وانتهت أيام الذلة00 (( قصةقصيرة )) 00
وانتهت أيام الذلة..
خلفَ الجبالِ البعيدة، المكتظة بالصخور، حيث تساقط الثلجِ قد بدأ معلناً قدومَ فصلٍ جديد يتسمُ بالبرودة، كاسياً الأرض حلة البياض كأحلى عروسٍ تزفُ إلى أجملِ عريس، إلى ذلك الليل السرمدي..
هناك.. كان هو، وهي ( أمه الغالية) بقية أهله الباقية، وعشرات هم أيضا يعيشون معاً في أحضانِ هاتيك القرية الحالمة..
حل المساء، وغدا الظلامُ سيداً، والكل قد خضعَ لسلطانِ النوم، فناموا جميعا قريري الأعين ، مرتاحي البال .
كان السكونُ متوغلا ًفي ذ لك الليل والأرض، لايخترقة شيء سوى بضع خطواتٍ قريبة ، تحوي قلوباً جائرة ، وأعيناً ماكرة ..
نهضَ من فراشه يستطلع الأمر ، لم يجد شيئا بتاتا، وقرر العودة لداره، هنا..لم يراوده النوم، فأكمل طريقه إلى الشاطئ، ثم جلس يتأمل النجم والفضاء، وحال الإنسان، كيف أن سواعده تبني بناءات شتى منها ينتج فنائها، كما هو الحاصل مع الرصاص، صحيح أنه استفاد منه، ولكن أيضا تضرر منه، واستخدمه في قتل عدوه وصديقه، بل وأصبح القتل بالرصاص مهنة يتقنها كل موهوب ومبدع، فكر في ذلك الحل الذي سيريحه ويجعله يشعر بأنه فعل شيئا لدينه ولوطنه، وأمه ماذا سيحصل لها من بعد ذلك الحل ؟..في تلك اللحظة..
تمنى ورقهً وقلماً يفرغ فيها أرتال الخواطرِ القابعة في أطراف فكره، تتلمس مسلكاً ترتجي الخروج منه، تذكر أنه البارحة قد وضع قلما في جيبه، أخرجه واحتار..أنى له بورقة ؟ فكر ، واهتدى إلى طريقة القدماء ، فأخذ ورقة قد سقطت من شجرةٍ بجواره ثم كتب * ما ثمرة أن تعيش في الأرض أنت وأهلك بلا لحظة تحس فيها بالأمان ، في خوف يكاد يقتلك من عدوٍ يتربص بك ، يطلق قنبلة أو رصاصة تنهي حياتك ،ما ثمرة أن تعيش في أرض ذليلا مطأطئاً رأسك ، ما ثمرة أن تجلس تنتظر حتفك وتنصاع له دونما مقاومه، بل باستسلام، حتما..سيكون بلا ثمرة *.
ثم استرسل * آه ما أطول الليل، جلست على مرقدي ملتحفاً بإزاري، لا أنوي سوى نوم يريح جسدي المنهك، حاولت أن أنام، لم أستطع، كيف تغفو عيناي والأعداء عاثوا بالديار، بل وفشوا بيننا، سموما تقتل من تلقاه، و إن لم تفعل تغلغلت في الأعماق، يا الله..مساءاتي تتفجر ألغاما من فرط تفكيري، ومن أكفان الأسئلة التي تنهشها ديدان عقلي ليسفر الصباح فيواريها، فيضيق صدري وتوشك عضلاتي أن تتلاصق*.
تنهد من أفكاره على صوت مفزع وضجة عالية، رمى ما بحوزته جانبا ثم ركض بسرعة نحو الصوت، لم يصدق.. بيتي مصدر ذلك الصوت ! من بداخله غير أمي، اللهم اجعله خيرا..
مشى خطوات يظفرُ منها الوجل، وبدا آثره عليها تريثا وبطء ، أخيراً ، فتح الباب ودلف ..ووجد الجريمة مستترةً في ثنايا الدار ، متمثلةً في احتضار الروحِ الطاهرة ..
الأم.. جثة هامدة بلا حراك، غرفتها بدمائها ممتلئة ، قد نزفت حتى أتاها الموت، أخذ يحوم حولها، دمعاته تغادر عيناه في أسى وألم بالغين، يتمتم بكلمات متسائلاً:
بأي ذنب قتلت ؟ بأي ذنب قتلت ؟ ..
في الغد جرت مراسم التشييع ، بلا خرافات ولا معتقدات باطلة ، ثم دفنت ، وقبلها ودعها بقبلة على جيينها محتضنا يداها داعياً الله بأن يعجل لقاؤهما..
خرج لا يلوي لشيء، بدت له ذكرياته كسهمٍ ينخرُ في المستقبل، المستقبل ! عبارة كم يمقتها، مشى وأطلق الأعنة لجسده المعنى ، وقدماه أخذتا تسيران به إلى حيث لا يدري ، وفي ذهنه سويداء الفكر قد نقشها مقتل أمه ، وهو ملتزمٌ بالتفكير، من غيرأنْ تخرج ولو كلمة من عتبة شفاهه..
حتى وجد نفسه وحيدا خارجَ نطاقِ قريته ، قفل راجعاً ، وقد استيقظ من أعماقه مارد الخوف والذل ، عازما على وأده وللأبد، والقيام بذلك الحل الذي سيريحه ، فما من شيء يخافه الآن بعدما رحلت والدته ..
حينما وصل، نفض كل ما به بوضوء، ذكر اسم الله ثم غسل أعضاؤه الظاهرة ليصلي صلاة تشرح صدره، ويفرغ شحنات غضبه دعاءً للرحمنِ بأن يرحم الأموات، ويعين الأحياء، ويوفقه فيم نوى، ثم اتجه إلى سريره، ولأول مرة، وضع رأسه ثم نام مباشرة، في انتظار يوم يكنّ له مشاعر جميلة ومريحة، وفي تطلعاته أملا ينهي معاناته، وثأرا لرحيل الأم الرؤؤم..
ومع طلعة الصباح وصياح الديكة، استيقظ أهل القرية، واجتمعوا كعادتهم، انتظروه، وطال أمد الانتظار، من سويعات إلى ساعات، فذهب منهم اثنان يستطلعان الخبر، طرقا الباب، لم يجبهم أحد، أيقنا أن في الأمس سر، كسرا الباب، دخلا ليجداه على سريره، وآثار طعنة في ظهره خلفتها يد العدو، ولم تمهله ليفعل ما أحس أنه سيريحه ، ويكون ثمنا لمقتل أمه ، والحسن فيها أنها عجلت بلقائه كما تمنى .
**************************
************
*****
خلفَ الجبالِ البعيدة، المكتظة بالصخور، حيث تساقط الثلجِ قد بدأ معلناً قدومَ فصلٍ جديد يتسمُ بالبرودة، كاسياً الأرض حلة البياض كأحلى عروسٍ تزفُ إلى أجملِ عريس، إلى ذلك الليل السرمدي..
هناك.. كان هو، وهي ( أمه الغالية) بقية أهله الباقية، وعشرات هم أيضا يعيشون معاً في أحضانِ هاتيك القرية الحالمة..
حل المساء، وغدا الظلامُ سيداً، والكل قد خضعَ لسلطانِ النوم، فناموا جميعا قريري الأعين ، مرتاحي البال .
كان السكونُ متوغلا ًفي ذ لك الليل والأرض، لايخترقة شيء سوى بضع خطواتٍ قريبة ، تحوي قلوباً جائرة ، وأعيناً ماكرة ..
نهضَ من فراشه يستطلع الأمر ، لم يجد شيئا بتاتا، وقرر العودة لداره، هنا..لم يراوده النوم، فأكمل طريقه إلى الشاطئ، ثم جلس يتأمل النجم والفضاء، وحال الإنسان، كيف أن سواعده تبني بناءات شتى منها ينتج فنائها، كما هو الحاصل مع الرصاص، صحيح أنه استفاد منه، ولكن أيضا تضرر منه، واستخدمه في قتل عدوه وصديقه، بل وأصبح القتل بالرصاص مهنة يتقنها كل موهوب ومبدع، فكر في ذلك الحل الذي سيريحه ويجعله يشعر بأنه فعل شيئا لدينه ولوطنه، وأمه ماذا سيحصل لها من بعد ذلك الحل ؟..في تلك اللحظة..
تمنى ورقهً وقلماً يفرغ فيها أرتال الخواطرِ القابعة في أطراف فكره، تتلمس مسلكاً ترتجي الخروج منه، تذكر أنه البارحة قد وضع قلما في جيبه، أخرجه واحتار..أنى له بورقة ؟ فكر ، واهتدى إلى طريقة القدماء ، فأخذ ورقة قد سقطت من شجرةٍ بجواره ثم كتب * ما ثمرة أن تعيش في الأرض أنت وأهلك بلا لحظة تحس فيها بالأمان ، في خوف يكاد يقتلك من عدوٍ يتربص بك ، يطلق قنبلة أو رصاصة تنهي حياتك ،ما ثمرة أن تعيش في أرض ذليلا مطأطئاً رأسك ، ما ثمرة أن تجلس تنتظر حتفك وتنصاع له دونما مقاومه، بل باستسلام، حتما..سيكون بلا ثمرة *.
ثم استرسل * آه ما أطول الليل، جلست على مرقدي ملتحفاً بإزاري، لا أنوي سوى نوم يريح جسدي المنهك، حاولت أن أنام، لم أستطع، كيف تغفو عيناي والأعداء عاثوا بالديار، بل وفشوا بيننا، سموما تقتل من تلقاه، و إن لم تفعل تغلغلت في الأعماق، يا الله..مساءاتي تتفجر ألغاما من فرط تفكيري، ومن أكفان الأسئلة التي تنهشها ديدان عقلي ليسفر الصباح فيواريها، فيضيق صدري وتوشك عضلاتي أن تتلاصق*.
تنهد من أفكاره على صوت مفزع وضجة عالية، رمى ما بحوزته جانبا ثم ركض بسرعة نحو الصوت، لم يصدق.. بيتي مصدر ذلك الصوت ! من بداخله غير أمي، اللهم اجعله خيرا..
مشى خطوات يظفرُ منها الوجل، وبدا آثره عليها تريثا وبطء ، أخيراً ، فتح الباب ودلف ..ووجد الجريمة مستترةً في ثنايا الدار ، متمثلةً في احتضار الروحِ الطاهرة ..
الأم.. جثة هامدة بلا حراك، غرفتها بدمائها ممتلئة ، قد نزفت حتى أتاها الموت، أخذ يحوم حولها، دمعاته تغادر عيناه في أسى وألم بالغين، يتمتم بكلمات متسائلاً:
بأي ذنب قتلت ؟ بأي ذنب قتلت ؟ ..
في الغد جرت مراسم التشييع ، بلا خرافات ولا معتقدات باطلة ، ثم دفنت ، وقبلها ودعها بقبلة على جيينها محتضنا يداها داعياً الله بأن يعجل لقاؤهما..
خرج لا يلوي لشيء، بدت له ذكرياته كسهمٍ ينخرُ في المستقبل، المستقبل ! عبارة كم يمقتها، مشى وأطلق الأعنة لجسده المعنى ، وقدماه أخذتا تسيران به إلى حيث لا يدري ، وفي ذهنه سويداء الفكر قد نقشها مقتل أمه ، وهو ملتزمٌ بالتفكير، من غيرأنْ تخرج ولو كلمة من عتبة شفاهه..
حتى وجد نفسه وحيدا خارجَ نطاقِ قريته ، قفل راجعاً ، وقد استيقظ من أعماقه مارد الخوف والذل ، عازما على وأده وللأبد، والقيام بذلك الحل الذي سيريحه ، فما من شيء يخافه الآن بعدما رحلت والدته ..
حينما وصل، نفض كل ما به بوضوء، ذكر اسم الله ثم غسل أعضاؤه الظاهرة ليصلي صلاة تشرح صدره، ويفرغ شحنات غضبه دعاءً للرحمنِ بأن يرحم الأموات، ويعين الأحياء، ويوفقه فيم نوى، ثم اتجه إلى سريره، ولأول مرة، وضع رأسه ثم نام مباشرة، في انتظار يوم يكنّ له مشاعر جميلة ومريحة، وفي تطلعاته أملا ينهي معاناته، وثأرا لرحيل الأم الرؤؤم..
ومع طلعة الصباح وصياح الديكة، استيقظ أهل القرية، واجتمعوا كعادتهم، انتظروه، وطال أمد الانتظار، من سويعات إلى ساعات، فذهب منهم اثنان يستطلعان الخبر، طرقا الباب، لم يجبهم أحد، أيقنا أن في الأمس سر، كسرا الباب، دخلا ليجداه على سريره، وآثار طعنة في ظهره خلفتها يد العدو، ولم تمهله ليفعل ما أحس أنه سيريحه ، ويكون ثمنا لمقتل أمه ، والحسن فيها أنها عجلت بلقائه كما تمنى .
**************************
************
*****