أمي نبضي ودمي 2
سورة الزمر إلى 40 "تم"
الحمد والشكر لله

أمي نبضي ودمي 2
يتبع تفسير سورة الزمر


41‏]‏ ‏{‏إِنَّا أَنْزَلْنَا عَلَيْكَ الْكِتَابَ لِلنَّاسِ بِالْحَقِّ فَمَنِ اهْتَدَى فَلِنَفْسِهِ وَمَنْ ضَلَّ فَإِنَّمَا يَضِلُّ عَلَيْهَا وَمَا أَنْتَ عَلَيْهِمْ بِوَكِيلٍ‏}
يخبر تعالى أنه أنزل على رسوله الكتاب المشتمل على الحق، في أخباره وأوامره ونواهيه، الذي هو مادة الهداية، وبلاغ لمن أراد الوصول إلى اللّه وإلى دار كرامته، وأنه قامت به الحجة على العالمين‏.‏
‏{‏فَمَنِ اهْتَدَى‏}‏ بنوره واتبع أوامره فإن نفع ذلك يعود إلى نفسه ‏{‏وَمَنْ ضَلَّ‏}‏ بعدما تبين له الهدى ‏{‏فَإِنَّمَا يَضِلُّ عَلَيْهَا‏}‏ لا يضر اللّه شيئا‏.‏ ‏{‏وَمَا أَنْتَ عَلَيْهِمْ بِوَكِيلٍ‏}‏ تحفظ عليهم أعمالهم وتحاسبهم عليها، وتجبرهم على ما تشاء، وإنما أنت مبلغ تؤدي إليهم ما أمرت به‏.‏
‏‏ ‏{‏اللَّهُ يَتَوَفَّى الْأَنْفُسَ حِينَ مَوْتِهَا وَالَّتِي لَمْ تَمُتْ فِي مَنَامِهَا فَيُمْسِكُ الَّتِي قَضَى عَلَيْهَا الْمَوْتَ وَيُرْسِلُ الْأُخْرَى إِلَى أَجَلٍ مُسَمًّى إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَاتٍ لِقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ‏}
يخبر تعالى أنه المتفرد بالتصرف بالعباد، في حال يقظتهم ونومهم، وفي حال حياتهم وموتهم، فقال‏:‏ ‏{‏اللَّهُ يَتَوَفَّى الْأَنْفُسَ حِينَ مَوْتِهَا‏}‏ وهذه الوفاة الكبرى، وفاة الموت‏.‏
وإخباره أنه يتوفى الأنفس وإضافة الفعل إلى نفسه، لا ينافي أنه قد وكل بذلك ملك الموت وأعوانه، كما قال تعالى‏:‏ ‏{‏قُلْ يَتَوَفَّاكُمْ مَلَكُ الْمَوْتِ الَّذِي وُكِّلَ بِكُم‏}‏ ‏{‏حَتَّى إِذَا جَاءَ أَحَدَكُمُ الْمَوْتُ تَوَفَّتْهُ رُسُلُنَا وَهُمْ لَا يُفَرِّطُونَ‏}‏ لأنه تعالى يضيف الأشياء إلى نفسه، باعتبار أنه الخالق المدبر، ويضيفها إلى أسبابها، باعتبار أن من سننه تعالى وحكمته أن جعل لكل أمر من الأمور سببا‏.‏
وقوله‏:‏ ‏{‏وَالَّتِي لَمْ تَمُتْ فِي مَنَامِهَا‏}‏ وهذه الموتة الصغرى، أي‏:‏ ويمسك النفس التي لم تمت في منامها، ‏{‏فَيُمْسِكُ‏}‏ من هاتين النفسين النفس ‏{‏الَّتِي قَضَى عَلَيْهَا الْمَوْتَ‏}‏ وهي نفس من كان مات، أو قضي أن يموت في منامه‏.‏
‏{‏وَيُرْسِلُ‏}‏ النفس ‏{‏الْأُخْرَى إِلَى أَجَلٍ مُسَمًّى‏}‏ أي‏:‏ إلى استكمال رزقها وأجلها‏.‏ ‏{‏إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَاتٍ لِقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ‏}‏ على كمال اقتداره، وإحيائه الموتى بعد موتهم‏.‏
وفي هذه الآية دليل على أن الروح والنفس جسم قائم بنفسه، مخالف جوهره جوهر البدن، وأنها مخلوقة مدبرة، يتصرف اللّه فيها في الوفاة والإمساك والإرسال، وأن أرواح الأحياء والأموات تتلاقى في البرزخ، فتجتمع، فتتحادث، فيرسل اللّه أرواح الأحياء، ويمسك أرواح الأموات‏.‏
‏‏ ‏{‏أَمِ اتَّخَذُوا مِنْ دُونِ اللَّهِ شُفَعَاءَ قُلْ أَوَلَوْ كَانُوا لَا يَمْلِكُونَ شَيْئًا وَلَا يَعْقِلُونَ * قُلْ لِلَّهِ الشَّفَاعَةُ جَمِيعًا لَهُ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ ثُمَّ إِلَيْهِ تُرْجَعُونَ‏}
ينكر تعالى، على من اتخذ من دونه شفعاء يتعلق بهم ويسألهم ويعبدهم‏.‏ ‏{‏قُل‏}‏ لهم ـ مبينا جهلهم، وأنها لا تستحق شيئا من العبادةـ ‏:‏ ‏{‏أَوَلَوْ كَانُوا‏}‏ أي‏:‏ من اتخذتم من الشفعاء ‏{‏لَا يَمْلِكُونَ شَيْئًا‏}‏ أي‏:‏ لا مثقال ذرة في السماوات ولا في الأرض، ولا أصغر من ذلك ولا أكبر، بل وليس لهم عقل، يستحقون أن يمدحوا به، لأنها جمادات من أحجار وأشجار وصور وأموات،‏.‏فهل يقال‏:‏ إن لمن اتخذها عقلا‏؟‏ أم هو من أضل الناس وأجهلهم وأعظمهم ظلما‏؟‏‏.‏
‏{‏قُل‏}‏ لهم‏:‏ ‏{‏لِلَّهِ الشَّفَاعَةُ جَمِيعًا‏}‏ لأن الأمر كله للّه‏.‏وكل شفيع فهو يخافه، ولا يقدر أن يشفع عنده أحد إلا بإذنه، فإذا أراد رحمة عبده، أذن للشفيع الكريم عنده أن يشفع، رحمة بالاثنين‏.‏ ثم قرر أن الشفاعة كلها له بقوله ‏{‏لَهُ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ‏}‏ أي‏:‏ جميع ما فيهما من الذوات والأفعال والصفات‏.‏ فالواجب أن تطلب الشفاعة ممن يملكها، وتخلص له العبادة‏.‏ ‏{‏ثُمَّ إِلَيْهِ تُرْجَعُونَ‏}‏ فيجازي المخلص له بالثواب الجزيل، ومن أشرك به بالعذاب الوبيل‏.‏
‏‏ ‏{‏وَإِذَا ذُكِرَ اللَّهُ وَحْدَهُ اشْمَأَزَّتْ قُلُوبُ الَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِالْآخِرَةِ وَإِذَا ذُكِرَ الَّذِينَ مِنْ دُونِهِ إِذَا هُمْ يَسْتَبْشِرُونَ * قُلِ اللَّهُمَّ فَاطِرَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ عَالِمَ الْغَيْبِ وَالشَّهَادَةِ أَنْتَ تَحْكُمُ بَيْنَ عِبَادِكَ فِي مَا كَانُوا فِيهِ يَخْتَلِفُونَ‏}‏
يذكر تعالى حالة المشركين، وما الذي اقتضاه شركهم أنهم ‏{‏إِذَا ذُكِرَ اللَّهُ‏}‏ توحيدا له، وأمر بإخلاص الدين له، وترك ما يعبد من دونه، أنهم يشمئزون وينفرون، ويكرهون ذلك أشد الكراهة‏.‏
{‏وَإِذَا ذُكِرَ الَّذِينَ مِنْ دُونِهِ‏}‏ من الأصنام والأنداد، ودعا الداعي إلى عبادتها ومدحها، ‏{‏إِذَا هُمْ يَسْتَبْشِرُونَ‏}‏ بذلك، فرحا بذكر معبوداتهم، ولكون الشرك موافقا لأهوائهم، وهذه الحال أشر الحالات وأشنعها، ولكن موعدهم يوم الجزاء‏.‏ فهناك يؤخذ الحق منهم، وينظر‏:‏ هل تنفعهم آلهتهم التي كانوا يدعون من دون اللّه شيئا‏؟‏‏.‏
ولهذا قال ‏{‏قُلِ اللَّهُمَّ فَاطِرَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ‏}‏ أي‏:‏ خالقهما ومدبرهما‏.‏ ‏{‏عَالِمَ الْغَيْبِ‏}‏ الذي غاب عن أبصارنا وعلمنا ‏{‏وَالشَّهَادَةِ‏}‏ الذي نشاهده‏.‏
‏{‏أَنْتَ تَحْكُمُ بَيْنَ عِبَادِكَ فِي مَا كَانُوا فِيهِ يَخْتَلِفُونَ‏}‏ وإن من أعظم الاختلاف اختلاف الموحدين المخلصين القائلين‏:‏ إن ما هم عليه هو الحق، وإن لهم الحسنى في الآخرة دون غيرهم، والمشركين الذين اتخذوا من دونك الأنداد والأوثان، وسووا فيك من لا يسوى شيئا، وتنقصوك غاية التنقص، واستبشروا عند ذكر آلهتهم، واشمأزوا عند ذكرك، وزعموا مع هذا أنهم على الحق وغيرهم على الباطل، وأن لهم الحسنى‏.‏
قال تعالى‏:‏ ‏{‏إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَالَّذِينَ هَادُوا وَالصَّابِئِينَ وَالنَّصَارَى وَالْمَجُوسَ وَالَّذِينَ أَشْرَكُوا إِنَّ اللَّهَ يَفْصِلُ بَيْنَهُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ إِنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ شَهِيدٌ‏}
وقد أخبرنا بالفصل بينهم بعدها بقوله‏:‏ ‏{‏هَذَانِ خَصْمَانِ اخْتَصَمُوا فِي رَبِّهِمْ فَالَّذِينَ كَفَرُوا قُطِّعَتْ لَهُمْ ثِيَابٌ مِنْ نَارٍ يُصَبُّ مِنْ فَوْقِ رُءُوسِهِمُ الْحَمِيمُ يُصْهَرُ بِهِ مَا فِي بُطُونِهِمْ وَالْجُلُودُ وَلَهُمْ مَقَامِعُ مِنْ حَدِيدٍ‏}‏ إلى أن قال‏:‏ ‏{‏إِنَّ اللَّهَ يُدْخِلُ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ يُحَلَّوْنَ فِيهَا مِنْ أَسَاوِرَ مِنْ ذَهَبٍ وَلُؤْلُؤًا وَلِبَاسُهُمْ فِيهَا حَرِيرٌ‏}
وقال تعالى‏:‏ ‏{‏الَّذِينَ آمَنُوا وَلَمْ يَلْبِسُوا إِيمَانَهُمْ بِظُلْمٍ أُولَئِكَ لَهُمُ الْأَمْنُ وَهُمْ مُهْتَدُونَ‏}‏ ‏{‏إِنَّهُ مَنْ يُشْرِكْ بِاللَّهِ فَقَدْ حَرَّمَ اللَّهُ عَلَيْهِ الْجَنَّةَ وَمَأْوَاهُ النَّارُ‏}‏ ففي هذه الآية، بيان عموم خلقه تعالى وعموم علمه، وعموم حكمه بين عباده،‏.‏فقدرته التي نشأت عنها المخلوقات، وعلمه المحيط بكل شيء، دال على حكمه بين عباده وبعثهم، وعلمه بأعمالهم، خيرها وشرها، وبمقادير جزائها، وخلقه دال على علمه ‏{‏أَلَا يَعْلَمُ مَنْ خَلَقَ‏}
‏‏ ‏{‏وَلَوْ أَنَّ لِلَّذِينَ ظَلَمُوا مَا فِي الْأَرْضِ جَمِيعًا وَمِثْلَهُ مَعَهُ لَافْتَدَوْا بِهِ مِنْ سُوءِ الْعَذَابِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَبَدَا لَهُمْ مِنَ اللَّهِ مَا لَمْ يَكُونُوا يَحْتَسِبُونَ * وَبَدَا لَهُمْ سَيِّئَاتُ مَا كَسَبُوا وَحَاقَ بِهِمْ مَا كَانُوا بِهِ يَسْتَهْزِئُونَ‏}
لما ذكر تعالى أنه الحاكم بين عباده، وذكر مقالة المشركين وشناعتها، كأن النفوس تشوقت إلى ما يفعل اللّه بهم يوم القيامة، فأخبر أن لهم ‏{‏سُوءَ الْعَذَابِ‏}‏ أي‏:‏ أشده وأفظعه، كما قالوا أشد الكفر وأشنعه، وأنهم على ـ الفرض والتقدير ـ لو كان لهم ما في الأرض جميعا، من ذهبها وفضتها ولؤلؤها وحيواناتها وأشجارها وزروعها وجميع أوانيها وأثاثها ومثله معه، ثم بذلوه يوم القيامة ليفتدوا به من العذاب وينجوا منه، ما قبل منهم، ولا أغنى عنهم من عذاب اللّه شيئا، ‏{‏يَوْمَ لَا يَنْفَعُ مَالٌ وَلَا بَنُونَ إِلَّا مَنْ أَتَى اللَّهَ بِقَلْبٍ سَلِيمٍ‏}
{‏وَبَدَا لَهُمْ مِنَ اللَّهِ مَا لَمْ يَكُونُوا يَحْتَسِبُونَ‏}‏ أي‏:‏ يظنون من السخط العظيم، والمقت الكبير، وقد كانوا يحكمون لأنفسهم بغير ذلك‏.‏
{‏وَبَدَا لَهُمْ سَيِّئَاتُ مَا كَسَبُوا‏}‏ أي‏:‏ الأمور التي تسوؤهم، بسبب صنيعهم وكسبهم‏.‏ ‏{‏وَحَاقَ بِهِمْ مَا كَانُوا بِهِ يَسْتَهْزِئُونَ‏}‏ من الوعيد والعذاب الذي نزل بهم، وما حل عليهم العقاب‏.‏
‏‏ ‏{‏فَإِذَا مَسَّ الْإِنْسَانَ ضُرٌّ دَعَانَا ثُمَّ إِذَا خَوَّلْنَاهُ نِعْمَةً مِنَّا قَالَ إِنَّمَا أُوتِيتُهُ عَلَى عِلْمٍ بَلْ هِيَ فِتْنَةٌ وَلَكِنَّ أَكْثَرَهُمْ لَا يَعْلَمُونَ * قَدْ قَالَهَا الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ فَمَا أَغْنَى عَنْهُمْ مَا كَانُوا يَكْسِبُونَ * فَأَصَابَهُمْ سَيِّئَاتُ مَا كَسَبُوا وَالَّذِينَ ظَلَمُوا مِنْ هَؤُلَاءِ سَيُصِيبُهُمْ سَيِّئَاتُ مَا كَسَبُوا وَمَا هُمْ بِمُعْجِزِينَ * أَوَلَمْ يَعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ يَبْسُطُ الرِّزْقَ لِمَنْ يَشَاءُ وَيَقْدِرُ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَاتٍ لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ‏}‏
يخبر تعالى عن حالة الإنسان وطبيعته، أنه حين يمسه ضر، من مرض أو شدة أو كرب‏.‏ ‏{‏دَعَانَا‏}‏ ملحا في تفريج ما نزل به ‏{‏ثُمَّ إِذَا خَوَّلْنَاهُ نِعْمَةً مِنَّا‏}‏ فكشفنا ضره وأزلنا مشقته، عاد بربه كافرا، ولمعروفه منكرا‏.‏ و ‏{‏قَالَ إِنَّمَا أُوتِيتُهُ عَلَى عِلْمٍ‏}‏ أي‏:‏ علم من اللّه، أني له أهل، وأني مستحق له، لأني كريم عليه، أو على علم مني بطرق تحصيله‏.‏
قال تعالى‏:‏ ‏{‏بَلْ هِيَ فِتْنَةٌ‏}‏ يبتلي اللّه به عباده، لينظر من يشكره ممن يكفره‏.‏ ‏{‏وَلَكِنَّ أَكْثَرَهُمْ لَا يَعْلَمُونَ‏}‏ فلذلك يعدون الفتنة منحة، ويشتبه عليهم الخير المحض، بما قد يكون سببا للخير أو للشر‏.‏
قال تعالى‏:‏ ‏{‏قَدْ قَالَهَا الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِم‏}‏ أي‏:‏ قولهم ‏{‏إِنَّمَا أُوتِيتُهُ عَلَى عِلْمٍ‏}‏ فما زالت متوارثة عند المكذبين، لا يقرون بنعمة ربهم، ولا يرون له حقا،‏.‏فلم يزل دأبهم حتى أهلكوا، ولم يغن ‏{‏عَنْهُمْ مَا كَانُوا يَكْسِبُونَ‏}‏ حين جاءهم العذاب‏.‏
{‏فَأَصَابَهُمْ سَيِّئَاتُ مَا كَسَبُوا‏}‏ والسيئات في هذا الموضع‏:‏ العقوبات، لأنها تسوء الإنسان وتحزنه‏.‏ ‏{‏وَالَّذِينَ ظَلَمُوا من هؤلاء سَيُصِيبُهُمْ سَيِّئَاتُ مَا كَسَبُوا‏}‏ فليسوا خيرا من أولئك، ولم يكتب لهم براءة في الزبر‏.‏
ولما ذكر أنهم اغتروا بالمال، وزعموا ـ بجهلهم ـ أنه يدل على حسن حال صاحبه، أخبرهم تعالى، أن رزقه، لا يدل على ذلك، وأنه ‏{‏يَبْسُطُ الرِّزْقَ لِمَنْ يَشَاءُ‏}‏ من عباده، سواء كان صالحا أو طالحا ‏{‏وَيَقْدِرُ‏}‏ الرزق، أي‏:‏ يضيقه على من يشاء، صالحا أو طالحا، فرزقه مشترك بين البرية،‏.‏والإيمان والعمل الصالح يخص به خير البرية‏.‏ ‏{‏إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَاتٍ لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ‏}‏ أي‏:‏ بسط الرزق وقبضه، لعلمهم أن مرجع ذلك، عائد إلى الحكمة والرحمة، وأنه أعلم بحال عبيده، فقد يضيق عليهم الرزق لطفا بهم، لأنه لو بسطه لبغوا في الأرض، فيكون تعالى مراعيا في ذلك صلاح دينهم الذي هو مادة سعادتهم وفلاحهم، واللّه أعلم‏.‏
‏‏ ‏{‏قُلْ يَا عِبَادِيَ الَّذِينَ أَسْرَفُوا عَلَى أَنْفُسِهِمْ لَا تَقْنَطُوا مِنْ رَحْمَةِ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ جَمِيعًا إِنَّهُ هُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ * وَأَنِيبُوا إِلَى رَبِّكُمْ وَأَسْلِمُوا لَهُ مِنْ قَبْلِ أَنْ يَأْتِيَكُمُ الْعَذَابُ ثُمَّ لَا تُنْصَرُونَ * وَاتَّبِعُوا أَحْسَنَ مَا أُنْزِلَ إِلَيْكُمْ مِنْ رَبِّكُمْ مِنْ قَبْلِ أَنْ يَأْتِيَكُمُ الْعَذَابُ بَغْتَةً وَأَنْتُمْ لَا تَشْعُرُونَ * أَنْ تَقُولَ نَفْسٌ يَا حَسْرَتَا عَلَى مَا فَرَّطْتُ فِي جَنْبِ اللَّهِ وَإِنْ كُنْتُ لَمِنَ السَّاخِرِينَ * أَوْ تَقُولَ لَوْ أَنَّ اللَّهَ هَدَانِي لَكُنْتُ مِنَ الْمُتَّقِينَ * أَوْ تَقُولَ حِينَ تَرَى الْعَذَابَ لَوْ أَنَّ لِي كَرَّةً فَأَكُونَ مِنَ الْمُحْسِنِينَ * بَلَى قَدْ جَاءَتْكَ آيَاتِي فَكَذَّبْتَ بِهَا وَاسْتَكْبَرْتَ وَكُنْتَ مِنَ الْكَافِرِينَ‏}‏
يخبر تعالى عباده المسرفين بسعة كرمه، ويحثهم على الإنابة قبل أن لا يمكنهم ذلك فقال‏:‏ ‏{‏قُل‏}‏ يا أيها الرسول ومن قام مقامه من الدعاة لدين اللّه، مخبرا للعباد عن ربهم‏:‏ ‏{‏يَا عِبَادِيَ الَّذِينَ أَسْرَفُوا عَلَى أَنْفُسِهِم‏}‏ باتباع ما تدعوهم إليه أنفسهم من الذنوب، والسعي في مساخط علام الغيوب‏.‏
{‏لَا تَقْنَطُوا مِنْ رَحْمَةِ اللَّهِ‏}‏ أي‏:‏ لا تيأسوا منها، فتلقوا بأيديكم إلى التهلكة، وتقولوا قد كثرت ذنوبنا وتراكمت عيوبنا، فليس لها طريق يزيلها ولا سبيل يصرفها، فتبقون بسبب ذلك مصرين على العصيان، متزودين ما يغضب عليكم الرحمن، ولكن اعرفوا ربكم بأسمائه الدالة على كرمه وجوده، واعلموا أنه يغفر الذنوب جميعا من الشرك، والقتل، والزنا، والربا، والظلم، وغير ذلك من الذنوب الكبار والصغار‏.‏ ‏{‏إِنَّهُ هُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ‏}‏ أي‏:‏ وصفه المغفرة والرحمة، وصفان لازمان ذاتيان، لا تنفك ذاته عنهما، ولم تزل آثارهما سارية في الوجود، مالئة للموجود،‏.‏تسح يداه من الخيرات آناء الليل والنهار، ويوالي النعم على العباد والفواضل في السر والجهار، والعطاء أحب إليه من المنع، والرحمة سبقت الغضب وغلبته، ‏.‏ولكن لمغفرته ورحمته ونيلهما أسباب إن لم يأت بها العبد، فقد أغلق على نفسه باب الرحمة والمغفرة، أعظمها وأجلها، بل لا سبب لها غيره، الإنابة إلى اللّه تعالى بالتوبة النصوح، والدعاء والتضرع والتأله والتعبد،‏.‏ فهلم إلى هذا السبب الأجل، والطريق الأعظم‏.‏
ولهذا أمر تعالى بالإنابة إليه، والمبادرة إليها فقال‏:‏ ‏{‏وَأَنِيبُوا إِلَى رَبِّكُم‏}‏ بقلوبكم ‏{‏وَأَسْلِمُوا لَهُ‏}‏ بجوارحكم، إذا أفردت الإنابة، دخلت فيها أعمال الجوارح، وإذا جمع بينهما، كما في هذا الموضع، كان المعنى ما ذكرنا‏.‏
وفي قوله ‏{‏إِلَى رَبِّكُمْ وَأَسْلِمُوا لَهُ‏}‏ دليل على الإخلاص، وأنه من دون إخلاص، لا تفيد الأعمال الظاهرة والباطنة شيئا‏.‏ ‏{‏مِنْ قَبْلِ أَنْ يَأْتِيَكُمُ الْعَذَابُ‏}‏ مجيئا لا يدفع ‏{‏ثُمَّ لَا تُنْصَرُونَ‏}‏ فكأنه قيل‏:‏ ما هي الإنابة والإسلام‏؟‏ وما جزئياتها وأعمالها‏؟‏
فأجاب تعالى بقوله‏:‏ ‏{‏وَاتَّبِعُوا أَحْسَنَ مَا أُنْزِلَ إِلَيْكُمْ مِنْ رَبِّكُم‏}‏ مما أمركم من الأعمال الباطنة، كمحبة اللّه، وخشيته، وخوفه، ورجائه، والنصح لعباده، ومحبة الخير لهم، وترك ما يضاد ذلك‏.‏
ومن الأعمال الظاهرة، كالصلاة، والزكاة والصيام، والحج، والصدقة، وأنواع الإحسان، ونحو ذلك، مما أمر اللّه به، وهو أحسن ما أنزل إلينا من ربنا، فالمتبع لأوامر ربه في هذه الأمور ونحوها هو المنيب المسلم،‏.‏ ‏{‏مِنْ قَبْلِ أَنْ يَأْتِيَكُمُ الْعَذَابُ بَغْتَةً وَأَنْتُمْ لَا تَشْعُرُونَ‏}‏ وكل هذا حثٌّ على المبادرة وانتهاز الفرصة‏.‏
ثم حذرهم ‏{‏أَن‏}‏ يستمروا على غفلتهم، حتى يأتيهم يوم يندمون فيه، ولا تنفع الندامة‏.‏و ‏{‏تَقُولَ نَفْسٌ يَا حَسْرَتَى عَلَى مَا فَرَّطْتُ فِي جَنْبِ اللَّهِ‏}‏ أي‏:‏ في جانب حقه‏.‏ ‏{‏وَإِنْ كُنْت‏}‏ في الدنيا ‏{‏لَمِنَ السَّاخِرِينَ‏}‏ في إتيان الجزاء، حتى رأيته عيانا‏.‏
{‏أَوْ تَقُولَ لَوْ أَنَّ اللَّهَ هَدَانِي لَكُنْتُ مِنَ الْمُتَّقِينَ‏}‏ و‏"‏لو‏"‏ في هذا الموضع للتمني،‏.‏أي‏:‏ ليت أن اللّه هداني فأكون متقيا له، فأسلم من العقاب وأستحق الثواب، وليست ‏"‏لو‏"‏ هنا شرطية، لأنها لو كانت شرطية، لكانوا محتجين بالقضاء والقدر على ضلالهم، وهو حجة باطلة، ويوم القيامة تضمحل كل حجة باطلة‏.‏
{‏أَوْ تَقُولَ حِينَ تَرَى الْعَذَابَ‏}‏ وتجزم بوروده ‏{‏لَوْ أَنَّ لِي كَرَّةً‏}‏ أي‏:‏ رجعة إلى الدنيا لكنت ‏{‏مِنَ الْمُحْسِنِينَ‏}‏ قال تعالى‏:‏ إن ذلك غير ممكن ولا مفيد، وإن هذه أماني باطلة لا حقيقة لها، إذ لا يتجدد للعبد لَوْ رُدَّ، بيان بعد البيان الأول‏.‏
{‏بَلَى قَدْ جَاءَتْكَ آيَاتِي‏}‏ الدالة دلالة لا يمترى فيها‏.‏ على الحق ‏{‏فَكَذَّبْتَ بِهَا وَاسْتَكْبَرْتَ‏}‏ عن اتباعها ‏{‏وَكُنْتَ مِنَ الْكَافِرِينَ‏}‏ فسؤال الرد إلى الدنيا، نوع عبث، ‏{‏وَلَوْ رُدُّوا لَعَادُوا لِمَا نُهُوا عَنْهُ وَإِنَّهُمْ لَكَاذِبُونَ‏}
‏‏ ‏{‏وَيَوْمَ الْقِيَامَةِ تَرَى الَّذِينَ كَذَبُوا عَلَى اللَّهِ وُجُوهُهُمْ مُسْوَدَّةٌ أَلَيْسَ فِي جَهَنَّمَ مَثْوًى لِلْمُتَكَبِّرِينَ * وَيُنَجِّي اللَّهُ الَّذِينَ اتَّقَوْا بِمَفَازَتِهِمْ لَا يَمَسُّهُمُ السُّوءُ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ‏}
يخبر تعالى عن خزي الذين كذبوا عليه، وأن وجوههم يوم القيامة مسودة كأنها الليل البهيم، يعرفهم بذلك أهل الموقف، فالحق أبلج واضح كأنه الصبح،‏.‏فكما سوَّدوا وجه الحق بالكذب، سود اللّه وجوههم، جزاء من جنس عملهم‏.‏
فلهم سواد الوجوه، ولهم العذاب الشديد في جهنم، ولهذا قال‏:‏ ‏{‏أَلَيْسَ فِي جَهَنَّمَ مَثْوًى لِلْمُتَكَبِّرِينَ‏}‏ عن الحق، وعن عبادة ربهم، المفترين عليه‏؟‏ بلى واللّه، إن فيها لعقوبة وخزيا وسخطا، يبلغ من المتكبرين كل مبلغ، ويؤخذ الحق منهم بها‏.‏
والكذب على اللّه يشمل الكذب عليه باتخاذ الشريك والولد والصاحبة، والإخبار عنه بما لا يليق بجلاله، أو ادعاء النبوة، أو القول في شرعه بما لم يقله، والإخبار بأنه قاله وشرعه‏.‏
ولما ذكر حالة المتكبرين، ذكر حالة المتقين، فقال‏:‏ ‏{‏وَيُنَجِّي اللَّهُ الَّذِينَ اتَّقَوْا بِمَفَازَتِهِم‏}‏ أي‏:‏ بنجاتهم، وذلك لأن معهم آلة النجاة، وهي تقوى اللّه تعالى، التي هي العدة عند كل هول وشدة‏.‏ ‏{‏لَا يَمَسُّهُمُ السُّوءُ‏}‏ أي‏:‏ العذاب الذي يسوؤهم ‏{‏وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ‏}‏ فنفى عنهم مباشرة العذاب وخوفه، وهذا غاية الأمان‏.‏
فلهم الأمن التام، يصحبهم حتى يوصلهم إلى دار السلام، فحينئذ يأمنون من كل سوء ومكروه، وتجري عليهم نضرة النعيم، ويقولون ‏{‏الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي أَذْهَبَ عَنَّا الْحَزَنَ إِنَّ رَبَّنَا لَغَفُورٌ شَكُورٌ‏}
‏‏ ‏{‏اللَّهُ خَالِقُ كُلِّ شَيْءٍ وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ وَكِيلٌ * لَهُ مَقَالِيدُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَالَّذِينَ كَفَرُوا بِآيَاتِ اللَّهِ أُولَئِكَ هُمُ الْخَاسِرُونَ‏}
يخبر تعالى عن عظمته وكماله، الموجب لخسران من كفر به فقال‏:‏ ‏{‏اللَّهُ خَالِقُ كُلِّ شَيْءٍ‏}‏ هذه العبارة وما أشبهها، مما هو كثير في القرآن، تدل على أن جميع الأشياء ـ غير اللّه ـ مخلوقة، ففيها رد على كل من قال بقدم بعض المخلوقات، كالفلاسفة القائلين بقدم الأرض والسماوات، وكالقائلين بقدم الأرواح، ونحو ذلك من أقوال أهل الباطل، المتضمنة تعطيل الخالق عن خلقه‏.‏
وليس كلام اللّه من الأشياء المخلوقة، لأن الكلام صفة المتكلم، واللّه تعالى بأسمائه وصفاته أول ليس قبله شيء، فأخذ أهل الاعتزال من هذه الآية ونحوها أنه مخلوق، من أعظم الجهل، فإنه تعالى لم يزل بأسمائه وصفاته، ولم يحدث له صفة من صفاته، ولم يكن معطلا عنها بوقت من الأوقات، والشاهد من هذا، أن اللّه تعالى أخبر عن نفسه الكريمة أنه خالق لجميع العالم العلوي والسفلي، وأنه على كل شيء وكيل، والوكالة التامة لا بد فيها من علم الوكيل، بما كان وكيلا عليه، وإحاطته بتفاصيله، ومن قدرة تامة على ما هو وكيل عليه، ليتمكن من التصرف فيه، ومن حفظ لما هو وكيل عليه، ومن حكمة، ومعرفة بوجوه التصرفات، ليصرفها ويدبرها على ما هو الأليق، فلا تتم الوكالة إلا بذلك كله، فما نقص من ذلك، فهو نقص فيها‏.‏
ومن المعلوم المتقرر، أن اللّه تعالى منزه عن كل نقص في صفة من صفاته،‏.‏فإخباره بأنه على كل شيء وكيل، يدل على إحاطة علمه بجميع الأشياء، وكمال قدرته على تدبيرها، وكمال تدبيره، وكمال حكمته التي يضع بها الأشياء مواضعها‏.‏
{‏لَهُ مَقَالِيدُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ‏}‏ أي‏:‏ مفاتيحها، علما وتدبيرا، فـ ‏{‏مَا يَفْتَحِ اللَّهُ لِلنَّاسِ مِنْ رَحْمَةٍ فَلَا مُمْسِكَ لَهَا وَمَا يُمْسِكْ فَلَا مُرْسِلَ لَهُ مِنْ بَعْدِهِ وَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ‏}‏ فلما بين من عظمته ما يقتضي أن تمتلئ القلوب له إجلالا وإكراما، ذكر حال من عكس القضية فلم يقدره حق قدره، فقال‏:‏ ‏{‏وَالَّذِينَ كَفَرُوا بِآيَاتِ اللَّهِ‏}‏ الدالة على الحق اليقين والصراط المستقيم‏.‏ ‏{‏أُولَئِكَ هُمُ الْخَاسِرُونَ‏}‏ خسروا ما به تصلح القلوب من التأله والإخلاص للّه،‏.‏ وما به تصلح الألسن من إشغالها بذكر اللّه، وما تصلح به الجوارح من طاعة اللّه،‏.‏وتعوضوا عن ذلك كل مفسد للقلوب والأبدان، وخسروا جنات النعيم، وتعوضوا عنها بالعذاب الأليم‏.‏
‏‏ ‏{‏قُلْ أَفَغَيْرَ اللَّهِ تَأْمُرُونِّي أَعْبُدُ أَيُّهَا الْجَاهِلُونَ * وَلَقَدْ أُوحِيَ إِلَيْكَ وَإِلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكَ لَئِنْ أَشْرَكْتَ لَيَحْبَطَنَّ عَمَلُكَ وَلَتَكُونَنَّ مِنَ الْخَاسِرِينَ * بَلِ اللَّهَ فَاعْبُدْ وَكُنْ مِنَ الشَّاكِرِينَ‏}
‏{‏قُل‏}‏ يا أيها الرسول لهؤلاء الجاهلين، الذين دعوك إلى عبادة غير اللّه‏:‏ ‏{‏أَفَغَيْرَ اللَّهِ تَأْمُرُونِّي أَعْبُدُ أَيُّهَا الْجَاهِلُونَ‏}‏ أي‏:‏ هذا الأمر صدر من جهلكم، وإلا فلو كان لكم علم بأن اللّه تعالى الكامل من جميع الوجوه، مسدي جميع النعم، هو المستحق للعبادة، دون من كان ناقصا من كل وجه، لا ينفع ولا يضر، لم تأمروني بذلك‏.‏
وذلك لأن الشرك باللّه محبط للأعمال، مفسد للأحوال، ولهذا قال‏:‏ ‏{‏وَلَقَدْ أُوحِيَ إِلَيْكَ وَإِلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكَ‏}‏ من جميع الأنبياء‏.‏ ‏{‏لَئِنْ أَشْرَكْتَ لَيَحْبَطَنَّ عَمَلُكَ‏}‏ هذا مفرد مضاف، يعم كل عمل،‏.‏ففي نبوة جميع الأنبياء، أن الشرك محبط لجميع الأعمال، كما قال تعالى في سورة الأنعام ـ لما عدد كثيرا من أنبيائه ورسله قال عنهم‏:‏ ‏{‏ذَلِكَ هُدَى اللَّهِ يَهْدِي بِهِ مَنْ يَشَاءُ مِنْ عِبَادِهِ وَلَوْ أَشْرَكُوا لَحَبِطَ عَنْهُمْ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ‏}
{‏وَلَتَكُونَنَّ مِنَ الْخَاسِرِينَ‏}‏ دينك وآخرتك، فبالشرك تحبط الأعمال، ويستحق العقاب والنكال‏.‏
ثم قال‏:‏ ‏{‏بَلِ اللَّهَ فَاعْبُد‏}‏ لما أخبر أن الجاهلين يأمرونه بالشرك، وأخبر عن شناعته، أمره بالإخلاص فقال‏:‏ ‏{‏بَلِ اللَّهَ فَاعْبُد‏}‏ أي‏:‏ أخلص له العبادة وحده لا شريك له، ‏{‏وَكُنْ مِنَ الشَّاكِرِينَ‏}‏ للّه على توفيق اللّه تعالى،‏.‏فكما أنه تعالى يشكر على النعم الدنيوية، كصحة الجسم وعافيته، وحصول الرزق وغير ذلك،‏.‏كذلك يشكر ويثنى عليه بالنعم الدينية، كالتوفيق للإخلاص، والتقوى، بل نعم الدين، هي النعم على الحقيقة، وفي تدبر أنها من اللّه تعالى والشكر للّه عليها، سلامة من آفة العجب التي تعرض لكثير من العاملين، بسبب جهلهم، وإلا، فلو عرف العبد حقيقة الحال، لم يعجب بنعمة تستحق عليه زيادة الشكر‏.‏
‏‏ ‏{‏وَمَا قَدَرُوا اللَّهَ حَقَّ قَدْرِهِ وَالْأَرْضُ جَمِيعًا قَبْضَتُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَالسَّماوَاتُ مَطْوِيَّاتٌ بِيَمِينِهِ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى عَمَّا يُشْرِكُونَ‏}
يقول تعالى‏:‏ وما قدر هؤلاء المشركون ربهم حق قدره، ولا عظموه حق تعظيمه، بل فعلوا ما يناقض ذلك، من إشراكهم به من هو ناقص في أوصافه وأفعاله، فأوصافه ناقصة من كل وجه، وأفعاله ليس عنده نفع ولا ضر، ولا عطاء ولا منع، ولا يملك من الأمر شيئا‏.‏
فسووا هذا المخلوق الناقص بالخالق الرب العظيم، الذي من عظمته الباهرة، وقدرته القاهرة، أن جميع الأرض يوم القيامة قبضة للرحمن، وأن السماوات ـ على سعتها وعظمها ـ مطويات بيمينه، فلا عظمه حق عظمته من سوَّى به غيره، ولا أظلم منه‏.‏
{‏سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى عَمَّا يُشْرِكُونَ‏}‏ أي‏:‏ تنزه وتعاظم عن شركهم به‏.‏
‏‏ ‏{‏وَنُفِخَ فِي الصُّورِ فَصَعِقَ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَمَنْ فِي الْأَرْضِ إِلَّا مَنْ شَاءَ اللَّهُ ثُمَّ نُفِخَ فِيهِ أُخْرَى فَإِذَا هُمْ قِيَامٌ يَنْظُرُونَ * وَأَشْرَقَتِ الْأَرْضُ بِنُورِ رَبِّهَا وَوُضِعَ الْكِتَابُ وَجِيءَ بِالنَّبِيِّينَ وَالشُّهَدَاءِ وَقُضِيَ بَيْنَهُمْ بِالْحَقِّ وَهُمْ لَا يُظْلَمُونَ * وَوُفِّيَتْ كُلُّ نَفْسٍ مَا عَمِلَتْ وَهُوَ أَعْلَمُ بِمَا يَفْعَلُونَ‏}
لما خوفهم تعالى من عظمته، خوفهم بأحوال يوم القيامة، ورغَّبهم ورهَّبهم فقال‏:‏ ‏{‏وَنُفِخَ فِي الصُّورِ‏}‏ وهو قرن عظيم، لا يعلم عظمته إلا خالقه، ومن أطلعه اللّه على علمه من خلقه،‏.‏ فينفخ فيه إسرافيل عليه السلام،‏.‏ أحد الملائكة المقربين، وأحد حملة عرش الرحمن‏.‏
‏{‏فَصَعِقَ‏}‏ أي‏:‏ غشي أو مات، على اختلاف القولين‏:‏ ‏{‏مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَمَنْ فِي الْأَرْضِ‏}‏ أي‏:‏ كلهم، لما سمعوا نفخة الصور أزعجتهم من شدتها وعظمها، وما يعلمون أنها مقدمة له‏.‏ ‏{‏إِلَّا مَنْ شَاءَ اللَّهُ‏}‏ ممن ثبته اللّه عند النفخة، فلم يصعق، كالشهداء أو بعضهم، وغيرهم‏.‏ وهذه النفخة الأولى، نفخة الصعق، ونفخة الفزع‏.‏
{‏ثُمَّ نُفِخَ فِيهِ‏}‏ النفخة الثانية نفخة البعث ‏{‏فَإِذَا هُمْ قِيَامٌ ينظرون‏}‏ أي‏:‏ قد قاموا من قبورهم لبعثهم وحسابهم، قد تمت منهم الخلقة الجسدية والأرواح، وشخصت أبصارهم ‏{‏يَنْظُرُونَ‏}‏ ماذا يفعل اللّه بهم‏.‏
{‏وَأَشْرَقَتِ الْأَرْضُ بِنُورِ رَبِّهَا‏}‏ علم من هذا، أن الأنوار الموجودة تذهب يوم القيامة وتضحمل، وهو كذلك، فإن اللّه أخبر أن الشمس تكور، والقمر يخسف، والنجوم تندثر، ويكون الناس في ظلمة، فتشرق عند ذلك الأرض بنور ربها، عندما يتجلى وينزل للفصل بينهم، وذلك اليوم يجعل اللّه للخلق قوة، وينشئهم نشأة يَقْوَوْنَ على أن لا يحرقهم نوره، ويتمكنون أيضا من رؤيته، وإلا، فنوره تعالى عظيم، لو كشفه، لأحرقت سبحات وجهه ما انتهى إليه بصره من خلقه‏.‏
‏{‏وَوُضِعَ الْكِتَابُ‏}‏ أي‏:‏ كتاب الأعمال وديوانه، وضع ونشر، ليقرأ ما فيه من الحسنات والسيئات، كما قال تعالى‏:‏ ‏{‏وَوُضِعَ الْكِتَابُ فَتَرَى الْمُجْرِمِينَ مُشْفِقِينَ مِمَّا فِيهِ وَيَقُولُونَ يَا وَيْلَتَنَا مَا لِهَذَا الْكِتَابِ لَا يُغَادِرُ صَغِيرَةً وَلَا كَبِيرَةً إِلَّا أَحْصَاهَا وَوَجَدُوا مَا عَمِلُوا حَاضِرًا وَلَا يَظْلِمُ رَبُّكَ أَحَدًا‏}‏ ويقال للعامل من تمام العدل والإنصاف‏:‏ ‏{‏اقْرَأْ كِتَابَكَ كَفَى بِنَفْسِكَ الْيَوْمَ عَلَيْكَ حَسِيبًا‏}
‏{‏وَجِيءَ بِالنَّبِيِّينَ‏}‏ ليسألوا عن التبليغ، وعن أممهم، ويشهدوا عليهم‏.‏ ‏{‏س وَالشُّهَدَاءِ‏}‏ من الملائكة، والأعضاء والأرض‏.‏ ‏{‏وَقُضِيَ بَيْنَهُمْ بِالْحَقِّ‏}‏ أي‏:‏ العدل التام والقسط العظيم، لأنه حساب صادر ممن لا يظلم مثقال ذرة، ومن هو محيط بكل شيء، وكتابه الذي هو اللوح المحفوظ، محيط بكل ما عملوه، والحفظة الكرام، والذين لا يعصون ربهم، قد كتبت عليهم ما عملوه، وأعدل الشهداء قد شهدوا على ذلك الحكم، فحكم بذلك من يعلم مقادير الأعمال ومقادير استحقاقها للثواب والعقاب‏.‏
فيحصل حكم يقر به الخلق، ويعترفون للّه بالحمد والعدل، ويعرفون به من عظمته وعلمه وحكمته ورحمته ما لم يخطر بقلوبهم، ولا تعبر عنه ألسنتهم، ولهذا قال‏:‏ ‏{‏وَوُفِّيَتْ كُلُّ نَفْسٍ مَا عَمِلَتْ وَهُوَ أَعْلَمُ بِمَا يَفْعَلُونَ‏}
‏‏ ‏{‏وَسِيقَ الَّذِينَ كَفَرُوا إِلَى جَهَنَّمَ زُمَرًا حَتَّى إِذَا جَاءُوهَا فُتِحَتْ أَبْوَابُهَا وَقَالَ لَهُمْ خَزَنَتُهَا أَلَمْ يَأْتِكُمْ رُسُلٌ مِنْكُمْ يَتْلُونَ عَلَيْكُمْ آيَاتِ رَبِّكُمْ وَيُنْذِرُونَكُمْ لِقَاءَ يَوْمِكُمْ هَذَا قَالُوا بَلَى وَلَكِنْ حَقَّتْ كَلِمَةُ الْعَذَابِ عَلَى الْكَافِرِينَ * قِيلَ ادْخُلُوا أَبْوَابَ جَهَنَّمَ خَالِدِينَ فِيهَا فَبِئْسَ مَثْوَى الْمُتَكَبِّرِينَ * وَسِيقَ الَّذِينَ اتَّقَوْا رَبَّهُمْ إِلَى الْجَنَّةِ زُمَرًا حَتَّى إِذَا جَاءُوهَا وَفُتِحَتْ أَبْوَابُهَا وَقَالَ لَهُمْ خَزَنَتُهَا سَلَامٌ عَلَيْكُمْ طِبْتُمْ فَادْخُلُوهَا خَالِدِينَ * وَقَالُوا الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي صَدَقَنَا وَعْدَهُ وَأَوْرَثَنَا الْأَرْضَ نَتَبَوَّأُ مِنَ الْجَنَّةِ حَيْثُ نَشَاءُ فَنِعْمَ أَجْرُ الْعَامِلِينَ * وَتَرَى الْمَلَائِكَةَ حَافِّينَ مِنْ حَوْلِ الْعَرْشِ يُسَبِّحُونَ بِحَمْدِ رَبِّهِمْ وَقُضِيَ بَيْنَهُمْ بِالْحَقِّ وَقِيلَ الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ‏}
لما ذكر تعالى حكمه بين عباده، الذين جمعهم في خلقه ورزقه وتدبيره، واجتماعهم في الدنيا، واجتماعهم في موقف القيامة، فرقهم تعالى عند جزائهم، كما افترقوا في الدنيا بالإيمان والكفر، والتقوى والفجور، فقال‏:‏ ‏{‏وَسِيقَ الَّذِينَ كَفَرُوا إِلَى جَهَنَّمَ‏}‏ أي‏:‏ سوقا عنيفا، يضربون بالسياط الموجعة، من الزبانية الغلاظ الشداد، إلى شر محبس وأفظع موضع، وهي جهنم التي قد جمعت كل عذاب، وحضرها كل شقاء، وزال عنها كل سرور، كما قال تعالى‏:‏ ‏{‏يَوْمَ يُدَعُّونَ إِلَى نَارِ جَهَنَّمَ دَعًّا‏}‏ أي‏:‏ يدفعون إليها دفعا، وذلك لامتناعهم من دخولها‏.‏
ويساقون إليها ‏{‏زُمَرًا‏}‏ أي‏:‏ فرقا متفرقة، كل زمرة مع الزمرة التي تناسب عملها، وتشاكل سعيها، يلعن بعضهم بعضا، ويبرأ بعضهم من بعض‏.‏ ‏{‏حَتَّى إِذَا جَاءُوهَا‏}‏ أي‏:‏ وصلوا إلى ساحتها ‏{‏فُتِحَت‏}‏ لهم أي‏:‏ لأجلهم ‏{‏أَبْوَابُهَا‏}‏ لقدومهم وقِرًى لنزولهم‏.‏
{‏وَقَالَ لَهُمْ خَزَنَتُهَا‏}‏ مهنئين لهم بالشقاء الأبدي، والعذاب السرمدي، وموبخين لهم على الأعمال التي أوصلتهم إلى هذا المحل الفظيع‏:‏ ‏{‏أَلَمْ يَأْتِكُمْ رُسُلٌ مِنْكُم‏}‏ أي‏:‏ من جنسكم تعرفونهم وتعرفون صدقهم، وتتمكنون من التلقي عنهم‏؟‏‏.‏ ‏{‏يَتْلُونَ عَلَيْكُمْ آيَاتِ رَبِّكُم‏}‏ التي أرسلهم اللّه بها، الدالة على الحق اليقين بأوضح البراهين‏.‏
{‏وَيُنْذِرُونَكُمْ لِقَاءَ يَوْمِكُمْ هَذَا‏}‏ أي‏:‏ وهذا يوجب عليكم اتباعهم والحذر من عذاب هذا اليوم، باستعمال تقواه، وقد كانت حالكم بخلاف هذه الحال‏؟‏
‏{‏قَالُوا‏}‏ مقرين بذنبهم، وأن حجة اللّه قامت عليهم‏:‏ ‏{‏بَلَى‏}‏ قد جاءتنا رسل ربنا بآياته وبيناته، وبينوا لنا غاية التبيين، وحذرونا من هذا اليوم‏.‏ ‏{‏وَلَكِنْ حَقَّتْ كَلِمَةُ الْعَذَابِ عَلَى الْكَافِرِينَ‏}‏ أي‏:‏ بسبب كفرهم وجبت عليهم كلمة العذاب، التي هي لكل من كفر بآيات اللّه، وجحد ما جاءت به المرسلون، فاعترفوا بذنبهم وقيام الحجة عليهم‏.‏
فـ ‏{‏قِيلَ‏}‏ لهم على وجه الإهانة والإذلال‏:‏ ‏{‏ادْخُلُوا أَبْوَابَ جَهَنَّمَ‏}‏ كل طائفة تدخل من الباب الذي يناسبها ويوافق عملها‏.‏ ‏{‏خَالِدِينَ فِيهَا‏}‏ أبدا، لا يظعنون عنها، ولا يفتر عنهم العذاب ساعة ولا ينظرون‏.‏ ‏{‏فَبِئْسَ مَثْوَى الْمُتَكَبِّرِينَ‏}‏ أي‏:‏ بئس المقر، النار مقرهم، وذلك لأنهم تكبروا على الحق، فجازاهم اللّه من جنس عملهم، بالإهانة والذل، والخزي‏.‏
ثم قال عن أهل الجنة‏:‏ ‏{‏وَسِيقَ الَّذِينَ اتَّقَوْا رَبَّهُم‏}‏ بتوحيده والعمل بطاعته، سوق إكرام وإعزاز، يحشرون وفدا على النجائب‏.‏ ‏{‏إِلَى الْجَنَّةِ زُمَرًا‏}‏ فرحين مستبشرين، كل زمرة مع الزمرة، التي تناسب عملها وتشاكله‏.‏ ‏{‏حَتَّى إِذَا جَاءُوهَا‏}‏ أي‏:‏ وصلوا لتلك الرحاب الرحيبة والمنازل الأنيقة، وهبَّ عليهم ريحها ونسيمها، وآن خلودها ونعيمها‏.‏ ‏{‏وَفُتِحَت‏}‏ لهم ‏{‏أَبْوَابُهَا‏}‏ فتح إكرام، لكرام الخلق، ليكرموا فيها‏.‏ ‏{‏وَقَالَ لَهُمْ خَزَنَتُهَا‏}‏ تهنئة لهم وترحيبا‏:‏ ‏{‏سَلَامٌ عَلَيْكُم‏}‏ أي‏:‏ سلام من كل آفة وشر حال‏.‏عليكم ‏{‏طِبْتُم‏}‏ أي‏:‏ طابت قلوبكم بمعرفة اللّه ومحبته وخشيته، وألسنتكم بذكره، وجوارحكم بطاعته‏.‏ ‏{‏فـ‏}‏ بسبب طيبكم ‏{‏ادْخُلُوهَا خَالِدِينَ‏}‏ لأنها الدار الطيبة، ولا يليق بها إلا الطيبون‏.‏
وقال في النار ‏{‏فُتِحَتْ أَبْوَابُهَا‏}‏ وفي الجنة ‏{‏وَفُتِحَت‏}‏ بالواو، إشارة إلى أن أهل النار، بمجرد وصولهم إليها، فتحت لهم أبوابها من غير إنظار ولا إمهال، وليكون فتحها في وجوههم، وعلى وصولهم، أعظم لحرها، وأشد لعذابها‏.‏
وأما الجنة، فإنها الدار العالية الغالية، التي لا يوصل إليها ولا ينالها كل أحد، إلا من أتى بالوسائل الموصلة إليها، ومع ذلك، فيحتاجون لدخولها لشفاعة أكرم الشفعاء عليه، فلم تفتح لهم بمجرد ما وصلوا إليها، بل يستشفعون إلى اللّه بمحمد ـ صلى الله عليه وسلم ـ حتى يشفع، فيشفعه اللّه تعالى‏.‏
وفي الآيات دليل على أن النار والجنة لهما أبواب تفتح وتغلق، وأن لكل منهما خزنة، وهما الداران الخالصتان، اللتان لا يدخل فيهما إلا من استحقهما، بخلاف سائر الأمكنة والدور‏.‏
‏{‏وَقَالُوا‏}‏ عند دخولهم فيها واستقرارهم، حامدين ربهم على ما أولاهم ومنَّ عليهم وهداهم‏:‏ ‏{‏الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي صَدَقَنَا وَعْدَهُ‏}‏ أي‏:‏ وعدنا الجنة على ألسنة رسله، إن آمنا وصلحنا، فوفَّى لنا بما وعدنا، وأنجز لنا ما منَّانا‏.‏ ‏{‏وَأَوْرَثَنَا الْأَرْضَ‏}‏ أي‏:‏ أرض الجنة ‏{‏نَتَبَوَّأُ مِنَ الْجَنَّةِ حَيْثُ نَشَاءُ‏}‏ أي‏:‏ ننزل منها أي مكان شئنا، ونتناول منها أي نعيم أردنا، ليس ممنوعا عنا شيء نريده‏.‏ ‏{‏فَنِعْمَ أَجْرُ الْعَامِلِينَ‏}‏ الذين اجتهدوا بطاعة ربهم، في زمن قليل منقطع، فنالوا بذلك خيرا عظيما باقيا مستمرا‏.‏
وهذه الدار التي تستحق المدح على الحقيقة، التي يكرم اللّه فيها خواص خلقه،‏.‏ورضيها الجواد الكريم لهم نزلا، وبنى أعلاها وأحسنها، وغرسها بيده، وحشاها من رحمته وكرامته ما ببعضه يفرح الحزين، ويزول الكدر، ويتم الصفاء‏.‏
‏{‏وَتَرَى الْمَلَائِكَةَ‏}‏ أيها الرائي ذلك اليوم العظيم ‏{‏حَافِّينَ مِنْ حَوْلِ الْعَرْشِ‏}‏ أي‏:‏ قد قاموا في خدمة ربهم، واجتمعوا حول عرشه، خاضعين لجلاله، معترفين بكماله، مستغرقين بجماله‏.‏ ‏{‏يُسَبِّحُونَ بِحَمْدِ رَبِّهِم‏}‏ أي‏:‏ ينزهونه عن كل ما لا يليق بجلاله، مما نسب إليه المشركون وما لم ينسبوا‏.‏
‏{‏وَقُضِيَ بَيْنَهُم‏}‏ أي‏:‏ بين الأولين والآخرين من الخلق ‏{‏بِالْحَقِّ‏}‏ الذي لا اشتباه فيه ولا إنكار، ممن عليه الحق‏.‏ ‏{‏وَقِيلَ الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ‏}‏ لم يذكر القائل من هو، ليدل ذلك على أن جميع الخلق نطقوا بحمد ربهم وحكمته على ما قضى به على أهل الجنة وأهل النار، حمد فضل وإحسان، وحمد عدل وحكمة‏.‏
تم تفسير سورة الزمر بحمد اللّه وعونه‏.
~~~~~~~~~~~~~~~~~~~~~~~~
أمي نبضي ودمي 2
معليييييييش يابنات كنت غافله ويالغافلين لكم الله
دوبي إني تذكرت التفسير >>> ادري صباح الخير خخخخخ
روح التوت
روح التوت
حنونة فديتك عاد القرار بايدك والموافقة لك اذا تحبي ابدا اليوم هههههههههههه

نبوضة انتي هنا امي نبضي وحناني ودمي
وبالمسن طلعتي ام حنفي وفتكات ههههههههههههههه قال ايش قال ضعيفونة كتفتنا الثنتين الضعاف
طلعنا احنا المساكين هههههههه
وصح النوم بالتفسير كان انتظرتي شوية ربي يسعدك
مشيمشة
مشيمشة
تم حفظ سورة الزمر الى الاية 47 ولله الحمد