أفسدك قومك

الأدب النبطي والفصيح •

أيها المجرم الفاتك الذي يسلب الخزائن نفائسها , والأجسام أرواحها ؛

لست أحمل عليك من العتب فوق ما يحتمله ذنبك , ولا أنظر اٍليك بالعين التي نظر بها اٍليك القاضي الذي قسا في حكمه عليك , لأني أعتقد أن لك شركاء في جريمتك , فلا بد لي من أن أنصفك , واٍن كنت لا أستطيع نفعك !!!

شريكك في الجريمة أبوك , لأنه لم يتعهدك بالتربية في صغرك , ولم يحل بينك وبين مخالطة المجرمين , بل كثيراً ما كان يبخبخ لك اٍذا رآك هجمت على تِربِك وضربته , ويصفق لك اٍذا رأى أنك قد تمكنت من اختلاس درهم من جيب أخيك , أو اختطاف لقمة من يده ...

فهو الذي غرس الجريمة في نفسك , وتعهدها بالسقيا حتى أينعت ونمت وأثمرت لك هذا الحبل الذي أنت معلق به اليوم ...

وها هو ذا يذرف عليك العبرات , ويصعِّد الزفرات ... ولو عرف أنها جريمته , وأنها غرس يمينه لضحك مسروراً بغفلة الشرائع عنه , وسجد لله شكراً على أن لم يكن حبلك في عنقه , وقيدك في يده .

شريكك في الجريمة هذا المجتمع الاٍنساني الفاسد الذي أغراك بها , ومهد لك السبيل اٍليها ...

فقد كان يسميك شجاعاً اٍذا قتلت , وذكياً فطناً اٍذا سرقت , وعالماً اٍذا احتلت , وعاقلاً اٍذا خَدَعت , وكان يهابك هيبة الفاتحين , ويجلك اٍجلاله للفاضلين ...

وكثيراً ما كنت تحب أن ترى وجهك في مرآته , فتراه أبيض ناصعاً , فتتمنى أن لو دام لك هذا الجمال ...
ولو أنه كان يؤثر نصحك ويصدقك الحديث عن نفسك لَمَثّل لك جريمتك بصورتها الشوهاء , وهنالك ربما ودِدتَ بجدع الأنف لو طواك بطن الأرض عنها , وحالت المنية بينك وبينها ...

شريكك في الجريمة حكومتك , لأنها كانت تعلم أن الجريمة هي الحلقة الأخيرة من سلسلةٍ كثيرة الحلقات , وكانت تراك تمسك بها حلقة حلقة , وتعلم ما سينتهي اٍليه أمرك فلا تضرب على يدك , ولا تعترض سبيلك , ولو أنها فعلت لما اجترمتَ , ولا وصلتَ اٍلى ما اٍليه وصلتَ .

كانت حكومتك تستطيع أن تعلمك وتهذب نفسك , وأن تغلق بين يديك أبواب الحانات والمواخير , وأن تحول بينك وبين مخالطة الأشرارباٍبعادهم عنك وتشريدهم في مجاهل الأرض ومخارمها , وأن تنصرك على قتيلك قبل أن يبلغ حقدك عليه مبلغه من نفسك , وأن تحسن تأديبك في الصغيرة قبل أن تصل اٍلى الكبيرة ...

ولكنها أغفلت أمرك فنامت عنك نوماً طويلاً , حتى اٍذا فعلتَ فعلتك استيقظَت على صوت صراخ المقتول , وشمرت عن ساعدها , لتمثل منظراً من مناظر الشجاعة الكاذبة ؛ فاستصرخت جندها , واستنصرت قوّتها , وأعدّت جَذعها وجلادها , وكان كل ما فعَلَت أنها أعدمتك حياتك !!

هؤلاء شركاؤك في الجريمة , وأقسم لو كنتُ قاضياً لأعطيتك من العقوبة على قدر سهمك في الجريمة , ولجعلتُ تلك الجذوع قسمة بينك وبين شركائك, ولكني لا أستطيع أن أنفعك ...

فيا أيها القتيل المظلوم : رحمة الله عليك !!!
:(

من كتاب " النظرات " لصاحبه ؛ الأديب الشهير : مصطفى لطفي المنفلوطي .
6
1K

يلزم عليك تسجيل الدخول أولًا لكتابة تعليق.

تسجيل دخول

ليل غربة ومطر
ليل غربة ومطر •
جميل اختيارك يا أماني...

وقد صدق الرسول الكريم بقوله ( كلكم راع..... وكلكم مسؤل عن رعيته)
الوائلي
الوائلي •
ولكنها أغفلت أمرك فنامت عنك نوماً طويلاً , حتى اٍذا فعلتَ فعلتك استيقظَت على صوت صراخ المقتول , وشمرت عن ساعدها , لتمثل منظراً من مناظر الشجاعة الكاذبة ؛ فاستصرخت جندها , واستنصرت قوّتها , وأعدّت جَذعها وجلادها , وكان كل ما فعَلَت أنها أعدمتك حياتك .

صدق المنفلوطي

بارك الله فيك .
أماني طيبة
أماني طيبة •
وجميل مرورك يا ليل
وصدق رسول الله صلى الله عليه وسلم

وبارك الله في الأديب
مع استغرابنا تصديقه للأديب المنفلوطي اٍجمالاً دون تفصيل ؟!!
بحور 217
بحور 217 •
اختيار حكيم يا أماني

حقا لكل نصيبه من جرم هذا المجرم المظلوم

{ ليحملوا أوزارهم وأوزارا مع أوزارهم }
الوائلي
الوائلي •
أعني أختاه أنه صدق فيما نقلته من كلامه ، بل أنه قصر في الوصف ، فهي أي حكومته لم تنم عنه فقط ، بل هيأت له الشر ، وفسحت له طريق الفساد ، وضيقت عليه طريق العلم والخير والجهاد ، فشب مفتون بين شبهة وشهوة ، يتخبط في دروب مظلمة مدلهمة ، يتبع الهوى والنفس والشيطان ، فوقع فيما وقع فيه من الإجرام .