من الغرب

من الغرب @mn_alghrb

عضوة نشيطة

ياوي الهر البري

الأدب النبطي والفصيح

يُحكى في قديم الزمان كما قصَّ علينا إنسان أنَّ هِرًَّا بريًا إسمه ياوي عاش في البراري وسط الجبال والصحاري،،،،، لا يخيفه إنسان أو ثعبان أو بطش الزمان،،، عاش ياوي قرب مضارب البدو الرَّحل يأكل مما رزقه الله وينام قرير العين،، واستمر على هذا الحال فترة من الزمان إلى أن داهمه الإنسان فكدَّر عليه حياته،،
وُلِدَ ياوي الهر العربي على رمال عربية وفوق صحراء عربية لا يتحمل قيظها إلا الأشِّداء وعاش مع أمه وإخوته فترة من الزمان في سلام وأمان إلى أن اقترب منه الإنسان،
ففي أعقاب ليلة صيد مضنية وبينما كانت خيوط الفجر تُبدّد ظلام ليل الصحراء الدامس وتخترق سديم الصباح فوق بحر متلاطم الأمواج من الكثبان الرملية الذهبية أَطَلَّ ياوي الهر العربي بعد رحلةِ صيدٍ شاقة وحافلة بالمغامرات عائدًا إلى جحره الذي وُلد فيه مع ثلاثةٍ من إخوانه بين أشجار الغاف الصحراوية الشائكة،،، وبينما كان يَهمُ إلى النوم رَأَى حركة غريبة بجوار رقعة خضراء من نبات القرع فتوقف ياوي ليرى ما يجري،،، وفجأة ظهر أمامهُ جرذ كبير فانقض ياوي عليه لكن الجرذ أفلت من مخالب ياوي الحادة،،، ثم واصل ياوي سيره وسط سكون الصحراء المخيف عائدًا إلى حجره بعد أن غلبه النعاس،،،
كان ياوي في ربيعه الثاني وكانت الصحراء العربية في هذا الوقت مكسوة بالأعشابِ والأزهار وكان الطعام وفيرًا،،، فالسحالي تتغذى على الحشرات والبوم يتغذى على القوارض والطيور الصغيرة والأرانب البرية تأكل من الأعشاب،، أجل،، لقد كان الطعام وفيرًا وهذا ما جعل أم ياوي تلد أربعة هِرر مرة واحدة،، إلا أن تربية أربعة صغار في الصحراء ليس بالأمر السهل فمات الأخ الأضعف لأن أخاه القوي وأختيه دفعوا به وطرحوهُ أرضًا أثناء الرضاعة،، وبالرغم من وفرة الغذاء هذا العام إلا أن أم ياوي إلتهمت ابنها الصغير لتوفر الحليب لمن تَبَقى من أسرته ولكي تحافظ على الجحر من التلوث وتطرد الرائحة التي قد تتسبب بقدوم حيوانات مفترسة،،، ما أعجب قانون الغاب
وبعد أن بَلَغَ ياوي من العمر ستة أشهر جاءته أمه ببعض القوارض الميتة فبدأ يداعبها وهو يعلم أنها ميتة لكي يستعد لمرحلة جديدة من حياته بعد أن تتركه أمه ليعتمد على نفسه في توفير قوت يومه،،،
وفي أحد الأيام ضلَّ ياوي وأخته الطريق، وفجأة ظهر طائر ضخم في الأجواء وانقض على أخت ياوي ولطمها لطمة شديدة،،، سمع ياوي صراخ أخته فتوارى عن الأنظار لكي يتجنب ضربة أخرى من النسر،،، وفي تلك الليلة وبينما كانت أم ياوي عائدة إلى جحرها شعرت بأن مكروهًا قد وقع،،، فقد وُجِدَ ياوي بالقرب من جحره لكي يتفادى النسر الذي كَسَرَ ظهر أخته بمخالبه الحادة،،،
كَبُر ياوي وأخته دون أن يلحق بهما أي حادث مؤسف وانضما إلى أمهما في عمليات الصيد اليومية وتعلما فنون الصيد وتَسلُّق أشجار الصمغ العربي التي تعشش عليها الطيور وتعلما كيف يتجنبا الطيور الجارحة والحيوانات المفترسة،،،
وذات ليلة مظلمة أوشك ياوي أن يلقى مصرعه،،، فبينما كان يطارد جربوعًا في منطقة تكثر فيها البذور والأعشاب وإذا برأسِ ثعبان سام يخرج من الرمال فجأة،، لكن يقظة ياوي جعلته يقفز فجأةً دون أن يلتفت إلى الخلف وبهذه الحادثة يكون ياوي قد تلقَّن درسًا جديدًا من دروس الصحراء وهو أن يبقى متيقظًا أينما يمشي لكي لا تلسعه الثعابين السامة،
وبعد أن أتَمَّ ياوي وأخته الستة أشهر بدأ يظهر على الأم تصرفات غريبة فقد كَثُرَ مواؤها وبدأت تحك رأسها في الرمال وأغصان الشجيرات وأضحت نزقة وسريعة الغضب مع صغارها إذا ما اقترب أحدهم منها،، لذا بدأ ياوي وأخته في الاعتماد على نفسيهما والخروج معًا للصيد،
وبعد مرور يومين على تصرف الأم الجديد مع صغارها ظهر قط جميل على مسرح الأحداث، وقد كان فرو ذلك القط القوي يختلف بلونه عن ياوي وعائلته إلا أن جسمه وذيله لا يختلفان عن جسم وذيل ياوي،،،
ياوي لم يحب هذا القط لأن وجهه أبيض وليس بنيًا فاتحًا كوجه ياوي،،، فهو لا يحب أن ينظر إلاّ للقطط ذات اللون البني الفاتح وذات الذيول المنطقة الشبيهة برمال الصحراء،،، إلا أن أم ياوي ورغم هذه الاختلافات في اللون صادقت القادم الجديد وفي فترة قصيرة، والأدهى من ذلك أنها كانت تصرخ في وجه ابنتها كلما اقتربت من القط الزائر
سمع ياوي نواءً غريبًا، لكنه لم يكن يعرف في هذا السن أن أمه ستلد قططًا صغيرة بعد تسعة أسابيع وأن لون فراءها سيختلف عن لون فرائه وفراء أخته حيث سيختلط اللون البني الفاتح باللون الأبيض مما يُبعد عن القطط التي ستولد صفة البرية ويغيّر في أشكال فرو القطط البرية أو السنور لأجيال قادمة،،،
وبعد أن تحولت القرى الصغيرة الواقعة على أطراف الصحراء إلى مدن بسبب الثَرَاء المفاجئ،، وشقت أوصال الصحراء بشبكة من الطرق وظهرت الوحوش الكاسرة على أشكال سيارات وشاحنات وأقيمت الخيام الصغيرة لكي يستظل فيها رعاة الإبل جاء هؤلاء السكان ومعهم حيواناتهم الأليفة ومنها القطط المنزلية بألوانها المتعددة لتدخل الصحراء العربية للمرأة الأولى،، ولما كانت الحياة في ذلك الوقت موسرة والطعام متوفر بكثرة لوحظ أن القطط المنزلية كانت ضخمة الجسم،، وعندما كان يحين موعد التزاوج، كان ذكور القطط المنزلية يجرأون على الذهاب إلى الصحراء ليظفروا بأنثى من القطط البرية الأصيلة،، وبما أن أجسامهم كانت قوية فقد كانوا دائمًا يفوزون في أي عراك مع ذكور القطط البرية،، وبمرور الأيام والسنين قلّ عدد القطط البرية في الصحراء وتغيرت ألوان ما تبقى منها،،،
وبعد أن شعر ياوي وأخته بتصرف أمهما العدائي، قرر ياوي وأخته الرحيل عن المكان ليبحثا عن رزقهما في مكان آخر في الصحراء،،، وبالفعل رحل ياوي وأخته ليلاً وسط الصحراء المظلمة،،، وفجأة توقف ياوي وأخته أمام طريق أسود اللون واشتما رائحة لم يشماها من قبل، فمشى ياوي وأخته بمحاذاة هذا الطريق على أمل أن يجدا له نهاية ليواصلا سيرهما في الصحراء،، لكنهما لم يجدا نهاية لهذا الطريق،،، وفجأة ظهر عليهما ضوء قوي منبعث من أحد الوحوش الكاسرة التي تسير بأربع عجلات،،، ولما رأى ياوي وأخته هذا الضوء القوي الذي كانت تصاحبه ضجة غريبة جثما في مكانهما دون حراك،،، وبعد أن انقشع ذلك الضوء قرر ياوي وأخته أن يعبرا الطريق،، ولما همَّ ياوي أن يعبر الطريق فوجئ بضوء شديد فقفز بسرعة إلى الجهة الأخرى، لكن أخته التي تركها وسط الطريق كانت أبطأ منه،،، وبعد أن عبر ياوي الطريق توقف ونظر إلى الخلف ليطمئن على أخته بعد ان انقشع الضوء وانخفض ضجيج الوحش الذي عبر الطريق بسرعة هائلة،، نادى ياوي أخته بطريقته الخاصة،، لكن ليس هنالك من مجيب،،، أدرك ياوي أن الوحش الكاسر قد دهس أخته،، ولأن القطط تعيش على الغريزة أكثر من العاطفة لم يتوقف ياوي إلا للحظة قصيرة ثم واصل سيره بعيدًا عن الأضواء المزعجة،
وبينما كان ياوي يسير وسط الصحراء بحثًا عن مكان يستريح فيه ما تبقى من اليوم وبعد أن أشرقت الشمس رأى وجهًا مخيفًا رمادي اللون وقصير الأرجل وذا ذيل شائك وسميك،، ظن ياوي للحظة أن هذا الحيوان ماهو إلا ديناصور وبعد أن تأكد ياوي أنها عظاءة ضخمة الحجم من العظاءات اللاتي يتواجدن في شبه الجزيرة العربية منذ أكثر من خمس وعشرين مليون سنة وأن هذا الحيوان يقتات بعض النباتات، حاول ياوي الذي كان يتضّور جوعًا الانقضاض عليها ليلتهم ذيلها إلا أن تلك العظاءة شعرت بالخطر وعادت إلى جحرها بعد أن تلقى ياوي بعض الوخزات المؤلمة في أنفه،،،
وفي تلك الأثناء كانت عظاءة أخرى على مقربة من موقع الأحداث فلما حاولت الهرب من ياوي وقعت في شرك نُصِبَ على باب جحرها ولم تتمكن من الفرار إلا أن ياوي لم يَرَ كل ذلك وبقيت العظاءة في الفخ تحت حرارة الشمس الشديدة بعد أن انتهت كل محاولاتها للتخلص من الفخ بالفشل،،، وبعد قليل سُمِعَ صوت خطوات تقترب من الشرك وقبل أن تتلقى العظاءة ضربةً قاتلة على رأسها كانت آخر عبارة تسمعها هي: سنصنع من ذيلها وجبة لذيذة،
وتمضي الأيام وبطلنا ياوي يشق طريقه في الصحراء ويقوم بمغامرات ويشاهد غزلانًا جميلة وجِمال وطيور بمختلف الألوان،، إلا أنه لم يقف وجهًا إلى وجه مع إنسان
وبَعْدَ أَن أتَمَّ ياوي عامه الأول أصبح قطًا كبيرًا وقويًا وصادف في الأشهر الأخيرة التي إعتمد فيها على نفسه أعدادًا كبيرة من القطط لكنها جميعًا كانت تختلف عن ياوي الأصيل،،، وقد كان ياوي ينظر إلى إناث هذه القطط بطرف عينه ويتجنب الذكور،، فهو لا يريد إلا قطة من بني جلدته،، ومن نفس لون أمه أو أخته وهو ليس على عجلة من أمره في أن يجد له شريكة حياة فاستمر ياوي في البحث عن قطة عربية أصيلة،،،
وذات يومٍ وبينما كان ياوي يتمشى على الكثبان الرملية ويشم بأنفه الروائح المنبعثة من هنا وهناك سمع صوتًا لم يسمعه من قبل فاقترب ياوي من الصوت ليعرف حقيقة الأمر فرأى قفصًا تصدر منه أصواتًا صاخبة وتفوح منه رائحة طير، ولما كان ياوي جائعًا فقد اقترب من القفص ورأى بداخله خمسة أو ستة طيور، ارتفع صخب الطيور لدى مشاهدتها ل ياوي،، حاول ياوي بمخالبه أن يصل إلى الطيور في القفص لكنه لم يتمكن،، وفجأة سمع ياوي صوتًا لطائر سمَّان كان يقف طليقًا،، اتجه ياوي نحو الطائر لكي يلتهمه فوقع ياوي في الفخ لكنه حاول مرات ومرات أن يتخلص من الفخ إلا أنه لم يستطع ووجد نفسه محاطًا بكومة من الأسلاك،،، فلما رأى ياوي أن وجهه ومخالبه تلطخت بالدماء سكن عن الحراك واستسلم للأمر الواقع،،، ظل ياوي ينتظر إلى أن برزت أول خيوط الفجر،، سمع ياوي صوتًا مشابهًا لصوت الوحش الكاسر الذي قتل أخته فانتصب شعرهُ وبدا مسعورًا، وبعد أن توقف الصوت المرعب سمع صوت أبواب تغلق وترجل من السيارة رجلان اتجها مباشرة إلى مكان الشرك الذي وقع فيه ياوي، اقترب الرجلان من الفخ ببطء وهدوء وسمِعَ أحد الرجلين يهلل فرحًا ويقول: يا للحظ السعيد،،، اصطدنا هرًا بريًا،
وفجأة خفت الضوء بعد أن وضع أحد الرجلين كيسًا من الخيش فوق الشرك وقام بنقل ياوي إلى السيارة، جلس ياوي هادئًا طيلة الرحلة المجهولة في السيارة التي استغرقت قرابة الساعة،
وصل الرجلان إلى وجهتهما وبعد أن رُفع الكيس عنه انطلق ياوي بسرعة فائقة محاولاً الهرب بعد أن خدش اليد التي رفعت عنه الكيس لكنه واجه سورًا من الأسلاك فحاول تسلق السور دون تردد لكنه وصل سقف القفص ولم يجد مكانًا للهرب،،، وبعد أن استنزفت قواه وبدأ يلهث جلس ياوي حزينًا يضمد جراحه ورأى حوله جمعًا كبيرًا من الناس جاءوا من أماكن مختلفة لرؤيته،
انتظر ياوي حلول الظلام لعله يجد مخرجًا،،، وعند بداية حلول الظلام رأى ياوي قفصًا آخرًا وبداخله هرةً تشبهه تمامًا فاقترب ياوي من الهرة فتحدث إليها ياوي بلغته الخاصة لكن الهرة لم تجب لأن ذكور القطط لا يعنون لها شيئًا في هذه الأوقات العصيبة وبعد أن غابت الشمس عاد أحد الأشخاص إلى ياوي ووضع أمامه وجبة لذيذة من الدجاج إلا أن ياوي لم يقترب منها لأنه فقد شهيته عن الطعام فهو لا يريد إلا أن يخرج من هذا القفص المقيت،،، استمر ياوي مضربًا عن الطعام مدة يومين ولم يكن ليأكل شيئًا لولا أنه رأى جارته تُقبل على الطعام بشهية،،، استمر ياوي في الإختباء في صندوق الخشب داخل القفص كلما جاء الناس لمشاهدته واستمر على هذا الحال لعدة أشهر إلى أن اعتاد على هذا المشهد،،،
وبعد مرور بضعة أشهر بدأ يصدر من جارته تصرفًا غريبًا تمامًا كما صدر من أمه ذات مرة،،، شعر ياوي أنه قد جُذِب إلى جارته الهرة وبدأ يصرخ بصوت صاخب،،، ولما سَمِعَ الرجلان هذا الضجيج جاءا إلى القفص وفتحا بابًا بين القفصين،،، أخيرًا وجد ياوي فتاة أحلامه التي يطمح بها،، ورغم الوقت القصير الذي قضاه في القفص المجاور إلا أنه كان مقتنعًا وراضيًا بعد أن عاد إلى قفصه،،،
وبعد تسعة أسابيع ولدت الهرة ثلاث قطط صغيرة تشبه ياوي إلى حد كبير لكن ياوي لم يتمكن من رؤية صغاره إلا بعد مرور أربعة أسابيع،،، لكن ياوي لم يهتم كثيرًا لهذا الأمر لأن الأم هي التي تتكفل برعاية صغارها،، أما ياوي فقد أدى دوره في الحفاظ على جنسه من الانقراض،،،
عاش ياوي في قفصه المجاور لقفص زوجته لسنوات عدة وقد كانت زوجته تنجب عددًا من القطط مرتين في كل عام،، وبعد أن تكبر كانت تلك القطط تُنْقَل إلى حدائق الحيوانات في أوروبا وأمريكا،،، لذا يا أطفال إذا سافرتم إلى حديقة حيوان سان دياغو في الولايات المتحدة ورأيتم يافطة كُتِبَ عليها هرر الغوردون البرية فاعلموا أن هذه القطط جاءت من شبه الجزيرة العربية وأعلموا أنها قطط عربية أصيلة وليست مهجنة،، وأنه إذا ما إختفت هذه القطط من الصحراء العربية فهي ستوجد على الأقل في حدائق الحيوانات بدلاً من أن تنقرض تمامًا كما حدث في سفينة نوح التي حملت على متنها زوجين من كل حيوان وطائر لكي يحفظها الله سبحانه وتعالى من الطوفان،،،
واعلموا أيها الأطفال الأحباء أن صيد الحيوانات والطيور ممنوع على الهواة والصيادين،،، أما إذا دعت الضرورة لاصطياد حيوان كما حدث مع ياوي فلا بأس في ذلك للمحافظة على أصالته ولإتمام برنامج التوالد الذي بُدئ في تطبيقه في إمارة دبي بدولة الإمارات العربية المتحدة عام 6891م،،،، وأعلموا أحبائي الأطفال أن ما يزيد عن خمسين هرًا بريًا من هرر الغردوني تعيش في خمس عشرة حديقة حيوان في جميع أنحاء العالم،،، وأن برنامج التوالد قد أصبح جزءًا من نشاطات صندوق حماية النمر العربي عام 3991م ونحن الآن بحاحة إلى عينات جديدة من القطط البرية لتحسين نسل المواليد الجدد من القطط البرية وزيادة أعدادها،

منقول
0
711

يلزم عليك تسجيل الدخول أولًا لكتابة تعليق.

تسجيل دخول

خليك أول من تشارك برأيها   💁🏻‍♀️