
بَيْن يَدَيْ سُورَة لــقمَــانَ
التسـِــميـَــة : سميت سورة لقمان لاشتمالها على قصة " لقمان الحكيم " التي تضمنت فضيلة الحكمة وسر معرفة الله تعالى وصفاته ، وذم الشرك ، و الأمر بمكارم الأخلاق ، والنهي عن القبائح والمنكرات وما تضمنته كذلك من الوصايا الثمينة التي أنطقه الله بها ، وكانت من الحكمة والرشاد بمكان .
تصنيف السُّورَة : هذه السورة الكريمة من السور المكية التي تعالج موضوع العقيدة ، وتعنى بالتركيز على الأصول الثلاثة لعقيدة الإيمان وهي " الوحدانية، و النبوة ، والبعث و النشور " كما هي الحال في السور المكية .
سـَـبَبُ النّزول : روي أن " النضر بن الحارث " كان يشتري المغنِّيات ، فلا يظفر بأحدٍ يريد الإسلام إلا انطلق به إلى قينته " المغنية" فيقول لها اطعميه واسقيه الخمر وغنّيه ،ويقول هذا خيرٌ مما يدعوك إليه محمد من الصلاة والصيام ، وأن تقاتل بين يديه ، فانزل الله " ومن الناس من يشتري لهو الحديث ليضل عن سبيل الله بغير علم ..." الآية
فـَـائـِـــدَة : وصف الكتاب بالحكمة في هذه السورة " الكتاب الحكيم " مناسب لجو السورة الكريمة لأن موضوع الحكمة قد تكرر فيها " ولقد آتينا لقمان الحكمة " فناسب أنيختار هذا الوصف من أوصاف الكتاب المجيد ، على طريقة القرآن في التنسيق بين الألفاظ والمواضيع ..
ابتدأت السورة الكريمة بذكر الكتاب الحكيم ، معجزة محمد الخالدة ، الباقية الدائمة على مدى الزمان ، و أقامت الحجج والبراهين على وحدانية رب العالمين ، وذكرت دلائل والقدرة الباهرة ، والإبداع العجيب في هذا الكون الفسيح ، المحكم النظام المتناسق في التكوين نفي سمائه و أرضه، وشمسه وقمره ، ونهاره وليله ، وفي جباله وبحره ، و امواجه وأمطاره ، ونباته وشجره وفي سائر ما يشاهده المرء من دلائل القدرة و الوحدانية ، مما يأخذ بالقلب، و يبهر العقل ن ويواجه الإنسان مواجهة جاهرة لا يملك معها إلا التسليم بقدرة الخالق العظيم .
كما لفتت أنظار المشركين إلى دلائل القدرة والوحدانية منبثة في هذا الكون البديع ، وهزت كيانهم هزاً " هذا خلق الله فاروني ماذا خلق الذين من دونه بل الظالمون في ضلال مبين "
و ختمت السورة الكريمة بالتحذير من ذلك اليوم الرهيب الذي لا ينفع فيه مال ولا بنون "يا أيها الناس اتقوا ربكم و اخشوا يوماً لا يجزي والد عن ولده ولا مولود هو جازٍ عن والده شيئاً .. " الآية ..

تــــنبيـــــهْ : حين أمر الله تعالى بشكر الوالدين قدَّم شكره تعالى على شكرهما فقال تعالى " أن اشكر لي " ثم أردفه بقوله " و لوالديك " وذلك لإشعارنا بأن حق الله أعظم من حق الوالدين ، لأنه سبحانه هو السبب الحقيقي في خلق الإنسان و الوالدين سبب في الصورة والظاهر ، ولهذا حرَّم تعالى طاعتهما على الإنسان إذا أردا إجباره على الكفر ...

وقـــفـــة مع اللــــغــَــة :
"الحكمة " : الإصابة في القول والعمل ، واصلها وضع الشيء في موضعه .
" يعظه " : ينصحه و يذكره ، والعظة هي الموعظة والنصح و الإرشاد .
" فصاله " : الفصال هوالفطام وهو لفظ يستعمل في الرضاع خاصة ، و أما الفصل فهو أعم ، وفصلت الأم ولدها أي فطمته وتركت إرضاعه ..
" أناب " : رجع ، والمنيب الراجع على ربه بالتوبة و الاستغفار .
" تصعر " : الصعَّر هو في الأصل داء يصيب البعير فيلوي منه عنقه ، ثم استعمل في ميل العنق كبراً و افتخاراً.
" اقصد " : توسَّط ، و القصد : التوسط بين الإسراع و البطء .
" أسبغ " : أتم و أكمل ، يقال : سبغت النعمة سبوغاً إذا تمت .
" كالظلل " : الظلل : جمع ظلة و هي كل ما أظلَّك من جبل أوسحاب .
" ختّار" : الختَّار الغدار، والختر أسوء الغدر .

وقـــفــة مع البـَـلَاغَــة :
تضمنت الآيات الكريمة وجوهاً من البلاغة والبديع نوجزها فيمــا يــلــي :
1. وضع المصدر للمبالغة " هدى ورحمة للمحسنين " .
2. الإشارة بالبعيد " تلك الآيات " عن القريب "هذه " لبيان علو الرتبة ورفعة القدر والشأن .
3. الإطناب بتكرار الضميرواسم الإشارة " وهم بالآخرة هم يوقنون " . " أولئك على هدى من ربهم وأولئك هم " لزيادة الثناء عليهم و التكريم لهم ، كما أن الجملة تفيد الحصر أي هم المفلحون لا غيرهم .
4. الإستعارة التصريحية " و من الناس من يشتري لهو الحديث" استعار لفظ يشتري سلعة و هو خاسر فيها لمعنى يستبدل .. الإستعارة التمثيلية " إن أنكر الاصوات لصوت الحمير " شبه الرافعين أصواتهم بالحمير ، وأصواتهم بالنهيق ولم يذكر أداة التشبيه للمبالغة في الذم و التنفير عن رفع الصوت .
5. التشبيه المرسل المجمل " كأن في اذنيه وقراً " فذكر أداة التشبيه وحذف وجه الشبه .
6. أسلوب التهكم " فبشره بعذاب أليم " لأن البشارة أنما تكون في الخير ، واستعمالها في الشر سخرية وتهكم .
7. الالتفات من ضميرالغائب إلى التكلم " و أنزلنا من السماء " جاءت بعد قوله " خلق ، وألقى ، وبثَّ " تعظيماً لشأن الرحمن ،و توفية لمقام الامتنان ، ليتنبه الإنسان لشكر النعمة فيزيد له في الرحمة .
8. إطلاق المصدر على اسم المفعول مبالغة " هذا خلق الله " أي مخلوقه .
9. الاستفهام للتوبيخ والتبكيت " ماذا خلق الذين من دونه " ؟ .
10. وضع الظاهر موضع الضميرلزيادة التوبيخ ، وللتسجيل عليهم بغاية الظلم و الجهل " بل الظالمون في ضلال مبين " وكان الأصل أن يقال : بل الهم في ضلال مبين .
11. مراعاة الفواصل في الحرف الأخير " عذاب أليم ، جنات النعيم ، زوج كريم ، الكتاب الحكيم " يسمى سجعاً تساوت فقره ، وكان سليماً من التكلف ، خالياً من التكرار .
12. الطباق بين " شكر .. وكفر " و بين " ظاهرة .. و باطنة " و بين " الحق .. و الباطل " .
13. صيغة المبالغة " غني حميد .. لطيف خبير .. فخور ... صبار شكور .. ختار كفور ... عليم خبير .. سميع بصير " لأن فعيل وفعول من صيغ المبالغة ، كما أن فيها توافق الفواصل الذي يسمى السجع .
14. ذكر الخاص بعد العام" بوالديه حملته أمه " وذلك لزيادة العناية والاهتمام بالخاص .
15. تقديم ما حقه التأخيرلإفادة الحصر " إليَّ المصير ... إليَّ مرجعكم ... و إلى الله عاقبة الأمور " أي إليه سبحانه لا إلى أحد غيره .
16. التتميم " فتكن في صخرة " تمَّم خفاءها في نفسها بخفاء مكانها و هذا من البديع .
17. المقابلة " و أمر بالمعروف .. و أنه عن المنكر " و بين "ومن يسلم وجهه إلى الله و هو محسن .... ومن كفرفلا يحزنك كفره " فقابل بين اللفظين .
18. التمثيل " إنها إن تك مثقال حبة من خردل فتكن في صخرة " لبيان سعة علم الله وإحاطته بجميع الأشياء ، ويعلم أصغر الأشياء في أخفى الأمكنة .
19. الإنكار و التوبيخ مع الحذف " أولو كان الشيطان يدعوهم " أي أيتبعونهم و لو كانوا ضالين ، حتى لو كان الشيطان يدعوهم إلى النار المستعرة .
20. المجاز المرسل " ومن يسلم وجهه " أطلق الجزء و أراد الكل .
21. التشبيه التمثيلي " فقد استمسك بالعروة الوثقى " شبه من تمسك بالإسلام بمن أراد أن يرقى إلى شاهق جبل فتمسك بأوثق حبل ، وحذف أداة التشبيه للمبالغة .
22. الاستعارة " عذاب غليظ " استعار الغليظ للشدة لأنه إنما يكون للإجرام فاستعير للمعنى.
جهد شخصي مقتبس من كتاب صفوة التفسير