتاء النقية ..
كلها تنطق وتشهد عظمة الخالق ومعجز صنعه..!
تراها .. فتحسبها هامدة راكدة .. وهي تمر كما السحاب .
صنع الله الذي أتقن كل شيء صنعه..!
وتتملاهاطويلاً ويخيل إليك أنها جامدة ..
الا أنها في حقيقةِ سجودٍ وتسبيحٍ دائمين لله ..!
كلها تسجد في خضوعٍ للخالق العظيم
الذي أوجدها على هذه الصور المذهلة من الكبرياء والجمال ..!
"ألم تر أن الله يسجد له من في السماوات
ومن في الأرض والشمس والقمر والنجوم والجبال والشجر والدواب وكثير من الناس "
الجبال السامقة ..تشعر، وتحس ، وتخضع ، وتتصدع رهبة وخوفاً.. لله :
"لو أنزلنا هذا القرآن علي جبل لرأيته خاشعا متصدعا من خشيةالله".
وهي أيضاً..تنطق ..!!
جاء عن علي بن أبي طالب رضي الله عنه قال :
كنت مع النبي في مكة فخرجنا من بعض نواصيها،
فما استقبله جبل ولا شجر ولا مدر إلا قال له: السلام عليك يارسول الله!
وتراهافي صورة أخرى مسبحة مع داود عليه السلام .. بالتوافق مع جمع الطيور ..
" إنا سخرناالجبال معه يسبحن بالعشي والإشراق ، والطير محشورة كل له أوّاب "
وهنا..! لنا وقفة عند ~ يسبحن~!
فلروعة البيان القرآني ذكرت ( يسبحن ) بضمير العاقل ..
لأن التسبيح لله من عمل العقلاء
فكأن الجبال تعقل التسبيح والسجود والنطق والإحساس ..!

ثمّ هناك .. "ياجبال أوّبي معه والطير .."
قفن معي عن كثب ..! وتأمّلن هذا المشهد البديع طويلاً ،
وأصغين بسمع الخيال لهذه الترانيم العميقة البعيدة المنطلقة من أوتار صوت داود الرخيم ..
تتردد في جنبات الوديان .. مع تسابيح الجبال والطير معاً.. والترجيع المهيب ..!
فأيّ روعة مذهلة تفيض ..؟!
وقد تناسقت واتحدت ثلاثية من روح الكون ؟.!
داود.. والجبال ..والطير .. في صلاة وتسبيحات منسجمة الإيقاع..!
وجاوبت صداها الوديان والفلوات . !!.
وخضعت رقاب الوحش لها ..فارهفت الخشوع ؟!
ياللجمال إذ يمد لله تعالى عنق الخضوع ..!
مزامير داود هي تسابيح لله، وأناشيد حمد وسجود وتمجيد له تعالى
يبدأ سفر المزامير بتطويب الإنسان الذي باركه الله،
وينتهي بالتهليل والتمجيد لله الذي بارك الإنسان ..
وتجاوبه الجبال والطير مجتمعة فطرة ونطقا ..
..والطير صافات ..
وللطيور فنون في تحليقها ..
لها حالات من الطيران شتى .. فيقال أنها :
صفّت ، أو رفّت ،أو دفّت ، أو حوّمت ، أو سفّت ..!
وأبرز صورتان لذا .. الدفيف والصف..
والصافات اختصت بالذكر في عدة مواضع من القرآن الكريم ..
ذلك لأن طيرانها من أكثر الأمور إثارة للعجب..!!
تتمثل فيه صورة من صور القدرة الإلهية ، والإعجاز في الخلق ،
ومخالفة لناموس الطيران
فالصافات هنا تبسط جناحيها دون حراك ..مستغلةً ظاهرة تكون التيارات الكهربائية الصاعدة ..
وهي في صفها تستطيع أن توجه أجنحتها..كما تشاء ..
رفعاً وخفضاًوبسطاً، وقبضاًيسيراً..وبهذه الأساليب تتحكم في سرعتها واتجاهها..
" ألم تر أن الله يسبح له من في السماوات والأرض والطير صافات كل قد علم صلاته وتسبيحه "
إن هذه الصافات إذا مابسطت جناحيها ، أو قبضتهما فلا يمسكها في الهواء إلا الرحمن ،
بما أودعه فيها من خصائص، وما ألهمها من فطر ..
حتى تكون آيات ناطقات ببديع صنعه، وشاهدات على أنه وحده المستحق للخضوع والسجود والتسبيح ..!
ويسبح الرعد بحمده
الرعد ..! ذلك الصوت المدوي القاصف الذي يقرع باب القلب فيجفل ..!
هو أثرٌ من آثار الناموس الكوني
وهو رجع صنع الله.. في هذا الوجود ..!
فهو حمد وتسبيح بالقدرة التي صاغت هذا النظام
وهو أيضاً حمد وتسبيح من الرعد .. بمدلول اللفظ المباشر
فكم من الغيب أخفاه الله عن البشر علينا أن نتلقاه بالتصديق والتسليم
إذ أننا لانعلم من أمر هذا الكون ، ولامن أمر أنفسنا إلا القليل ..
فلنتصور معاً هذا المشهد الداعي العابد المتحرك
الذي يشترك فيه الرعد ككائن حي
بصوته في التسبيح والدعاء..!.
لله ماأعظمه من مشهد صلوات..! تتوافق فيه الملائكة بالتسبيح مع الرعد
من خيفة الله..!!
" ويسبح الرعد بحمده ، والملائكة من خيفته"
والشمس والقمر والنجوم
في جاهلية الإنسان .. كان البعض يعبد الشمس والقمر والنجوم
وهي مخلوقات مربوبة مسخرة تسجد لخالقها ..
ولذا نرى أن الله تعالى اختصها بالذكر حين عرض الكائنات التي تسجد له تعالى
ونهى عن السجود لها
{لا تسجدوا للشمس ولا للقمر واسجدوا للّه الذي خلقهن }
في رواية عن أبي ذر رضي الله عنه .. قال :
قال لي رسول الله صلى الله عليه وسلم : (أتدري ياأبا ذر أين تذهب هذه الشمس؟)
قلت: اللّه ورسوله أعلم، قال:
"فإنها تذهب فتسجد تحت العرش، ثم تستأمر
فيوشك أن يقال لها ارجعي من حيث جئت"
وفي حديث الكسوف: " إن الشمس والقمر خلقان من خلق اللّه
وإنهما لا ينكسفان لموت أحد ولا لحياته ولكن اللّه عزَّ وجلَّ إذا تجلى لشيء من خلقه خشع له ".