واحترتُ و لَم أدرِي ماذا أقُوُلُ؟!

الأسرة والمجتمع

بِسْمِ اللهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ


واحترتُ و لَم أدرِي ماذا أقُوُلُ؟!


الحبُ شجرةٌ طيِبةٌ كرِيِمةٌ , ظِلالُهَا ورافةٌ و جُذُورِهَا عتِيِقةٌ ضارِبةٌ فِيِ نفُوسِ المُحبِيِن.

رِيِحُهَا الرحمةُ و أوراقُهَا العطاءُ و ثِماَرُهَا دمُوُعُ فرحٍ و زغارِيِدً

و ابتهال إلي المولَي عز و جَل , بأن يزِيِد و يُجزِلُ العطاءَ لذلِك الخلِيِلُ الحبِيِبُ.

هّذا هُو الحُبُ فِي معناهُ العَام

فمَاذا لو كَان حُبُ الوالِدينِ للأبناء, قُرة الأعينِ وفلذاتُ الأكبادِ؟!

حُبُ الفطرةِ و الغرِيِزةِ, الذِيِ يُوجدُ و يولدُ قبلَ المخَاضِ

وقبلَ الصرخةِ و البُكاء.

هَذَا الحُبُ الغالِي الثمِيِن, الذَي لا يُقدرُ باِلمالِ و لا بالأثمانِ

يتحوَلُ فِيِ بعضِ الأحيانِ, إلي قسوةٍ و ظُلمٍ و جرُوحٌ غائِرةٌ

لا يُبرِيِهَا طِبٌ و لا دواءٌ و لا طبِيِبٌ.

يتحولُ هَذَا المعنَي السامِي النبِيِلُ, إلي يَدٍ تهدِمُ و تَبيعُ و تَقبضُ الأثمانِ.

و لكَم عجِبتُ و تألمتُ و بكَيتُ , مِن هكَذا أباءِ, رأيتُ و سمِعتُ الكثِيِر مِن تِلكَ القلُوُبُ القاسِيةُ.

و احترتُ و لَم أدرِي ماذا أقُوُلُ؟!



في هذا الذِي أثرَ أحدُ أبنائِهِ, و قربهُ و فضلهُ و أعطاهُ, و حرَمَ سِواهُ مِن الحُبٍ و الحنانٍ

أو حتي مِن الثروةِ و المالُ.

و قَد جاءَ فِيِ الحدِيِثِ, عَن عامِر قال:

سمِعتُ النُعمان بن بشِيِر رضِي اللهُ عنهُ و هُو علَي المِنبرُ يقُوُل:

أعطانِي أبِي عطِيةٌ , فقالت عَمرةُ بِنتُ رواحةَ: لا أرضَي حتى تُشهِدَ رسُوُلُ الله

صلي الله عليه و سلم

فأتَي رسُوُل الله صلي اللهُ عليه و سلَم , فقَال إنِي أعطيتُ ابنِي مِن عمرة بنتُ رواحةَ عطِيةً

فأمرتنِي أن أشهِدُكَ يارسوُل الله , قال :( أعطيتَ سائِر ولدِك ) قال : لا

قال : ( فاتقُوا الله و اعدِلُوا بينَ أولادِكم )

قال : فرجعَ فردَ عطِيتهُ. ( صحَيح البخاري2587 )

احترتُ و لَم أدرِي ماذا أقُوُلُ؟!



في هذا الذي قهَرَ أبنائِهُ وعذِبهُم و أسرَهُم, شدَ وِثاقَهُم بالسلاسِلِ وبالأغلال

حرقهُم بالنارِ , و حرمهُمُ الطعامُ و الشرابُ, لَم يرِقَ قلبهُ لضعفِهِم و قِلةَ حيِلتِهِم.

و نسِيِ أن مَن لا يرحمُ لا يُرحَمُ , و أن عينُ اللهِ لا تنامُ و أنه سُبحانهُ و تعَالَي

قوِيٌ عزِيِزٌ ذو انتقام.

و قَد جاء في الحديث:

أن الرسول صلي الله عليه و سلم , قبَلَ الحسنُ بن علِي و عندهُ الاقرعُ بن حابس التميمي

جالِساً, فقال الاقرع إن لِي عشرةُ مِنَ الولدَ مَا قبلتُ مِنهُم أحد.

فنظَرَ إليه رسول الله صلي الله عليه و سلم, ثُمَ قَال :

( مَن لا يَرْحَم لا يُرْحَم ) ( البخاري5351 )

احترتُ و لم أدرِي مَاذَا أقُوُل؟!



فِي هّذَا الذِي حرَمَ ابنتَهُ الزواجِ, طمعَاً فِي كدِهَا و تعبِهَا و عرقِ جبِيِنُهَا.

أو هَذَا الذِي, زَوَجَ ابنةُ الثامِنةُ عَشرَ ربِيِعاً مِن ذلِك الشيخُ الضرِيِرُ الذَي جاوزَ

مِن العُمُرِ الستِيِن, فهَربت تِلكِ المِسكِيِنةُ , و تاهَت فِي القُرَي و فِي الجِبالِ.

هَامَت عَلَي و جهِهَا , خائِفةٌ تَشكُو إلي ربِهَا و تدعَوُا علَي مَن ظلمَهَا.

جَرَ علَيهَا أقربُ الناسِ إليهَا ويلاتُ الفضِيِحةُ و الخِزيُ و العارِ,و هِي مُنكسِرةٌ

بائسةٌ لا حولَ لهَا و لا قُوة.

وقد جاء فِي الحدِيِثِ :

أن رجُلاً زوَجَ ابنَتهُ و هِي بِكرٌ,مِن غيرِ أمرِهَا :

فأتَت النبي صلي الله عليه و سلم , فَفَرَقَ بينهِمَا ( أخرجه النسائي )

احترتُ و لَم أدرِي ماذا أقُوُلُ؟!



فِيِ هؤلاءِ الذِيِن تاجَرُوَا بأجسادِ بناتِهِِم, و فَرشُوا لهُم طرِيِقَ الشيطانِ بالوردِ و الرياحِيِن

صفَقُوا لهُم و هُم يدُوُسوُن و كُل مَن حولِهِم, يدُوسُونَ عَلَي العِرضِ و الشرفِ و الكرامةِ.

أضاعوها فِيِ دُنياهَا و أخِرتُهَا , و مَا فعَلُوا هَذَا, إلا لتأتِي لهُم بِالقُصُوُرِ

و بالرفاهِيةِ وبالأموالِ.

حَتَي الأطفالُ أحبابُ اللهِ , لَم تشفعُ لهُم برأتهُم

و لَم ينجَوا مِن براثِنِ هَكَذا أباء.

قذَفُوا بِهِم فِي الشوارِعِ و المراقِصِ , وفِي كُلِ طريِقٍ خرِبٍ مظلِمٍ.

هيئُوُهُم و صقَلُوُهُم , و جعَلُوا مِنهُم سِخرِياً لِجنيِ الأرباحِ و الأموالِ.

فأينَ كُلُ هؤلءِ مِن قولِه جلَ و عَلا:

( يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا قُوا أَنفُسَكُمْ وَأَهْلِيكُمْ نَاراً وَقُودُهَا النَّاسُ وَالْحِجَارَةُ عَلَيْهَا

مَلَائِكَةٌ غِلَاظٌ شِدَادٌ لَا يَعْصُونَ اللَّهَ مَا أَمَرَهُمْ وَيَفْعَلُونَ مَا يُؤْمَرُونَ )

و قَال تعالي

( لِيَحْمِلُواْ أَوْزَارَهُمْ كَامِلَةً يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَمِنْ أَوْزَارِ الَّذِينَ يُضِلُّونَهُم بِغَيْرِ عِلْمٍ أَلاَ سَاء مَا يَزِرُونَ )

احترتُ و لَم أدرِي مَاذا أقُوُلُ؟!



فِيِ هؤلاءِ الذِيِن , تراشَقُوا الإتِهماتِ و الشتمَ و السِبابِ , و كشفُ ما أمَر اللهُ

أن يُستَرَ بينَ الأزواجِ.

كُلُ هَذَا علَي مرآي و مسمعِ الأبناء.

و ينتَهِي الأمرُ أن يُوجهُ الإتِهامُ إلي الأبناء , بأنهُمُ هُمُ السبَبُ فِي الإبقاء علَي هَذَا الزواجِ.

و لا مانِع أبداً أن يذهَبَ كُلٌ فِيِ طرِيِقٍ, يبحَثَ عَن أخرٍ يجِد معَهُ الراحةُ و الهنَاءُ.

و لَن نهتَمُ لأمرِ هؤلاءِ الأبناء.

فكَيفَ باللهِ قَسَت هذِهِ القُلُوُبُ؟!

أينَ هِي تِلكَ الراعِيةُ اللاهِيةُ المُنشغِلةُ, بالتجمُلِ و بالصدِيقاتُ و إقامةُ الحفلاتِ و السهَراتِ؟!

و ذلِك الأبُ, المُنشغِلُ و المُهروِلُ لعِليةِ القومِ و الوُجهَاءِ, الباحِثُ الذِيِ لا يكِلُ و لا يمِلُ

عنِ المالِ و الاستثمار , أينَ هُو عَن قُرةُ الأعيُنِ و خيرُ الاستثمار؟!

نَسَوا كُلُ هَؤلاءِ

أن أبناؤنا هُم زِيِنةُ الحياةِ الدُنيَا وهُم أمانةٌ فِي أعناقِنَا , و إننَا لمُسائلُون عنهُم

فِي يومِ الفصلِ و يومُ التغابُن.

لَم يفطَنُوا أن اليومَ زرعٌ و غَداً حصَادٌ لِمَا زرعَت أيدِيِنَا.

فالحُبُ يطرحُ حُباً, و القسوةُ تطرحُ قسوةً و عُنفاً

و مَن باعَ اليومَ , يُباعُ غَداً.

فلنَنظُر كيفَ نُربِي أبناؤنَا, و ليكُن عطاؤنَا صادِقاً خالِصاً لوجهِه تعَالي.

عطاءً نُجزَي و نُثابُ عليهِ عظِيِم الأجرِ و جزِيِلُ الثوابِ, بإذن الله.

أما أنَا فلِيطمئنَ قلبِي و لتجِفَ أدمُعِي , فإنِي لَن أقُولَ إلا كمَا قَالَ العلِيِمُ الحكِيِمُ جلَ جلالُهُ

(.......آبَآؤُكُمْ وَأَبناؤُكُمْ لاَ تَدْرُونَ أَيُّهُمْ أَقْرَبُ لَكُمْ نَفْعاً فَرِيضَةً مِّنَ اللّهِ

إِنَّ اللّهَ كَانَ عَلِيما حَكِيماً )

سبحانَك اللهم و بحمدِك * اشهدُ أن لا إله إلا أنت * أستغفِرُك و أتوبُ إليك.







منقول
2
571

يلزم عليك تسجيل الدخول أولًا لكتابة تعليق.

تسجيل دخول

الملكة الباكية
جزاك الله خيرا كلام فعلا رائع
وتسلمين على النقل الرائع يالغالية
tulip.....
tulip.....
الملكه الباكيه

وياك يارب وكل مسلم تسلمين يالغلا