يوميات مديرة (( المركز ))

الأدب النبطي والفصيح

يوميات مديرة
المركز

نعرف المركز دائما ونبدأ في رسم الدوائر , نضع النقطة ثم نستعمل فن الهندسة لرسمها ومهما صغرت أو كبرت يبقى المركز هو هو لا يتغير
وكلنا له مركز ينطلق منه راسما دوائره بمرسلات من نفسه أو مما تعلمه , تهتز يده أحيانا فيخرج خط محيط الدائرة عن المألوف ويكون معوجا أو سابحا في بحر حياته ولكنه إن أراد طوق النجاة يعود للمركز ليحاول رسم دائرة صحيحة صغيرة أو كبيرة ..... المهم أن يبدأ من تلك النقطة الصغيرة .
واستسلمت في يومي هذا لدائرة هادئة أخرجت أنصاف الأقطار منها وسكبت كياني في دقة استدارتها فكانت فعاليات نهاري دوائر تتابعت ولكن من مركز واحد حتى تناغم العزف وشدا الكل .
والهدوء يلف المكان والنقاء ندى على زهور الياسمين البيضاء التي تنتشر هنا وهناك ارتفع آذان الظهر بصوت نسيم وسمعت الأقدام المتراكضة للمصليات كأنها الحفيف الورقي أو كأنها أصوات الزهور التي تسقط من أشجار وارفة كبيرة مثمرة على نهر فتحدث فيها دوائر ودوائر متلاحقة مركزها تلك الورود وينعم النسيم بتحريكها .
وتحرك الهواء في غرفتي وأنا سادرة في التأمل لكنه هذه المرة يحمل صوت رجل وامرأة !
دخلا , المرأة جاوزت الستين تضع على رأسها شالا بعفوية يتساقط بين الفينة والأخرى ليظهر شعرا منسقا خال من أضواء العمر المتلاحقة , تعيد وضع الشال وتنفذ بنظراتها نحوي لترى انطباع انزلاق غطاء رأسها الصغير علي , وبخبرة كبيرة تبادرني بابتسامة متكلفة ..............تلقي التحية ....... تصادر أولى ملاحظاتي وتحجمها فأصمت لتتبارى هي والأخ في التفنن بالمديح
-- ماشاء الله ..ما شاء الله والله لو مت الآن فلا أبالي فلقد رأيت ما كنت أحلم به , صغارا يتسابقون للصلاة دون إكراه وبفرح
لم أعقب فالهواء المنبعث من فيهما لم يكن هادئا .كان صارخا حتى أحسست أنني سأصم , وتمنيت إنقاذا من الخارج للخلوص من شرك المجاملات فخيوطها باتت تخنقني .
ومن خلف باب الغرفة لمحت أرجلا صغيرة تحاول إظهار وجودها ثم تخذلها الشجاعة فتطوي محاولاتها هاربة , لتعود ثانية ورباط الحذاء الرياضي الذي كان أبيضا يوما ما ينبيء عن تواجد صاحبه الصغير
وبسرعة انطلقت نحو الباب لأجر الصغير , وضحك الضيفان وتفلت مني الصغير في حضن جدته ذات الستين خريفا تقريبا ...دفن صيف عيونه المشرقة في حضنها وكلما كان ينظر إلي كان يضع أصابعه الصغيرة يغطي بها وجهها ويترك فراغا بينهما لينظر مبتسما .
- إنه حفيدي .. انبرى الرجل المتأنق لفظا يقول
جئناك بخدمة من أجل أخته لمياء , وابتدأ التوتر وكأني سمعت صوت ورق شجر يتقصف ولا يرف وخفتت نبرات المديح إلى موجة أخف كدت لا أسمعها وانسابت نغمات حزينة أو تتبرج لحزن كي يقترنا لتخرج عبارات منهما علها تؤثر بي .
- إن لمياء في الصف السادس وقد رسبت العام الماضي
- آه ما أجملها , ما أرقها , وما أحلى صلاتها إنها تترك الدنيا كلها من أجل الصلاة , تقبل يد أمها وابيها ليل نهار ...... لاتفتأ تذكركم بأحلى العبارات كم تحبكم !!!!
وابتدأت حكايات جدتي وسلة تفاحها النضر وفطائرها المتقنة , كلها أمامي ومن فم السيدة تحكي بافتتان ما تصنع لمياء المعجزة
- ولكنها .....وصمتت
مؤثرات خلفية ........ذاك ما كان ينقص وأكمل الرجل , ولكنها للأسف ترسب للمرة الثانية في المواد الأساسية ونحن بحاجة لمساعدتك حتى تتخطى المرحلة الابتدائية
- هناك الكثير من صفوف التقوية ولا أشك أن ابنتكم من المعنيات ...عموما سألاحق الموضوع , أردت أن أتنفس ! فأنا أعلم من هي لمياء الحقيقية وليست كبطلة مسرحيتهم أو حكاياتهم الأسطورية
- لالا ولكنها رسبت في امتحان التقوية أيضا
- ............ (( كان ردي ))
- جئناك نرجوك
- بم ؟؟؟؟؟؟؟ أجبتهم
- أن تطلبي من المعلمات رفع درجاتها لأنها إن رسبت ........ وتوقفا و تعلمين ماذا يعني ذلك البنت أصبحت في الثالثة عشرة وهي أكبر من قريناتها
أحسست بالدماء الحارة تتدافع ورفضت طبعا وطلبت منهم إعانتها قدر الإمكان , أعطيتهم حلولا وعرضت عليهم جمعم مجددا بالمعلمات ولكن وفجأة .ارتطم شيء في موجي , هزه وأحدث أكبر دائرة في يومي هذا على أقل تقدير , كانت عنيفة لدرجة أني أنا من كان يرتجف فصوت الجدة كان مجلجلا قويا محمسا
- يا حضرة المديرة , لقد جربنا كل شيء ....... لا فائدة لقد تعقدت البنت
وحزنت من أجلها وكنت أنوي أن أعرض عليهما دروسا مكثفة أساسية ولها خاصة ولكنها عاجلتني بقولها :
- أنظري ........ وأخرجت من حقيبتها مغلفا وضعته أمامي وقالت بجرأة وتمنن
- هذا لك
أمسكت بالمغلف وارتجاف في قلبي ينبئني بشيء وكأني أجد حفرة سوداء تفتح فمها تنتظر القادم الغافل ليقع فيها وفضضته فارتطم شيء آخر بموجي الهادر هذه المرة ليلحق بالآخر ,
كان فيه شيكا بمبلغ محترم
توقف الزمن
ولم يكن وقت دفع أقساط حتى تتدافع تبريراتهم
وتوقفت الأحرف في حلقي ثم استجمعت قوتي متعجبة كيف أكون بهذا الحال ولا أقدر على الكلام وهم يحفرون في عمق نزاهتي ولا يبالون
- ما هذا ؟؟ هذا ما استطعت قوله
- إنه لك مقابل أن تنجحيها
أحسست أني أدور وأدور في حلقات مظلمة تلفني وتلك الحلقات كانت ملتهبة بنيران غضب , بنيران ألم كانت تقترب مني وأنا في مركزها وذاك المغلف في يدي كوقود يزيد ضرامها
وعدت لوعيي على صوت أجش من الرجل يستأذن ظانا بقبولي فهببت مخترقة نيران حلقاتي وأمسكت بالشيك وبيد المرأة ووضعته ضاغطة على يدها بكل قوتي
- وقلت وأنا في قمة الغضب
قبل أن يحتويكما الشارع الضيق المقابل لمدرستي وقبل أن تحرفا رؤوسكما عن باب مدرستي
أحملكما إثمكما وتفكيركما المشين ولولا أني لا أريد أن تكبر المواضيع لقدمتكما للتحقيق وسأحتسب أني لم أسمع ولم أر , وستظل دائرتي وأثيرها أنقى من أن تحاول غربانكم تلويثها بسوادها
وانطلق الاثنان
وتملكني مع الغضب حزن على ما فعلا وعلى ذلك الصغير الذي كانت المرأة تحتضنه .......ماذا تربي فيه يا ترى ؟؟؟؟؟؟
كيف تكون هي مركز دوائره التي سيرسمها أو ترسم له في حياته . وكم من مركز تالف يرسم دوائر معوجة أو ناقصة لا نستطيع تقويمها
وعلمت أن صلاح المركز ..بصلاح كل المحيطات ..وكل الخطوط .
1
1K

يلزم عليك تسجيل الدخول أولًا لكتابة تعليق.

تسجيل دخول

بحور 217
بحور 217
أعجبتني يا صباحي ....

وليس ذلك جديد !!!!!

جميلة جدا أمواجك الصادرة عن مركز ثابت لاتزعزعه الرياح

كم هي عظيمة مسؤولية المركز ... وكم نظلم أنفسنا قبل غيرنا عندما ننسى أنه ينبغي لنا الثبات ليرسموا حولنا دوائرهم بسلام


شكرا لهذه اللفتة