ثم عاد الحديث عن المكذبين بيوم الدين ، فقال تعالى مخاطبا كفار مكة :
أي ارتدعوا يا معشر المشركين ، فليس الأمر كما زعمتم ، أن لا بعث ولا حساب ولا جزاء ، بل أنتم قوم تحبون الدنيا الفانية ، وتتركون الآخرة الباقية ، ولذلك لا تفكرون في العمل للآخرة ، مع أنها خير وأبقى
لما ذكر تعالى أن الناس يؤثرون الدنيا ولذائذها الفانية على الآخرة ، ومسراتها الباقية، وصف ما يكون يوم القيامة من انقسام الخلق إلى فريقين : أبرار ، وفجار :
وجوه أهل السعادة يوم القيامة مشرقة حسنة مضيئة ، من أثر النعيم ، وبشاشة السرور عليها ، كقوله تعالى :
أي تنظر إلى جلال ربها ، وتهيم في جماله ، وأعظم نعيم لأهل الجنة رؤية المولى جل وعلا والنظر إلى وجهه الكريم بلا حجاب
قال الحسن البصري : تنظر إلى الخالق ، وحق لها أن تنضر وهي تنظر إلى الخالق ، وبذلك وردت النصوص الصحيحة (( هذا هو مذهب أهل السنة ، ويؤيده ما ورد في الصحيحين (إنكم سترون ربكم عيانا كما ترون هذا القمر . . ) الحديث ، وفى صحيح مسلم (فيكشف الحجاب فما اعطوا شيئا أحب إليهم من النظر إلى ربهم تبارك وتعالى)
أي ووجوه يوم القيامة عابسة كالحة ، شديدة العبوس والكلوح ، وهي وجوه الأشقياء أهل الجحيم
أي تتوقع أن تنزل بها داهية عظمى ، تقصم فقار الظهر،
قال ابن كثير : هذه وجوه الفجار، تكون يوم القيامة كالحة عابسة ، تستيقن أنها هالكه ، وتتوقع أن تحل بها داهية ، تكسر فقار الظهر
ردع وزجر عن إيثار العاجلة ، أي ارتدعوا يا معشر المشركين عن ذلك ، وتنبهوا لما بين أيديكم من الأهوال والمخاطر ، فإن الدنيا دار الفناء ، ولا بد أن تتجرعوا كأس المنية ، إذا بلغت الروح أي أعالى الصدر ، وشارف الإنسان على الموت
أي وقال أهله وأقرباؤه : من يرقيه ويشفيه مما هو فيه ؟
قال فى البحر : ذكرهم تعالى بصعوبة الموت ، وهو أول مراحل الآخرة ، حين تبلغ الروح التراقى - وهي عظام أعلى الصدر - فقال أهله : من يرقى ويطبب ويشفي هذا المريض به ،
أي وأيقن المحتضر أنه سيفارق الدنيا والأهل والمال ، لمعاينته ملائكة الموت
أي والتفت إحدى ساقي المحتضر على الأخرى ، من شدة كرب الموت وسكراته ،
قال الحسن : هما ساقاه إذا التفتا في الكفن ، وروي عن ابن عباس أن المراد اجتمعت عليه شدة مفارقة الدنيا ، مع شدة الموت وكربه ، فيكون ذلك من (باب التمثيل ) للأمر الهائل العظيم ، حيث يلتقي عليه شدة كرب الدنيا ، مع شدة كرب الآخرة ، كما يقال : شمرت الحرب عن ساق ، استعارة لشدتها
أي إلى الله جل وعلا مساق العباد ، يجتمع عنده الأبرار والفجار ، ثم يساقون إلى الجنة أو النار
. . ثم أخبر تعالى عن حال الجاحد المكذب ، فقال سبحانه :
أي لم يصدق بالقرآن ، ولم يصلي للرحمن ،
قال أبو حيان : والجمهور على أنها نزلت في "أبي جهل " وكادت أن تصرح به في قوله : فإنها كانت مشيته ، ومشية قومه (بني مخزوم ) ، وكان يكثر منها
أي ولكن كذب بالقرآن ، وأعرض عن الإيمان
أي ذهب يتبختر في مشيته ، وذلك عبارة عن التكبر والخيلاء
أي ويل لك يا أيها الشقي ثم ويل لك ، قال
المفسرون : هذه العبارة في لغة العرب ، ذهبت مذهب المثل في التخويف والتهديد ، وأصلها أنها أفعل تفضيل من وليه الشئ إذا قاربه ودنا منه أي وليك الشـر وأوشك أن يصيبك ، فاحذر وانتبه لأمرك . . . روي أن النبي (ص)أخذ بيد أبي جهل ثم قال له : فقال أبو جهل : اتتوعدني يا محمد وتهددني ؟ والله لا تستطيع أنت وربك أن تفعلا بي شيئا ، والله إنى لأعز أهل الوادي ، ثم لم يلبث أن قتل ببدر شر قتلة
كرره مبالغة في التهديد والوعيد ، كأنه يقول : إني أكرر عليك التحذير والتخويف ، فاحذر وانتبه لنفسك ، قبل نزول العقوبة بك
. . ولما ذكر في أول السورة إمكان البعث ، ذكر في آخر السورة الأدلة على البعث والنشور فقال سبحانه :
؟ أي أفيظن الإنسان الكافر أن يترك هملا ، من غير بعث ولا حساب ولا جزاء؟ وبدون تكليف بحيث يبقى كالبهائم المرسلة؟ لا ينبغي له ولا يليق به هذا الحسبان
الاستفهام للتقرير أي أما كان هذا الإنسان نطفة ضعيفة من ماء مهين ، يراق ويصب فى الأرحام ؟ والغرض بيان حقارة حاله ، كأنه يقول إنه مخلوق من المني الذي يجري مجرى البول
أي ثم أصبح بعد ذلك قطعة من دم غليط متجمد يشبهه العلقة ، فخلقه الله بقدرته في أجمل صورة، وسوى صورته وأتقنها في أحسن تقويم
أي فجعل من هذا الإنسان صنفين : ذكرا وأنثى بقدرته تعالى! ! هذا هو أصل الإنسان وتركيبه ، فكيف يليق بمثل هذا الضيف أن يتكبر على طاعة الله ؟
أي أليس ذلك الإله الخالق الحكيم ، الذي أنشأ هذه الأشياء العجيبة ، وأوجد الإنسان من ماء مهين ، بقادر على إعادة الخلق بعد فنائهم ؟ بلى إنه على كل شيء قدير، روي أن النبي (ص)، كان إذا قرأ هذه الآية قال : "سبحانك اللهم بلى" وفي رواية أخرى : "فليقل : بلى وعزة ربنا.
جنة1
•
جنة1
•
سورة القيامة
بسم الله الرحمن الرحيم
كلا بل تحبون العاجلة * وتذرون الاخرة * وجوه يومئذ ناضرة * إلى ربها ناظرة * ووجوه يومئذ باسرة * تظن ان يفعل بها فاقرة * كلا إذا بلغت التراقى * وقيل من راق * وظن أنه الفراق * والتفت الساق بالساق * إلى ربك يومئذ المساق * فلا صدق ولا صلى * ولاكن كذب وتولى * ثم ذهب الى أهلة يتمطى * أولى لك فأولى * ثم أولى لك فأولى * أيحسب الانسان ان يترك سدى * ألم يك نطفة من منى يمنى * ثم كان علقة فخلق فسوى * فجعل منة الزوجين الذكر والانثى * أليس ذلك بقادر على ان يحى الموتى
سورة الانسان
بسم الله الرحمن الرحيم
هل أتى على الانسان حين من الدهر لم يكن شيئاَ مذكوراَ * انا خلقنا الانسان من نطفة * أمشاج تبتلية فجعلناه سميعا بصيراً * إنا هديناه السبيل إما شاكراً وإما كافورا * إنا أعتدنا للكافرين سلاسلا واغلالا وسعيرا * ان الأبرار يشربون من كأس مزاجة كافورا
بسم الله الرحمن الرحيم
كلا بل تحبون العاجلة * وتذرون الاخرة * وجوه يومئذ ناضرة * إلى ربها ناظرة * ووجوه يومئذ باسرة * تظن ان يفعل بها فاقرة * كلا إذا بلغت التراقى * وقيل من راق * وظن أنه الفراق * والتفت الساق بالساق * إلى ربك يومئذ المساق * فلا صدق ولا صلى * ولاكن كذب وتولى * ثم ذهب الى أهلة يتمطى * أولى لك فأولى * ثم أولى لك فأولى * أيحسب الانسان ان يترك سدى * ألم يك نطفة من منى يمنى * ثم كان علقة فخلق فسوى * فجعل منة الزوجين الذكر والانثى * أليس ذلك بقادر على ان يحى الموتى
سورة الانسان
بسم الله الرحمن الرحيم
هل أتى على الانسان حين من الدهر لم يكن شيئاَ مذكوراَ * انا خلقنا الانسان من نطفة * أمشاج تبتلية فجعلناه سميعا بصيراً * إنا هديناه السبيل إما شاكراً وإما كافورا * إنا أعتدنا للكافرين سلاسلا واغلالا وسعيرا * ان الأبرار يشربون من كأس مزاجة كافورا
جنة1
•
السلام عليكم
ربنا يخليكى يا لمياء ... دايما مشجعانى
خليها يوم الخميس أفضل ...لعل وعسى تكون امال او اسماء ينزلوا تسمعيهم بأمر الله
نفسى اخلص حفظ الجزء قبل رمضان
ربنا يخليكى يا لمياء ... دايما مشجعانى
خليها يوم الخميس أفضل ...لعل وعسى تكون امال او اسماء ينزلوا تسمعيهم بأمر الله
نفسى اخلص حفظ الجزء قبل رمضان
الصفحة الأخيرة
أي أقسم بيوم القيامة ، يوم الحساب والجزاء
أي وأقسم بالنفس المؤمنة التقية ، التي تلوم صاحبها على ترك الطاعات ، وفعل الموبقات
قال المفسرون : لتأكيد القسم ، وقد اشتهر في كلام العرب زيادة قبل القسم لتأكيد الكلام ، كأنه من الوضوح والجلاء بحيث لا يحتاج إلى قسم
؟ الاستفهام للتوبيخ والتقريع ، أي أيظن هذا الإنسان الكافر، المكذب للبعث والنشور، أن لن نقدر على جمع عظامه بعد تفرقها؟
قال المفسرون : نزلت هذه الآية في "عدي بن ربيعة" جاء إلى رسول الله (ص) فقال يا محمد : حدثنى عن يوم القيامة، متى يكون ؟ وكيف أمره ؟ فأخبره رسول الله (ص) فقال : لو عاينت ذلك اليوم لم أصدقك يا محمد، ولم أومن بك ، كيف يجمع الله العظام ؟ فنزلت هذه الآية، قال تعالى ردا عليه
أي بلى نجمعها ونحن قادرون على أن نعيد أطراف ، أصابعه ، التي هي أصغر أعضائه ، وأدقها أجزاء وألطفها التئاما ، فكيف بكبار العظام ؟ واما ذكر تعالى البنان - وهي رءوس الأصابع - لما فيها من غرابة الوضع ، ودقة الصنع ، لأن الخطوط والتجاويف الدقيقة التي في أطراف أصابع إنسان ، لا تماثلها خطوط أخرى في أصابع شخص آخر على وجه الأرض
أي بل يريد الإنسان بهذا الإنكار أن يستمر على الفجور، ويقدم على الشهوات والآثام ، دون وازع من خلق أو دين ، وينطلق كالحيوان ليس له هم إلا نيل شهواته البهيمية، ولذلك ينكر القيامة ويكذب بها
أي يسأل هذا الكافر الفاجر - على سبيل الاستهزاء والتكذيب - متى يكون هذا اليوم يوم القيامة؟
قال الرازي : والسؤال هنا سؤال متعنت ومستبعد لقيام الساعة ، ونظيره ؟ ولذلك ينكر المعاد ويكذب بالبعث والنشور، والغرض من الآية أن الإنسان الذي يميل طبعه إلى الاسترسال فى الشهوات ، والاستكثار من اللذات ، لا يكاد يقر بالحشر والنشر، وبعث الأموات ، لئلا تتنغص عليه اللذات الجسمانية ، فيكون أبدا منكرا لذلك ، قائلا على سبيل الهزء والسخرية : أيان يوم القيامة
قال تعالى ردا على هؤلاء المنكرين
أي فإذا زاغ البصر وتحير، وانبهر من شدة الأهوال والمخاطر
أي ذهب ضوءه وأظلم
أي جمع بينهما يوم القيامة، وألقيا في النار ليكونا عذابا على الكفار،
أي يقول الفاجر الكافر في ذلك اليوم : أين المهرب ؟ وأين الفرار والمنجى من هذه الكارثة الداهية؟
يقول قول الآيس ، لعلمه بأنه لا قرار حينئذ
ردع له عن طلب الفرار، أي ليرتدع وينزجر عن ذلك القول ، فلا ملجأ له ، ولا مغيث من عذاب الله
أي إلى الله وحده مصير ومرجع الخلائق ، قال الألوسي : إليه جل وعلا وحده استقرار العباد، لا ملجأ ولا منجى لهم غيره
. . . والمقصود من الآيات بيان أهوال الآخرة ، فالأبصار تنبهر يوم القيامة ، وتخشع وتحار من شدة الأهوال ؟ ومن عظم ما تشاهده من الأمور العظيمة ، والإنسان يطيش عقله ، ويذهب رشده ، ويبحث عن النجاة والمخلص ، ولكن هيهات ، فقد جاءت القيامة وانتهت الحياة
أي يخبر الإنسان في ذلك اليوم بجميع أعماله ، صغيرها وكبيرها، عظيمها وحقيرها، ما قدمه منها في حياته ، وما أخره بعد مماته ، من سنة حسنة أو سيئة، ومن سمعة طيبة أو قبيحة
أي بل هو شاهد على نفسه ، وسوء عمله ، وقبح صنيعه ، لا يحتاج إلى شاهد آخر،
قال ابن عباس : الإنسان شاهد على نفسه وحده ، يشهد عليه سمعه وبصره ، ورجلاه ، وجوارحه
أي ولو جاء بكل معذرة، ليبرر إجرامه وفجوره ، فإنه لا ينفعه ذلك ، لأنه شاهد على نفسه ، وحجة بينة عليها ،
وبعد هذا البيان انتقل الحديث إلى القرآن ، وطريقة تلقى الوحى عن جبريل ، فقال تعالى مخاطبا رسوله (ص)
أي لا تحرك بالقرآن لسانك عند إلقاء الوحي عليك بواسطة جبريل ، لأجل أن تتعجل بحفظه ، مخافة أن يتفلت منك
أي إن علينا أن نجمعه فى صدرك يا محمد، وأن تحفظه
أي فإذا قرأه عليك جبريل ، فأنصت لاستماعه حتى يفرغ ، ولا تحرك شفتيك أثناء قراءته
أي ثم إن علينا بيان ما أشكل عليك فهمه من معانيه وأحكامه ،