!محطمه!
اشكرك على المرور
!محطمه!
اشكرك على المرور
ن و ر :
!محطمه! اشكرك على المرور!محطمه! اشكرك على المرور
ن و ر :
جوفي كان يشتعل غيظا .. وعجزا .. وإحتقارا ، لذات .. ظلت طويلا .. في منفاها الجليدي ، لا تحس بلهيب المعاناة لبشر .. يتحالف الفقر ، والحرمان ، والأهمال .. مع (القوانين) المتخلفة ، والبيروقراطية القبيحة .. المسخ ، في إذلالهم .. كنت منغمسا في لحظة وجع حقيقي .. أغلق الدمع عيني ، فلم أعد أرى شيئا ، عندما سحبت يدي وقبلتها ، وهي تقول بعينين دامعتين ، ووجه صار مرتعا للألم فقط : - تبكي من أجلي .. يا ليتك .. يا ليتك .. ثم خنقتها العبرة .. كنت قد عزمت على أمر بخصوصها .. وأنا أعود إلى السيارة ، بعد أن تركتها لأصلـي الظهر ، في مسجد على الطريق .. وقع في نفسي أن أمرها ، يحتاج حلا جذريا .. بعد خروجي من المسجد ، فوجئت بعدم وجودها في السيارة .. شعرت كأنما يد قد اخترقت صدري .. وانتزعت قلبي منه .. تساءلت ..: أين تكون ذهبت ..؟ .. هل هربت ..؟ انتابني شعور مزيج من القلق والسخط .. أشد شيء آلمني .. إحساسي أنني بعد كل الذي صنعته من أجلها .. لم تثق بي . ليس أقسى من أن تفقد الثقة .. أو لا تكون محل ثقة .. لإنسان تحبه . كنت على هذه الحال ، إذ رأيتها تخرج من مصلى النساء .. فأشرق وجهي .. وأحسست قلبي يعود إلى مكانه .. صرت أخاف عليها .. وفرحت أنها حريصة على الصلاة .. تبقى الصلاة ذلك الرباط الوثيق ، الذي يشد الانسان إلى الخير والفضيلة ، مهما إجتالته الشياطين .. يؤلمني كثيرا مشهد الانسان الذي لا يصلي .. أشفق عليه من النهاية البائسة .. أحس أن الصلاة هي العتبة الأخيرة .. التي يقف الإنسان عليها ، قبل أن يهوي .. إذا ما تركها ، إلى درك ... يتبع .. يكون فيه ، هو والحيوان سواء .. قالت وهي تفتح الباب لتركب : - خفت تطلع من المسجد .. ولا تلقاني .. ثم تروح وتتركني .. فاستعجلت بصلاتي .. تنهدت ، وقلت في سري : - "أنا الذي خفت .. أنك رحتي وتركتيني .." صارت بالنسبة لي ، حبلي الوحيد إلى الحياة (الحقيقية) ... التحدي الحقيقي لاستعادة إنسانيتي المهدرة .. الشمعة التي تتقد لتنثر الضوء ، والدفء في صقيع أعماقي المظلمة في الطريق إلى المدرسة قلت لها : - قبل أن أنزلك عند المدرسة أريد أن نمر من عند بيتكم ، حتى أعرف مكانه .. ردت بتوجس ، وكأنها شكت أني سأذهب بها إلى أهلها : - لماذا ...؟ - يمكن أزوركم الليلة .. - والله ..؟ - إحتمال .. تعرفت على موقع البيت ، ثم توجهت بها إلى المدرسة .. لم تكـن الطالبـات قد خرجن بعد .. فانتظرنا في السيارة في شارع مجاور .. كانت أسراب الطالبات قد بدأت بالخروج من بوابة المدرسة عندما بادرتني قائلة : - ما قلت لي إسمك .. - محمد .. نزلت .. وأغلقت الباب .. وبعد بضع خطوات ألتفتت نحوي ولوحت بأطراف أنا ملها .. خرجت من حي (الأمل) .. أحمل قلبا .. و(أملا) .. وإنسانية مستعادة .. عند إحدى الاشارات ، نبهني سائق السيارة الذي بجواري ، إلى أن الباب لم يغلق جيدا .. التفت لأغلقة ، فوجدت قصاصة ورقة .. كانت قد كتبتها .. وتعمدت أن تتركها لأجدها.. قرأتها .. ثم دسستها في جيبي .. وتأكدت مرة أخرى أن البراءة لو تمثلت إنسانا ، وسارت على الأرض ، ومشت بين الناس .. لكانت هي .. صليت العشاء في نفس المسجد .. ثم أنطلقت باتجاه بيتهم .. كنت قد عرفت منها عدد إخوانها وأخواتها ، واتفقت معها أن تذكر لأمها أن إحدى المعلمات تجمع معلومات عن الأسر المحتاجة ، وأنها قد استدعتها وطلبت منها معلومات عن بيتهم وأسرتهم .. وصلت .. وقرعت الباب .. كنت مرتبكا قليلا . أخذت ، وأنا انتظر الرد ، أقلب طرفي فيما حولي .. لفت نظري أن كل بيت لا يكاد يخلو من طبق من أطباق الاستقبال الفضائية التلفزيونية (الدش) .. بل إن بعضها يتربع على سطحه أكثر من واحد .. تساءلت في نفسي .. : أي واقع إجتماعي سيتشكل ، عندما يجتمع في هذه البيوت .. الفقر .. والظلم الاجتماعي والمشاكل الأسرية .. وإنخفاض مستوى التعليم .. وفضائيات تصب العنف ، والجنس ، والرذيلة .. في عقول ساكنيها ..؟ هل يمكن أن يستغرب المرء سلوكا مثل الذي وقع من البندري .. وموضي ..؟ من أين جاء مفهوم (الصاحب) .. الذي يوفر ما عجز عن القيام به (الأب الغائب) .. مسجونا كان .. أو مطلقا .. أو ميتا .. أو حتى عاجزا .. متخليا عن دوره ..؟ من المسئول عن نشوء مثل هذا (العجز) .. في ظل الغياب القسري للأب ..؟ من (الطرف) الآخر الذي (تخلى) عن دوره .. فسقط مثل هؤلاء (الضحايا) ..؟ فتح الباب ، وأطل طفل لا يتجاوز التاسعة . حسب توصيف موضي ، هذا شقيقها محمد . هناك بنت تكبره .. نوف ، أصغر من موضي ، في الصف السادس الابتدائي .. وأصغر منه بنت في الصف الأول .. أظن أن إسمها إبتسام ، ثم عبد الاله في حدود الخامسة . سألته : - اين الوالدة ..؟ - من أنت ؟ - مشرف إجتماعي .. من الجمعية الخيرية .. غاب قليلا ثم عاد .. وسحب الباب خلفه ، وأبقاه نصف مفتوح ، ثم قال : - الوالدة خلف الباب .. ألقيت عليها السلام ، وذكرت لها أنني عضو في مجموعة خيرية ، تقوم بحصر الأسر المحتاجة ، من خلال التعاون مع بعض المعلمات ، ليتم ترتيب شيئا لها ، يساعدها في مواجهة تكاليف الحياة .. كان يوم سبت ، أخبرتها أن هذه الزيارة استقصائية ، لمعرفة أوضاع الأسرة بالتفصيل ، وأنه سيعقبها زيارات أخرى .. طلبت مني الدخول إلى غرفة تفتح على الممر المؤدي إلى داخل المنزل ، يبدو أنها (المجلس) المعد لإستقبال الضيوف. جلست على فرش (موكيت) متآكل .. قد ذهب لونه . كان هناك مسندتان للظهر .. أو ثلاث .. ولا شئ غير ذلك .. في السقف يوجد مروحة عتيقة ، ولمبة (فلورسنت) 2. شمعة ، أطرافها معتمة لطول الاستخدام . على الجدران المدهونة ، بلون أبيض مطفي ، يوجد خربشات أطفال .. لفت نظري أحدها ، يقول : "الدهر يومان .. يوم لك ، ويوم عليك" .. ثم رسمة لقلب ، قد إخترقه سهم ، وينزف ، وقد كتب تحته : " أحبك لو تكون ظالم" .. لاحظت أن مثل هذه (الشعارات) مشترك (ثقافي) ، بين الاغنياء والفقراء .. لكن .. كيف يفهم كل فريق (اليومين) .. اليوم الذي له .. واليوم الذي عليه ..؟ ما هو مفهوم كل طرف للحب .. وكيف هو مفهوم الظلم في الحب .. وفي غيره ، عند كل منهما ..؟ كيف فهمت موضي (الحب) .. لما سألتني إن كنت افعل الذي أفعله من أجلها .. لأني أحبها .. وتبرعت بالتفسير ، على ضوء ما تعتقد أنه القانون السائد ، الذي يحكم العلاقات بين الناس .. فقالت : "الشخص لا يخدم شخصا آخر إلا إذا كان يحبه .. أو ينتظر منه شيئا .. مقابل ما يقدمه له" .. موضي علمت يقينا أنني لا أنتظر منها (شيئا) .. مثل ذلك الذي كان يريده منها صاحب السيارة .. وهي غير متأكدة أنني أحبها .. لروحها .. وذاتها .. إذ هي .. رغم صغر سنها ، تدرك ، أن حبا من هذا النوع ، لا يمكن أن يتخلق في إتصال هاتفي .. أو لقاء عابر .. لذلك .. هي عاجزة أن تفسر موقفي منها .. لأنها غير قادرة على أن تبني علاقة بين متغيرين ... "الخدمة .. مقابل .. ماذا ..؟ " وهو ما دأب المعطى الثقافي السائد ، على تقديمهما ضمن (تراتيبية) معينة .. عندما أخذت مكاني في المجلس ، جلست هي خارجة ، في الممر ، عند الباب ، تسمعني ، ولا أراها . سألتها بالتفصيل عن أحوالهم المادية ومصاريفهم اليومية والشهرية .. عرفت منها أن زوجها مسجون في قضية مخدرات ، وأن محكوميته طويلة ، وأنهم منذ سنتين تقريبا لم يروه .. لأسباب لم تذكرها . لا أقارب لصيقين لهم في الرياض .. أهلها .. وأهل زوجها يعيشون في مناطق بعيدة .. وليسوا بأحسن حال منهم ، أنتهى اللقاء .. ووعدتها بزيارة قريبة .. كنت قبل أن آتيهم ، مررت على محل لبيع الوجبات السريعة ، وأشتريت لهم فطائر (هامبورقر) ومشروبات غازية .. وتعمدت أن يكون عدد الفطائر غير مطابق لعددهم .. حتى لا تشك بأن لدي معلومات سابقة عنهم ، كانت فرحة الأطفال لا توصف .. بكيت في داخلي ، وأنا أراهم يتقافزون فرحا .. ويردد عبدالإلة الصغير : "زي اللي في التلفزيون" .. عالم لا يرونه إلا في التلفزيون .. وحياة أخرى .. بعضها تافة وسخيف .. ونمارسها نحن بعشوائية ، وتلقائية .. لا يسمعون عنها إلا في التلفزيون .. إنها (قصة) التلفزيون .. قصة (الاكسسوارات) ، و (الصاحب) .. و (الحياة) التي لا تنال .. إلا بأثمان باهضة أدناها الكرامة .. وأحدها الشرف .. وأحيانا كثيرة .. لا تنال .. مررت مساء الاثنين في زيارة سريعة ، وأنزلت اغراضا ، استشفيت من لقائي الأول أن هناك حاجة ماسة لها .. اشتريت كذلك وجبات (هامبرقر) .. في هذه المرة لفت نظري شيئا .. عندمـا كانت تساعد في إدخال الاغراض لاحظت أنها شابة .. كانت أصغر مما توقعت بكثير . كنت أظن أنها على مشارف الاربعين .. ظننت ذلك بناء على عملية حسابية ، أضفت فيها عمر موضي ، إلى سن الزواج المعتاد للنساء .. وتأخر في الحمل ، سنة أو سنتين ، إضافة إلى أشهر الحمل .. هي في أول ثلاثينياتها قطعا .. وربما لا تزيد على الثلاث والثلاثين . تألمت أن تواجه إمرأة شابة ، في قمة نضجها البدني والعقلي .. هذا الواقع البائس .. وحدة .. ووحشة .. وبؤس .. وحرمان .. في مثل هذه المواقف ، يخطر على بالي هاجس ساذج ، اشبه بتصورات الاطفال .. تتملكني حالة من الأسى ، فتشف روحي .. وأبلغ درجة من التسامي والشفافية ، حتى أنني أود لو أكون أبا لكل يتيم .. وزوجا ، أو أخا لكل أرملة ، أو مطلقة .. أو أنثى .. تواجه بؤس الواقع لوحدها .. وتتحسى سم الظلم .. والقهر ، صباح .. مساء .. .. ولأنهـا (خواطر طفلية) .. فإن عجز الاطفال يعتريني ، فأعمد إلى البكـاء .. الصامت . أبكي .. حتى يذوب قلبي من كمد .. وتذوي نفسي ، حتى يرى ذلك في عيني .. اللتان تتحولان إلى بئر هائلة العمق .. لا ترى إلا لجتها السوداء .. ابتلعت الدمع .. والضوء .. وغاض منها بريق الحياة .. هكذا هي الحالة التي تلبستني حينما رأيت أم موضي .. أو أم محمد ، كما هي كنيتها ..جوفي كان يشتعل غيظا .. وعجزا .. وإحتقارا ، لذات .. ظلت طويلا .. في منفاها الجليدي ، لا تحس بلهيب...
ن و ر :
كيف يصنع الترف كل هذه الحجب الغليظة من البلادة .. واللامبالاة بمعاناة الآخر .. ووجعه .. وبؤسه ..؟ كيف يهوي الانسان (في داخلنا) إلى تلك الاعماق السحيقة ، فلا يسمع منه زفرة ألم .. ولا يتسلل من تلك اللجة الجليدية .. شئ من مشاعر .. صرخة واهية .. تجاه الحرمان الذي : يخنق أحلام الصبايا .. يغتال الفرحة في عيون الأطفال .. ويقتل الكبرياء في جباه الرجال ...؟ لست وحدك .. هناك ألافا مثلك .. وألافا مثل نورة .. حينما استقريت على المعقد ، بتلك الحالة المتوترة ، تطلب الأمر مني وقتا ، لأخرج المفتاح من جيبي .. ولاحظت ذلك .. عندما بدأت أدير المفتاح ، لتشغيل السيارة ، صدحت اغنية من (الراديو) ، الذي يبدو أنها قد عبثت به أثناء غيابي .. كان المغني يردد : "زمانك لو صفا لك يوم ... زمانك ما صفا لك دوم وعينك لو أهتنت بالنوم ... ترى الأيام دواره ترى الايام دواره .." للحظـة .. استسلمت لكلمات الأغنية ، التي فتقت جرحا جديدا .. ثم أقفلت الراديو .. بانفعال . قالت ، وكأنها تريد أن تخفف من حدة التوتر ، الذي لاحظته على ، حينما عدت : - الاغنية كلماتها حلوة .. صح ..؟ لم أرد عليها .... - ما تسمع أغاني ..؟ - لا .. - حرام ..؟ - نعم .. - أنت كنت تسمع قبل (شوي) !! - أنت تحققين معي ..؟ - أنت زعلان .. أنا سألتك .. لأن فيه معلمة عندنا تقول ، الذي يسمع أغاني كافر .. - لا .. ليس كفر .. لكن حرام .. - ما فهمت .. - سماع الأغاني معصية .. ويفسد الأخلاق .. وأنت ما أفسدك إلا سماع الأغاني . - يعني أنا فاسدة ..؟ - هذا الذي قمت به .. ماذا تسمينه ..؟ ران الصمت بيننا .. بدأ الندم يأكل نفسي .. لقد هدمت كل ما بنيت هذا الصباح .. بلحظة غضب ، أشعر أني انتقم لنفسي منها .. أن تورطت بها .. أضاعت وقتي .. وأوقعتني في حيرة .. وحملتني مسئولية الحفاظ عليها .. أنا الذي لم أعش إلا لنفسي فقط .. وتحاشيت كثيرا أن أصيخ سمعي لوجع الناس .. أو أجرح ناظري بمشاهد البؤس والحرمان .. مازالت الذاكرة تكويني ، باسترجاع تلك المناظر التي رأيتها .. وبتذكر ذلك الأنين .. الذي اجتاح هدوئي ، في (مغامرتي) اليتيمه في حي (الأمل) مع عبدالكريم .. كيف أريد علاجها ، وأنا قد شرعت بإدانتها .. وتجريمها ..؟ قلت ، بعد أن أستعدت هدوئي ، وبلهجة بالغت بأن أشعرها من خلالها بالمحبة والحنان : - موضي حبيبتي .. أليس هذا الذي فعلتيه خطأ ..؟ - صح .. لكن خلني أسألك سؤال .. أعطني فرصة .. أقول لك شيء .. - أنا الذي أريد أن أسألك سؤالا .. .. من هو الشخص الذي كنت معه الصباح ..؟ - لا أعرفه .. - تركبين مع شخص لا تعرفينه ..؟ - والله العظيم لا أعرفه .. أصل الموضوع .. البندري .. وأخذت تبكي .. وتوقفت عن الكلام .. - تكلمي يا موضي .. أرجوك .. - "أنا شفت إكسسوارات حلوة على زميلتي البندري .. أعجبتني .. قالت لي : أعجبتك ..؟ قلت لها نعم .. قالت قولي لأبوك يشتري لك مثلها .." هي تعرف أن الوالد غير موجود .. لكنها .. وانخرطت بنوبة بكاء أشد مما سبق .. تركتها حتى سكنت ، وأنا أكثر فضولا لمعرفة التفاصيل . شعرت أن المسألة أكبر من طيش مراهقة ، إلا أنـي لم أجرؤ أن أطلب منها مواصلة الحديـث . لكنها ، حينما ألتفتت تطلب مني منديلا تمسح به دموعها ، رأت اللهفة في وجهي ، لمعرفة تفاصيل الموضوع ، ورأيت أنا في عينيها انكسارا يذيب الحجر الأصم .. استأنفت الحديث : - البندري تعرف أن الوالد غير موجود .. لذلك ، قالت لي : "وإذا ما عندك أب .. لازم يكون لك (صاحب) .. تطلعين معه .. يشتري لك اللي تبين .. ويؤكلك في المطاعم" .. قلت للبندري : أنا ما أعرف أحد ، قالت : "ما يهمك .. أنا أعطيك رقم واحد .. عنده سيارة (كشخه) .. تكلمينه .. "فعلا .. كلمته أكثر من مره .. وسمعني كلام حلو .." أمس قال لي .. الصباح لا تمشين للمدرسة .. روحي للشارع العام .. وأجـيء أخذك من هناك الساعة 7 " .. فعلا .. رحت للشارع العام .. وجاء الشخص الذي رأيتني معه ، وركبت ، كان أول شيء قال لي : "أنا أحبك يا موضي .. البندري كلمتني كثيرا عنك .. أنت تستأهلين كل خير .. أنت بس تدللي .." . بعد ما مشينا بفترة بسيطة ، قال إن فيه (جمس) ، مثل سيارة الهيئة يمشي خلفنا .. ثم أسرع .. وصدمنا فيك .. كنت أستمع إليها مذهولا .. أحاول أن أكذب سمعي .. - ومصدقة انه يحبك ..؟ - لا .. طبعا .. كلام فاضي .. - وأنت صدقتي البندري .. يمكن الذي اشترى لها الاكسسوارات أبوها .. ؟ - لا .. أبوها غير موجود .. أمها مطلقة .. وهي ساكنة مع أمها .. وأبوها ساكن في مدينة ثانية .. ولا يعترف فيهم شعرت برغبة حقيقية بالبكاء .. البندري أيضا ضحية .. بيت ممزق .. وفقر .. ألعن من .. غير إبليس ..؟ - وأنت .. الوالد أين هو ..؟ ترددت برهة من الوقت .. ثم قالت : - مسجون ... ثم أضافت ، وقد استحال وجهها إلى الأصفر الشاحب : .. ولا عندنا أحد يصرف علينا .. في هذه اللحظة لم أملك أن أمنع نفسي عن البكاء .. أوقفت السيارة على جانب الطريق ، وبدأت أبكي بكاء صامتا .. بنفسي هذه الطفلة .. وألاف غيرها .. ألعن من .. غير إبليس ..؟ يتبعكيف يصنع الترف كل هذه الحجب الغليظة من البلادة .. واللامبالاة بمعاناة الآخر .. ووجعه .. وبؤسه ..؟...
ن و ر :
عيش كابوس اسمه (أم سعد) .. الله يلعن القوادات .. أنا من يفكني منها ..؟ من يفكني ..؟ تلومني يا محمد إذا طردتك ..؟ تلومني إذا (كفرت) بالبنت .. وضربتها بهذا الشكل ..؟ في البداية .. قلت ، أنت نازل علي من السماء .. ثم لما غلطت موضي ، وقالت لإخوانها أنها أكلت في مطعم .. حسبت أنك .. حاشاك .. من (كلاب) أم سعد .. استمرت تتكلم وأنا مطرق رأسي .. عقدت لساني الصدمة .. وأخرسني الألم .. وأخذت أشعر أني أتضاءل أمام معاناتها .. تتشبث بي .. وأنا أفكر بالفرار .. لا أستطيع أن أتحمل معاناتها .. وأشعر بالعجز حيال ما تواجهه .. كيف (أفكها) من أم سعد ..؟ كيف أساعدها ..؟ كيف استطيع أن أقف معها ..؟ وإلى متى ..؟ بين كل عبارة وأخرى تكرر .. "حنا محتاجينك" .. وأنا قد سيطر علي تفكير واحد .. أن أنسحب .. أن أهرب .. إلى عالمي (الأناني) .. البليد .. أفكر بربطها بإحدى المبرات الخيرية .. وأخرج من عالمها .. وأرتاح .. قلت .. وأنا أنهض : - أستأذن يا أم محمد .. - ستتركنا ..؟ - سأسعى لوضع ترتيب لكم مع إحدى الجمعيات الخيرية .. - نحن لا نحتاج خبزا وزيتا .. ثم أضافت والعبرة تخنقها .. نحتاج إنسانا يقف بجانبنا ، ويحمينا ... نحتاجك .. وأجهشت بالبكاء .. - أنا شخص مشغول .. وأنتم بحاجة إلى جهة تلتزم تجاهكم بكل شئ .. - ستتركنا ..؟ انتزعت الكلمة هذه المرة ، من أعماقها ، والدمع يكاد يشرقها .. - من الأفضل لك أن أبتعد .. ترددي عليكم قد يثير حولك أقوال .. أنت بغنى عنها .. قلتها ، وأنا قد امتلأت بالدمع حتى فاض ، أو كاد أن يفيض .. من عيني .. - لكننا نريدك .. ثم أضافت .. : - كل الناس حولي هنا لا يسلمون من كلام مثل هذا .. قدر المحرومين ، والبؤساء أن يحرموا حتى من السمعة الطيبة .. لكن ، أنت شيء مختلف .. لم أرد .. وكنت ما أزال واقفا .. حينما ألقت علي عرضا مثل القنبلة : - أزوجك موضي .. فاجأني كلامها .. فلم أدر ما أقول .. ولم تعطني فرصة للتفكير .. فأضافت : - أنا أعرف ماذا يدور في ذهنك .. صحيح نحن لسنا (قبائل) .. كما يقولون .. لكن الحمد لله .. محافظون على أخلاقنا .. وديننا .. ثم .. إذا لم نكن (قبائل) .. وهذا قدرنا .. ماذا نفعل ..؟ ونحن .. كذلك .. لم ننزل من القمر .. أحسست بالدوار ، والغثيان .. والمقت ، وتذكرت صديقا لي ، دائما ما يفخر بقبيلته ، ويتحدث عن (أمجادها) العريقة .. وكثيرا ما يستهجن موقفي المتميع ، كما يقول ، من قضية الخضيري والقبيلي ، قال مره ، وقد جمعنا مجلس : "فلان تزوج خضيرية .. الله يخلف على الأصول" .. صاحبي هذا .. (الاصيل) .. شقيقه متزوج من أمريكية .. قلت له : - نايـف .. أنا مللت هذه الاسطوانة القبيحة .. التي لا تفتأ ترددها علينا باستمرار .. أنت تعلم ، من واقع معرفتك بالمجتمع الامريكي ، أن كل فتاة أمريكية .. إلا في القليل النادر ، لابـد أن تكـون لها علاقات جنسية قبل الزواج .. وربما عاشرت أكثر من شخص .. وتعلم كذلك أن هناك نسبة من الامريكيين يولدون سفاحا ، إما نتيجة علاقات جنسية قبل الزواج ، حيث لا يتم الزواج بين والديهم إلا بعد ولادة الطفل الأول .. أو الثاني .. أو يولدون من علاقات عابرة .. وما أكثر حمل المراهقات في المجتمع الامريكي .. أين (الأصالة) .. التي تتحدث عنها .. أو يتحدث عنها أولئك الذين يجوبون مدن العالم يلتقطون النساء من حاراتها الخلفية .. يتزوجونهن .. لا يعرفون لهن أصلا .. ولا فصلا ، ولا نسبا (عريقا) .. .. وإذا ما تربعوا في المجالس تحدثوا عن الشريفات .. العفيفات : "هذه خضيرية .. ليست أصيلة .." . أذكر أنه غضب مني .. وخرج من المجلس ، ولم يعد يحدثني بعدها .. لكنني كنت مرتاح الضمـير .. لأنني شفيت صـدري .. من واحدة من أكثر تناقضات مجتمعنا ، قبحا .. وغباء .. لم يكن لدي شيء اقوله لها .. وأستدرت خارجا .. قبل أن أصل الباب الخارجي سمعت صوت عبدالإله خلفي .. يناديني : - محمد .. محمد .. وهو دائما يناديني هكذا ، باسمـي مجردا من أي لقب .. ألتفت إليه .. فالتقـت عينانا ، أنا بما بقى لي من نظرة واهية كسيرة .. خضبها الدمع .. وأضناها الألم .. وهو بنظرة اختزلت ذل اليتم .. والعجز .. والحاجة .. ونقاء الطفولة .. إذ يشرع القلب لها أبوابة .. بلا مقاومة .. قال : - صحيح .. أنت قلت أنك سوف تخرج بنا إلى البر .. نلعب كوره ..؟ - صحيح يا حبيبي .. - متى ..؟ عند هذه اللحظة كان العناء .. والألم ، والصراع النفسي ، قد بلغ لدي درجة ، صرت أشعر فيها أنني قد تحولت إلى كتلة من الدمع والأنفس الحرى .. وأنني أحتاج إلى صدر لأدفن فيه رأسي .. وأبكي .. ثم أبكي .. ثم أبكي .. قلت له : - الآن يا حبيبي .. أقتربت منه .. وجلست أمامه وأخذته إلى صدري .. وضممته .. ثم وضعت رأسي على كتفه .. وبكيت .. لا أدري كم بكيت .. لكنه استسلم لي .. ومنحني كفا .. مسح بها رأسي .. وعبث بها شعري .. وسلمني كتفه لأبكي عليه .. حينما أفقت من سكرة الألم هذه .. ورفعت رأسي .. كانت إبتسام واقفة قريبا منا ، في عينيها دمعتان .. وألقيت نظرة على وجه عبدالاله .. كان الوجه الصغـير مخضلا بالدموع .. من داخل البيت كان صوت جهاز التسجيل يأتي ، محملا بكلمات أغنية .. تقول : أحبك .. لو تكون ظالم ... أحبك .. لو تكون هاجر ... أحبك .. لو تكون غادر .. وأمشي معاك .. للأخر ... أنا أمشي معاك .. للآخر .. لم يكن قلبي بحاجة لمثل هذا الكلام .. كان ينزف .. قلت لإبتسام : - من الذي يشغل المسجل ..؟ - موضي .. عرفت أنها توجه لي رسالة .. - قولي لها تغلقه .. أنا لا أحب سماع الأغاني .. قبل أن أنهي عبارتي كانت قد انطلقت إلى داخل البيت .. تصرخ في موضي ، تطلب منها إغلاق المسجل .. لأنني "ما أحب سماع الأغاني" .. ثم أضافت من عندها ..: " وإلا ترى ما نأخذك معنا للبر .." . ركبنا السيارة جميعنا .. ومررت على أحد المطاعم ، وطلبت لنا عشاء .. ثم توجهت إلى الدائري الشرقي .. في منطقة بين مخرج (9) و (8).. وأخذنا مكانا منعزلا .. أخرجت بساطا ، أحمله معي في السيارة ، وفرشته لهم .. وأعطيتهم الأكل ، بعد أن أخذت نصيبي .. مشيت مبتعدا .. وأنا أسمع ضحكاتهم تدوي في أذني .. وتهديدات إبتسام ، بأن الذي لا يسمع الكلام "لن يخرج معنا مرة ثانية" . كنت قد ابتعدت ، غابت الأصوات .. ولم يبق إلا كلمات الأغنية .. تتردد في ذهني .. ودقات قلبي .. الذي ما زال ينزف .. ساعة تقترب من الثامنة حينما استيقظت .. لقد تأخرت ... قلتها .. وأنا أصر أسناني غيظا ، من المنبه .. الذي يخذلني في كل مرة ، نفضت الشرشف عن جسمي ، وقفزت من فراشي . الربع ساعة التي أمضيها عادة في الاستعداد ، أختصرتها إلى خمس دقائق . ركبت السيارة وأنطلقت ، كل شئ إختصرته .. إلا السرعة ، فإنها قد تضاعفت . يجب أن أصل ، ولو أدرك نصف الاجتماع . كان ذهني مشغولا بحساب عدد التقاطعات المتبقية ، حتى أصل إلى الطريق السريع ، عندما دوى إرتطام ، عنيف في الجانب الأيمن من مؤخرة سيارتي ، وعكس اتجاهها تماما ، حينما استعدت توازني ، بعد مفآجأة الصدمة ، كانت (أشلاء) سيارتي متناثرة أمامي ، ولمحت من بعد ، السيارة التي صدمتني تلوذ بالفرار .. قلت في نفسي : سيارة فخمة .. لماذا يهرب صاحبها ، ورفرف من رفارفها يعادل قيمة سيارتي ..؟ لم أحتج لتفكير طويل ، لكي أقرر أن أطارده وأنسى الاجتماع . الصدمة قوية ، والتلفيات في سيارتـي كبيرة ، وأنا لا أستطيع أن أتحمل خسائر بهذا الحجم .. الاجتماع يمكن أن يعوض . هكذا حدثت نفسي ، وأنا أنطلق وراءه بنصف سيارة تقريبا ، كان مرتبكا ، لذلك لحقته بسرعة ، وبدأت مطاردة غير متكافئة بين سيارته الفارهة ، والـ (نصف) المتبقي من سيارتي . شعر أني مدركة .. لا محاله ، فأنا صاحب حق ، والوضع الذي آلت إليه سيارتي ، لم يبق لي شيئا أخسره ، عند أحد المنعطفات خفض من سرعته كثيرا . لاحظت ذلك ، من نور الكوابح الذي ظل مضاء أطول من كل مرة . لقد استسلم .. قلت لنفسي ، وبدأت آخذ وضع الاستعداد للوقوف فجأة .. رأيت باب الراكب الذي بجانبه يفتح ، ولاحظت أنه يميل ، ويدفع (شيئا) إلى الخارج .. ثم أعقب ذلك صريخ عال لعجلات سيارته يصم الآذان ، وهو ينطلق بسرعة عاليه ، تاركا المكان ممتلئا برائحة إحتراق الاطارات ، إثر إحتكاكها الهائل بالارض ، حينما فتح الباب .. وقذف بذلك (الشئ) ، كان أول ما سقط حقيبه .. ثم شيئا ملتفا بقماش أسود .. كأنه : - يا إلهى .. إمرأة .. بل فتاة ، هكذا صرخت ، وأنا أتقدم ببطء تجاه ذلك (الشئ) ، الذي قذف من السيارة . نهضت الفتاة.. وأخذت تنفض الغبار الذي علق بعباءتها ، وتتراجع ملتصقة بالجدار . حينما اقتربت منها ، أخذت تبكي ، وهي تلملم أطراف (مريولها) الذي تمزق ، إثر سقوطها من السيارة . - طالبه .. قلتها ، وأنا أنظر إلى (مريولها) ، وأغراضها المدرسية التي تناثرت من حقيبتها .. وقفت قريبا منها ، وصرت أسمع بكاءها ، وحشرجة صوتها وهي تقول : - أرجوك .. أرجوك .. أستر علي ، الله يخليك .. لا تفضحني .. لم أدر ماذا أصنع . شعرت بإرتباك وحيرة شديدة .. وتعطلت قدرتي على التفكير . الموقف يبعث على الريبة : أنا .. وفتاة .. على ناصية الشارع . ثوبها ممزق ، وأغراضها مبعثرة على الأرض .. قلت لها .. بعد تردد ، دون أن أحدد ما هي خطوتي التالية : - اركبي .. سأوصلك إلى بيت أهلك .. صاحت ، بهلع : - لا .. لا أريد بيت أهلي .. ستذبحني أمي .. أرجوكعيش كابوس اسمه (أم سعد) .. الله يلعن القوادات .. أنا من يفكني منها ..؟ من يفكني ..؟ تلومني يا...
كيف يهوي الانسان (في داخلنا) إلى تلك الاعماق السحيقة ، فلا يسمع منه زفرة ألم .. ولا يتسلل من تلك اللجة الجليدية .. شئ من مشاعر .. صرخة واهية .. تجاه الحرمان الذي : يخنق أحلام الصبايا .. يغتال الفرحة في عيون الأطفال .. ويقتل الكبرياء في جباه الرجال ...؟
لست وحدك .. هناك ألافا مثلك .. وألافا مثل نورة .. حينما استقريت على المعقد ، بتلك الحالة المتوترة ، تطلب الأمر مني وقتا ، لأخرج المفتاح من جيبي .. ولاحظت ذلك ..
عندما بدأت أدير المفتاح ، لتشغيل السيارة ، صدحت اغنية من (الراديو) ، الذي يبدو أنها قد عبثت به أثناء غيابي .. كان المغني يردد : "زمانك لو صفا لك يوم ... زمانك ما صفا لك دوم وعينك لو أهتنت بالنوم ... ترى الأيام دواره ترى الايام دواره .."
للحظـة .. استسلمت لكلمات الأغنية ، التي فتقت جرحا جديدا .. ثم أقفلت الراديو .. بانفعال . قالت ، وكأنها تريد أن تخفف من حدة التوتر ، الذي لاحظته على ، حينما عدت : - الاغنية كلماتها حلوة .. صح ..؟
لم أرد عليها .... - ما تسمع أغاني ..؟ - لا .. - حرام ..؟ - نعم .. - أنت كنت تسمع قبل (شوي) !! - أنت تحققين معي ..؟ - أنت زعلان .. أنا سألتك .. لأن فيه معلمة عندنا تقول ، الذي يسمع أغاني كافر .. - لا .. ليس كفر .. لكن حرام .. - ما فهمت .. - سماع الأغاني معصية .. ويفسد الأخلاق .. وأنت ما أفسدك إلا سماع الأغاني . - يعني أنا فاسدة ..؟ - هذا الذي قمت به .. ماذا تسمينه ..؟
ران الصمت بيننا .. بدأ الندم يأكل نفسي .. لقد هدمت كل ما بنيت هذا الصباح .. بلحظة غضب ، أشعر أني انتقم لنفسي منها .. أن تورطت بها .. أضاعت وقتي .. وأوقعتني في حيرة .. وحملتني مسئولية الحفاظ عليها .. أنا الذي لم أعش إلا لنفسي فقط .. وتحاشيت كثيرا أن أصيخ سمعي لوجع الناس .. أو أجرح ناظري بمشاهد البؤس والحرمان ..
مازالت الذاكرة تكويني ، باسترجاع تلك المناظر التي رأيتها .. وبتذكر ذلك الأنين .. الذي اجتاح هدوئي ، في (مغامرتي) اليتيمه في حي (الأمل) مع عبدالكريم ..
كيف أريد علاجها ، وأنا قد شرعت بإدانتها .. وتجريمها ..؟ قلت ، بعد أن أستعدت هدوئي ، وبلهجة بالغت بأن أشعرها من خلالها بالمحبة والحنان : - موضي حبيبتي .. أليس هذا الذي فعلتيه خطأ ..؟
- صح .. لكن خلني أسألك سؤال .. أعطني فرصة .. أقول لك شيء .. - أنا الذي أريد أن أسألك سؤالا .. .. من هو الشخص الذي كنت معه الصباح ..؟ - لا أعرفه ..
- تركبين مع شخص لا تعرفينه ..؟ - والله العظيم لا أعرفه .. أصل الموضوع .. البندري .. وأخذت تبكي .. وتوقفت عن الكلام .. - تكلمي يا موضي .. أرجوك .. - "أنا شفت إكسسوارات حلوة على زميلتي البندري .. أعجبتني .. قالت لي : أعجبتك ..؟ قلت لها نعم .. قالت قولي لأبوك يشتري لك مثلها .."
هي تعرف أن الوالد غير موجود .. لكنها .. وانخرطت بنوبة بكاء أشد مما سبق .. تركتها حتى سكنت ، وأنا أكثر فضولا لمعرفة التفاصيل .
شعرت أن المسألة أكبر من طيش مراهقة ، إلا أنـي لم أجرؤ أن أطلب منها مواصلة الحديـث . لكنها ، حينما ألتفتت تطلب مني منديلا تمسح به دموعها ، رأت اللهفة في وجهي ، لمعرفة تفاصيل الموضوع ، ورأيت أنا في عينيها انكسارا يذيب الحجر الأصم ..
استأنفت الحديث : - البندري تعرف أن الوالد غير موجود .. لذلك ، قالت لي : "وإذا ما عندك أب .. لازم يكون لك (صاحب) .. تطلعين معه .. يشتري لك اللي تبين .. ويؤكلك في المطاعم" .. قلت للبندري : أنا ما أعرف أحد ، قالت : "ما يهمك .. أنا أعطيك رقم واحد .. عنده سيارة (كشخه) .. تكلمينه .. "فعلا .. كلمته أكثر من مره .. وسمعني كلام حلو .." أمس قال لي .. الصباح لا تمشين للمدرسة .. روحي للشارع العام .. وأجـيء أخذك من هناك الساعة 7 " .. فعلا .. رحت للشارع العام .. وجاء الشخص الذي رأيتني معه ، وركبت ، كان أول شيء قال لي : "أنا أحبك يا موضي .. البندري كلمتني كثيرا عنك .. أنت تستأهلين كل خير .. أنت بس تدللي .." .
بعد ما مشينا بفترة بسيطة ، قال إن فيه (جمس) ، مثل سيارة الهيئة يمشي خلفنا .. ثم أسرع .. وصدمنا فيك .. كنت أستمع إليها مذهولا .. أحاول أن أكذب سمعي .. - ومصدقة انه يحبك ..؟ - لا .. طبعا .. كلام فاضي .. - وأنت صدقتي البندري .. يمكن الذي اشترى لها الاكسسوارات أبوها .. ؟ - لا .. أبوها غير موجود .. أمها مطلقة .. وهي ساكنة مع أمها .. وأبوها ساكن في مدينة ثانية .. ولا يعترف فيهم
شعرت برغبة حقيقية بالبكاء .. البندري أيضا ضحية .. بيت ممزق .. وفقر .. ألعن من .. غير إبليس ..؟ - وأنت .. الوالد أين هو ..؟ ترددت برهة من الوقت .. ثم قالت : - مسجون ... ثم أضافت ، وقد استحال وجهها إلى الأصفر الشاحب : .. ولا عندنا أحد يصرف علينا ..
في هذه اللحظة لم أملك أن أمنع نفسي عن البكاء .. أوقفت السيارة على جانب الطريق ، وبدأت أبكي بكاء صامتا .. بنفسي هذه الطفلة .. وألاف غيرها .. ألعن من .. غير إبليس ..؟ يتبع