$el.classList.remove('shaking'), 820))"
x-transition:enter="ease-out duration-300"
x-transition:enter-start="opacity-0 translate-y-4 sm:translate-y-0 sm:scale-95"
x-transition:enter-end="opacity-100 translate-y-0 sm:scale-100"
x-transition:leave="ease-in duration-200"
x-transition:leave-start="opacity-100 translate-y-0 sm:scale-100"
x-transition:leave-end="opacity-0 translate-y-4 sm:translate-y-0 sm:scale-95"
x-bind:class="modalWidth"
class="inline-block w-full align-bottom bg-white dark:bg-neutral-900 rounded-lg text-right overflow-hidden shadow-xl transform transition-all sm:my-8 sm:align-middle sm:w-full"
id="modal-container"
>
الاخوات الكريمات يجب ان لا نستعجل في الاحكام وساضرب مثلا بسيطا....
امراة فقيرة تنصح اخواتها على الانفاق في سبيل الله......هي لا تستطيع الانفاق فهل هي منافقة!!!!
واخرى داعية الى الله لكنها مصابة بفشل كلوي وتدعو الاخوات الى الاكثار من الصيام والامثلة كثيرة لا حصر لها
سبل الوقاية من النفاق
1- الاتصاف بصفات أهل الإيمان، وترك صفات أهل النفاق.
2- الجهاد في سبيل الله: فعن أبي هريرة - رضي الله عنه - قال: قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: (من مات ولم يغز ولم يحدّث به نفسه مات على شعبة من نفاق).
قال النووي: "المراد أن من فعل هذا فقد أشبه المنافقين المتخلّفين عن الجهاد في هذا الوصف؛ فإن ترك الجهاد أحد شعب النفاق، وفي هذا الحديث أن من نوى فعل عبادة فمات قبل فعلها لا يتوجّه عليه من الذم ما يتوجّه على من مات ولم ينوها".
3- كثرة ذكر الله - تعالى -: قال ابن القيم: "إن كثرة ذكر الله - عز وجل - أمان من النفاق؛ فإن المنافقين قليلوا الذكر لله - عز وجل -، قال الله - عز وجل - في المنافقين: {وَلاَ يَذْكُرُونَ اللهَ إِلاَّ قَلِيلاً}، وقال كعب: من أكثر ذكر الله - عز وجل - برئ من النفاق، ولهذا - والله أعلم - ختم الله - تعالى - سورة المنافقين بقوله - تعالى-:{يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تُلْهِكُمْ أَمْوَالُكُمْ وَلا أَوْلادُكُمْ عَنْ ذِكْرِ اللَّهِ وَمَنْ يَفْعَلْ ذَلِكَ فَأُوْلَئِكَ هُمْ الْخَاسِرُونَ}، فإن في ذلك تحذيراً من فتنة المنافقين الذين غفلوا عن ذكر الله - عز وجل - فوقعوا في النفاق، وسئل بعض الصحابة - رضي الله عنهم - عن الخوارج: منافقون هم؟ قال: لا، المنافقون لا يذكرون الله إلا قليلاً، فهذا من علامة النفاق: قلة ذكر الله - عز وجل -، وكثرة الأمان من النفاق، والله - عز وجل - أكرم من أن يبتلي قلباً ذاكراً بالنفاق، وإنما ذلك لقلوب غفلت عن ذكر الله - عز وجل - ".
4- الدعاء: عن جبير بن نفير قال: دخلت على أبي الدرداء منزله بحمص، فإذا هو قائم يصلي في مسجده، فلما جلس يتشهد جعل يتعوذ بالله من النفاق، فلما انصرف قلت: غفر الله لك يا أبا الدرداء، ما أنت والنفاق؟ قال: اللهم غفراً ثلاثاً، من يأمن البلاء؟! من يأمن البلاء؟! والله إن الرجل ليفتتن في ساعة فينقلب عن دينه.
5- حبّ الأنصار: عن أنس - رضي الله عنه - عن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال: (آية الإيمان حب الأنصار، وآية النفاق بغض الأنصار).
6- حبّ علي بن أبي طالب - رضي الله عنه -: عن زر قال: قال علي بن أبي طالب - رضي الله عنه -: والذي فلق الحبّة، وبرأ النسمة، إنه لعهد النبي الأميّ - صلى الله عليه و سلم - إليّ أن لا يحبّني إلا مؤمن، ولا يبغضني إلا منافق.
قال النووي: "ومعنى هذه الأحاديث: أن من عرف مرتبة الأنصار، وما كان منهم في نصرة دين الإسلام، والسعي في إظهاره، وإيواء المسلمين، وقيامهم في مهمات دين الإسلام حق القيام، وحبهم النبي - صلى الله عليه وسلم -، وحبه إياهم، وبذلهم أموالهم وأنفسهم بين يديه، وقتالهم ومعاداتهم سائر الناس إيثاراً للإسلام، وعرف من على بن أبي طالب - رضي الله عنه - قربه من رسول الله - صلى الله عليه وسلم -، وحبّ النبي - صلى الله عليه وسلم - له، وما كان منه من نصرة الإسلام وسوابقه فيه، ثم أحبّ الأنصارَ وعليًّ لهذا؛ كان ذلك من دلائل صحة إيمانه، وصدقه في إسلامه؛ لسروره بظهور الإسلام، والقيام بما يرضى الله - سبحانه وتعالى - ورسوله - صلى الله عليه وسلم -، ومن أبغضهم كان بضدّ ذلك، واستُدلّ به على نفاقه وفساد سريرته، والله أعلم".
7- حب أبي بكر وعمر - رضي الله عنهما - وحبّ بني هاشم: قال ابن تيمية: "قال بعض السلف: حبّ أبي بكر وعمر إيمان، وبغضهما نفاق، وحبّ بنى هاشم إيمان، وبغضهم نفاق".
8- الاتصاف التام بالصدق في الأمر كله: قال ابن تيمية: "الصفة الفارقة بين المؤمن والمنافق هو الصدق، فإن أساس النفاق الذي بني عليه الكذب".
9- ترك البدع والحدث في الدين: قال ابن تيمية: "البدع مظانّ النفاق، كما أنّ السنن شعائر الإيمان".
10- البعد عن سماع الغناء: وسماع الغناء في الأصل محرم، ومع ذلك فإنه يؤثّر النفاق في القلب، قال ابن مسعود - رضي الله عنه -: (الغناء ينبت النفاق في القلب كما ينبت الماء البقل).
قال ابن القيم: "وهذا كلام عارفٍ بأثر الغناء وثمرته، فإنه ما اعتاده أحد إلا نافق قلبه وهو لا يشعر، ولو عرف حقيقة النفاق وغايته لأبصره في قلبه، فإنه ما اجتمع في قلب عبد قط محبة الغناء ومحبة القرآن إلا طردت إحداهما الأخرى، وقد شاهدنا نحن وغيرنا ثقل القرآن على أهل الغناء وسماعه، وتبرمهم به، وصياحهم بالقارئ إذا طوّل عليهم، وعدم انتفاع قلوبهم بما يقرؤه، فلا تتحرك ولا تطرب، ولا تهيج منها بواعث الطلب، فإذا جاء قرآن الشيطان فلا إله إلا الله كيف تخشع منهم الأصوات، وتهدأ الحركات، وتسكن القلوب وتطمئنّ، ويقع البكاء والوجد، والحركة الظاهرة والباطنة، والسماحة بالأثمان والثياب، وطيب السهر، وتمني طول الليل، فإن لم يكن هذا نفاقاً فهو آخية النفاق وأساسه".
وقال: "فإن أساس النفاق أن يخالف الظاهر الباطن، وصاحب الغناء بين أمرين؛ إما أن يتهتك فيكون فاجراً، أو يظهر النسك فيكون منافقاً، فإنه يظهر الرغبة في الله والدار الآخرة، وقلبه يغلي بالشهوات، ومحبة ما يكرهه الله ورسوله من أصوات المعازف وآلات اللهو، وما يدعو إليه الغناء ويهيّجه، فقلبه بذلك معمور، وهو من محبة ما يحبه الله ورسوله وكراهة ما يكرهه قفر، وهذا محض النفاق".
وصلى الله وسلم على محمد وآله وصحبه،،
____________________
http://alminbar.net المصدر:
الـنـفــاق
حقيقته، أنواعه، صوره
(1)
محمد عبد الله الوهيبي
تمهيـد:
كـثــر الحـديث في القرآن الكريم عن النفاق والمنافقين، صفاتهم وأخلاقهم وأنهم شر أنواع الكفار، وأن مـصـيـرهم في الدرك الأسفل من النار، ومن ثم تحذير المؤمنين منهم لأن (بلية المسلم بهم أعظم من بـلـيـتـه بالـكـفار المجاهرين، ولهذا قال تعالى في حقهم: ((هم العدو فاحذرهم))، ومثل هــذا اللفظ يقتضي الحصر، أي لا عدو إلا هم، ولكن لم يرد ها هنا لحصر العداوة فيهم وأنهم لا عدو للمسلمين سواهم، بل هذا من إثبات الأولية والأحقية لهم في هذا الوصف، وأنه لا يُتوهم بانتسابهم إلى المسلمين ظاهراً وموالاتهم لهم ومخالطتهم إياهم أنهم ليسو بأعدائهم، بل هم أحق بالعداوة ممن باينهم في الدار، ونصب لهم العداوة وجاهرهم بها، فإن ضرر هؤلاء المخالطين لهم المعاشرين لهم وهم في الباطن على خلاف دينهم أشد عليهم من ضرر مــن جـاهـرهــم بالعداوة وألزم وأدوم، لأن الحرب مع أولئك ساعة أو أياماً ثم تنقضي ويعقبها النصر والـظـفـــر، وهؤلاء معهم في الديار والمنازل صباحاً ومساءً، يدلون العدو على عوراتهم، ويتربصون بـهـم الـدوائـــر، ولا يـمـكـنـهــم مناجزتهم، فهم أحق بالعداوة من المباين المجاهر)(1).
ويـقـــول الحافظ ابن كثير رحمه الله : (نبه الله سبحانه وتعالى على صفات المنافقين لئلا يغتر بظاهر أمرهم المؤمنون، فيقع بذلك فساد عريض من عدم الاحتراز منهم، ومن اعتقاد إيمانهم وهـم كـفــار فـي نـفــس الأمر، وهذا من المحذورات الكبار أن يظن بأهل الفجور خيراً)(2)، وسيكون حديثنا فـي هــذا الـمقال عن تعريف النفاق، ثم نذكر أنواعه، ونركز الحديث على النفاق المخرج من الملة باعتـبــاره المقصود الأساس من بحثنا.
تعريف النفاق:
اختلف علماء اللغة في أصل النفاق، فقيل إن ذلـك نـسـبـة إلى النفق وهو السرب في الأرض لأن المنافق يستر كفره ويغيبه، فتشبه بالذي يدخل النفق يستتر فيه.
وقيل: سمي به من نافقاء اليربوع، فإن اليربوع له جحر يقال له: النافقاء، وآخر يقال له: القاصعاء، فإذا طلب من القاصعاء قصع فخرج من النافقاء، كذا المنافق يخرج من الإيمان من غير الوجه الذي يدخل فيه، وقيل: نسبة إلى نافقاء اليربوع أيضاً، لكن من وجه آخر وهو إظهاره غير ما يضمر ذلك: أنه يخرق الأرض حتى إذا كاد يبلغ ظاهر الأرض ترك قشرة رقيقة حتى لا يعرف مكان هذا المخرج، فإذا رابه ريب دفع ذلك برأسه، فخرج، فظاهر جحره تراب كالأرض، وباطنه حفر، فكذلك المنافق ظاهره إيمان وباطنه كفر(3).
ولعل النسبة إلى نافقاء اليربوع أرجح من النسبة إلى النفق (لأن النفق ليس فيه إظهار شيء، وإبطان شيء آخر، كما هو الحال في النفاق، وكونه مأخوذاً من النافقاء باعتبار أن المنافق يظهر خلاف ما يبطن، أقرب من كونه مأخوذاً منه باعتبار أنه يخرج من غير الوجه الذي دخل فيه، لأن الذي يتحقق فيه الشبه الكامل بين النافقاء والنفاق هو إظهار شيء وإخفاء شيء آخر، إضافة إلى أن المنافق لم يدخل في الإسلام دخولاً حقيقياً حتى يخرج منه)(4).
أما النفاق في الاصطلاح الشرعي فهو إظهار القول باللسان أو الفعل بخلاف ما في القلب من القول والاعتقاد (5)، أو هو الذي يستر كفره ويظهر إيمانـــه، وهــو اسم إسلامي لم تعرفه العرب بالمعنى المخصوص به، وإن كان أصله في اللغة معروفاً كما سبق(6).
وأساس النفاق الذي بني عليه: أن المنافق لابد وأن تختلف سريرته وعــــلانيته، وظاهره وباطنه، ولهذا يصفهم الله في كتابه بالكذب كما يصف المؤمنين بالصدق، قال تعالى: ((ولهم عـذاب ألـيـم بمـا كانـوا يكذبـون)) ، وقال: ((والله يشهد إن المنافقين لكاذبون)) وأمثال هذا كثير«(7).
إذاً: أخص وأهم ما يميز المنافقين الاختلاف بين الظاهر والباطن، وبين الدعوى والحقيقة كما قال تعالى:((ومن الناس من يقول آمنا بالله وباليوم الآخر وما هم بمؤمنين))، قال الإمام الطبري رحمه الله : (أجمع جميع أهل التأويل على أن هذه الآية نزلت في قوم من أهل النفاق، وأن هذه الصفة صفتهم)(8).
وقد يطلق بعض الفقهاء لفظ الزنديق على المنافق، قال شيخ الإسلام رحمه الله : (ولما كثرت الأعـــاجم في المسلمين تكلموا بلفظ (الزنديق) وشاعت في لسان الفقهاء، وتكلم الناس فـي الزنديق: هل تقبل توبته؟ والمقصود هنا: أن (الزنديق)في عرف هؤلاء الفقهاء، هو المنافق الذي كان على عهد النبي -صلى الله عليه وسلم-، وهو أن يظهر الإسلام ويبطن غيره، سواء أأبطن ديناً من الأديان: كدين اليهود والنصارى أو غيرهم، أو كان معطلاً جاحداً للصانع والمعاد والأعمال الصالحة...)(9)، وقال الإمام ابن القيم رحمه الله في بيان مراتب المكلفين في الدار الآخرة وطبقاتهم:): (الطبقة الخامسة عشر: طبقة الزنادقة، وهم قوم أظهروا الإسلام ومتابعة الرسل، وأبطنوا الكفر ومعاداة الله ورسله، هؤلاء هم المنافقون، وهم في الدرك الأسفل من النار)(10).
1- النفاق الأصغر:
الأصل في ذلك ما ثبت في الصحيحين من حديث عبد الله بن عمرو وأبي هريرة وغيرهما من الصحابة رضي الله عنهم، في ذكر آية المنافق، فعن أبي هريرة رضي الله عنه عن النبي -صلى الله عليه وسلم- قــال: (آية الـمنافق ثلاث: إذا حدّث كذب، وإذا وعد أخلف، وإذاائتمن خان)(11).
وعن عبد الله بن عمرو رضي الله عنهما أن النبي -صلى الله عليه وسلم-قال: (أربع من كن فيه كان منافقاً خالصاً، ومن كانت فيه خصلة منهن كانت فيه خصلة من النفاق حتى يدعها: إذا ائتمن خان، وإذا حدّث كذب، وإذا عاهد غدر، وإذا خاصم فجر)(12)، قال الإمام النووي رحمه الله في شرح هذا الحديث: (هذا الحديث مما عده جماعة من العلماء مشكلاً من حيث إن هذه الخصال توجد في المسلم المصدق الذي ليس فيه شك، وقد أجمع العلماء على أن من كان مصدقاً بقلبه ولسانه وفعل هذه الخصال لا يحكم عليه بكفر، ولا هو منافق يخلد في النار، فإن أخوة يوسف -صلى الله عليه وسلم-جمعوا هذه الخصال، وكذا وجد لبعض السلف والعلماء بعض هذا أو كله، وهذا الحديث ليس فيه بحمد الله تعالى إشكال ولكن اختلف العلماء في معناه، فالذي قاله المحققون والأكثرون وهو الصحيح المختار، أن معناه أن هذه الخصال خصال نفاق، وصاحبها شبيه بالمنافقين في هذه الخصال ومتخلق بأخلاقهم، فإن النفاق إظهار ما يبطن خلافه، وهذا المعنى موجود في صاحب هذه الخصال، ويكون نفاقه في حق من حدثه ووعده وائتمنه وخاصمه وعاهده من الناس لا أنه منافق في الإسلام فيظهره وهو يبطن الكفر ولم يُرد النبي -صلى الله عليه وسلم-بهذا أنه منافق نفاق الكفار المخلدين في الدرك الأسفل من النار، وقوله -صلى الله عليه وسلم-(كان منافقاً خالصاً) معناه شديد الشبه بالمنافقين بسبب هذه الخصال، قال بعض العلماء هذا فيمن كانت هذه الخصال غالبة عليه، فأما من يندر ذلك منه فليس داخلاً فيه، فهذا هو المختار في معنى الحديث...)(13).
وقال الإمام الخطابي رحمه الله : (هذا القول إنما خرج على سبيل الإنذار للمرء المسلم، والتحذير له أن يعتاد هذه الخصال، فتفضي به إلى النفاق، لا أن من بدرت منه هذه الخصال، أو فعل شيئاً من ذلك من غير اعتياد أنه منافق)(14).
وقال -أي- الخطابي : (ويدل عليه التعبير بإذا، فإنها تدل على تكرار الفعل)(15)، وتعقبه الحافظ ابن حجر فقال:( والأولى ما قاله الكرماني: إن حذف المفعول من (حدّث) يدل على العموم، أي إذا حدّث في كل شيء كذب فيه، أو يصير قاصراً، أي إذا وجد ماهية الحديث كذب، وقيل محمول على من غلبت عليه هذه الخصال وتهاون بها واستخف بأمرها، فإن من كان كذلك كان فاسد الاعتقاد غالباً)(16)، وقال الحافظ ابن رجب رحمه الله بعدما شرح هذه الخصال: (وحاصل الأمر أن النفاق الأصغر كله يرجع إلى اختلاف السريرة والعلانية كما قاله الحسن...)(17).
ومن هذا الباب الإعراض عن الجهاد فإنه من خصال المنافقين(18)، قال النبي صلى الله عليه وسلم: (من مات ولم يغز ولم يحدث نفسه بالغزو مات على شعبة من نفاق)(19)، ومن ذلك ما رواه البخاري في (باب: ما يكره من ثناء السلطان، وإذا خرج قال غير ذلك): (قال أناس لعبد الله بن عمر: إنا ندخل على سلطاننا فنقول لهم بخلاف ما نتكلم إذا خرجنا من عندهم، قال: كنّا نعدها نفاقاً)(20).
وهذا هو النفاق الذي خافه الصحابة على أنفسهم، يقول ابن رجب(21): (ولما تقرر عند الصحابة رضي الله عنهم أن النفاق هو اختلاف السر والعلانية خشي بعضهم على نفسه أن يكون إذا تغير عليه حضور قلبه ورقته وخشوعه عند سماع الذكر، برجوعه إلى الدنيا والاشتغال بالأهل والأولاد والأموال أن يـكـــون ذلك منه نفاقاً، كما في صحيح مسلم عن حنظلة الأسدي: أنه مر بأبي بكر وهو يبكي، فقال: مالك؟ قال: نافق حنظلة يا أبا بكر، نكون عند رسول الله -صلى الله عليه وسلم-يذكرنا بالجنة والنار كأنا رأي عين، فإذا رجعنا، عافسنا الأزواج والضيعة فنسينا كثيراً، قال أبو بكر: فالله إنا لكذلك، فانطلقـنا إلى رسول الله -صلى الله عليه وسلم-، فقال: (مالك يا حنظلة؟) قال: نافق حنظلة يا رسول الله وذكر له مثل ما قال لأبي بكر، فقال رسول الله -صلى الله عليه وسلم-: (لو تدومون على الحال التي تقومون بها من عندي، لصافحتكم الملائكة في مجالسكم وفي طرقكم ولكن يا حنظلة ساعة وساعة)(22).
ومما ورد في هذا المعنى أي خوف الصحابة من النفاق ما قاله ابن أبي مليكة: (أدركت ثلاثين من أصحاب النبي -صلى الله عليه وسلم- كلهم يخاف النفاق على نفسه ما منهم أحد يقول: إنه على إيمان جبريل وميكائيل)(23)، يقول الحافظ ابن حجر في تعليقه على هذا الأثر: (والصحابة الذين أدركهم ابن أبي مليكة من أجلهم عائشة وأختها أسماء وأم سلمة والعبادلة الأربعة وأبو هريرة وعقبة بن الحارث والمسور بن مخرمة، فهؤلاء ممن سمع منهم، وقد أدرك بالسن جماعة أجل من هؤلاء كعلي بن أبي طالب، وسعد بن أبي وقاص، وقد جزم بأنهم كانوا يخافون النفاق في الأعمال، ولم ينقل عن غيرهم خلاف ذلك فكأنه إجماع وذلك لأن المؤمن قد يعرض عليه في عمله ما يشعر به مما يخالف الإخلاص ولا يلزم من خوفهم من ذلك وقوعه منهم، بــل ذلك علــى سـبـيل المبالغة منهم في الورع والتقوى رضي الله عنهم)(24).
وخلاصة القول في النفاق الأصغر، أنه نوع من الاختلاف بين الـسـريــرة والعلانية مما هو دون الكفر، وذلك كالرياء الذي لا يكون في أصل العمل وكإظهار مودة الغير والقيام بخدمته مع إضمار بغضه والإساءة إليه، كالخصال الواردة في حديث شعب النـفــاق ونـحــو ذلك، فعلى المسلم الحذر من الوقوع في شيء من ذلك.
2- النفـاق الأكـبر:
سبقت الإشارة إلى تعريفه عند الكلام عن النوع الأول، ويمكن اخـتـصــــار تعريفه بتعريف ذكره الحافظ ابن رجب حيث قال رحمه الله :(النفاق الأكبر، وهو أن يـظـهــــــر الإنسان الإيمان بالله وملائكته وكتبه ورسله واليوم الأخر، ويبطن ما يناقض ذلك كله أو بـعـضـه، وهــذا هو النفاق الذي كان على عهد رسول الله -صلى الله عليه وسلم-، ونزل القرآن بذم أهــلـــــه وتكفيرهم، وأخبر أنهم في الدرك الأسفل من النار)(25)، ومن الآيات في تكفيرهم ومصيرهـــم فـي الآخرة قوله تعالى: ((ومن الناس من يقول آمنا بالله وباليوم الآخر وما هم بمؤمنين)) ، وقوله عـز وجــــل: ((بشر المنافقين بأن لهم عذاباْ أليماْ))، وقوله سبحانه: ((إن المنافقين في الــدرك الأسفل من النار))، وقوله تعالى: ((وعد الله المنافقين والمنافقات والكفار نار جهنم خالدين فيها))، وقوله تعالى: ((يا أيها النبي جاهد الكفار والمنافقين واغـلــظ عليهم ومأواهم جهنم وبئس المصير، يحـلـفـون بالله ما قالوا ولقد قالوا كلمة الكفر وكفروا بـعــد إســـلامهـم وهـمَـــوا بـمـــا لـم ينالوا)) وقـولــه عـــــن طائفة من المنافقين: ((لا تعتذروا قد كفرتم بعد إيمانكم))
فـهـذه الآيات تبين لـنـــا أن المنافقين من أسوأ أنواع الكفار، ومصيرهم في الآخرة في الدرك الأسفل من النار، لأنهم زادوا على كـفـرهــم، الكذب والمراوغة والخداع للمؤمنين، ولذلك فصل القرآن الحديث حولهم وحول صفاتهم لكي لايقع المؤمنون في حبائلهم وخداعهم.
الـنـفـاق
حقيقته، أنواعه، صوره
(2)
محمد عبد الله الوهيبي
تـمـهـيـد :
صور النفاق الأكبر :
ذكــر شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله بعض هذه الصور، فقال :( فمن النفاق ما هو أكبر، يكــون صاحبه في الدرك الأسفل من النار، كنفاق عبد الله بن أبيّ وغيره، بأن يـظــهــــر تكذيـب الرسـول أو جحـود بعض ما جاء بـه أو بُغْضه، أو عدم اعتقاد وجوب اتباعه، أو المسرة بانخفاض دينه، أو المساءة بظهور دينه، ونحو ذلك : مما لا يكون صاحبه إلا عدواً لله ورسوله، وهذا القدر كان موجوداً في زمن رسول الله -صلى الله عليه وسلم-، ومازال بعده، بل هو بعده أكثر منه على عهده...)(1).
وقـال فـي مـوضـع آخر : (فأما النفاق المحض الذي لا ريب في كفر صاحبه، أن لا يرى وجوب تصديق الرســــول -صلى الله عليه وسلم- فيما أخبر بـه، ولا يرى أيضاً وجوب طاعته فيما أمر بـه، وإن اعتقـــد مع ذلك أن الرسول عظيم القدر علماً وعملاً وأنه يجوز تصديقه وطاعته لكنه يقول : إنه لا يضر اختلاف الملل إذا كان المعبود واحد، ويرى أنه تحصل النجاة والسعادة بمتابعة الـــرسول وبغير متابعته، إما بطريق الفلسفة والصبر، أو بطريق التهود والتنصر...)(2).
ونقل هذه الأنواع الشيخ محمد بن عبدالـوهـــاب رحمـه الله فـقــــــال (... فأما النفاق الاعتقادي فهو ستة أنواع : تكذيب الرسول، أو تكذيب بعض ما جـــاء بـه الرسول، أو بُغْض الرسول أو بغض ما جاء به الرسول، أو المسرة بانخفاض دين الرسول، أو الكراهية بانتصار دين الرسول، فهذه الأنواع الستة صاحبها من أهل الدرك الأسفل من النار)(3).
فيتحصل مما ذكره هذان الإمامان بعد دمج الأنواع المتشابهة أو المتقاربة خمس صفات أو أنواع هي :
1- تكذيب الرسول -صلى الله عليه وسلم-، أو تكذيب بعض ما جاء بـه.
2- بغض الرسول -صلى الله عليه وسلم-، أو بغض ما جاء بـه.
3- المسرة بانخفاض دين الرسول -صلى الله عليه وسلم-، أو الكراهية بانتصار دين الرسول صلى الله عليه وسلم.
4- عدم اعتقاد وجوب تصديقه فيما أخبر.
5- عدم اعتقاد وجوب طاعته فيما أمر.
وبالنظر إلى الآيات التي ذكرت أحوال المنافقين، وكلام المفسرين حولها، يمكن أن يضاف إلى هذه الصفات صفات أخرى، وهي :
6- أذى الرسول -صلى الله عليه وسلم- أو عيبه ولمزه.
7- مظاهرة الكافرين ومناصرتهم على المؤمنين.
8- الاستهزاء والسخرية بالمؤمنين لأجل إيمانهم وطاعتهم لله ولرسوله.
9- التولي والإعراض عن حكم الله وحكم رسوله صلى الله عليه وسلم.
فالوقوع في أي صفة من هذه الصفات يُخرج من الملة، وهذه الصفات أكثـرهــا متعلق بحق الرسول -صلى الله عليه وسلم-، يقول شيخ الإسلام رحمه الله (... فالنفاق يقع كثيراً في حق الرسول، وهو أكثر ما ذكره الله في القرآن من نفاق المنافقين في حياته...)(4).
وسأشرح بعض هذه الصفات باختصار ذاكراً أدلة نفاق صاحبها :
1- أذى الرسول -صلى الله عليه وسلم- أو عيبه ولمزه :
وهذا داخل في سبه -صلى الله عليه وسلم- لأن السب : (هو الكلام الذي يـقـصــد بــــه الانتقاص والاستخفاف...)(5) والعيب، واللمز فيه انتقاص.
قال تعالى : ((ومنهم من يلمزك في الصدقات، فإن أعطوا منها رضوا وإن لم يعطوا منها إذا هم يسخطون)).
نزلت هذه الآية في ذي الخويصرة التميمي حينما جاء إلى النبي -صلى الله عليه وسلم- وهــــو يقسم غنائم حُنين (فقال : اعدل يا رسول الله، فقال : ويلك، ومن يعدل إذا لم أعـــدل؟ قال عمر بن الخطاب : دعني أضرب عنقه، قال : دعه فإن له أصحاباً يحقر أحـدكـم صـــلاته مـع صلاته وصيامه مع صيامه، يمرقون من الدين كما يمرق السهم من الرمـيّـة... قال أبو سعيد : أشهد سمعت من النبي -صلى الله عليه وسلم- وأشهد أن علياً قتلهم وأنا معه، جيء بالرجل على النعت الذي نعته النبي -صلى الله عليه وسلم- قال : فنزلت فيه ((ومنهم من يلمزك في الصدقات)))(6).
قال الإمام الشوكاني فـي تفسيرها : (قوله : ومنهم من يلمزك)، يقال : لمزه يلمزه : إذا عابه، قال الجوهري : اللـمـز العيب، وأصله الإشارة بالعين ونحوها،... ومعنى الآية : ومن المنافقين من يعيبك في الصدقات : أي في تفريقها وقسمتها)(7).
وقال في آية أخرى : ((ومـنـهـــم الذين يؤذون النبي ويقولون هو أذن، قل أذن خير لكم، يؤمن بالله ويؤمن للمؤمنين، ورحمة للذين آمنوا منكم والذين يؤذون رسول الله لهم عذاب أليم))، إلى قوله سـبـحانه : ((ألم يعلموا أنه من يحادد الله ورسوله فأن له نار جهنم خالداْ فيها ذلك الخزي العظيم)).
قال شيخ الإسلام رحمه الله : (فعلم أن إيذاء رسول الله محادة لله ولرسوله لأن ذكر الإيذاء هو الذي اقتضى ذكر المحادة، فيجب أن يكون داخلاً فيه، ولولا ذلك لم يكن الكلام مؤتلفاً،... ودل ذلك على أن الإيذاء والمحادة كفر لأنه أخبر أن له نار جهنم خالداً فيها...)(8)، وقال الشوكاني رحمه الله في تفسير هذه الآية : (قوله : (ومنهم) هذا نوع آخر مما حكاه الله من فضائح المنافقين وقبائحهم، وذلك أنهم كانوا يقولون للنبي -صلى الله عليه وسلم- على وجه الطعن والذم هو أذن، قال الجوهري : يقال رجل أذن : إذا كان يسمع مقال كل أحد، يستوي فيه الواحد والجمع ومرادهم أقمأهم الله أنهم إذا آذوا النبي -صلى الله عليه وسلم- وبسطوا فيه ألسنتهم، وبلغه ذلك اعتذروا له وقَبل ذلك منهم، لأنه يسمع كل ما يقال له فيصدقه، وإنما أطلقت العرب على من يسمع ما يقال له فيصدقه أنه أذن مبالغة، لأنهم سموه بالجارحة التي هي آلة السماع، حتى كأن جملته أذن سامعة،... وإيذاؤهم له هو قولهم »هو أذن« لأنهم نسبوه إلى أنه يصدق كل ما يقال له ولا يفرق بين الصحيح والباطل اغتراراً منهم بحلمه عنهم وصفحه عن خباياهم كرماً وحِلماً وتغاضياً....)(9).
وهذه الآية والتي قبلها ذكرهما شيخ الإسلام ضمن الآيات الدالات على كفر شاتم الرسول وقتله(10).
وذكر أن إيذاء الرسول ولمزه من الصفات الدالة على نفاق صاحبها، فقال رحمه الله : (وذلك أن الإيمان والنفاق، أصله فـي القـلــب، وإنما الذي يظهر من القول والفعل فرع له ودليل عليه، فإذا ظهر من الرجل شيء من ذلك ترتب الحكم عليه، فلما أخبر سبحانه أن الذين يلمزون النبي -صلى الله عليه وسلم-، والذين يؤذونه من المنافقين، ثبت أن ذلك دليل على النفاق وفرع له، ومعلوم أنه إذا حصل فرع الشيء ودليله حصل أصل المدلول عليه، فثبت أنه حيث ما وجد ذلك كان صاحبه منافقاً سواء أكان منافقاً قبل هذا القول أو حدث له النفاق بهذا القول)(11)، وهذا السب من الإيذاء واللمز والاستخفاف مناف لعمل القلب من الانقياد والاستسلام (ومحال أن يهين القلب من قد انقاد له وخضع واستسلم أو يستخف به، فإذا حصل في القلب اسـتـخـفـــاف واسـتـهـانـة امتنع أن يكون فيه انقيـاد واسـتسلام، فلا يكون فيه إيمان، وهذا هـو بعينـه كفر إبليس فإنه سمع أمر الله فلم يكذب رسولاً ولكن لم ينقد للأمر، ولم يخضع له واستكبر عن الطاعة فصار كافراً)(12).
2- التولي والإعراض عن حكم الله ورسوله :
ذكرت هذه الصفة عنهم في سورتي النساء والنور، قال تعالى:((ويقولون آمنا بالله وبالرسول وأطعنا ثم يتولى فريق منهم من بعد ذلك وما أولئك بالمؤمنين، وإذا دعــــوا إلى الله ورسوله ليحكم بينهم إذا فريق منهم معرضون))، يقول الحافـــظ ابن كـثـيـر في تفسيرها : (يخبر تعالى عن صفات المنافقين الذين يظهرون خلاف ما يبطنون يقولون قـولاً بألسـنـتـهــم ((آمنا بالله وبالرسول وأطعنا ثم يتولى فريق منهم من بعد ذلك)) أي يخالفون أقوالهم بأعمالهم، فيقولون ما لا يفعلون، ولهذا قال تعالى : ((وما أولئك بالمؤمنين))، وقوله تعالى : ((وإذا دعـــوا إلى الله ورسوله ليحكم بينهم)) أي إذا طلبوا إلى اتبـاع الهـدى فيما أنزل الله على رسـوله أعرضوا عنه واسـتكبروا في أنفسهم عن اتباعه، وهذه كقوله تعالى : ((ألم تر إلى الذين يزعمون...))(13)، يقول شيخ الإسلام رحمه الله : (فبين سبحانه أن من تولى عن طاعة الرســـول وأعرض عن حكمه فهو من المنافقين، وليس بمؤمن وأن المؤمن هو الذي يقول سمعنا وأطعنا)(14)، وقال سبحانه في سورة النساء : ((ألم تر إلى الذين يزعمون أنهم آمنوا بما أنزل إليك وما أنزل من قبلك يريدون أن يتحاكموا إلى الطاغوت وقد أمروا أن يكفروا بـه، ويريد الشـيـطـان أن يضلهم ضلالاْ بعيداْ، وإذا قيل لهم تعالوا إلى ما أنزل الله وإلى الرسول رأيت المنافـقـيــن يصدون عنك صدوداْ))، لا شك أن هؤلاء المعرضين ممن يدعون الإيـمـــان هـم الـمنافقين(15)، (فبين سبحانه أن من دعي إلى التحاكم إلى كتاب الله وإلى الرسول فصد عن رسوله كان منافقاً)(16).
وهذا النوع من النفاق مما ينافي عمل القلب من القبول والاستسلام.
3- مظاهرة الكافرين ومعاونتهم على المؤمنين :
وهذه من أخص صفات المنافقين، فهم في الظاهر مع المؤمنين، لكنهم في الحقيقة مع الكفار عيوناً وأعواناً لهم، يكشفون لهم عورات المسلمين وأسرارهم، ويتربصون بالمؤمنين الدوائر.
قال تعالى : ((يا أيها الذين آمنوا لا تتخذوا اليهـود والنصارى أولياء بعضهم أولياء بعض ومن يتولهم منكم فإنه منهم إن الله لا يهدي الـقــوم الظالمين فترى الذين في قلوبهم مرض يسارعون فيهم يقولون نخشى أن تصيبنا دائرة فعسى الله أن يأتي بالفتح أو أمر من عنده فيصبحوا على ما أسروا في أنفسهم نادمين)).
قال الإمام الطبري رحمه الله في تفسير هذه الآية بعدما ذكر الخلاف في المعني بهذه الآية: (والصواب من القول في ذلك عندنا أن يقال : إن الله تعالى ذكره نهى المؤمنين جميعاً أن يتخذوا اليهود والنصارى أنصاراً وحلفاء على أهل الإيمان بالله ورسوله، وأخبر أنه من اتخذهم نصيراً وحليفاً وولياً من دون الله ورسوله والمؤمنين، فإنه منهم في التحزب على الله وعلى رسوله والمؤمنين، وأن الله ورسوله منه بريئان)(17).
ومن الآيات الصريحة دلالتها في اتصاف المنافقين بهذه الصفة قوله تعالى: ((بشر المنافقين بأن لهم عذاباْ أليماْ، الذين يتخذون الكافرين أولياء من دون المؤمنين، أيبتغون عندهم العزة فإن العزة لله جميعاْ)).
قال الإمام الطبري رحمه الله في تفسير هذه الآيـــــة : (... أما قوله جل ثناؤه : ((الذين يتخذون الكافرين أولياء من دون المؤمنين))، فمن صـفـــــة المنافقين، يقول الله لنبيه : يا محمد، بشر المنافقين الذين يتخذون أهل الكفر بي، والإلحاد في ديني »أولياء« يعني أنصاراً وأخلاء »من دون المؤمنين« يعني من غير المؤمنين، »أيبتغون عندهم العزة« أيطلبون عندهم المنعة والقوة باتخـاذهم إياهم أولياء من دون أهـل الإيمان بي؟، »فإن العزة لله جميعاً« يقول: فإن الذين اتخذوهم من الكافرين أولياء ابتغاء العزة عـنــدهــم، هــم الأذلاء الأقلاء...)(18).
ومعلوم أن موالاة الكفار مراتب مختلفة(19)، منها ما يصل إلى درجة الكفر الأكبر، ومنها دون ذلك، وما نشير إليه هنا هو الموالاة المخرجة من الملة التي يختص بها المنافقون وهي اتخاذهم أنصاراً وأعواناً على المؤمنين، أو الموالاة التامة لهم بالرضى عن دينهم أو تصحيح مذهبهم ونحو ذلك، يقول الإمام الطبري رحمه الله مبيناً ذلك عند تفسيره لقوله تعالى : ((لا يتخذ المؤمنون الكافرين أولياء من دون المؤمنين، ومن يفعل ذلك فليس من الله في شيء إلا أن تتقوا منهم تقاة))، قال رحمه الله : (لا تتخذوا أيها المؤمنين، الكفار ظهراً وأنصاراً توالونهم على دينهم، وتظاهرونهم على المسلمين من دون المؤمنين، وتدلونهم على عوراتهم، فإنه من يفعل ذلك ((فليس من الله في شيء)) يعني بذلك : فقد بريء من الله وبريء الله منه بارتداده عن دينه ودخوله فـي الـكفر...)(20)، وذكر الشيخ محمد بن عبدالوهاب رحمه الله ضمن نواقض الإسلام (الثامن: مظاهرة المشركين ومعاونتهم على المسلمين، والدليل قوله تعالى : ((ومن يتولهم منكم فإنه منهم إن الله لا يهدي القوم الظالمين))(21).
ويقول الشيخ عبدالرحمن بن سعدي رحمه الله في تفسير قوله تعالى ((ومن يتولهم فأولئك هم الظالمـون)) : (وذلك الظلم يكون بحسـب التولي فإن كان تولياً تـامــــاً، كان ذلك كفراً مخرجاً من دائرة الإسلام، وتحت ذلك من المراتب، ما هو غليظ، وما هــو دونه)(22).
وهذه الموالاة تدل على فساد في اعتقاد صاحبها، وبخاصة من جهة منافاتها لعمل القلب من الحب والبغض، فالحب والبغض كما هو معلوم أصل الموالاة والبراءة، فمحبة المؤمنين تقتضي موالاتهم ونصرتهم، وبغض الكافرين يقتضي البراءة منهم ومن مذاهبهم وعداوتهم ومحاربتهم، فإذا عادى المرء المؤمنين وأبغضهم، ووالى الكافرين وناصرهم علـى المـؤمنين، فقد نقض أصل إيمانه.
4- المسرة بانخفاض دين الرسول -صلى الله عليه وسلم- أو الكراهية لانتصار دينه :
وهـــذه الـصـفـة ذكرها الله عز وجل عن المنافقين في أكثر من موضع، فهم بسبب موالاتهم للكافرين يسعون معهم لإضعاف المسلمين وإثارة الفتن بينهم والتخذيل ويسيئون الظن بوعد الله ونصره، ويحـبــون ظـهــور الكفار وانتصارهم على المسلمين ويفرحون بذلك، وبالمقابل يصيبهم الهم والغم حينما ينتصر المسلمون.
قال عز من قائل : ((إن تصبك حسنة تسؤهم، وإن تصبك مصيبة يقولوا قد أخذنا أمرنا من قبل، ويتولوا وهم فرحون))، قال الإمام الشوكاني رحمه الله : (إن تصبك حسنة) أي حسنة كانت بأي سبب اتفق كما يفيده وقوعها في حيز الشرط، وكذلك القول في المصيبة، وتدخل الحسنة والمصيبة الكائنة في القتال كما يفيده السياق دخولاً أولياً، فمن جملة ما تَصْدُق عليه الحسنة، الغنيمة والظفر، ومن جملة ما تصدق عليه المصيبة الخيبة والانهزام، وهذا نوع آخر مــن خـبـث ضـمـائــر المنافقين وسوء أفعالهم، والإخبار بعظيم عداوتهم لرسول الله -صلى الله عليه وسلم- وللمـؤمنـيــن، فإن المساءة بالحسنة، والفرح بالمصيبة من أعظم ما يدل على أنهم في العداوة قد بلغوا الـغـايـة)(23)، ويقول الإمام ابن حزم رحمه الله : (وأما الذي أخبر الله تعالى بأنه إن أصابت رسوله عليه الصلاة والسلام سيئة ومصيبة تولوا وهم فرحون، أو أنه إن أصابته حسنة ساءتـهـم فـهـؤلاء كـفـــار بلا شك)(24).
والذين يسوءهم انتصار دين الرسول -صلى الله عليه وسلم- حكمهم حكم من يسوءه انتصار الرسول نفسه، ولذلك ورد في الآية السابقة : ((إن تمسسك حسنة تسؤهم... الآية))، وفي آيــة أخـــرى، يقول سبحانه وتعالى : ((إن تمسسكم حسنة تسؤهم، وإن تصبكم سيـئـة يفـرحوا بـهـــا، وإن تصـبـروا وتـتـقـوا لا يضـركم كيـدهم شـيـئــــاْ، إن الله بما يعملون محيط)).
ومــا أكـثـــر ما نلاحظ هذه الصفة في المنافقين المعاصرين من الساسة والإعلاميين وغيرهم، حيث يصيبهم الـهــم والغم والحزن، ويظهرون الكراهية حينما ينتصر المسلمون في بلد من البلدان، وبالمقابل يظهرون الفرح والسرور والتشفي بما يصيب المؤمنين من هزيمة ومصائب ومحن، وقد يبررون هذا السلوك بوجود انحرافات وأخطاء لدى بعض المؤمنين، وهذا المبرر أو التأويل وإن عُذر بـه المتأولون المجتهدون، فلا عذر لكثير من هؤلاء لأنه لا يعرف عنهم حرص على التدين أو غيرة على الدين، وإنما يحرصون على ما يرضي أولياءهم الحقيقيين من اليهود والنصارى ونحــوهــم، وهذا السلوك المشين يدل على فساد في عمل القلب مـن الحب والفرح أو البـغض والكراهة، نسأل الله تبارك وتعالى السلامة والعافية.
ويمكن أن نذكر صنفاً آخر من أصـنــاف الـمـنافقين، الذين عُرفوا على مدار التاريخ بالكيد للسنة وأهلها ومعاونة الأعداء عليهم، والحــزن لظهور السنة وعلوها، والفرح بانهزام أهل السنة وانكسارهم، وهؤلاء هم الرافضة وقد صـــور شيخ الإسلام حالهم هذا أحسن تصوير، فقال:(... فالرافضة يوالون من حارب أهل الـسـنـــة والجماعة، ويوالون التتار، ويوالون النصارى، وقد كان بالساحل بين الرافضة وبين الفـرنـــج مهادنة، حتى صارت الرافضة تحمل إلى قبرص خيل المسلمين وسلاحهم، وغلمان السلطان، وغيرهم من الجند والصبيان، وإذا انتصر المسلمون على التتار أقاموا المآتم والحزن، وإذا انـتـصـــر التتار على الـمسلمين أقاموا الفرح والسرور، وهم الذين أشاروا على التتار بقـتل الخليفة، وقـتــل أهــل بغـداد، ووزيـــر بـغــداد ابن العلقمي الرافضي هو الذي خامر على المسلمين، وكاتب التتار، حتى أدخلهم أرض الـعـــراق بالـمـكـــر والخديعة ونهى الناس عن قتالهم، وقد عرف العارفون بالإسلام : أن الرافضة تميل مع أعداء الدين...)(25).
فهل يعي المسلمون بعامة، والـمـنـتـسـبون إلى الدعوة بخاصة، هذه الحقيقة؟ وهل يعي هذه الحقيقة من لايزالون يدافعون عن القوم ويحـسـنـــون الظن بهم أو يتحالفون معهم ويعلقون عليهم الآمال لنصرة الدين؟
واذا اردتم المزيد فعليكم بهذا الرابط
http://www.islamselect.com/index.php?pg=cats&CR=147&ref=591&ln=1&PHPSESSID=90deff508317c51e89219f80a894f163