الإغراق فى الجزئيات( للشيخ سلمان بن فهد العوده)1

الملتقى العام

الإغراق فى الجزئيات


إن الحمد لله , نحمده ونستعينه ونستغفره ونتوب إليه , ونعوذ بالله من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا , من يهده الله فلا مضل له , ومن يضلل فلا هادي له , وأشهد ألا إله إلا الله وحده لا شريك له وأشهد أن محمدا عبده ورسوله .

السلام عليكم ورحمة الله وبركاته

أيها الأحبة ......

لا أشبه نفسي بين أيديكم فى هذه الأمسية المباركة في ليلة الخميس السابع عشر من شهر ربيع الثاني لسنة 1412 للهجرة , إلا كما يكون الطالب إذا وقف فى صالة الامتحان , وأراد أن يكتب ما في ذهنه من الجواب , فرأى أن أمامه سؤالا طويلا عريضا يستغرق الجواب عنه ساعات وساعات . فقد تجشمت على إعلان هذا الموضوع أو الموافقة عليه , ألا وهو الإغراق في الجزئيات , وكنت أحسبه موضوعا محدودا يمكن أن يمر به الإنسان فى ساعة أو بعض ساعة , فلما فكرت في هذا الموضوع وتأملت وقلبت وجوهه , وناقشته مع جمع من الدعاة والعلماء والمفكرين , وراجعت فيه ما راجعت , تبين لي أن هذا الموضوع أكبر من أن تحيط به جلسة أو يحده حديث عابر , إذ إن الإغراق في الجزئيات كظاهرة سلبية فى حياة المسلمين اليوم بل ومنذ عشرات السنين ليست ظاهرة محصورة في جانب فحسب , ليست خطأ يعيشه الدعاة مثلا فقط , وإنما هي خطأ يعيشه المسلمون فىكل مجالات حياتهم بدون استثناء , فهم مغرقون في الجزئيات في أدق أمورهم وفي أعظمها , واشتغالهم بالجزئيات شغلهم عن العناية بالكليات و الاهتمام بمعالي الأمور .

أيها الأحبة .....

و من ذلك قضية الدعوة إلى الله تعالى , فإن الدعوة إلى الله و التعليم ونشر العلم لا تزال جهودا مبعثرة يقوم بها أفراد محتسبون لوجه الله تعالى , يتحرك كل منهم بحسب اهتماماته وبحسب طاقته وبحسب مستواه ومداركه العقلية , ولا يكاد يوجد إطار عام يتحرك فيه الدعاة والعلماء , أو على أقل تقدير أن يوجد خطوط عريضة , تستطيع أن توجه المسلمين إلى الاهتمام بالأمور بحسب أهميتها , فيعطى كل ذي حق حقه ولا يجار على شيء على حساب شيء آخر . إننا فى أمس الحاجة إلى من يقول لنا هذا أمر كبير وهذا أمر صغير وهذا أصل وهذا فرع وهذا مهم وهذا أهم وهذا يبدء به اليوم وهذا يؤخر إلى الغد , ولكن هذه الكلمة نستطيع أن نقول إننا لا نكاد نسمعها الآن على أى مستوى فكل واحد منا لديه اهتمامات , اهتمام بقضايا سواء من أمور الفقه أو من أمور الأحكام العملية التفصيلية الأخرى أو من أمور بعض القضايا العلمية أو من أمور الاقتصاد أو من أمور السياسة أو من أمور الإدارة , وتجد أنه يدور حول هذه القضايا التى تشغله دون أن يفكر : هل اهتمامه بهذا الأمر صحيح أم أنه يجب أن يصرف الاهتمام إلى ما هو أجدى و أهم ؟؟

لقد بُلينا بطائفة من المسلمين بل وأحيانا من الدعاة إلى الله تعالى الذين هم على الافتراض من خيار المسلمين , همهم تحول إلى العناية بفروع المسائل و جزيئاتها , فأسهروا ليلهم و أضنوا نهارهم في قتل هذه المسائل والجدال حولها , حتى لكأنها الدين كله , أو أنها من أهم مسائل الدين , مع أنها يمكن أن تكون سنة من السنن حتى من تركها متعمدا لن يكون عليه في ذلك حرج و لا تثريب و إن كان الأولى بالمسلم أن يتبع رسول الله صلى الله عليه و سلم في دقيق الأمور وجليلها .

و في مقابل ذلك بُلينا بطائفة أخرى أرادت فيما تزعم أن تعالج هذا الداء فتحول الأمر عندها إلى إهمال كامل للجزئيات , واعتبار أن هذه الجزئيات عبارة عن قشور أو كما يقول بعضهم عبارة عن توافه لا قيمة لها و لا ينبغي الاشتغال بها , بل أصبحت موضعا للسخرية والنقد والتندر من طائفة مع الأسف من الدعاة والوعاظ والعلماء والمفكرين .

مع أننا نقول فى حقيقة الأمر هذا كله دين , الكبير والصغير والأصل و الفرع و الجزء و الكل مما يتعلق بقضية الإسلام فهو دين , وفى الحديث المعروف حديث عمر وأبي هريرة لما جاء جبريل إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم وسأله عن الإحسان والإيمان والإسلام كان من ضمن ما سأله , سأله فى بعض الروايات عن قضايا تفصيلية عديدة مثل قضايا الغسل من الجانبة وغيرها و مع ذلك لما انتهى قال : هذا جبريل أتاكم يعلمكم دينكم . فكل ما جاء به الرسول صلى الله عليه وسلم فهو دين ينبغي الاهتمام به والعناية به وألا يكون محط سخرية أو استهزاء أو نقد من أحد , لكن ينبغي أن يعطى كل ذي حق حقه , ويوضع كل شي فى نصابه .

إن من العجيب أيها الأحبة أن بعض هؤلاء الدعاة الذين يزعمون أو يعتدقون أنهم يحاولون الإصلاح والتغيـيـر , هم الذين يتسببون في كثيـر من الأحيان في الإثارة في الجزئيات , وإشغال الناس بها , وصرفهم عن معالي الأمور وعما عداه , هم الذين يتسببون فى ذلك لأنهم يطرحون وجهات نظرهم بطريقة غريبة , طريقة استفزازية , طريقة غير موضوعية وغير صحيحة أيضا , ولعل أقرب مثال أن أحد كبار المفكرين كتب قبل يومين فى جريدة سيارة فى هذه البلاد وكُتب بخط عريض : لا يوجد دليل من القرآن والسنة أو كلمة نحو هذه على تغطية المرأة وجهها !! فإذا أثار هذه القضية فمن الطبيعي أن يكون هناك نقد و رد وأخذ و عطاء هذه المسألة , و ليس صحيحا أن يطرح إنسان وجهة نظره فى قضية معينة ثم إذا طرحت وجهة نظر معارضة قال : يا أخي هذه جزئيات هذا قصور هذه توافه . إذا كان الأمر كذلك فلماذا تشتغل بها أنت و لماذا تتحدث عنها و لماذا لا تنصرف إلى ما تعتقد أنه أهم منها و أجدى و أنفع للمسلمين فى دينهم وديناهم ؟؟

إذن البحث والدليل رائد الجميع ونحن لا ننتقد أحدا أن يتكلم فى قضية من قضايا الدين , لكن ينبغي أن يتكلم بتعقل وموضوعية واتباع للدليل من كتاب الله تعالى و سنة رسول الله عليه السلام أو إجماع الأمة . وكذلك ينبغي أن يكون الحديث عن الموضوعات بحسب أهميتها وثقلها في ميزان الإسلام . و إزاء هذين الطرفين المتقابلين : طرف المهتمين بالجزئيات وطرف الذين يهونون من شأنها , كان لابد من طرح هذا الموضوع وكذلك أحببت طرحه مع أنني أقول أن هذه القضية ليست قضية الدعاة فحسب بل هي قضية المسلمين . لو أتيت إلى الرجل في بيته وجدته يهتم بالجزئيات وينسى الكليات , ولو أتيت إلى المسئول فى إدارته لوجدت أنه يهتم بالجزئيات وينسى الكليات , ولو أتيت إلى المدرس لوجدته كذلك ولو أتيت إلى الداعية لوجدته كذلك ولو أتيت إلى الخبيـر الاقتصادي أو السياسي لوجدته كذلك .

إذن العناية بالجزئيات وإهمال الأصول والكليات هو داء مستحكم في حياة المسلمين وقبل أن يكون مستحكما في حياتهم هو داء مستحكم فى عقولهم .


------------------
الكلمة الطيبة صدقة
1
686

هذا الموضوع مغلق.

fahad
fahad
السلام عليكم

جزاك الله خيرا يا ابومعاذ

وجزاك الله خيرا أخي ابو الحسن

فهد

------------------
...التوقيع......
.لا تحزن : لأنك جربت الحزن بالأمس فما نفعك شيئا ، رسب ابنك فحزنت ، فهل نجح؟! مات والدك فحزنت فهل عاد حيا؟! خسرت تجارتك فحزنت ، فهل عادت الخسائر أرباحا؟! ، لا تحزن : لأنك حزنت من المصيبة فصارت مصائب ، وحزنت من الفقر فازددت نكدا ، وحزنت من كلام أعدائك فأعنتهم عليك ، وحزنت من توقع مكروه فما وقع.

لاتحزن : فإنه لن ينفعك مع الحزن دار واسعة ، ولا زوجة حسناء ، ولا مال وفير ، ولا منصب سام ، ولا أولاد نجباء.

لا تحزن : لأن الحزن يريك الماء الزلال علقمة ، والوردة حنظلة ، والحديقة صحراء قاحلة ، والحياة سجنا لا يطاق.

لا تحزن : وأنت عندك عينان وأذنان وشفتان ويدان ورجلان ولسان ، وجنان وأمن وأمان وعافية في الأبدان: { فبأي ءالآء ربكما تكذبان } .

لا تحزن : ولك دين تعتقده ، وبيت تسكنه ، وخبز تأكله ، وماء تشربه ، وثوب تلبسه ، وزوجة تأوي إليها ، فلماذا تحزن؟!
* من كتاب((لا...تحزن)للشيخ :عائض القرني