فتاة الرافدين
•
:24: :27:
( 73 )
الفصل السابع
تألقت الأنوار في بيت سعاد ، وهو يستقبل ثلة من الأصدقاء الخصوصيين للزوجين ، وقد وجهت الدعوة إليهم بمناسبة عيد ميلاد محمود ، وكانت سعاد تتألق في حلة زرقاء داكنة ، وقد زينت صدرها وجيدها وساعدها بالحلي ، وبدت رائعة الجمال بالغة الأناقة . وبدأ الضيوف يتوافدون على الدار ، وكان من مقدمتهم المصور صلاح ، وهو شاب كان من المعروف أنه على علاقة جديدة مع سعاد ... بعد أن نبذت صاحبها الممثل سليم ، واختار صلاح لنفسه مجلساً قريباً من سعاد ، وكانت سعاد مشغولة في استقبال المدعوين ، وتوزيع الابتسامات والمداعبات . وكان من جملة المدعوين شاب يعمل مهندساً ، وقد تعرفت عليه سعاد منذ مدة وجيزة ، وشاءت أن تلقي حوله أحابيلها ، فدعته إلى هذه الحفلة مع الأصدقاء الخصوصيين ، وقد جاء هذا المهندس بصحة واحد من أخص أصدقاء محمود اسمه سعيد ، وكانت سعاد تنتقل بين الضيوف ، حتى اختارت لها مجلساً إلى جوار المهندس الشاب ، وشاعت الغبطة في قلب المهندس وهو يرى سعاد تجلس إلى
--------------------------------------------------------------------------------
( 74 )
جواره ، وانتظرته سعاد لكي يتكلم ، ولكن المسكين كان يشعر بارتباك إلى درجة لم تمكنه من الكلام ولكن سعيداً بدأ الحديث فخاطب سعاد قائلة :
ـ تصوري يا ست سعاد أن صديقي هذا كان يخشى من المجيء إلى هنا.
واتسعت حدقتا سعاد وهي تتظاهر باللهفة قائلة :
ـ آه ! ... ولماذا يا سعيد ؟!
ـ أنه كان يخشى أن تتجاهليه ...
ـ أنا ! وكيف لمثلي أن تتجاهل مثله وهو ملء السمع والبصر ؟!
وتمتم المهندس ببضع كلمات شكر.. وشعرت سعاد أنها تتمكن أن تستحوذ عليه بسهولة ، وأنها قد تجعل منه أداة تلوح بها لصلاح إذا صدف عنها ، وفعلاً ، فقد تمكن بعد مدة وجيزة من أن تطمأن إلى خضوعه لها ، وعند ذلك قامت من جواره بعد ن أشعلت فيه النار التي تريدها ، وذهبت تفتش عن صلاح ، وكانت قد لاحظت أنه لم يكن قد ارتاح لطول إقامتها إلى جوار المهندس ، وحاولت أن تراه في الصالون أو الشرفات ، ولكنها لم تقع هل على أثر هناك ... وخرجت إلى الحديقة وفي نهايتها وبين مجموعة من الأشجار المتراصة وجدت ضالتها ... فقد كان صلاح هناك وإلى جواره إحدى
--------------------------------------------------------------------------------
( 75 )
صديقاتها من الغانيات .. وثارت سعاد لذلك ، فهي لم ترتو بعد منه ، ولا ترضى أن تخسره بهذه السرعة ، فتقدمت نحوهما وهي تقول :
ـ أهكذا تعتزلان الحفل ، لتعتكفا هنا بين الأشجار ؟!.
وعلت البغتة وجه صلاح ، ولملمت رفيقته أطرافها في ارتباك واستمرت سعاد تقول بانفعال :
ـ أنا كنت أعرف أنك متقلب ، كثير الزوات يا صلاح ، ولكن ليس بهذه السرعة ، وليس على هذه الصورة ! وتمتم صلاح قائلاً :
ـ أرجو أن لا تظني .. أني ...
وقطعت سعاد كلامه قائلة :
ـ دع عنك هذه الكلمات الفارغة ، هكذا أنت دائماً ، كل يوم في مكان وكل ساعة على اتجاه جديد.
ـ ولكنك أنت ... أقصد ... أغني.
ـ أنا أدرى ما الذي تقصده وما تعنيه يا صلاح ، فلا داعي لاتعاب نفسك في الكلام ، إن الذنب ذنبي ، أنا الذي وثقت بك وركنت إليك ، وفاتني أنك لا تختلف عن غيرك من الرفاق رجل مداج ، تتلاعب مع الريح.
ـ سعاد ... أنك أنت التي أهملت وجودي في الحفل ، وانصرفت عني إلى ذلك المهندس الشاب...
--------------------------------------------------------------------------------
( 76 )
ـ وما أنت وما وجودك ؟... لكي أهمله أو لا أهمله ... هل حفظت لوجودك قيمة ؟ هل استطعت أن تقف أمام نزواتك في داري على الاقل ؟ أنت لم تعد تعني عندي شيئاً.
ـ سعاد ... ماذا تعنين يا سعاد ؟!.
ـ نعم ، أنا أعني أنك رجل ... رجل نزق لا تستقر على حال...
قالت سعاد هذا واستدارت وابتعدت عنهما . وساء صلاح أن يكون قد أغضب سعاد ولم يعد يطيب له المقام مع فاتنته الجديدة ، ولاحظت صاحبته عليه ذلك . فصممت على أن لا تدعه يفلت منها بسهولة ، فحاولت أن تغريه بالجلوس ، ولكنه امتنع وأصر على الالتحاق بباقي المدعوين ، وفكر أنه سوف يتمكن أن يسكب بين يدي سعاد دموع الندم والتوبة حتى يسترضيها ويردها إليه ، وفاته أن سعاد كانت تحوم حول صيد جديد ، وهو المهندس الشاب ... وإنها لم تثر غيرة عليه أو حباً له ، ولكنها كانت تريد أن تجعل من هذه الحادثة وسيلة للتهرب منه إلى حين...
أما سعاد فقد التحقت بضيوفها وكأنها لم تتخاصم مع أحد ، ولاحظت أن زوجها لم يكن في المكان الذي عهدته فيه ، ففتشت عنه في الشرفات فلم تجده أيضاً . وخرجت إلى الحديقة مرة ثانية ولكنها لم تره ، ففكرت لحظة ثم توجهت نحو غرفته الخاصة وهناك.. رأته ملقى على سريره بينما كانت
--------------------------------------------------------------------------------
( 77 )
سنية جالسة عند رأسه تمسح وجهه بالماء. وتقدمت نحوه سعاد وانحنت عليه دون أن تفوه بكلمة فزكمتها رائحة الخمرة المنبعثة من فمه. وعرفت أنه مخمور ، وكان من عادة محمود أن يقع دائماً تحت تأثير الخمرة إذا أكثر منها ، لأنه لم يكن يشربها من قبل زواجه واتصاله بسعاد ورفعت سعاد رأسها وسألت سنية قائلة :
ـ من الذي جاء بسيدك إلى هنا يا سنية ؟
وردت سنية في تحفظ :
ـ أنا يا سيدتي.
ـ وكيف قدتيه إلى هنا وهو على هذه الحالة ؟!
ـ لا ... أنه لم يكن هكذا حين ذاك.
ـ إذن أنت سقيته هنا أيضاً؟
ـ نعم ، إنه هو الذي طلب مني ذلك.
ـ يا لك من سافلة.
ـ عفواً يا سيدتي لست بسافلة.
ـ أتستكثرين ذلك يا سنية ؟!
ـ أنا لا اختلف عنك بقليل أو كثير وأنا لا أقر أن سيدتي سافلة.
ـ ويل لك من صلفة لئيمة...
ـ مهملاً ، فقد اكتفيت من هذا الحفل الصاخب بسيدي وحده ، صحبته إلى هذه الغرفة وهو مخمور لكي أنعشه وأنبهه ... وأما أنت يا سيدتي ...
--------------------------------------------------------------------------------
( 78 )
ـ أسكتي .. أسكتي يا بلهاء...
ـ لست بلهاء يا سيدتي ، بل أني أذكى مما تظنين !
وانتبهت سعاد إلى أن غيبتها عن المدعوين قد طالت أكثر مما ينبغي ، فاتجهت نحو الباب وهي تقول :
ـ حاولي إيقاضه بكل طريقة ، فليس من اللائق أن ينام هنا مخموراً وضيوفه على أهبة الانصراف.
وخرجت سعاد وهي تتعثر بأذيالها من الخزي والعار والحقد والبغضاء ، وكان صلاح قد عاد والتحق بجماعة الضيوف ، وحاول مراراً أن يختلي بسعاد ؛ ليعتذر لها ، ويبرر سلوكه عندها ، ولكنها كانت تتجاهله وتتحاشاه ، ولذّ لها أن تراه وهو يتعذب لهذا التجاهل الظاهري.
وكأن سنية فشلت في مهمتها فلم تتمكن من إيقاظ محمود ، وفعلاً فقد بدأ الضيوف ينصرفون ومحمود لم يعد بعد ، وبعد ساعة كان الصالون قد اقفر إلا من صلاح وركع صلاح أمام سعاد وأقسم بكل غال : أنه لم يكن يعني من مصاحبته لتلك السيدة غير اللهو وقضاء الوقت ، وأنه لا يزال كما كان عاشقها المفتون. وكان صلاح موهوباً في نسج الكلمات الرقيقة والألفاظ الخلابة ، ولم تكن سعاد تحتاج إلى كثير من عذر ، او طويل استغفار ، ولكنها شاءت أن تنعم أكثر باستغفار هذا الراكع على قدميها ، فماطلته بالعفو ،
--------------------------------------------------------------------------------
( 79 )
وتلاعبت به طويلاً قبل أن تفهمه أنها عفت عنه. واطمأن صلاح إلى رضائها فودعها وانصرف . وعادت إلى غرفة زوجها فوجدته مستغرقاً في نوم عميق ، فتوجهت إلى غرفتها وهي تشعر بإعياء شديد ، فقد حطم سلوك زوجها أعصابها ، كما أن خيانة صلاح كانت قد أثرت عليها كثيراً ، وخلعت عنها ملابسها ، واستلقت على سريرها ، وهي تشعر أن رأسها سوف ينفجر تحت تأثير الأفكار المتضاربة التي كانت تتصارع فيه. فقد خرجت من الاحتفال وهي لم تزدد إلا شعوراً بالحقارة ، وإحساساً بالضياع والحرمان ، وحاولت أن تنام ، ولكنها لم تستطع إلى ذلك سبيلاً . وعادت تفكر في إبراهيم ... وهي في الواقع لم تخرج عن التفكير فيه طيلة الحفلة ، فقد كان ماثلاً في ذهنها على طول الخط ، ولكن في إطار من الحقد والنقمة ، فهي لم تكن تغفل عن فكرة الانقام لحظة واحدة ... وودت لم تمكنت من جر نقاء إلى أمثال هذه الحفلات ، لعلها تغريها وتستهويها بلهوها وصخبها ، فهي على ثقة أن نقاء لو ظهرت في حفلة واحدة ، لوجدت حولها عشرات من الشباب يركعون على أقدامها ويسجدون. وسعاد لا تشك لحظة في أن المرأة التي تصمد أمام إغراءات الشباب المندفع لم تخلق بعد على وجه الأرض ، وسهرت مع أفكارها طويلاً حتى غلبها النوم ، ولم تفق إلا وقد طلعت الشمس وعلا النهار ، فتمطت في فراشها قليلاً ، وكان من عادتها في أغلب الأيام أن تستدعي سنية ؛ لتساعدها على الاستحمام ،
--------------------------------------------------------------------------------
( 80 )
ولكنها لم تنشأ أن تستدعيها ذلك الصباح بعدما صدر منها في المساء الماضي ، فاستحمت بمفردها ، وصففت شعرها بنفسها ، وارتدت ملابسها ونزلت الدرج ، وحاولت أن تخرج من الدار دون أن تراها سنية ، ولكن صوت سنية باغتها وهو يقول :
ـ ما لي أراك وقد عزمت على مغادرة البيت دون إفطار يا سيدتي ؟!.
والتفتت سعاد نحو الصوت ، فرأت سنية في غرفة الطعام وهو تهيئ مائدة الافطار ، ثم أردفت سنية قائلة :
ـ لماذا لم تستدعني لمساعدتك في الاستحمام ؟ أرجو أن لا تكوني غاضبة عليّ.
واحتارت سعاد بماذا ترد على هذه المتهكمة الوقحة ، ولم تر بداً من أن تقول :
ـ أنا لم استحم اليوم ، ولذلك لم استدعك عند صحوي من النوم.
ـ ولكن تناهى لي خرير الماء وهو يصب في الحمام . وعلى كل حال فالمهم أن لا تكوني غاضبة.
ـ لا ... لا... أبداً أبداً.
ـ هلا استفسرت عن صحة سيدي !؟
ـ آه لقد نسيت ... كيف حاله هذا الصباح ؟
ـ إنه لا يزال تعباناً يا سيدتي !
--------------------------------------------------------------------------------
( 81 )
ـ إذن فهو لن يخرج اليوم أيضاً ؟
ـ نعم يا سيدتي ! فقد قال إنه لن يخرج من الدار.
وكادت سعاد أن تنقض على سنية فتنشب أظافرها في عنقها حتى ترديها ، ولكنها تذكرت الحبل الذي يشدها إليها فتمالكت نفسها ، وردت قائلة :
ـ اعتني به جيداً يا سنية ! فإنّ لدي موعداً هاماً . وعليّ أن أذهب.
وردت سنية في برود قائلة :
ـ إذهبي يا سيدتي مع السلامة.
وأسرعت سعاد في الخروج وكأنها تفر من شبح مخيف ، وتنفست الصعداء عندما شعرت أنها تحررت من سنية ومن سلطانها عليها إلى حين ، وهكذا أحست أن بيتها لم يعد بالنسبة لها سوى سجن بغيض يعمر بالمحن والآلام.
.............................................................................................................................................
الفصل الثامن
أما نقاء فقد كانت تعاودها بين حين وحين رغبة ملحة في أن تحدث إبراهيم عن سعاد ، فقد كان يعز عليها أن تخفي عنه أمراً ، ولكنها كانت تخجل حتى من مجرد ذكر سعاد فهي تأبى أن تعيد أمام إبراهيم كلمات سعاد وتفاهاتها لئلا يظن أنها تأثرت بها ، ولو إلى حد قليل. وقد كانت أيامها تمر وهي محملة بالهناء والسعادة ، ولم يكن يكدر عليها صفوها إلا قرب سفر إبراهيم فقد كان موعد سفره يكاد أن يحدد في وقت قريب ، وقد كانت خلال ثلاثة أسابيع مضت لم تجتمع بسعاد ولم تسمع عنها خبراً ، وقد سرها ذلك ، فهي لم تكن تركن إلى صحبتها مطلقاً. وبعد ثلاثة اسابيع رن جرس التلفون في غرفتها . وكانت الساعة تقارب العاشرة صباحاً فردت عليه ، وإذا بصوت سعاد يفاجئها عذباً رقيقاً ، وهي تقول :
ـ لقد أوحشتيني كثيراً كثيراً يا عزيزتي.
وكادت نقاء أن ترد قائلة وأنا كذلك يا سعاد ، ولكنها أبت أن تسجل عليها كذبة لا تستند إلى الحقيقة ، ولهذا أجابت بقليل من الفتور أهلاً وسهلاً.
--------------------------------------------------------------------------------
( 84 )
ـ ولكنك جافية للصديق ، قاطعة للرحم ، أفما كان من الائق بك أن تسألي عني ولو مجرد سؤال ، أو تتصلي بي مرة واحدة في التلفون ؟! ألم يخطر لك أن انقطاعي عنك لا يكون إلا لأمر مهم.
ـ أبعد الله عنك كل مكروه يا سعاد.
ـ والآن أيضاً ألا تحاولي أن تعرفي السبب ؟
ـ آه .. طبعاً أنا أريد أن أسأل ، أرجو ألا تكوني مريضة يا سعاد ...!
قالت نقاء ذلك وهي تلعن في سرها سعاد ... وتتمنى لو أمكنها ان تقول لها : أنا لا يهمني السبب يا سعاد ، وحسناً فعلت بعدم مجيئك إلي طيلة هذه الأسابيع . ولكن الخجل أيضاً كان يمنعها من ذلك ، فهي بطبعها هادئة لا تستريح إلى الخصام ، وجاءها جواب سعاد سريعاً وهي تقول :
ـ لقد ابتليت بالزائدة الدودية ، ودخلت المستشفى وأجريت لي عميلة جراحية ، ومنذ يومين فقط رجعت إلى البيت.
وهنا شعرت نقاء ببعض الانعطاف نحو سعاد . فهي الم تكن تظن أن سعاد مريضة حقاً ، وفي هذه المرة ردت عليها بلهفة قائلة : آه ... إعذريني يا سعاد ! فلم أكن أعلم بذلك ، وعلى كل حال فالحمد لله على السلامة.
ـ أهكذا وفي التلفون ؟!
--------------------------------------------------------------------------------
( 85 )
ـ سوف أحاول أن أزورك يا عزيزتي في أقرب فرصة.
ـ في أقرب فرصة ! ولماذا لا يكون اليوم أو غداً ؟
ـ أنا في هذه الأيام مشغولة يا سعاد ...
ـ آه .. هل إن إبراهيم يشغل أوقاتك كلها يا نقاء ؟!
ـ لا ، ولكنني مشغولة على كل حال.
ـ وإبراهيم أيضاً لابد أنه دائب على زيارتك في كل يوم صباحاً ومساء...
ـ تقريباً.
ـ إذن فإن أوقاتك مشغولة معه ، يزورك في الصباح ولا يخرج إلى أن يحين الظهر ، ثم يزورك في العصر ولا...
ـ لا أدري كيف تتكلمين يا سعاد ! إنه رجل عمل لا يتأخر في الصباح إلا دقائق معدودة.
ـ على كل حال فأنا لن أنتظر قدومك يا عزيزتي ، أنا أعلم أنك مقيدة من ناحية إبراهيم ، ولكنني سوف أزورك أنا بدلاً من أن تزوريني.
ـ أهلاً ... ولكن متى ؟
ـ حالاً ، حالاً ... مع السلامة.
ـ مع السلامة.
واستغربت نقاء هذه الطيبة المتناهية من ابنة خالتها. وكادت أن تندم على سلوكها الجاف معها من قبل ، فهي لم تكن تعرف غايات سعاد وأهدافها ، ولم يكن بامكانها أن تسمع سعاد بعد أن ألقت سماعة التلفون وهي تتمتم قائلة :
--------------------------------------------------------------------------------
( 86 )
الآن عرفت متى ينبغي لي أن أزور نقاء دون أن يفاجئني إبراهيم ، أنا لا أخشى إبراهيم ، ولكني لا أريد أن يتعرف عليّ الآن لكي لا يحول بيني وبين خطتي الانتقامية ، ولكنه سوف يتعرف عليّ يوماً ما ، بعد أن يخسر نقاء وتخسره ... سوف أسعى إليه بنفسي ؛ لأقول له : هنيئاً لك بعروسك المصطفاة التقية النقية الطاهرة ... سوف اُحطم غروره وألوث مثله ومفاهيمه.
ولكن نقاء لم تسمع شيئاً من ذلك ، وأنى لها أن تسمع ؟ وجلست تنتظر وآثرت أن تستقبل سعاد في الصالون لكي تكون أمها حاضرة أيضاً ، فهي تعلم أن سعاد سوف تحد من كلامها بوجود خالتها ، ولكنها فوجئت بعدم وجود أمها في الدار ، وأخبرتها المساعدة التي لديهم أنها ذهبت لزيارة أخيها منذ الصباح ، وساء نقاء ذلك فقد كانت تقدر أن وجود أمها سوف يحول بين سعاد وبين الاسترسال في الكلام ، وبعد دقائق دق الباب ، فعلمت أن القادم سعاد .. وذهبت المساعدة ، لتفتح الباب ، وتقدمت نقاء ، لتستقبلها وكانت سعاد تتظاهر باللهفة البالغة ، ولم يسع نقاء إلا أن ترحب بها بحرارة وجلست سعاد وهي تتظاهر بالتعب ، وأخذت نقاء تعتذر لانها لم تعلم بدخولها المستشفى ، وضحكت سعاد وهي تقول :
ـ أنت أختي يا نقاء ! وأنا لا أعتب عليك مطلقاً ، ولكن
--------------------------------------------------------------------------------
( 87 )
كنت أخشى أن أموت دون أن أراك مرة ثانية.
وتأثرت نقاء لهذه الكلمات العاطفية ، وقالت بلهجة صادقة حنون :
ـ حرسك الله من كل شر يا سعاد ! أنت لا تزالين في مستقبل حياتك وأول شبابك السعيد.
ـ حقاً أن الحياة ليؤسف عليها يا نقاء ! فحياتي مثلاً شريط ملون طافح بجميع ألوان اللذة والمتعة.
وتوجست نقاء خيفة من هذه الكلمات .. وفهمت أنها بداية لحديث طويل ، وردت عليها قائلة :
ـ جعل الله جميع أيامك سعيدة يا سعاد !
وسكنت سعاد برهة ، شعرت نقاء خلالها أنها في سبيل إيجاد ثغرة تنقذ منها إلى حيث تريد ، وصممت على أن لا تهيء لها تلك الفرصة ، ولا تدع لها مجالاً للكلام المسموم ... ولكن سعاد لم تكن بحاجة إلى الجو الذي تهيؤه لها نقاء ، فاندفعت تقول :
ـ كنت أذكر أمس أمام محمود وقد أظهر رغبة ملحة في زيارتك والتعرف عليك ، ولكني أخبرته أنك محجوزة...
ولم تشأ نقاء أن ترد عليها ، لكي لا يطول بهما الكلام في هذا الموضوع.. فاكتفت بابتسامة خفيفة . غير أن سعاد لم
--------------------------------------------------------------------------------
( 88 )
تكن تتراجع بسهولة ، بل استمرت تقول :
ـ لقد اندهش محمود من غرابة تصرف إبراهيم ، وتعجب أن يوجد رجل مثل إبراهيم في هذا العصر المتحضر ، ولكني قلت له : إنه استطاع أن يقنع نقاء ، فهي سعيدة به على كل حال.
ومرة أخرى سكتت نقاء فلم تجب ، لا إقراراً منها لما كانت تقوله سعاد .. ولكن ترفعاً من متابعة مثل هذا الحديث ، ولكن سعاد فسرت هذا السكوت بموافقة نقاء على كلامها ، وإقراراً لما قالته ، فنشطت لمتابعة الحديث قائلة :
ـ هل يسمح لك إبراهيم بحضور الحفلات يا نقاء ؟!
وهنا لم تر نقاء بداً من أن تجيب ، فابتسمت وقالت :
ـ طبعاً ... طبعاً يا سعاد ! ولكن حفلات من النوع النظيف.
ـ وهل تحضرين حفل ميلادي في الشهر القادم إذ دعوتك إليه ؟
ـ لا مانع عندي من ذلك ، وسوف أكون مسرورة.
ـ شكراً لك ... وسوف أعرفك على محمود الذي يتحرق شوقاً إلى رؤيتك منذ أمد بعيد.
وسكتت نقاء ولم تدر كيف تجيب ... وفي وهلة فطنت إلى أن حفلة سعاد ستكون مختلطة ولا ريب ، وقد فاتها
--------------------------------------------------------------------------------
( 89 )
ملاحظة ذلك من قبل .. وترددت لحظة ... هل تسألها عن نوعية الحفلة أو تترك ذلك إلى حينه ، وشجع سكوتها سعاد ، فتابعت تقول :
ـ كما أن عشرات من ألمع شباب المجتمع سوف يترامون على قدميك بعبادة وخشوع.
هنا انتفضت نقاء ... واصطبغ وجهها بحمرة قانية ، وقالت بحدة وعصبية ظاهرة :
ـ أنا لن أحضر حفلتك الموعودة يا سعاد ! فقد فاتني أن حفلاتك مختلطة ... ثم أنت تريدين أن تعرضيني لعيون عشرات الشباب ليركعوا تحت قدمي كأني سلعة ، لك أن تعرضيها لمن شئت من الناس ! لا أدري كيف سمحت لك نفسك التفوه بهذه الكلمات يا سعاد ؟...
ـ أنا لم أقل أنك سلعة يا نقاء ! ولكنك تأخذين الكلام على غير معناه الواقعي ، وإنما كنت أقصد أنك في حضورك الحفلة سوف تخرجين قليلاً عن محرابك الموحش ... أنا أرثى لحالك يا نقاء! ولا أسعى إلا وراء سعادتك في الحياة.
ـ لقد نلت حظي الوافر من السعادة فلا داعي لاجهاد نفسك في هذا السبيل.
ـ عجيب أمرك يا نقاء ! أحقاً أنت سعيدة ؟ أتسعدك هذه الجدران الأربعة وهذا المحيط الضيق ؟
--------------------------------------------------------------------------------
( 90 )
ـ أنا لست سجينة بين جدران ، أو مقيدة بمحيط ضيق يا سعاد ! أنا حرة بجميع تصرفاتي وتنقلاتي إلى حيث ما أردت ، وإلى أي مكان قصدت ، ولكن في نطاق العفة والحشمة.
ـ ولكنك في الواقع أسيرة في حريتك. مقيدة في انطلاقك أو ليست هذه الأطواق الملعونة تلتف حول رأسك وعنقك الجميل ؟! أو ليس المعطف الأسود العريض يحجب قوامك اللدن عن الأبصار ويبرزك على شكل كيس يتساوى فيه الطول والعرض !؟ ولكنك لا تزالين في غفلة عن ذلك ، أليس من الجرم أن تظهري للمجتمع بلبوس العجائز وأنت الفتاة الجميلة البديعة التكوين ؟!. أي شريعة هذه التي تجيز لابراهيم أن يظهر للمجتمع بأتم أناقة وأكمل زينة ، وتحرم عليك أن تبرزي أية ناحية من نواحي جمالك الرائع !؟ حقاً أنه لظلم .. وظلم فظيع...
وهمت نقاء أن تجيب .. لكن سعاد لم تدعها تتكلم ، فاسترسلت تقول :
ـ إن أبشع جريمة اجتماعية هي أن تخضع فتاة مثلك لرجل وأي رجل كان .. أي دين هو هذا الذي يجعل من المرأة أداة مستعبدة في أيدي الرجال ؟!.
ولم تستطع نقاء أن تستمع أكثر من هذا ، فاندفعت تقول وقد تهدج صوتها من الغضب :
--------------------------------------------------------------------------------
( 91 )
ـ أنا لست محكومة لأحد ، ولم يفرض الدين عليّ أن أحكم لأحد أياً كان حتى زوجي ، فليس الزواج في الاسلام ختم ملكية المرأة للرجل ، ولا تخضع فيه المرأة المسلمة إلى أي حدود أو التزامات غير طبيعية. إن الاسلام يعطي للزوجة المسلمة امتيازات لم تحصل عليها الزوجة في كل نظام وقانون غير الاسلام ولكنك مخدوعة ، ولا تفقهين ما تقولين !!.
ـ وهل أن من امتيازات الزوجة المسلمة أن تعتكف في بيت زوجها تطهو الطعام ، وتقوم على خدمة الزوج والاطفال ؟!.
ـ الإسلام لم يفرض على الزوجة ذلك . ولكن آداب الاسلام جعلت المرأة المسلمة بطبعها تتوق إلى ادارة بيتها والعناية بزوجها وأطفالها ، فهي مخيرة في ذلك ، وليست مجبرة إطلاقاً .. وأما الحجاب الذي التزمه فهو ليس سوى إبراد ، تقي شر الذئاب من الرجال ، وأنا فخورة به حريصة عليه ، فإذا كان كل ما يهمك صلاحي ... فاعلمي أني أسعد منك بكثير...
ـ أنا لا أقصدك أنت بالخصوص ، فلعل إبراهيم قد أعشى بصرك إلى حين ، ولكنني أعارض الفكرة بشكل عام ، نعم الفكرة الرجعية التي تريد أن تتحكم بمستقبل فتيات في عمر الزهور ، حقاً أنه لوأد غير مباشر.
--------------------------------------------------------------------------------
( 92 )
ـ إن هذه الفكرة التي تعدينها رجعية هي في الواقع أروع فكرة اجتماعية إصلاحية تغدو المرأة في ظلها أعز امرأة عرفها التاريخ ، لو تم تطبيق هذه الفكرة ، وسوف يتم في يوم إن شاء الله ، ثم ان السفور في الواقع هو الذي يمثل الرجعية التي قضى الرجوع إلى الوراء ، لأنه يعود بالمرأة إلى زمان الجاهلية فيما قبل الاسلام.
ـ أنت الآن مخدوعة يا نقاء ! في ذهنك كلمات أخذتيها عن إبراهيم ، وها أنت ترددينها بدون قصد وبدون أن تعرفي معناها الواقعي ، ولكنك لو فكرت بما قلته لك جيداً لعرفت تفاهة هذه الأفكار ورجعيتها ، ولعرفت أن كلامي هو الكلام الصحيح الذي يجاري العصر الذي نعيشه ، والمجتمع الذي من حولنا.
ـ انك أنت المخدوعة يا سعاد ! وهذا مما يؤسف له حقاً أن تحطمي حياتك نتيجة للسير وراء الدعايات المضللة والأفكار المسمومة ، أما أنا فكوني واثقة من أنني أعني ما أقول وأنني مؤمنة بآداب الاسلام وتعاليمه كأنجح وسيلة تمكنني من شق طريقي خلال مسيرة الحياة في أمان ، أن لا أردد كلمات أخذتها عن إبراهيم ، ولكنني أردد كلمات تنطلق من مفهوم الاسلام وتنطق عن مثالية التنظيم الاجتماعي في رسالة السماء...
وحين رأت سعاد أن عليها أن تدع هذا الحديث عند
--------------------------------------------------------------------------------
( 93 )
هذا الحد ، وأن تكتفي ليومها ذاك بهذا القدر من الكلام لأنها لاحظت على نقاء اندفاعاً في الرد لم تكن قد تحتسبه من قبل ، وفعلاً فقد غيرت مجرى الحديث وسألت نقاء قائلة :
ـ أين خالتي يا نقاء ! منذ مدة لم يتفق لي أن أراها عند زيارتي لك ... ! كنت أحسبها سوف تسعى لاستقبالي بعد هذا الانقطاع الطويل...
وودت نقاء لو تمكنت أن ترد عليها قائلة : إن خالتك تمقتك وتكرهك ، وهي لا تطيق رؤيتك ، بل وتتهرب منك ما وسعها التهرب .. ولكن الاتزان منعها عن ذلك ، فاضطرت إلى أن تقول :
ـ لقد ذهبت أمي لزيارة خالتي منذ الصباح ، ولعلها سوف تعود قريباً.
وهكذا استمر بهما الجلوس ، وسعاد تحاول أن لا تتطرق إلى موضوع كلامها الأول ، وحوالي الساعة الثانية عشرة انصرفت سعاد وحرصت على أن تكرر على نقاء وصيتها لها بالتفكير بمستقبلها مرة ثانية ، وصممت نقاء بعد زيارة سعاد هذه أن تحدث إبراهيم عنها وأن تخبره بقرابتها لها لكي لا يستنكر اجتماعهما إذا صادف ورآهما مجتمعتين.
..............................................................................................................................................
الفصل التاسع
حاولت نقاء أن تجر حديثها مع إبراهيم إلى ذكر أقاربها ، وانتهى بها القول إلى أن تذكر سعاد ، فقالت :
ـ أما بنت خالتي سعاد فهي سيدة شابة جميلة الوجه ، بديعة التكوين ، ولكنها ليست من الطراز الذي يعجبني أو يرضيني.
وأظهر إبراهيم استغرابه لذلك ، فقد كانت أسرة نقاء طيبة السمعة ، مشهورة بالاعتدال ، وأردفت نقاء قائلة :
ـ إنها ربيت يتيمة ، فقد مات أبوها وهي لا تزال طفلة ، وأفرطت أمها في تدليلها ، ولهذا فقد ركبها الغرور والطيش ، وقد تزوجت وسافرت مع زوجها إلى أوروبا ، على أمل أن يحصل زوجها على شهادة جامعية ، بعد أن فشل في تحصيلها هنا ، ولكنه فشل هنا أيضاً ، وقد رجعا بعد قراننا بأيام ، ولكن سعاد لم تفهم ذلك إلا متأخراً ، فأنا لم أزرها عند عودتها من أوروبا ، وقد جاءت لزيارتي مرتين أو ثلاثة.
وكان إبراهيم ساكتاً يستمع إلى نقاء ، ولكنها قرأت على
--------------------------------------------------------------------------------
( 96 )
وجهه علائم عدم الارتياح .. واستمرت تقول :
ـ إنها متطرفة أكثر مما يجوز بكثير ، فقد أعشت عينيها أنوار أوروبا الخداعة ، فهي دائمة التحدث عن معالم حضارتها.
ـ ومن تكون بنت خالتك هذه أو من يكون زوجها بتعبير أصح ؟!.
ـ إنها سعاد ، ولا أعرف عن زوجها سوى أن اسمه محمود ، وهو مفرط في الثراء.
ـ ثراء وفراغ وجهل ، إن هذه العوامل هي أخطر ما تكون على المرء.
ـ والجمال أيضاً ، فسعاد جميلة جداً يا إبراهيم إنها آية في الرشاقة والإناقة ، وقد كنت أحتفظ لها بصورة عند ، قدمتها لي منذ سنوات.
ثم نهضت وجاءت بـ ( البوم ) التصاوير. وقلبته حتى استخرجت منه صورة سعاد ، وقدمتها لابراهيم قائلة :
ـ هذه صورتها قبل زواجها وقبل سفرها إلى أوروبا.
ثم عادت نقاء تقلب ( ألبومها ) لتنتقي منه بعض صور تذكارية تريها لابراهيم ، ولذلك فقد فاتها ملاحظة الصفرة التي علت وجه إبراهيم عند رؤيته لصورة سعاد وقد عرفها لأول وهلة ، وعرف أنها هي تلك الفتاة اللعوب التي تابعته
--------------------------------------------------------------------------------
( 97 )
بغزلها حيناً من الزمان. وعجب أن تكون هذه الغانية قريبة لنقاء ، وساءه أنها على إتصال بزوجته ، وما يدريه فلعلها سوف لن ترتاح إلى هذه الزوجة السعيدة ، وتعمل على خرابها ، وهم أن يقول لنقاء : إن هذه ليست سوى امرأة مبتذلة نزقة فتجنبيها جهدك يا نقاء !. ولكنه عاد فتذكر أنها الآن زوجة وربة بيت فلعلها قد أقلعت عن الاعيبها الصبيانية ونزواتها الطائشة ، فلا يصح له أن يبعث ماضيها من جديد ، أو ينبش ما لعلها دفنته بين صفحات السنين الماضية. وهكذا حال دافع الخير عنده عن التصريح بما يعرف عن سعاد . ثم أنه لم يكن يريد أن يخبر نقاء بموقف سعاد منه ، لئلا يجعلها في حرج من اتصالها بسعاد . وهو أيضاً يأبى أن يكدر صفاء ذهنها بأمثال هذه الحوادث ، ويود جاهداً أن ينأى بها عن كل ما يخدش روحها ، أو يكدر أفكارها . وبما أن دوافع الخير كانت هي المسيطرة على إبراهيم في تلك اللحظة ، فقد اكتفى بأن أرجع الصورة دون أن يعلق عليها بحرف ، ورفعت نقاء رأسها عن ( الألبوم ) وقالت :
ـ أرأيت كيف أنها جميلة ؟ ليت روحها كانت قد اكتسبت شيئاً من هذه الروعة الخلقية.
فابتسم إبراهيم ابتسامة باهتة ، وقال :
ـ أنا لا أنكر أنها جميلة ، ولكني لا أستسيغ هذا النوع من الجمال المتكلف ، الذي لم تحصل عليه صاحبته إلا بعد جهد جهيد ،
--------------------------------------------------------------------------------
( 98 )
ثم أنه جمال مبطن بالبشاعة يخفي وراءه عوامل كثيرة ، كلها ليست خيرة ولا صالحة ، فالجمال الحقيقي هو الجمال الطبيعي الطاهر ، لا الجمال السطحي الملوث الذي تصنعه محلات التجميل.
وعجبت نقاء من أن إبراهيم قد تمكن من التعرف على شخصية سعاد الواقعية ، على أثر نظرة واحدة لتصوير صغير ، وكانت قد استردت الصورة منه ، فهمت بوضعها في محلها من ( الألبوم ) وهي تقول :
ـ نعم إنها تماماً كما تقول يا إبراهيم !..
لكن إبراهيم سارع فأمسك يدها برفق وهو يقول :
ـ لا ... لا تفعلي هذا يا نقاء ! فإن ( ألبومك ) يضم مجموعة خيرة من الصور الفاضلة ، لا تدعي هذه الصورة تدنسه باندساسها فيه ، أنا لا أريد أن أطلب منك تمزيق الصورة ، ولكني أود أن تحتفظي بها بعيداً عن هذه الصور الثمينة.
ورفعت نقاء وجهها نحو إبراهيم ، وتأملته لحظة قرأت فيها على وجهه المعبر ما لم يرد أن يفوه به ، فمدت يدها نحو الصورة ، وشرعت تمزقها إلى قطع صغيرة ، وهي تقول :
ـ إذا كنت أنت لا تطلب ذلك مني ، فأنا سوف أمزقها بيدي يا إبراهيم ! لكي لا يعود لسعاد عندي أثر...
--------------------------------------------------------------------------------
( 99 )
ـ وتهلل وجه إبراهيم ، وهو يرى نقاء تمزق الصورة بهدوء ، صورة الفتاة التي جعلته يكفر إلى حين بالمرأة . وها هي نقاء تزيده إيماناً بوجود المرأة الصالحة ... وردد وكأنه يحدث نفسه قائلاً : الحمد لله .. وأسعد نقاء أن ترى الفرحة قد شاعت على قسمات وجه زوجها الحبيب ، ولذلك فقد حرصت على أن لا تعود إلى ذكر سعاد مرة أخرى لكي لا تكدر عليه صفوه وهناءه.
--------------------------------------------------------------------------------
( 100 )
....................................يتبع.................................
:26: :26: :24:
الفصل السابع
تألقت الأنوار في بيت سعاد ، وهو يستقبل ثلة من الأصدقاء الخصوصيين للزوجين ، وقد وجهت الدعوة إليهم بمناسبة عيد ميلاد محمود ، وكانت سعاد تتألق في حلة زرقاء داكنة ، وقد زينت صدرها وجيدها وساعدها بالحلي ، وبدت رائعة الجمال بالغة الأناقة . وبدأ الضيوف يتوافدون على الدار ، وكان من مقدمتهم المصور صلاح ، وهو شاب كان من المعروف أنه على علاقة جديدة مع سعاد ... بعد أن نبذت صاحبها الممثل سليم ، واختار صلاح لنفسه مجلساً قريباً من سعاد ، وكانت سعاد مشغولة في استقبال المدعوين ، وتوزيع الابتسامات والمداعبات . وكان من جملة المدعوين شاب يعمل مهندساً ، وقد تعرفت عليه سعاد منذ مدة وجيزة ، وشاءت أن تلقي حوله أحابيلها ، فدعته إلى هذه الحفلة مع الأصدقاء الخصوصيين ، وقد جاء هذا المهندس بصحة واحد من أخص أصدقاء محمود اسمه سعيد ، وكانت سعاد تنتقل بين الضيوف ، حتى اختارت لها مجلساً إلى جوار المهندس الشاب ، وشاعت الغبطة في قلب المهندس وهو يرى سعاد تجلس إلى
--------------------------------------------------------------------------------
( 74 )
جواره ، وانتظرته سعاد لكي يتكلم ، ولكن المسكين كان يشعر بارتباك إلى درجة لم تمكنه من الكلام ولكن سعيداً بدأ الحديث فخاطب سعاد قائلة :
ـ تصوري يا ست سعاد أن صديقي هذا كان يخشى من المجيء إلى هنا.
واتسعت حدقتا سعاد وهي تتظاهر باللهفة قائلة :
ـ آه ! ... ولماذا يا سعيد ؟!
ـ أنه كان يخشى أن تتجاهليه ...
ـ أنا ! وكيف لمثلي أن تتجاهل مثله وهو ملء السمع والبصر ؟!
وتمتم المهندس ببضع كلمات شكر.. وشعرت سعاد أنها تتمكن أن تستحوذ عليه بسهولة ، وأنها قد تجعل منه أداة تلوح بها لصلاح إذا صدف عنها ، وفعلاً ، فقد تمكن بعد مدة وجيزة من أن تطمأن إلى خضوعه لها ، وعند ذلك قامت من جواره بعد ن أشعلت فيه النار التي تريدها ، وذهبت تفتش عن صلاح ، وكانت قد لاحظت أنه لم يكن قد ارتاح لطول إقامتها إلى جوار المهندس ، وحاولت أن تراه في الصالون أو الشرفات ، ولكنها لم تقع هل على أثر هناك ... وخرجت إلى الحديقة وفي نهايتها وبين مجموعة من الأشجار المتراصة وجدت ضالتها ... فقد كان صلاح هناك وإلى جواره إحدى
--------------------------------------------------------------------------------
( 75 )
صديقاتها من الغانيات .. وثارت سعاد لذلك ، فهي لم ترتو بعد منه ، ولا ترضى أن تخسره بهذه السرعة ، فتقدمت نحوهما وهي تقول :
ـ أهكذا تعتزلان الحفل ، لتعتكفا هنا بين الأشجار ؟!.
وعلت البغتة وجه صلاح ، ولملمت رفيقته أطرافها في ارتباك واستمرت سعاد تقول بانفعال :
ـ أنا كنت أعرف أنك متقلب ، كثير الزوات يا صلاح ، ولكن ليس بهذه السرعة ، وليس على هذه الصورة ! وتمتم صلاح قائلاً :
ـ أرجو أن لا تظني .. أني ...
وقطعت سعاد كلامه قائلة :
ـ دع عنك هذه الكلمات الفارغة ، هكذا أنت دائماً ، كل يوم في مكان وكل ساعة على اتجاه جديد.
ـ ولكنك أنت ... أقصد ... أغني.
ـ أنا أدرى ما الذي تقصده وما تعنيه يا صلاح ، فلا داعي لاتعاب نفسك في الكلام ، إن الذنب ذنبي ، أنا الذي وثقت بك وركنت إليك ، وفاتني أنك لا تختلف عن غيرك من الرفاق رجل مداج ، تتلاعب مع الريح.
ـ سعاد ... أنك أنت التي أهملت وجودي في الحفل ، وانصرفت عني إلى ذلك المهندس الشاب...
--------------------------------------------------------------------------------
( 76 )
ـ وما أنت وما وجودك ؟... لكي أهمله أو لا أهمله ... هل حفظت لوجودك قيمة ؟ هل استطعت أن تقف أمام نزواتك في داري على الاقل ؟ أنت لم تعد تعني عندي شيئاً.
ـ سعاد ... ماذا تعنين يا سعاد ؟!.
ـ نعم ، أنا أعني أنك رجل ... رجل نزق لا تستقر على حال...
قالت سعاد هذا واستدارت وابتعدت عنهما . وساء صلاح أن يكون قد أغضب سعاد ولم يعد يطيب له المقام مع فاتنته الجديدة ، ولاحظت صاحبته عليه ذلك . فصممت على أن لا تدعه يفلت منها بسهولة ، فحاولت أن تغريه بالجلوس ، ولكنه امتنع وأصر على الالتحاق بباقي المدعوين ، وفكر أنه سوف يتمكن أن يسكب بين يدي سعاد دموع الندم والتوبة حتى يسترضيها ويردها إليه ، وفاته أن سعاد كانت تحوم حول صيد جديد ، وهو المهندس الشاب ... وإنها لم تثر غيرة عليه أو حباً له ، ولكنها كانت تريد أن تجعل من هذه الحادثة وسيلة للتهرب منه إلى حين...
أما سعاد فقد التحقت بضيوفها وكأنها لم تتخاصم مع أحد ، ولاحظت أن زوجها لم يكن في المكان الذي عهدته فيه ، ففتشت عنه في الشرفات فلم تجده أيضاً . وخرجت إلى الحديقة مرة ثانية ولكنها لم تره ، ففكرت لحظة ثم توجهت نحو غرفته الخاصة وهناك.. رأته ملقى على سريره بينما كانت
--------------------------------------------------------------------------------
( 77 )
سنية جالسة عند رأسه تمسح وجهه بالماء. وتقدمت نحوه سعاد وانحنت عليه دون أن تفوه بكلمة فزكمتها رائحة الخمرة المنبعثة من فمه. وعرفت أنه مخمور ، وكان من عادة محمود أن يقع دائماً تحت تأثير الخمرة إذا أكثر منها ، لأنه لم يكن يشربها من قبل زواجه واتصاله بسعاد ورفعت سعاد رأسها وسألت سنية قائلة :
ـ من الذي جاء بسيدك إلى هنا يا سنية ؟
وردت سنية في تحفظ :
ـ أنا يا سيدتي.
ـ وكيف قدتيه إلى هنا وهو على هذه الحالة ؟!
ـ لا ... أنه لم يكن هكذا حين ذاك.
ـ إذن أنت سقيته هنا أيضاً؟
ـ نعم ، إنه هو الذي طلب مني ذلك.
ـ يا لك من سافلة.
ـ عفواً يا سيدتي لست بسافلة.
ـ أتستكثرين ذلك يا سنية ؟!
ـ أنا لا اختلف عنك بقليل أو كثير وأنا لا أقر أن سيدتي سافلة.
ـ ويل لك من صلفة لئيمة...
ـ مهملاً ، فقد اكتفيت من هذا الحفل الصاخب بسيدي وحده ، صحبته إلى هذه الغرفة وهو مخمور لكي أنعشه وأنبهه ... وأما أنت يا سيدتي ...
--------------------------------------------------------------------------------
( 78 )
ـ أسكتي .. أسكتي يا بلهاء...
ـ لست بلهاء يا سيدتي ، بل أني أذكى مما تظنين !
وانتبهت سعاد إلى أن غيبتها عن المدعوين قد طالت أكثر مما ينبغي ، فاتجهت نحو الباب وهي تقول :
ـ حاولي إيقاضه بكل طريقة ، فليس من اللائق أن ينام هنا مخموراً وضيوفه على أهبة الانصراف.
وخرجت سعاد وهي تتعثر بأذيالها من الخزي والعار والحقد والبغضاء ، وكان صلاح قد عاد والتحق بجماعة الضيوف ، وحاول مراراً أن يختلي بسعاد ؛ ليعتذر لها ، ويبرر سلوكه عندها ، ولكنها كانت تتجاهله وتتحاشاه ، ولذّ لها أن تراه وهو يتعذب لهذا التجاهل الظاهري.
وكأن سنية فشلت في مهمتها فلم تتمكن من إيقاظ محمود ، وفعلاً فقد بدأ الضيوف ينصرفون ومحمود لم يعد بعد ، وبعد ساعة كان الصالون قد اقفر إلا من صلاح وركع صلاح أمام سعاد وأقسم بكل غال : أنه لم يكن يعني من مصاحبته لتلك السيدة غير اللهو وقضاء الوقت ، وأنه لا يزال كما كان عاشقها المفتون. وكان صلاح موهوباً في نسج الكلمات الرقيقة والألفاظ الخلابة ، ولم تكن سعاد تحتاج إلى كثير من عذر ، او طويل استغفار ، ولكنها شاءت أن تنعم أكثر باستغفار هذا الراكع على قدميها ، فماطلته بالعفو ،
--------------------------------------------------------------------------------
( 79 )
وتلاعبت به طويلاً قبل أن تفهمه أنها عفت عنه. واطمأن صلاح إلى رضائها فودعها وانصرف . وعادت إلى غرفة زوجها فوجدته مستغرقاً في نوم عميق ، فتوجهت إلى غرفتها وهي تشعر بإعياء شديد ، فقد حطم سلوك زوجها أعصابها ، كما أن خيانة صلاح كانت قد أثرت عليها كثيراً ، وخلعت عنها ملابسها ، واستلقت على سريرها ، وهي تشعر أن رأسها سوف ينفجر تحت تأثير الأفكار المتضاربة التي كانت تتصارع فيه. فقد خرجت من الاحتفال وهي لم تزدد إلا شعوراً بالحقارة ، وإحساساً بالضياع والحرمان ، وحاولت أن تنام ، ولكنها لم تستطع إلى ذلك سبيلاً . وعادت تفكر في إبراهيم ... وهي في الواقع لم تخرج عن التفكير فيه طيلة الحفلة ، فقد كان ماثلاً في ذهنها على طول الخط ، ولكن في إطار من الحقد والنقمة ، فهي لم تكن تغفل عن فكرة الانقام لحظة واحدة ... وودت لم تمكنت من جر نقاء إلى أمثال هذه الحفلات ، لعلها تغريها وتستهويها بلهوها وصخبها ، فهي على ثقة أن نقاء لو ظهرت في حفلة واحدة ، لوجدت حولها عشرات من الشباب يركعون على أقدامها ويسجدون. وسعاد لا تشك لحظة في أن المرأة التي تصمد أمام إغراءات الشباب المندفع لم تخلق بعد على وجه الأرض ، وسهرت مع أفكارها طويلاً حتى غلبها النوم ، ولم تفق إلا وقد طلعت الشمس وعلا النهار ، فتمطت في فراشها قليلاً ، وكان من عادتها في أغلب الأيام أن تستدعي سنية ؛ لتساعدها على الاستحمام ،
--------------------------------------------------------------------------------
( 80 )
ولكنها لم تنشأ أن تستدعيها ذلك الصباح بعدما صدر منها في المساء الماضي ، فاستحمت بمفردها ، وصففت شعرها بنفسها ، وارتدت ملابسها ونزلت الدرج ، وحاولت أن تخرج من الدار دون أن تراها سنية ، ولكن صوت سنية باغتها وهو يقول :
ـ ما لي أراك وقد عزمت على مغادرة البيت دون إفطار يا سيدتي ؟!.
والتفتت سعاد نحو الصوت ، فرأت سنية في غرفة الطعام وهو تهيئ مائدة الافطار ، ثم أردفت سنية قائلة :
ـ لماذا لم تستدعني لمساعدتك في الاستحمام ؟ أرجو أن لا تكوني غاضبة عليّ.
واحتارت سعاد بماذا ترد على هذه المتهكمة الوقحة ، ولم تر بداً من أن تقول :
ـ أنا لم استحم اليوم ، ولذلك لم استدعك عند صحوي من النوم.
ـ ولكن تناهى لي خرير الماء وهو يصب في الحمام . وعلى كل حال فالمهم أن لا تكوني غاضبة.
ـ لا ... لا... أبداً أبداً.
ـ هلا استفسرت عن صحة سيدي !؟
ـ آه لقد نسيت ... كيف حاله هذا الصباح ؟
ـ إنه لا يزال تعباناً يا سيدتي !
--------------------------------------------------------------------------------
( 81 )
ـ إذن فهو لن يخرج اليوم أيضاً ؟
ـ نعم يا سيدتي ! فقد قال إنه لن يخرج من الدار.
وكادت سعاد أن تنقض على سنية فتنشب أظافرها في عنقها حتى ترديها ، ولكنها تذكرت الحبل الذي يشدها إليها فتمالكت نفسها ، وردت قائلة :
ـ اعتني به جيداً يا سنية ! فإنّ لدي موعداً هاماً . وعليّ أن أذهب.
وردت سنية في برود قائلة :
ـ إذهبي يا سيدتي مع السلامة.
وأسرعت سعاد في الخروج وكأنها تفر من شبح مخيف ، وتنفست الصعداء عندما شعرت أنها تحررت من سنية ومن سلطانها عليها إلى حين ، وهكذا أحست أن بيتها لم يعد بالنسبة لها سوى سجن بغيض يعمر بالمحن والآلام.
.............................................................................................................................................
الفصل الثامن
أما نقاء فقد كانت تعاودها بين حين وحين رغبة ملحة في أن تحدث إبراهيم عن سعاد ، فقد كان يعز عليها أن تخفي عنه أمراً ، ولكنها كانت تخجل حتى من مجرد ذكر سعاد فهي تأبى أن تعيد أمام إبراهيم كلمات سعاد وتفاهاتها لئلا يظن أنها تأثرت بها ، ولو إلى حد قليل. وقد كانت أيامها تمر وهي محملة بالهناء والسعادة ، ولم يكن يكدر عليها صفوها إلا قرب سفر إبراهيم فقد كان موعد سفره يكاد أن يحدد في وقت قريب ، وقد كانت خلال ثلاثة أسابيع مضت لم تجتمع بسعاد ولم تسمع عنها خبراً ، وقد سرها ذلك ، فهي لم تكن تركن إلى صحبتها مطلقاً. وبعد ثلاثة اسابيع رن جرس التلفون في غرفتها . وكانت الساعة تقارب العاشرة صباحاً فردت عليه ، وإذا بصوت سعاد يفاجئها عذباً رقيقاً ، وهي تقول :
ـ لقد أوحشتيني كثيراً كثيراً يا عزيزتي.
وكادت نقاء أن ترد قائلة وأنا كذلك يا سعاد ، ولكنها أبت أن تسجل عليها كذبة لا تستند إلى الحقيقة ، ولهذا أجابت بقليل من الفتور أهلاً وسهلاً.
--------------------------------------------------------------------------------
( 84 )
ـ ولكنك جافية للصديق ، قاطعة للرحم ، أفما كان من الائق بك أن تسألي عني ولو مجرد سؤال ، أو تتصلي بي مرة واحدة في التلفون ؟! ألم يخطر لك أن انقطاعي عنك لا يكون إلا لأمر مهم.
ـ أبعد الله عنك كل مكروه يا سعاد.
ـ والآن أيضاً ألا تحاولي أن تعرفي السبب ؟
ـ آه .. طبعاً أنا أريد أن أسأل ، أرجو ألا تكوني مريضة يا سعاد ...!
قالت نقاء ذلك وهي تلعن في سرها سعاد ... وتتمنى لو أمكنها ان تقول لها : أنا لا يهمني السبب يا سعاد ، وحسناً فعلت بعدم مجيئك إلي طيلة هذه الأسابيع . ولكن الخجل أيضاً كان يمنعها من ذلك ، فهي بطبعها هادئة لا تستريح إلى الخصام ، وجاءها جواب سعاد سريعاً وهي تقول :
ـ لقد ابتليت بالزائدة الدودية ، ودخلت المستشفى وأجريت لي عميلة جراحية ، ومنذ يومين فقط رجعت إلى البيت.
وهنا شعرت نقاء ببعض الانعطاف نحو سعاد . فهي الم تكن تظن أن سعاد مريضة حقاً ، وفي هذه المرة ردت عليها بلهفة قائلة : آه ... إعذريني يا سعاد ! فلم أكن أعلم بذلك ، وعلى كل حال فالحمد لله على السلامة.
ـ أهكذا وفي التلفون ؟!
--------------------------------------------------------------------------------
( 85 )
ـ سوف أحاول أن أزورك يا عزيزتي في أقرب فرصة.
ـ في أقرب فرصة ! ولماذا لا يكون اليوم أو غداً ؟
ـ أنا في هذه الأيام مشغولة يا سعاد ...
ـ آه .. هل إن إبراهيم يشغل أوقاتك كلها يا نقاء ؟!
ـ لا ، ولكنني مشغولة على كل حال.
ـ وإبراهيم أيضاً لابد أنه دائب على زيارتك في كل يوم صباحاً ومساء...
ـ تقريباً.
ـ إذن فإن أوقاتك مشغولة معه ، يزورك في الصباح ولا يخرج إلى أن يحين الظهر ، ثم يزورك في العصر ولا...
ـ لا أدري كيف تتكلمين يا سعاد ! إنه رجل عمل لا يتأخر في الصباح إلا دقائق معدودة.
ـ على كل حال فأنا لن أنتظر قدومك يا عزيزتي ، أنا أعلم أنك مقيدة من ناحية إبراهيم ، ولكنني سوف أزورك أنا بدلاً من أن تزوريني.
ـ أهلاً ... ولكن متى ؟
ـ حالاً ، حالاً ... مع السلامة.
ـ مع السلامة.
واستغربت نقاء هذه الطيبة المتناهية من ابنة خالتها. وكادت أن تندم على سلوكها الجاف معها من قبل ، فهي لم تكن تعرف غايات سعاد وأهدافها ، ولم يكن بامكانها أن تسمع سعاد بعد أن ألقت سماعة التلفون وهي تتمتم قائلة :
--------------------------------------------------------------------------------
( 86 )
الآن عرفت متى ينبغي لي أن أزور نقاء دون أن يفاجئني إبراهيم ، أنا لا أخشى إبراهيم ، ولكني لا أريد أن يتعرف عليّ الآن لكي لا يحول بيني وبين خطتي الانتقامية ، ولكنه سوف يتعرف عليّ يوماً ما ، بعد أن يخسر نقاء وتخسره ... سوف أسعى إليه بنفسي ؛ لأقول له : هنيئاً لك بعروسك المصطفاة التقية النقية الطاهرة ... سوف اُحطم غروره وألوث مثله ومفاهيمه.
ولكن نقاء لم تسمع شيئاً من ذلك ، وأنى لها أن تسمع ؟ وجلست تنتظر وآثرت أن تستقبل سعاد في الصالون لكي تكون أمها حاضرة أيضاً ، فهي تعلم أن سعاد سوف تحد من كلامها بوجود خالتها ، ولكنها فوجئت بعدم وجود أمها في الدار ، وأخبرتها المساعدة التي لديهم أنها ذهبت لزيارة أخيها منذ الصباح ، وساء نقاء ذلك فقد كانت تقدر أن وجود أمها سوف يحول بين سعاد وبين الاسترسال في الكلام ، وبعد دقائق دق الباب ، فعلمت أن القادم سعاد .. وذهبت المساعدة ، لتفتح الباب ، وتقدمت نقاء ، لتستقبلها وكانت سعاد تتظاهر باللهفة البالغة ، ولم يسع نقاء إلا أن ترحب بها بحرارة وجلست سعاد وهي تتظاهر بالتعب ، وأخذت نقاء تعتذر لانها لم تعلم بدخولها المستشفى ، وضحكت سعاد وهي تقول :
ـ أنت أختي يا نقاء ! وأنا لا أعتب عليك مطلقاً ، ولكن
--------------------------------------------------------------------------------
( 87 )
كنت أخشى أن أموت دون أن أراك مرة ثانية.
وتأثرت نقاء لهذه الكلمات العاطفية ، وقالت بلهجة صادقة حنون :
ـ حرسك الله من كل شر يا سعاد ! أنت لا تزالين في مستقبل حياتك وأول شبابك السعيد.
ـ حقاً أن الحياة ليؤسف عليها يا نقاء ! فحياتي مثلاً شريط ملون طافح بجميع ألوان اللذة والمتعة.
وتوجست نقاء خيفة من هذه الكلمات .. وفهمت أنها بداية لحديث طويل ، وردت عليها قائلة :
ـ جعل الله جميع أيامك سعيدة يا سعاد !
وسكنت سعاد برهة ، شعرت نقاء خلالها أنها في سبيل إيجاد ثغرة تنقذ منها إلى حيث تريد ، وصممت على أن لا تهيء لها تلك الفرصة ، ولا تدع لها مجالاً للكلام المسموم ... ولكن سعاد لم تكن بحاجة إلى الجو الذي تهيؤه لها نقاء ، فاندفعت تقول :
ـ كنت أذكر أمس أمام محمود وقد أظهر رغبة ملحة في زيارتك والتعرف عليك ، ولكني أخبرته أنك محجوزة...
ولم تشأ نقاء أن ترد عليها ، لكي لا يطول بهما الكلام في هذا الموضوع.. فاكتفت بابتسامة خفيفة . غير أن سعاد لم
--------------------------------------------------------------------------------
( 88 )
تكن تتراجع بسهولة ، بل استمرت تقول :
ـ لقد اندهش محمود من غرابة تصرف إبراهيم ، وتعجب أن يوجد رجل مثل إبراهيم في هذا العصر المتحضر ، ولكني قلت له : إنه استطاع أن يقنع نقاء ، فهي سعيدة به على كل حال.
ومرة أخرى سكتت نقاء فلم تجب ، لا إقراراً منها لما كانت تقوله سعاد .. ولكن ترفعاً من متابعة مثل هذا الحديث ، ولكن سعاد فسرت هذا السكوت بموافقة نقاء على كلامها ، وإقراراً لما قالته ، فنشطت لمتابعة الحديث قائلة :
ـ هل يسمح لك إبراهيم بحضور الحفلات يا نقاء ؟!
وهنا لم تر نقاء بداً من أن تجيب ، فابتسمت وقالت :
ـ طبعاً ... طبعاً يا سعاد ! ولكن حفلات من النوع النظيف.
ـ وهل تحضرين حفل ميلادي في الشهر القادم إذ دعوتك إليه ؟
ـ لا مانع عندي من ذلك ، وسوف أكون مسرورة.
ـ شكراً لك ... وسوف أعرفك على محمود الذي يتحرق شوقاً إلى رؤيتك منذ أمد بعيد.
وسكتت نقاء ولم تدر كيف تجيب ... وفي وهلة فطنت إلى أن حفلة سعاد ستكون مختلطة ولا ريب ، وقد فاتها
--------------------------------------------------------------------------------
( 89 )
ملاحظة ذلك من قبل .. وترددت لحظة ... هل تسألها عن نوعية الحفلة أو تترك ذلك إلى حينه ، وشجع سكوتها سعاد ، فتابعت تقول :
ـ كما أن عشرات من ألمع شباب المجتمع سوف يترامون على قدميك بعبادة وخشوع.
هنا انتفضت نقاء ... واصطبغ وجهها بحمرة قانية ، وقالت بحدة وعصبية ظاهرة :
ـ أنا لن أحضر حفلتك الموعودة يا سعاد ! فقد فاتني أن حفلاتك مختلطة ... ثم أنت تريدين أن تعرضيني لعيون عشرات الشباب ليركعوا تحت قدمي كأني سلعة ، لك أن تعرضيها لمن شئت من الناس ! لا أدري كيف سمحت لك نفسك التفوه بهذه الكلمات يا سعاد ؟...
ـ أنا لم أقل أنك سلعة يا نقاء ! ولكنك تأخذين الكلام على غير معناه الواقعي ، وإنما كنت أقصد أنك في حضورك الحفلة سوف تخرجين قليلاً عن محرابك الموحش ... أنا أرثى لحالك يا نقاء! ولا أسعى إلا وراء سعادتك في الحياة.
ـ لقد نلت حظي الوافر من السعادة فلا داعي لاجهاد نفسك في هذا السبيل.
ـ عجيب أمرك يا نقاء ! أحقاً أنت سعيدة ؟ أتسعدك هذه الجدران الأربعة وهذا المحيط الضيق ؟
--------------------------------------------------------------------------------
( 90 )
ـ أنا لست سجينة بين جدران ، أو مقيدة بمحيط ضيق يا سعاد ! أنا حرة بجميع تصرفاتي وتنقلاتي إلى حيث ما أردت ، وإلى أي مكان قصدت ، ولكن في نطاق العفة والحشمة.
ـ ولكنك في الواقع أسيرة في حريتك. مقيدة في انطلاقك أو ليست هذه الأطواق الملعونة تلتف حول رأسك وعنقك الجميل ؟! أو ليس المعطف الأسود العريض يحجب قوامك اللدن عن الأبصار ويبرزك على شكل كيس يتساوى فيه الطول والعرض !؟ ولكنك لا تزالين في غفلة عن ذلك ، أليس من الجرم أن تظهري للمجتمع بلبوس العجائز وأنت الفتاة الجميلة البديعة التكوين ؟!. أي شريعة هذه التي تجيز لابراهيم أن يظهر للمجتمع بأتم أناقة وأكمل زينة ، وتحرم عليك أن تبرزي أية ناحية من نواحي جمالك الرائع !؟ حقاً أنه لظلم .. وظلم فظيع...
وهمت نقاء أن تجيب .. لكن سعاد لم تدعها تتكلم ، فاسترسلت تقول :
ـ إن أبشع جريمة اجتماعية هي أن تخضع فتاة مثلك لرجل وأي رجل كان .. أي دين هو هذا الذي يجعل من المرأة أداة مستعبدة في أيدي الرجال ؟!.
ولم تستطع نقاء أن تستمع أكثر من هذا ، فاندفعت تقول وقد تهدج صوتها من الغضب :
--------------------------------------------------------------------------------
( 91 )
ـ أنا لست محكومة لأحد ، ولم يفرض الدين عليّ أن أحكم لأحد أياً كان حتى زوجي ، فليس الزواج في الاسلام ختم ملكية المرأة للرجل ، ولا تخضع فيه المرأة المسلمة إلى أي حدود أو التزامات غير طبيعية. إن الاسلام يعطي للزوجة المسلمة امتيازات لم تحصل عليها الزوجة في كل نظام وقانون غير الاسلام ولكنك مخدوعة ، ولا تفقهين ما تقولين !!.
ـ وهل أن من امتيازات الزوجة المسلمة أن تعتكف في بيت زوجها تطهو الطعام ، وتقوم على خدمة الزوج والاطفال ؟!.
ـ الإسلام لم يفرض على الزوجة ذلك . ولكن آداب الاسلام جعلت المرأة المسلمة بطبعها تتوق إلى ادارة بيتها والعناية بزوجها وأطفالها ، فهي مخيرة في ذلك ، وليست مجبرة إطلاقاً .. وأما الحجاب الذي التزمه فهو ليس سوى إبراد ، تقي شر الذئاب من الرجال ، وأنا فخورة به حريصة عليه ، فإذا كان كل ما يهمك صلاحي ... فاعلمي أني أسعد منك بكثير...
ـ أنا لا أقصدك أنت بالخصوص ، فلعل إبراهيم قد أعشى بصرك إلى حين ، ولكنني أعارض الفكرة بشكل عام ، نعم الفكرة الرجعية التي تريد أن تتحكم بمستقبل فتيات في عمر الزهور ، حقاً أنه لوأد غير مباشر.
--------------------------------------------------------------------------------
( 92 )
ـ إن هذه الفكرة التي تعدينها رجعية هي في الواقع أروع فكرة اجتماعية إصلاحية تغدو المرأة في ظلها أعز امرأة عرفها التاريخ ، لو تم تطبيق هذه الفكرة ، وسوف يتم في يوم إن شاء الله ، ثم ان السفور في الواقع هو الذي يمثل الرجعية التي قضى الرجوع إلى الوراء ، لأنه يعود بالمرأة إلى زمان الجاهلية فيما قبل الاسلام.
ـ أنت الآن مخدوعة يا نقاء ! في ذهنك كلمات أخذتيها عن إبراهيم ، وها أنت ترددينها بدون قصد وبدون أن تعرفي معناها الواقعي ، ولكنك لو فكرت بما قلته لك جيداً لعرفت تفاهة هذه الأفكار ورجعيتها ، ولعرفت أن كلامي هو الكلام الصحيح الذي يجاري العصر الذي نعيشه ، والمجتمع الذي من حولنا.
ـ انك أنت المخدوعة يا سعاد ! وهذا مما يؤسف له حقاً أن تحطمي حياتك نتيجة للسير وراء الدعايات المضللة والأفكار المسمومة ، أما أنا فكوني واثقة من أنني أعني ما أقول وأنني مؤمنة بآداب الاسلام وتعاليمه كأنجح وسيلة تمكنني من شق طريقي خلال مسيرة الحياة في أمان ، أن لا أردد كلمات أخذتها عن إبراهيم ، ولكنني أردد كلمات تنطلق من مفهوم الاسلام وتنطق عن مثالية التنظيم الاجتماعي في رسالة السماء...
وحين رأت سعاد أن عليها أن تدع هذا الحديث عند
--------------------------------------------------------------------------------
( 93 )
هذا الحد ، وأن تكتفي ليومها ذاك بهذا القدر من الكلام لأنها لاحظت على نقاء اندفاعاً في الرد لم تكن قد تحتسبه من قبل ، وفعلاً فقد غيرت مجرى الحديث وسألت نقاء قائلة :
ـ أين خالتي يا نقاء ! منذ مدة لم يتفق لي أن أراها عند زيارتي لك ... ! كنت أحسبها سوف تسعى لاستقبالي بعد هذا الانقطاع الطويل...
وودت نقاء لو تمكنت أن ترد عليها قائلة : إن خالتك تمقتك وتكرهك ، وهي لا تطيق رؤيتك ، بل وتتهرب منك ما وسعها التهرب .. ولكن الاتزان منعها عن ذلك ، فاضطرت إلى أن تقول :
ـ لقد ذهبت أمي لزيارة خالتي منذ الصباح ، ولعلها سوف تعود قريباً.
وهكذا استمر بهما الجلوس ، وسعاد تحاول أن لا تتطرق إلى موضوع كلامها الأول ، وحوالي الساعة الثانية عشرة انصرفت سعاد وحرصت على أن تكرر على نقاء وصيتها لها بالتفكير بمستقبلها مرة ثانية ، وصممت نقاء بعد زيارة سعاد هذه أن تحدث إبراهيم عنها وأن تخبره بقرابتها لها لكي لا يستنكر اجتماعهما إذا صادف ورآهما مجتمعتين.
..............................................................................................................................................
الفصل التاسع
حاولت نقاء أن تجر حديثها مع إبراهيم إلى ذكر أقاربها ، وانتهى بها القول إلى أن تذكر سعاد ، فقالت :
ـ أما بنت خالتي سعاد فهي سيدة شابة جميلة الوجه ، بديعة التكوين ، ولكنها ليست من الطراز الذي يعجبني أو يرضيني.
وأظهر إبراهيم استغرابه لذلك ، فقد كانت أسرة نقاء طيبة السمعة ، مشهورة بالاعتدال ، وأردفت نقاء قائلة :
ـ إنها ربيت يتيمة ، فقد مات أبوها وهي لا تزال طفلة ، وأفرطت أمها في تدليلها ، ولهذا فقد ركبها الغرور والطيش ، وقد تزوجت وسافرت مع زوجها إلى أوروبا ، على أمل أن يحصل زوجها على شهادة جامعية ، بعد أن فشل في تحصيلها هنا ، ولكنه فشل هنا أيضاً ، وقد رجعا بعد قراننا بأيام ، ولكن سعاد لم تفهم ذلك إلا متأخراً ، فأنا لم أزرها عند عودتها من أوروبا ، وقد جاءت لزيارتي مرتين أو ثلاثة.
وكان إبراهيم ساكتاً يستمع إلى نقاء ، ولكنها قرأت على
--------------------------------------------------------------------------------
( 96 )
وجهه علائم عدم الارتياح .. واستمرت تقول :
ـ إنها متطرفة أكثر مما يجوز بكثير ، فقد أعشت عينيها أنوار أوروبا الخداعة ، فهي دائمة التحدث عن معالم حضارتها.
ـ ومن تكون بنت خالتك هذه أو من يكون زوجها بتعبير أصح ؟!.
ـ إنها سعاد ، ولا أعرف عن زوجها سوى أن اسمه محمود ، وهو مفرط في الثراء.
ـ ثراء وفراغ وجهل ، إن هذه العوامل هي أخطر ما تكون على المرء.
ـ والجمال أيضاً ، فسعاد جميلة جداً يا إبراهيم إنها آية في الرشاقة والإناقة ، وقد كنت أحتفظ لها بصورة عند ، قدمتها لي منذ سنوات.
ثم نهضت وجاءت بـ ( البوم ) التصاوير. وقلبته حتى استخرجت منه صورة سعاد ، وقدمتها لابراهيم قائلة :
ـ هذه صورتها قبل زواجها وقبل سفرها إلى أوروبا.
ثم عادت نقاء تقلب ( ألبومها ) لتنتقي منه بعض صور تذكارية تريها لابراهيم ، ولذلك فقد فاتها ملاحظة الصفرة التي علت وجه إبراهيم عند رؤيته لصورة سعاد وقد عرفها لأول وهلة ، وعرف أنها هي تلك الفتاة اللعوب التي تابعته
--------------------------------------------------------------------------------
( 97 )
بغزلها حيناً من الزمان. وعجب أن تكون هذه الغانية قريبة لنقاء ، وساءه أنها على إتصال بزوجته ، وما يدريه فلعلها سوف لن ترتاح إلى هذه الزوجة السعيدة ، وتعمل على خرابها ، وهم أن يقول لنقاء : إن هذه ليست سوى امرأة مبتذلة نزقة فتجنبيها جهدك يا نقاء !. ولكنه عاد فتذكر أنها الآن زوجة وربة بيت فلعلها قد أقلعت عن الاعيبها الصبيانية ونزواتها الطائشة ، فلا يصح له أن يبعث ماضيها من جديد ، أو ينبش ما لعلها دفنته بين صفحات السنين الماضية. وهكذا حال دافع الخير عنده عن التصريح بما يعرف عن سعاد . ثم أنه لم يكن يريد أن يخبر نقاء بموقف سعاد منه ، لئلا يجعلها في حرج من اتصالها بسعاد . وهو أيضاً يأبى أن يكدر صفاء ذهنها بأمثال هذه الحوادث ، ويود جاهداً أن ينأى بها عن كل ما يخدش روحها ، أو يكدر أفكارها . وبما أن دوافع الخير كانت هي المسيطرة على إبراهيم في تلك اللحظة ، فقد اكتفى بأن أرجع الصورة دون أن يعلق عليها بحرف ، ورفعت نقاء رأسها عن ( الألبوم ) وقالت :
ـ أرأيت كيف أنها جميلة ؟ ليت روحها كانت قد اكتسبت شيئاً من هذه الروعة الخلقية.
فابتسم إبراهيم ابتسامة باهتة ، وقال :
ـ أنا لا أنكر أنها جميلة ، ولكني لا أستسيغ هذا النوع من الجمال المتكلف ، الذي لم تحصل عليه صاحبته إلا بعد جهد جهيد ،
--------------------------------------------------------------------------------
( 98 )
ثم أنه جمال مبطن بالبشاعة يخفي وراءه عوامل كثيرة ، كلها ليست خيرة ولا صالحة ، فالجمال الحقيقي هو الجمال الطبيعي الطاهر ، لا الجمال السطحي الملوث الذي تصنعه محلات التجميل.
وعجبت نقاء من أن إبراهيم قد تمكن من التعرف على شخصية سعاد الواقعية ، على أثر نظرة واحدة لتصوير صغير ، وكانت قد استردت الصورة منه ، فهمت بوضعها في محلها من ( الألبوم ) وهي تقول :
ـ نعم إنها تماماً كما تقول يا إبراهيم !..
لكن إبراهيم سارع فأمسك يدها برفق وهو يقول :
ـ لا ... لا تفعلي هذا يا نقاء ! فإن ( ألبومك ) يضم مجموعة خيرة من الصور الفاضلة ، لا تدعي هذه الصورة تدنسه باندساسها فيه ، أنا لا أريد أن أطلب منك تمزيق الصورة ، ولكني أود أن تحتفظي بها بعيداً عن هذه الصور الثمينة.
ورفعت نقاء وجهها نحو إبراهيم ، وتأملته لحظة قرأت فيها على وجهه المعبر ما لم يرد أن يفوه به ، فمدت يدها نحو الصورة ، وشرعت تمزقها إلى قطع صغيرة ، وهي تقول :
ـ إذا كنت أنت لا تطلب ذلك مني ، فأنا سوف أمزقها بيدي يا إبراهيم ! لكي لا يعود لسعاد عندي أثر...
--------------------------------------------------------------------------------
( 99 )
ـ وتهلل وجه إبراهيم ، وهو يرى نقاء تمزق الصورة بهدوء ، صورة الفتاة التي جعلته يكفر إلى حين بالمرأة . وها هي نقاء تزيده إيماناً بوجود المرأة الصالحة ... وردد وكأنه يحدث نفسه قائلاً : الحمد لله .. وأسعد نقاء أن ترى الفرحة قد شاعت على قسمات وجه زوجها الحبيب ، ولذلك فقد حرصت على أن لا تعود إلى ذكر سعاد مرة أخرى لكي لا تكدر عليه صفوه وهناءه.
--------------------------------------------------------------------------------
( 100 )
....................................يتبع.................................
:26: :26: :24:
( 101 )
الفصل العاشر
كانت سعاد تعيش في دوامة من الانفعالات وكان اهم ما يشغل أفكارها هو تخطيط أساليب الانتقام من ابراهيم ، ومن قيمه ومفاهيمه ، فهي تشعر بنار الحقد والنقمة تنهش صدرها نهشاً فتحرمها من الراحة والاستقرار...
وكان محمود قد تمادى خلال الآونة الأخيرة في تجاهلها ، وبالسير وراء نزواته ونزعاته ولكنها لم تكن تولي ذلك أي أهمية ، فهي واثقة من أنها تتمكن وبسهولة أن تخضعه لها متى شاءت .. فلم يكن انصرافه هذا إلا لاهمالها الكلي له في هذه الأسابيع .. وكانت تستعرض في ذهنها أشكالاً من أساليب الانتقام.
وفي ليلة أرقت ، وهي تفكر في خطة ناجحة تسلك بها طريقاً نحو الانتقام ، فقد كانت شخصية نقاء تقف حائلاً أمامها دون أغلب الخطط ، وفي تلك الليلة ظنت أنها قد توصلت أخيراً إلى أضمن طريقة توصلها إلى ما تريد ، ونامت على أمل راسخ في النجاح ... وفي الصباح كان عليها أن تقوم بأول أدوار خطتها تلك .. وهو الالتفاف مؤقتاً نحو
--------------------------------------------------------------------------------
( 102 )
محمود ... فقرعت الجرس واستدعت سنية لتساعدها على الاستحمام ، وبعد أن أتمت ذلك ، تلفعت بثوب حريري شفاف ، وصففت شعرها باتقان ، واختارت من مجموعة عطورها أعذبه رائحة ، وأقواه تأثيراً ... وكانت سنية لا تزال واقفة في ركن الغرفة تتابع حركاتها باهتمام بالغ ... وأكملت سعاد زينتها ، وألقت على مرآتها نظرة رضاء ... لم يفت سنية ملاحظتها أيضاً .. ثم توجهت نحو باب الغرفة ، فابتدرتها سنية قائلة في دهشة :
ـ هل أن سيدتي تنتظر ضيوفاً في هذا الصباح ؟!
وضحكت سعاد ضحكة قصيرة وقالت :
ـ وهل تظنين أني أستقبل ضيوفي بـ ( الروب ) ؟!
وردت سنية بجرأة قائلة :
ـ إذن فإلى أين أنت ذاهبة ؟
ولم تلتفت نحوها سعاد ، وقالت وهي تفتح باب الغرفة :
ـ أنا ذاهبة إلى محمود ...
ثم أغلقت خلفها الباب ، وخلفت سنية وحدها في الغرفة ، وهي تكاد تنفجر غيرة وحنقاً ... وأحست سعاد بمرارة لا تفوقها مرارة ، إذ وجدت أنها قد أصبحت أخيراً وهي غريمة لسنية ، وصيفتها من قبل ... وكأن لسنية الحق
--------------------------------------------------------------------------------
( 103 )
الأول في محمود ، وودت لو تمكنت من الفرار من هذا الجحيم الذي أضحت تعيشه في بيتها ، ومن الذلة التي أخذت تستشعرها وهي ربة هذا البيت ، ولكنها لم تكن تتمكن من الفرار وبريق الذهب يلمع أمام عينيها فيه ، ورنين المال يشنف أسماعها في أرجائه ، وبلغت غرفة محمود فقرعت الباب بخفة ، ثم أدارت أكرة الباب وهي تقول :
ـ هل تسمح لي بالدخول ...؟
ولم تنتظر جواب محمود ، فدخلت بعد ان طبعت على وجهها بسمتها الكاذبة ... التي طالما استطاعت أن تخدع بها الرجال ... وكان محمود يتهيأ للخروج ولكنه عدل عن ذلك بعد دخول سعاد ، ورنت سعاد نحوه بدلال وهي تقول :
ـ لعلني لم أثقل عليك يا محمود ...؟
ـ آه ... أنت تثقلين عليّ يا سعاد ...؟
ـ أقصد إذا كان لديك أي موعد هام ...
ـ أبداً ... فأنت أهم عندي من كل شيء. ولو لا جفاؤك لما ارتبطت بأية مواعيد ...
ـ شكراً يا محمود ! أنت طيب القلب ... نعم وأنت رحيم.
كانت سعاد جادة فيما تقول ، فهي تعلم أن زوجها رجل طيب في الواقع ، ولكنه كان ضائعاً بين أكداس الثروة ، ولم
--------------------------------------------------------------------------------
( 104 )
يكن يتمكن بينها من تشخيص طريقه في الحياة ، وقد وجهته هي إلى الناحية التي تريدها ، والتي تحقق لها حريتها الكاملة المدعومة بأمواله ... وها هي الآن في طريقها إلى توجيهه وجهة جديدة . تساعدها على تحقيق غايتها الانتقامية.
وأخذت تجاذبه أطراف الحديث ، وتنقل له بعض الحوادث والأخبار ، وجرت الحديث إلى بعض أصدقائهما.. إلى أن قالت :
ـ ... وقد بلغني أن صراعاً عنيفاً قائم الآن ، بين صاحبنا سعيد وبين الممثل سليم ...
وسكتت فلم تتابع ما قالته ، فسألها محمود قائلاً :
ـ حول أي شيء هذ الصراع يا سعاد !
ـ إنه صراع سوف يخسر فيه الممثل سليم بلا ريب ، فإن عند سعيد من المال ما يؤكد له الفوز على غريمه.
وهنا بدأ الاهتمام واضحاً على وجه محمود ، فإن ذكر المال يغريه بمتابعة في الحديث ، وقال في تأكيد :
ـ المال ... نعم ، أنا أعتقد دائماً أن المال يصنع المعجزات ولكنك لم تخبريني عن ماهية الصراع بعد ...
ـ إنه حول امرأة يا محمود !
ـ حول امرأة ! وأي امرأة هي هذه يا سعاد !
ـ إنها آية في الجمال يا محمود ! وكأن خالقها قد أبدع
--------------------------------------------------------------------------------
( 105 )
تكوينها ، لتكون نموذجاً للجمال في العالم ، وهي فتاة لم تتجاوز العشرين بعد ...
ـ آه !...
ـ نعم ، ولكنها بعيدة المنال ...
ـ وكيف !؟
ـ قبل سنتين سبق وأن تخاصم عليها ثلاثة رجال ، كان لكل منهم المال والشباب ، ولكنها تجاهلتهم ، واختارت رابعاً يفوقهم ثراء.
ـ فهي متزوج إذن...
ـ لا ... لم يكن ذاك سوى مجرد صديق ، وقد خاصمته منذ مدة وجيزة.
ـ ولماذا ؟!.
ـ لا أعلم ، لعلها تاقت إلى ثراء أكثر ، ولذلك فأنا واثقة من أن سعيداً هو الذي سوف يفوز بها دون سليم.
هنا سكتت سعاد برهة ، لاحظت فيها أن محمود أخذ يفكر فيما قالته .. وبعد لحظات أردفت قائلة :
ـ ومن المضحك أنهما لا يصرحان لبعضهما عما يعرفان عن الآخر ، فكل منهما يتجاهل سعي الآخر للوصول إلى هذه الفتاة ، كما أن كلاً منهما ينفي معرفته لها على الاطلاق ، لكي لا يثير حوله الشبهات التي تشجع الثاني على تشديد الاغراء.
--------------------------------------------------------------------------------
( 106 )
وخرجت الكلمات متقطعة من فم محمود ، وهو يسأل في لهفة :
ـ أين اتفق لهما أن رأياها يا سعاد ؟!
وفهمت سعاد أنها قد أصابت من زوجها هدفاً ، فأجابته :
ـ لست أدري بالضبط يا محمود ! ولكن الذي أعلمه أن صاحبتهما هذه لها أساليب خاصة في المساومة ... فهي مرة تدعي أنها متزوجة ولها زوج وهي سعيدة به .. ومرة تتلبس بمسوح الدين ، وتتظاهر بالتزام جانب الفضيلة والاحتشام ... ولكنها متى ما وثقت من ثراء صاحبها وتفانيه في حبها ، خلعت عنها أبراد الخداع وبدت على واقعها الساحر.
واستغرق محمود في تفكير عميق .. نهضت على أثره سعاد ، واستأذنت للانصراف ، ولم يشأ محمود أن يستبقيها اكثر من ذلك فقد كان كلامها عن الفاتنة العزيزة المنال قد أخذ عليه جميع أفكاره ولم يفت ذلك على سعاد ، فانصرفت عنه ، وهي واثقة من أن سهمها قد أصاب مرماه من دون جهد.. ثم دخلت غرفتها ، وألقت بنفسها على الكرسي ، وهي تحدث نفسها قائلة : أنا لن أخسر شيئاً من ذلك على كل حال ، فسيان عندي خلف أي غانية ركض محمود ، ولكن الفرق أن غوانيه الآخريات لا يحققن لي غاية ، وأما هذه التي أحاول أن أدفعه نحوها فسوف تحقق لي بانصياعها إليه أسمى
--------------------------------------------------------------------------------
( 107 )
هدف لي ، وهو الانتقام ... نعم ، الانتقام من ابراهيم ومن مثله ومفاهيمه ، وبعد أن تتحقق غايتي الانتقامية سوف استطيع بسهولة ... أن أرده إلي متى شئت ... فلن يخضع كبرياء تلك الفاتنة ... غير أموال محمود ، فليس من الممكن أن توجد امرأة لا يغشى عينيها بريق الذهب ، ولا يطربها رنين المال ، وليست نقاء سوى واحدة من النساء ... إن جميع مفاهيم ابراهيم ومثله لن تتمكن من الوقوف أمام تيار الذهب الذي يتدفق من يد محمود ، أنا لن أتمكن أن أجرها إلى الحفلات ، أو أن أدل عليها الرجال ولكني أتمكن أن أرشد إليها محموداً على الأقل...
واستمرت سعاد تحدث نفسها قائلة :
... ولا يهمني أكانت سنية غريمتي أم نقاء بل أنها لن تكون غريمتي مطلقاً .. فما دامت أموال محمود بين يدي فلن أشعر بغيرة أو مرارة . فشخص محمود لا يعني عندي شيئاً على الاطلاق . ولعلني أتمكن أن أستفيد من شخصه التافه إلى هذا المضمار... إن نقاء فتاة إنطوائية لم يسبق لها أن سمعت كلمة غزل ، أو لاحظت نظرة إعجاب ، ولذلك فأنا على ثقة من أنها سوف تنهار أمام اغراءات محمود ، إنها بدأت تنعدم على زواجها منذ الآن. وكان سكوتها على حديثي في المرة الأخيرة أحسن دليل على ذلك ، لقد نفذت إلى فكرها كلماتي وأفكاري ، وسوف لن أتراجع حتى أسكب فيها جميع
--------------------------------------------------------------------------------
( 108 )
روحياتي ، وادلها على اتجاهاتي في الحياة ، سوف أعرف كيف أرفع عنها هذا القناع الذي ألبسها إياه إبراهيم... ولكن عليّ الآن أن أتعرف إلى الأماكن التي تؤمها ، والرياض التي تتنزه فيها .. نعم عليّ أن أراقب ذلك إلى حين سفر إبراهيم فما دام هو قريباً منها لن أتمكن أن أعمل أي شيء ، فقد استحوذ عليها بسحره ، وهو الساحر المتمكن الذي يخضع له كل قلب حتى قلبي ... نعم حتى قلبي!.
---------------------------------------------------------------------------------------------------
الفصل الحادي عشر
كان يوم سفر ابراهيم قد أخذ يقترب بل يكاد أن يحدد ، فقد تهيأ أخيراً إلى تقديم موعد سفره حرصاً منه على تقديم موعد الزفاف.
وفي أحد الأيام صحب إبراهيم نقاء إلى ربوع دمشق ، وانتهى بهما المطاف إلى الجامع الكبير ، فاعتزلا فيه ركناً قصياً ، واتخذا لهما مقعداً فوق بعض الأحجار ... وقد أخذ المسجد يحتشد بالمصلين كعادته في كل يوم ... ولذ لنقاء أن تتابع بنظرها المصلين المتنقلين في أنحاء الجامع بين الأماكن المباركة التي في رحابه ، وشعرت بنشوة روحية وهي ترى الوحدة الاسلامية تتمثل في صفوف المصلين. فالتفتت نحو إبراهيم قائلة :
ـ حقاً إن العبادات الاسلامية توحي بالرضا والاطمئنان.
ـ نعم ، تماماً كما تقولين يا نقاء ! وقد كان هذا الجامع منذ عهده الأول قاعة لاجتماع المسلمين ومصدراً لأحكام الدولة الاسلامية. كانت قوانين الاسلام تنطلق من هذا الجامع أيام
--------------------------------------------------------------------------------
( 109 )
كانت دولة الاسلام تحكم نصف المعمورة ، وأيام كان صوت المؤذن يتردد على منابر العشرات من الدول هاتفاً بهتافه الخالد « الله أكبر ».
ـ ما أحلى تلك الأيام يا إبراهيم ليتنا كنا في ذلك العهد.
ـ نعم ما أسعد تلك الايام ، ولكننا ما دمنا نعيش فكرة الاسلام ـ ونحيا على صعيد مثله وتعاليمه فنحن لا نزال سعداء يا نقاء ! إن سعادتنا في الصمود أمام التيار المنحرف تعني الكثير وفرحتنا عند كل انتصار لتغلبنا على نفسنا الأمارة بسلاح النفس اللواق لا تعادلها فرحة ، ثم ألم تسمعني كلمة الرسول ( صلى الله عليه وآله ) « من تمسك بسنتي عند فساد أمتي فله أجر مائة شهيد ».
ـ إن المسلمين في صدر الاسلام كانوا سادات العالم يا إبراهيم.
ـ إنهم كانوا قادة للعالم لا سادة ، فالاسلام لا يعترف بقانون السادة والعبيد ، ولا يسود الرجل المسلم إلا بتدينه وتقواه ، ولم يكن المسلمون في طريقهم للسيادة على العالم ، بل كانوا في سبيل إرشاد العالم وتوجيهه وتهذيب آفاقه وتعقيم أفكاره . فالاسلام مبدأ عالمي يصلح لكل عصر ومصر ، ولا يمكن الخلود لمبدأ ورسالة تقوم على السيادة. بهذه الروح والفكرة تمكن المسلمون أن يصلوا برسالتهم إلى كسرى في
--------------------------------------------------------------------------------
( 111 )
إيوانه ، وإلى قيصر في أبراجه وحصونه ، وأن يطهروا بإسلامهم جميع الحضارات غير الاسلامية.
ـ وهل كان للمرأة المسلمة دور في صدر الاسلام ؟
ـ طبعاً .. فإن للمرأة المسلمة مواقف خالدة في تاريخ الاسلام وبطولاته ، وقد أثبتت جدارتها كمسلمة ، وشخصيتها كصاحبة رسالة ، فلم تكن المرأة المسلمة تقل عن الرجل المسلم ممارسة واندفاعاً.
ـ وما أكثر الفرق بين المرأة المسلمة في صدر الاسلام وبين المرأة المسلمة في عصرنا هذا !.
ـ إن المرأة المسلمة في عصرنا هذا مخدوعة يا نقاء ! والذنب في ذلك كله يرجع إلى الرجل الذي عمل على استغفالها حتى نزل بها إلى هذا المستوى الذي انحدرت إليه ، ولهذا فإن علينا محاولة إيقاظها من غفلتها . وانتشالها من الوهدة التي تردت فيها دون أن تدري أو تعلم.
ـ إنني أخشى أن يكون إصلاح المرأة المسلمة ليس بالشيء السهل يا إبراهيم ، بعد أن تشبعت روحياتها بمفاهيم الغرب.
ـ لا تقولي المرأة المسلمة يا نقاء ، ولكن قولي المخدوعات من النساء المسلمات ، فالمرأة المسلمة لا يمكن لها بأي حال من الأحوال أن تتشبع بروحيات الغرب ، أو تخدعها أفكاره
--------------------------------------------------------------------------------
( 112 )
وآراؤه ، فالمرأة المسلمة التي تعرف حقيقة دينها وواقع رسالتها تعلم واثقة أن لها في مبدئها أعذب معين ترد منه لتنعم بحقوقها كاملة في الحياة وحتى المخدوعات من المسلمات لم يفت الوقت في إصلاحهن بعد ... فالمرأة المسلمة عنصر طيب سوف ترجع إلى الطريق السوي متى ما رفعت الغشاوة عن عينها ، وسوف ترفع في أقرب فرصة.
ـ وكيف ؟!.
ـ إن فشل النساء المتفرنجات قد أخذ يبدو واضحاً في حياتهن ، كما أن نسبة الفشل في الزيجات التي تقوم على أساس هذا التفرنج قد أخذ يتزايد تزايداً مطرداً في جميع الأقطار الاسلامية ، فإن زواجاً يقوم على أسس غير اسلامية لا يمكن أن يكون زواجاً سعيداً لائقاً للاستمرار.
ـ تصور يا إبراهيم ! أن بعض المخدوعات من فتياتنا يقدمن الدليل على إجحاف حق المرأة المسلمة بموضوع الحجاب ، وبفرضه عليها هي وحدها دون الرجل.
ـ ليست هذه الأقاويل سوى ترجيع للدعايات الأجنبية ، والواقع أن الحجاب ليس وقفاً على المرأة دون الرجل في الشريعة الاسلامية ، ولكن نظراً لكون المرأة أقوى سحراً وأعمق تأثيراً كان حجابها أعم وأشمل من حجاب الرجل.
ـ هل حقاً ما تقوله يا إبراهيم؟!
--------------------------------------------------------------------------------
( 113 )
ـ إنه الحق بعينه يا نقاء ، فإن المرأة والرجل بما أنهما بشر يتساويان في نظر الاسلام ولم يفرض الحجاب على المرأة المسلمة لحساب كونها بشراً ولكن لحساب كونها أنثى ، وصيانة لأنوثتها الطاهرة ، فكما أن على الأنثى أن تتستر بأنوثتها ، على الرجل أيضاً أن لا يظهر للمجتمع بدعوة كونه ذكراً ، بل لكونه بشراً فقط وبما أن معالم أنوثة المرأة أعم وأوسع من معالم ذكورة الرجل كان حجاب المرأة أشمل وأعم من حجاب الرجل ، فالاسلام لم يجعل من الحجاب أداة لتقييد المرأة أو حبسها عن المجتمع ، ولكنه جاء به كوسيلة لوقايتها من مفاسد المجتمع ومضاره ، فالمرأة المسلمة في صدر الإسلام كانت تشهد الحروب ، لتطبب وتداوي وتشجع وتحرض وهي في الوقت نفسه متلفعة بأزارها . ونقابها لم يثنها عن أن تقوم بدورها الفعال في المجتمع المسلم.
ـ ليتنا كنا كذلك يا إبراهيم !
ـ إن في وسع كل امرأة أن تكون كذلك.
ـ وكيف ؟
ـ إن الجهاد لأجل العقيدة درجات وألوان يا نقاء ! ولا يمكن أن تتعذر بعض درجاته وأشكاله على المرأة المسلمة في كل وقت وحين.
ـ أتظن مثلاً أني أتمكن أن أجاهد في سبيل عقيدتي وإيماني ؟
--------------------------------------------------------------------------------
( 114 )
ـ نعم ... وتتمكنين بسهولة ، فإن صمودك عن الاغراءات ، وثباتك أمام التيارات ، ودفعك كلام الباطل بالحق ، أمرك بالمعروف ونهيك عن المنكر ، يعتبر جهاداً عند عجزك عن القيام بما هو أكثر من ذلك ، بل أن جهاد النفس هو من أقدس وأكمل ألوان الجهاد كما قال بذلك الامام أمير المؤمنين ( عليه السلام ) تطهير النية من الفساد أشد على العاملين من طول الجهاد.
وهنا ارتفع صوت المؤذن يتردد في أنحاء الجامع هاتفاً هتافه الخالد : « الله أكبر ... ».
--------------------------------------------------------------------------------
( 115 )
الفصل الثاني عشر
كان موعد سفر إبراهيم قد تحدد في صباح يوم الأربعاء ، ولم يكن قد بقي على رحيله سوى يومين ، ومنذ أيام مضت لم تعد سعاد تتصل بنقاء ، لكنها في صباح ذلك اليوم اتصلت بها تلفونياً بحجة أنها كانت عند الخياطة ، وقد كلفتها أن تخبر نقاء بطلب حضورها لعمل ( البروفة ) فشكرتها نقاء ولم تزد على ذلك ، ولكن سعاد قالت لها أنها سوف تذهب مبكرة للخياطة ، وهي مستعدة لاصطحابها معها ، فلم يسع نقاء إلا أن ترد عليها بأنها لا تتمكن أن تذهب خلال هذين اليومين لأجل قرب موعد سفر إبراهيم . واهتمت سعاد بالخبر واستفهمت منها عن موعد السفر وساعته.. ثم كررت عليها استعدادها لايصالها إلى الخياطة في أي وقت رغبت ، وأنهت المكالمة... انتبهت نقاء إلى أن حكاية الخياطة لم تكن سوى ذريعة لاتصال سعاد بها ، فقد كانت الخياطة تتصل بها تلفونياً في كل مرة لتطلب حضورها عندها ، ولكنها كانت في شغل عن التفكير في سعاد وما يدور حولها.. وفي صباح يوم الأربعاء استيقظت نقاء بعد ليلة لم تنم منها إلا القليل ،
--------------------------------------------------------------------------------
( 116 )
وتناولت فطورها على عجل ، وأخذت تستعد للذهاب إلى المطار ، وفي تمام الساعة الثامنة والنصف وصل إبراهيم ليصحبها معه إلى المطار ، فقد اتفقوا على أن تذهب إلى المطار بصحبة إبراهيم ، ويلتحق بها أبوها هناك ، لتعود معه إلى البيت . وركبت السيارة إلى جوار إبراهيم ، وهي ساكتة مطرقة تتحاشى نظرات إبراهيم كي لا يقرأ ما يعتلج في قلبها من أحاسيس ولم تشأ أن تتكلم لئلا يخرج صوتها متهدجاً... وشعرت أن إبراهيم يلتفت إليها بين حين وحين... ويحاول تسليتها بأحاديث عن المستقبل وعهد اللقاء السعيد... وفي المطار كانت تبذل جهداً كبيراً كي تخفي عن إبراهيم ما تعانيه من آلام الوداع ، وظنت أنها نجحت في ذلك ، إلا أن إبراهيم لم يغب عنه ما تقاسي منه نقاء ، فقد قال لها بعد الوداع :
ـ أنا أعرف أنك تبذلين جهداً كبيراً لأجلي يا نقاء ، وهذا ما سوف يجعلني وجلاً عليك ، ولكن تصبري واجهدي في الدعاء لنا بالتوفيق ، وتذكري عودتي ، وافرحي لساعة اللقاء. تصوري أن لديك عزيزاً طال به السفر ، وسوف يعود بعد أشهر ثلاث ، لا تفكري أن هذا بداية الفراق ، بل فكري أن اللقاء سوف يكون قريباً بإذن الله.
شعرت نقاء وهي ترى إبراهيم يصعد سلم الطائرة... إنها سوف تضعف أمام ضغط انفعالاتها ، وكادت أن تسقط
--------------------------------------------------------------------------------
( 117 )
لولا أن يداً رحيمة قد أسندتها من الخلف ، ولم تحاول أن تلتفت لترى من يكون هذا الذي أسندها إلى صدره ، فقد عرفت أنه أبوها لا أحد غيره... وأجلسها أبوها على أحد الكراسي لمدة وجيزة ، ثم صحبها إلى خارج المطار ، وكانت تستند على ساعد أبيها ، وهي تسحب قدميها بتعب وإعياء... ساعدها أبوها على ركوب السيارة وتوجه معها نحو الدار ، وفي الطريق شعر أبوها أنها تعاني الكثير من سفر إبراهيم ، فحاول أن يتكلم في أي شيء ، لكي يخرج بها عن بعض أفكارها وانفعالاتها ، فقال :
ـ كان هناك في خارج المطار رجل فضولي وكان همه منحصراً في إلقاء النظرات على الرائحين والغادرين ، وقد لاحظت أنه كان يطيل النظر الى السيدات.
ولم تتمكن نقاء أن تتجاهل كلام أبيها فردت عليه قائلة :
ـ إن الدنيا تزخر بأمثال هذا الرجل من التافهين الفضوليين وما الذي يعنينا منه يا أبتاه ؟.
ـ لا شيء مطلقاً ولكن نظراته أزعجتني كثيراً.
ـ إن نظراته لم ولن تؤثر علينا يا أبتاه ، فمن حقه أن نرثي لأجله ، لا أن ننزعج منه ، فأمثال هذا من الرجال هم أجدر البشر بالرثاء ، إذ يحرمون شبابهم ويبددون طاقاتهم بأفعالهم الصبيانية.
--------------------------------------------------------------------------------
( 118 )
ولكنهم لا يشعرون بالهاوية التي يجرهم إليها هذا السلوك.
ـ نعم أنه مخدوعون.
واكتفت نقاء بهذا القدر من الكلام ، فلم تزد شيئاً. وفي البيت كانت أمها تنتظرها بفارغ صبر ، فألقت بنفسها في أحضان أمها ، وهناك فقد أطلقت لدموعها العنان...
الفصل العاشر
كانت سعاد تعيش في دوامة من الانفعالات وكان اهم ما يشغل أفكارها هو تخطيط أساليب الانتقام من ابراهيم ، ومن قيمه ومفاهيمه ، فهي تشعر بنار الحقد والنقمة تنهش صدرها نهشاً فتحرمها من الراحة والاستقرار...
وكان محمود قد تمادى خلال الآونة الأخيرة في تجاهلها ، وبالسير وراء نزواته ونزعاته ولكنها لم تكن تولي ذلك أي أهمية ، فهي واثقة من أنها تتمكن وبسهولة أن تخضعه لها متى شاءت .. فلم يكن انصرافه هذا إلا لاهمالها الكلي له في هذه الأسابيع .. وكانت تستعرض في ذهنها أشكالاً من أساليب الانتقام.
وفي ليلة أرقت ، وهي تفكر في خطة ناجحة تسلك بها طريقاً نحو الانتقام ، فقد كانت شخصية نقاء تقف حائلاً أمامها دون أغلب الخطط ، وفي تلك الليلة ظنت أنها قد توصلت أخيراً إلى أضمن طريقة توصلها إلى ما تريد ، ونامت على أمل راسخ في النجاح ... وفي الصباح كان عليها أن تقوم بأول أدوار خطتها تلك .. وهو الالتفاف مؤقتاً نحو
--------------------------------------------------------------------------------
( 102 )
محمود ... فقرعت الجرس واستدعت سنية لتساعدها على الاستحمام ، وبعد أن أتمت ذلك ، تلفعت بثوب حريري شفاف ، وصففت شعرها باتقان ، واختارت من مجموعة عطورها أعذبه رائحة ، وأقواه تأثيراً ... وكانت سنية لا تزال واقفة في ركن الغرفة تتابع حركاتها باهتمام بالغ ... وأكملت سعاد زينتها ، وألقت على مرآتها نظرة رضاء ... لم يفت سنية ملاحظتها أيضاً .. ثم توجهت نحو باب الغرفة ، فابتدرتها سنية قائلة في دهشة :
ـ هل أن سيدتي تنتظر ضيوفاً في هذا الصباح ؟!
وضحكت سعاد ضحكة قصيرة وقالت :
ـ وهل تظنين أني أستقبل ضيوفي بـ ( الروب ) ؟!
وردت سنية بجرأة قائلة :
ـ إذن فإلى أين أنت ذاهبة ؟
ولم تلتفت نحوها سعاد ، وقالت وهي تفتح باب الغرفة :
ـ أنا ذاهبة إلى محمود ...
ثم أغلقت خلفها الباب ، وخلفت سنية وحدها في الغرفة ، وهي تكاد تنفجر غيرة وحنقاً ... وأحست سعاد بمرارة لا تفوقها مرارة ، إذ وجدت أنها قد أصبحت أخيراً وهي غريمة لسنية ، وصيفتها من قبل ... وكأن لسنية الحق
--------------------------------------------------------------------------------
( 103 )
الأول في محمود ، وودت لو تمكنت من الفرار من هذا الجحيم الذي أضحت تعيشه في بيتها ، ومن الذلة التي أخذت تستشعرها وهي ربة هذا البيت ، ولكنها لم تكن تتمكن من الفرار وبريق الذهب يلمع أمام عينيها فيه ، ورنين المال يشنف أسماعها في أرجائه ، وبلغت غرفة محمود فقرعت الباب بخفة ، ثم أدارت أكرة الباب وهي تقول :
ـ هل تسمح لي بالدخول ...؟
ولم تنتظر جواب محمود ، فدخلت بعد ان طبعت على وجهها بسمتها الكاذبة ... التي طالما استطاعت أن تخدع بها الرجال ... وكان محمود يتهيأ للخروج ولكنه عدل عن ذلك بعد دخول سعاد ، ورنت سعاد نحوه بدلال وهي تقول :
ـ لعلني لم أثقل عليك يا محمود ...؟
ـ آه ... أنت تثقلين عليّ يا سعاد ...؟
ـ أقصد إذا كان لديك أي موعد هام ...
ـ أبداً ... فأنت أهم عندي من كل شيء. ولو لا جفاؤك لما ارتبطت بأية مواعيد ...
ـ شكراً يا محمود ! أنت طيب القلب ... نعم وأنت رحيم.
كانت سعاد جادة فيما تقول ، فهي تعلم أن زوجها رجل طيب في الواقع ، ولكنه كان ضائعاً بين أكداس الثروة ، ولم
--------------------------------------------------------------------------------
( 104 )
يكن يتمكن بينها من تشخيص طريقه في الحياة ، وقد وجهته هي إلى الناحية التي تريدها ، والتي تحقق لها حريتها الكاملة المدعومة بأمواله ... وها هي الآن في طريقها إلى توجيهه وجهة جديدة . تساعدها على تحقيق غايتها الانتقامية.
وأخذت تجاذبه أطراف الحديث ، وتنقل له بعض الحوادث والأخبار ، وجرت الحديث إلى بعض أصدقائهما.. إلى أن قالت :
ـ ... وقد بلغني أن صراعاً عنيفاً قائم الآن ، بين صاحبنا سعيد وبين الممثل سليم ...
وسكتت فلم تتابع ما قالته ، فسألها محمود قائلاً :
ـ حول أي شيء هذ الصراع يا سعاد !
ـ إنه صراع سوف يخسر فيه الممثل سليم بلا ريب ، فإن عند سعيد من المال ما يؤكد له الفوز على غريمه.
وهنا بدأ الاهتمام واضحاً على وجه محمود ، فإن ذكر المال يغريه بمتابعة في الحديث ، وقال في تأكيد :
ـ المال ... نعم ، أنا أعتقد دائماً أن المال يصنع المعجزات ولكنك لم تخبريني عن ماهية الصراع بعد ...
ـ إنه حول امرأة يا محمود !
ـ حول امرأة ! وأي امرأة هي هذه يا سعاد !
ـ إنها آية في الجمال يا محمود ! وكأن خالقها قد أبدع
--------------------------------------------------------------------------------
( 105 )
تكوينها ، لتكون نموذجاً للجمال في العالم ، وهي فتاة لم تتجاوز العشرين بعد ...
ـ آه !...
ـ نعم ، ولكنها بعيدة المنال ...
ـ وكيف !؟
ـ قبل سنتين سبق وأن تخاصم عليها ثلاثة رجال ، كان لكل منهم المال والشباب ، ولكنها تجاهلتهم ، واختارت رابعاً يفوقهم ثراء.
ـ فهي متزوج إذن...
ـ لا ... لم يكن ذاك سوى مجرد صديق ، وقد خاصمته منذ مدة وجيزة.
ـ ولماذا ؟!.
ـ لا أعلم ، لعلها تاقت إلى ثراء أكثر ، ولذلك فأنا واثقة من أن سعيداً هو الذي سوف يفوز بها دون سليم.
هنا سكتت سعاد برهة ، لاحظت فيها أن محمود أخذ يفكر فيما قالته .. وبعد لحظات أردفت قائلة :
ـ ومن المضحك أنهما لا يصرحان لبعضهما عما يعرفان عن الآخر ، فكل منهما يتجاهل سعي الآخر للوصول إلى هذه الفتاة ، كما أن كلاً منهما ينفي معرفته لها على الاطلاق ، لكي لا يثير حوله الشبهات التي تشجع الثاني على تشديد الاغراء.
--------------------------------------------------------------------------------
( 106 )
وخرجت الكلمات متقطعة من فم محمود ، وهو يسأل في لهفة :
ـ أين اتفق لهما أن رأياها يا سعاد ؟!
وفهمت سعاد أنها قد أصابت من زوجها هدفاً ، فأجابته :
ـ لست أدري بالضبط يا محمود ! ولكن الذي أعلمه أن صاحبتهما هذه لها أساليب خاصة في المساومة ... فهي مرة تدعي أنها متزوجة ولها زوج وهي سعيدة به .. ومرة تتلبس بمسوح الدين ، وتتظاهر بالتزام جانب الفضيلة والاحتشام ... ولكنها متى ما وثقت من ثراء صاحبها وتفانيه في حبها ، خلعت عنها أبراد الخداع وبدت على واقعها الساحر.
واستغرق محمود في تفكير عميق .. نهضت على أثره سعاد ، واستأذنت للانصراف ، ولم يشأ محمود أن يستبقيها اكثر من ذلك فقد كان كلامها عن الفاتنة العزيزة المنال قد أخذ عليه جميع أفكاره ولم يفت ذلك على سعاد ، فانصرفت عنه ، وهي واثقة من أن سهمها قد أصاب مرماه من دون جهد.. ثم دخلت غرفتها ، وألقت بنفسها على الكرسي ، وهي تحدث نفسها قائلة : أنا لن أخسر شيئاً من ذلك على كل حال ، فسيان عندي خلف أي غانية ركض محمود ، ولكن الفرق أن غوانيه الآخريات لا يحققن لي غاية ، وأما هذه التي أحاول أن أدفعه نحوها فسوف تحقق لي بانصياعها إليه أسمى
--------------------------------------------------------------------------------
( 107 )
هدف لي ، وهو الانتقام ... نعم ، الانتقام من ابراهيم ومن مثله ومفاهيمه ، وبعد أن تتحقق غايتي الانتقامية سوف استطيع بسهولة ... أن أرده إلي متى شئت ... فلن يخضع كبرياء تلك الفاتنة ... غير أموال محمود ، فليس من الممكن أن توجد امرأة لا يغشى عينيها بريق الذهب ، ولا يطربها رنين المال ، وليست نقاء سوى واحدة من النساء ... إن جميع مفاهيم ابراهيم ومثله لن تتمكن من الوقوف أمام تيار الذهب الذي يتدفق من يد محمود ، أنا لن أتمكن أن أجرها إلى الحفلات ، أو أن أدل عليها الرجال ولكني أتمكن أن أرشد إليها محموداً على الأقل...
واستمرت سعاد تحدث نفسها قائلة :
... ولا يهمني أكانت سنية غريمتي أم نقاء بل أنها لن تكون غريمتي مطلقاً .. فما دامت أموال محمود بين يدي فلن أشعر بغيرة أو مرارة . فشخص محمود لا يعني عندي شيئاً على الاطلاق . ولعلني أتمكن أن أستفيد من شخصه التافه إلى هذا المضمار... إن نقاء فتاة إنطوائية لم يسبق لها أن سمعت كلمة غزل ، أو لاحظت نظرة إعجاب ، ولذلك فأنا على ثقة من أنها سوف تنهار أمام اغراءات محمود ، إنها بدأت تنعدم على زواجها منذ الآن. وكان سكوتها على حديثي في المرة الأخيرة أحسن دليل على ذلك ، لقد نفذت إلى فكرها كلماتي وأفكاري ، وسوف لن أتراجع حتى أسكب فيها جميع
--------------------------------------------------------------------------------
( 108 )
روحياتي ، وادلها على اتجاهاتي في الحياة ، سوف أعرف كيف أرفع عنها هذا القناع الذي ألبسها إياه إبراهيم... ولكن عليّ الآن أن أتعرف إلى الأماكن التي تؤمها ، والرياض التي تتنزه فيها .. نعم عليّ أن أراقب ذلك إلى حين سفر إبراهيم فما دام هو قريباً منها لن أتمكن أن أعمل أي شيء ، فقد استحوذ عليها بسحره ، وهو الساحر المتمكن الذي يخضع له كل قلب حتى قلبي ... نعم حتى قلبي!.
---------------------------------------------------------------------------------------------------
الفصل الحادي عشر
كان يوم سفر ابراهيم قد أخذ يقترب بل يكاد أن يحدد ، فقد تهيأ أخيراً إلى تقديم موعد سفره حرصاً منه على تقديم موعد الزفاف.
وفي أحد الأيام صحب إبراهيم نقاء إلى ربوع دمشق ، وانتهى بهما المطاف إلى الجامع الكبير ، فاعتزلا فيه ركناً قصياً ، واتخذا لهما مقعداً فوق بعض الأحجار ... وقد أخذ المسجد يحتشد بالمصلين كعادته في كل يوم ... ولذ لنقاء أن تتابع بنظرها المصلين المتنقلين في أنحاء الجامع بين الأماكن المباركة التي في رحابه ، وشعرت بنشوة روحية وهي ترى الوحدة الاسلامية تتمثل في صفوف المصلين. فالتفتت نحو إبراهيم قائلة :
ـ حقاً إن العبادات الاسلامية توحي بالرضا والاطمئنان.
ـ نعم ، تماماً كما تقولين يا نقاء ! وقد كان هذا الجامع منذ عهده الأول قاعة لاجتماع المسلمين ومصدراً لأحكام الدولة الاسلامية. كانت قوانين الاسلام تنطلق من هذا الجامع أيام
--------------------------------------------------------------------------------
( 109 )
كانت دولة الاسلام تحكم نصف المعمورة ، وأيام كان صوت المؤذن يتردد على منابر العشرات من الدول هاتفاً بهتافه الخالد « الله أكبر ».
ـ ما أحلى تلك الأيام يا إبراهيم ليتنا كنا في ذلك العهد.
ـ نعم ما أسعد تلك الايام ، ولكننا ما دمنا نعيش فكرة الاسلام ـ ونحيا على صعيد مثله وتعاليمه فنحن لا نزال سعداء يا نقاء ! إن سعادتنا في الصمود أمام التيار المنحرف تعني الكثير وفرحتنا عند كل انتصار لتغلبنا على نفسنا الأمارة بسلاح النفس اللواق لا تعادلها فرحة ، ثم ألم تسمعني كلمة الرسول ( صلى الله عليه وآله ) « من تمسك بسنتي عند فساد أمتي فله أجر مائة شهيد ».
ـ إن المسلمين في صدر الاسلام كانوا سادات العالم يا إبراهيم.
ـ إنهم كانوا قادة للعالم لا سادة ، فالاسلام لا يعترف بقانون السادة والعبيد ، ولا يسود الرجل المسلم إلا بتدينه وتقواه ، ولم يكن المسلمون في طريقهم للسيادة على العالم ، بل كانوا في سبيل إرشاد العالم وتوجيهه وتهذيب آفاقه وتعقيم أفكاره . فالاسلام مبدأ عالمي يصلح لكل عصر ومصر ، ولا يمكن الخلود لمبدأ ورسالة تقوم على السيادة. بهذه الروح والفكرة تمكن المسلمون أن يصلوا برسالتهم إلى كسرى في
--------------------------------------------------------------------------------
( 111 )
إيوانه ، وإلى قيصر في أبراجه وحصونه ، وأن يطهروا بإسلامهم جميع الحضارات غير الاسلامية.
ـ وهل كان للمرأة المسلمة دور في صدر الاسلام ؟
ـ طبعاً .. فإن للمرأة المسلمة مواقف خالدة في تاريخ الاسلام وبطولاته ، وقد أثبتت جدارتها كمسلمة ، وشخصيتها كصاحبة رسالة ، فلم تكن المرأة المسلمة تقل عن الرجل المسلم ممارسة واندفاعاً.
ـ وما أكثر الفرق بين المرأة المسلمة في صدر الاسلام وبين المرأة المسلمة في عصرنا هذا !.
ـ إن المرأة المسلمة في عصرنا هذا مخدوعة يا نقاء ! والذنب في ذلك كله يرجع إلى الرجل الذي عمل على استغفالها حتى نزل بها إلى هذا المستوى الذي انحدرت إليه ، ولهذا فإن علينا محاولة إيقاظها من غفلتها . وانتشالها من الوهدة التي تردت فيها دون أن تدري أو تعلم.
ـ إنني أخشى أن يكون إصلاح المرأة المسلمة ليس بالشيء السهل يا إبراهيم ، بعد أن تشبعت روحياتها بمفاهيم الغرب.
ـ لا تقولي المرأة المسلمة يا نقاء ، ولكن قولي المخدوعات من النساء المسلمات ، فالمرأة المسلمة لا يمكن لها بأي حال من الأحوال أن تتشبع بروحيات الغرب ، أو تخدعها أفكاره
--------------------------------------------------------------------------------
( 112 )
وآراؤه ، فالمرأة المسلمة التي تعرف حقيقة دينها وواقع رسالتها تعلم واثقة أن لها في مبدئها أعذب معين ترد منه لتنعم بحقوقها كاملة في الحياة وحتى المخدوعات من المسلمات لم يفت الوقت في إصلاحهن بعد ... فالمرأة المسلمة عنصر طيب سوف ترجع إلى الطريق السوي متى ما رفعت الغشاوة عن عينها ، وسوف ترفع في أقرب فرصة.
ـ وكيف ؟!.
ـ إن فشل النساء المتفرنجات قد أخذ يبدو واضحاً في حياتهن ، كما أن نسبة الفشل في الزيجات التي تقوم على أساس هذا التفرنج قد أخذ يتزايد تزايداً مطرداً في جميع الأقطار الاسلامية ، فإن زواجاً يقوم على أسس غير اسلامية لا يمكن أن يكون زواجاً سعيداً لائقاً للاستمرار.
ـ تصور يا إبراهيم ! أن بعض المخدوعات من فتياتنا يقدمن الدليل على إجحاف حق المرأة المسلمة بموضوع الحجاب ، وبفرضه عليها هي وحدها دون الرجل.
ـ ليست هذه الأقاويل سوى ترجيع للدعايات الأجنبية ، والواقع أن الحجاب ليس وقفاً على المرأة دون الرجل في الشريعة الاسلامية ، ولكن نظراً لكون المرأة أقوى سحراً وأعمق تأثيراً كان حجابها أعم وأشمل من حجاب الرجل.
ـ هل حقاً ما تقوله يا إبراهيم؟!
--------------------------------------------------------------------------------
( 113 )
ـ إنه الحق بعينه يا نقاء ، فإن المرأة والرجل بما أنهما بشر يتساويان في نظر الاسلام ولم يفرض الحجاب على المرأة المسلمة لحساب كونها بشراً ولكن لحساب كونها أنثى ، وصيانة لأنوثتها الطاهرة ، فكما أن على الأنثى أن تتستر بأنوثتها ، على الرجل أيضاً أن لا يظهر للمجتمع بدعوة كونه ذكراً ، بل لكونه بشراً فقط وبما أن معالم أنوثة المرأة أعم وأوسع من معالم ذكورة الرجل كان حجاب المرأة أشمل وأعم من حجاب الرجل ، فالاسلام لم يجعل من الحجاب أداة لتقييد المرأة أو حبسها عن المجتمع ، ولكنه جاء به كوسيلة لوقايتها من مفاسد المجتمع ومضاره ، فالمرأة المسلمة في صدر الإسلام كانت تشهد الحروب ، لتطبب وتداوي وتشجع وتحرض وهي في الوقت نفسه متلفعة بأزارها . ونقابها لم يثنها عن أن تقوم بدورها الفعال في المجتمع المسلم.
ـ ليتنا كنا كذلك يا إبراهيم !
ـ إن في وسع كل امرأة أن تكون كذلك.
ـ وكيف ؟
ـ إن الجهاد لأجل العقيدة درجات وألوان يا نقاء ! ولا يمكن أن تتعذر بعض درجاته وأشكاله على المرأة المسلمة في كل وقت وحين.
ـ أتظن مثلاً أني أتمكن أن أجاهد في سبيل عقيدتي وإيماني ؟
--------------------------------------------------------------------------------
( 114 )
ـ نعم ... وتتمكنين بسهولة ، فإن صمودك عن الاغراءات ، وثباتك أمام التيارات ، ودفعك كلام الباطل بالحق ، أمرك بالمعروف ونهيك عن المنكر ، يعتبر جهاداً عند عجزك عن القيام بما هو أكثر من ذلك ، بل أن جهاد النفس هو من أقدس وأكمل ألوان الجهاد كما قال بذلك الامام أمير المؤمنين ( عليه السلام ) تطهير النية من الفساد أشد على العاملين من طول الجهاد.
وهنا ارتفع صوت المؤذن يتردد في أنحاء الجامع هاتفاً هتافه الخالد : « الله أكبر ... ».
--------------------------------------------------------------------------------
( 115 )
الفصل الثاني عشر
كان موعد سفر إبراهيم قد تحدد في صباح يوم الأربعاء ، ولم يكن قد بقي على رحيله سوى يومين ، ومنذ أيام مضت لم تعد سعاد تتصل بنقاء ، لكنها في صباح ذلك اليوم اتصلت بها تلفونياً بحجة أنها كانت عند الخياطة ، وقد كلفتها أن تخبر نقاء بطلب حضورها لعمل ( البروفة ) فشكرتها نقاء ولم تزد على ذلك ، ولكن سعاد قالت لها أنها سوف تذهب مبكرة للخياطة ، وهي مستعدة لاصطحابها معها ، فلم يسع نقاء إلا أن ترد عليها بأنها لا تتمكن أن تذهب خلال هذين اليومين لأجل قرب موعد سفر إبراهيم . واهتمت سعاد بالخبر واستفهمت منها عن موعد السفر وساعته.. ثم كررت عليها استعدادها لايصالها إلى الخياطة في أي وقت رغبت ، وأنهت المكالمة... انتبهت نقاء إلى أن حكاية الخياطة لم تكن سوى ذريعة لاتصال سعاد بها ، فقد كانت الخياطة تتصل بها تلفونياً في كل مرة لتطلب حضورها عندها ، ولكنها كانت في شغل عن التفكير في سعاد وما يدور حولها.. وفي صباح يوم الأربعاء استيقظت نقاء بعد ليلة لم تنم منها إلا القليل ،
--------------------------------------------------------------------------------
( 116 )
وتناولت فطورها على عجل ، وأخذت تستعد للذهاب إلى المطار ، وفي تمام الساعة الثامنة والنصف وصل إبراهيم ليصحبها معه إلى المطار ، فقد اتفقوا على أن تذهب إلى المطار بصحبة إبراهيم ، ويلتحق بها أبوها هناك ، لتعود معه إلى البيت . وركبت السيارة إلى جوار إبراهيم ، وهي ساكتة مطرقة تتحاشى نظرات إبراهيم كي لا يقرأ ما يعتلج في قلبها من أحاسيس ولم تشأ أن تتكلم لئلا يخرج صوتها متهدجاً... وشعرت أن إبراهيم يلتفت إليها بين حين وحين... ويحاول تسليتها بأحاديث عن المستقبل وعهد اللقاء السعيد... وفي المطار كانت تبذل جهداً كبيراً كي تخفي عن إبراهيم ما تعانيه من آلام الوداع ، وظنت أنها نجحت في ذلك ، إلا أن إبراهيم لم يغب عنه ما تقاسي منه نقاء ، فقد قال لها بعد الوداع :
ـ أنا أعرف أنك تبذلين جهداً كبيراً لأجلي يا نقاء ، وهذا ما سوف يجعلني وجلاً عليك ، ولكن تصبري واجهدي في الدعاء لنا بالتوفيق ، وتذكري عودتي ، وافرحي لساعة اللقاء. تصوري أن لديك عزيزاً طال به السفر ، وسوف يعود بعد أشهر ثلاث ، لا تفكري أن هذا بداية الفراق ، بل فكري أن اللقاء سوف يكون قريباً بإذن الله.
شعرت نقاء وهي ترى إبراهيم يصعد سلم الطائرة... إنها سوف تضعف أمام ضغط انفعالاتها ، وكادت أن تسقط
--------------------------------------------------------------------------------
( 117 )
لولا أن يداً رحيمة قد أسندتها من الخلف ، ولم تحاول أن تلتفت لترى من يكون هذا الذي أسندها إلى صدره ، فقد عرفت أنه أبوها لا أحد غيره... وأجلسها أبوها على أحد الكراسي لمدة وجيزة ، ثم صحبها إلى خارج المطار ، وكانت تستند على ساعد أبيها ، وهي تسحب قدميها بتعب وإعياء... ساعدها أبوها على ركوب السيارة وتوجه معها نحو الدار ، وفي الطريق شعر أبوها أنها تعاني الكثير من سفر إبراهيم ، فحاول أن يتكلم في أي شيء ، لكي يخرج بها عن بعض أفكارها وانفعالاتها ، فقال :
ـ كان هناك في خارج المطار رجل فضولي وكان همه منحصراً في إلقاء النظرات على الرائحين والغادرين ، وقد لاحظت أنه كان يطيل النظر الى السيدات.
ولم تتمكن نقاء أن تتجاهل كلام أبيها فردت عليه قائلة :
ـ إن الدنيا تزخر بأمثال هذا الرجل من التافهين الفضوليين وما الذي يعنينا منه يا أبتاه ؟.
ـ لا شيء مطلقاً ولكن نظراته أزعجتني كثيراً.
ـ إن نظراته لم ولن تؤثر علينا يا أبتاه ، فمن حقه أن نرثي لأجله ، لا أن ننزعج منه ، فأمثال هذا من الرجال هم أجدر البشر بالرثاء ، إذ يحرمون شبابهم ويبددون طاقاتهم بأفعالهم الصبيانية.
--------------------------------------------------------------------------------
( 118 )
ولكنهم لا يشعرون بالهاوية التي يجرهم إليها هذا السلوك.
ـ نعم أنه مخدوعون.
واكتفت نقاء بهذا القدر من الكلام ، فلم تزد شيئاً. وفي البيت كانت أمها تنتظرها بفارغ صبر ، فألقت بنفسها في أحضان أمها ، وهناك فقد أطلقت لدموعها العنان...
:27: :24:
الفصل الثالث عشر
أما سعاد فقد ألقت سماعة التلفون بعد محادثتها الأخيرة مع نقاء ، وبعد أن استوثقت من سفر إبراهيم . وعرفت ساعة سفره ، فركت يدها بغبطة ، وهي تقول : سوف أبدأ محاولتي الناجحة... نعم ، سوف أبدأها في أول فرصة من سفر إبراهيم صاحب المثل والمفاهيم... ولم تشأ ان تخرج ذلك الصباح ، بل عكفت في دارها تقلب خطتها على جميع الوجوه حتى استوثقت أخيراً من استكمال حلقاتها وعند الظهر تناولت طعامها مع محمود ، وعلى المائدة قالت وكأنها تذكرت أمراً :
ـ معذرة أنا لم أحدثك بتطورات الموقف يا محمود ...
ـ وأي موقف هو هذا يا سعاد ؟!.
ـ الصراع القائم بين سعيد والممثل.
ـ آه ... حول تلك الغادة الحسناء ؟
ـ نعم حولها .
ـ ما الذي جد في الأمر يا سعاد ؟
ـ إنهما لا يزالان يتباريان ...
--------------------------------------------------------------------------------
( 120 )
يا لها من مقامرة ماهرة ... إنها تعرف كيف تكسب الرجل الذي يحمل إليها أكثر مقدار ممكن من المال ، تصور أنها الآن تتظاهر بمصادقة رجل كهل ، لكي تغيظ هذين الشابين وتزيد حماسهما إندفاعاً.
ـ كيف ومن أين لك هذه المعلومات وأنا لا أرى لهذه الفتاة أثراً ولا خبراً في أي حفلة من الحفلات أو أي منتزه من المنتزهات ؟!
ـ وما يدريك يا محمود ، فلعلك رأيتها ولم تعرفها ، فهي تظهر بمختلف الأزياء ، فتارة هي محافظة وقورة تلبس الطرحة وتلتفع بمعطف أسود.. وتارة هي غانية لعوب ترود الحفلات وتحي السهرات. وأنا لا أكاد أشخصها حتى الآن ، ولكني عرفت أنها سوف تذهب إلى المطار صباح يوم الأربعاء في الساعة التاسعة لموادعة إحدى صديقاتها ، فإذا أمكنني الذهاب إلى هناك فسوف أتمكن من التعرف عليها بلا ريب...
ـ وكيف يمكنك ذلك وسط مجموعة النساء اللاتي يعج بهن المطار ؟!
ـ أنا أعلم أنها بيضاء شقراء عسلية العينين ، بيضوية الوجه ، متوسطة الطول ، رشيقة القوام ، ثم إن لديها خالاً أسود فوق رقبتها من الجهة اليمنى ، وسوف يدلني هذا عليها بدون شك ... هذا إذا كانت سافرة . وأما إذا كانت في
--------------------------------------------------------------------------------
( 121 )
مسموح المحافظات ، فإن زيها أحسن دليل يدليني عليها ، وأغلب الظن أنها ستكون كذلك بلا ريب إن صاحبها الكهل ، سوف يصحبها إلى هناك ... وهي تكثر الظهور بهذا الزي التنكري ما دامت معه.
واكتفت سعاد بهذا القدر من الكلام في هذه المرة ، فأتمت غذاءها على عجل ، وتوجهت نحو غرفتها ، وما أن أوصدت خلفها الباب ، حتى تمتمت قائلة : سوف أتظاهر يوم الأربعاء بالمرض ، وسوف لن أخرج من البيت لأدع له المجال في الذهاب إلى هناك . هو لا يعرف أباها مطلقاً ، ولذلك فسوف يصدق ما قلته له عن وجود صاحب لها ، كهل ، فهي سوف تذهب إلى المطار مع إبراهيم في الساعة الثامنة والنصف كما أخبرتني ، والطائرة سوف تقلع في تمام التاسعة ، ولابد أنها سوف ترجع مع أبيها إلى البيت...
ثم ألقت سعاد بنفسها على السرير ، وأطلقت لفكرها العنان ... فكرت أنها قد أقدمت على مغامرة طائشة ، قد تفقد من ورائها محمود ، ولكن سرعان ما عادت تقول : إن محمود لن يتحرر من نفوذي عليه ، فأنا بالنسبة إليه أكثر من زوجة ، وأكثر من معشوقة ... أنا موجه له ومرشدة ، أنا التي سكبت فيه روحاً من روحي ، وبعثت في رأسه جميع أفكاري وآرائي ، أنه لم يكن سوى رجل تافه خامل قبل أن ألقي شباكي عليه ، فهو صنعية يدي في هذا الباب ، ثم إنه
--------------------------------------------------------------------------------
( 122 )
دائب على تتبع الغواني ، وترصد الفاتنات ، فما الذي يؤثر عليّ إذا كانت إحداهن نقاء... إنه سادر في طيشه ، منساق وراء نزواته ، سواءاً مع هذه أو تلك ، ولديه من أساليب الاغراء أقواها أثراً وأرسخها أساساً ، وهو المال معبود الملايين...
وفعلاً فقد نفذت خطتها كاملة ، فتظاهرت بالمرض في صباح يوم الأربعاء ، وأظهرت أمام زوجها أسفها لعدم تمكنها من الذهاب إلى المطار ، والتعرف على تلك الفتاة ، وشعرت أن محمود قد أكثر من التأنق في ذلك الصباح ... وفي الساعة الثامنة الدقيقة الخامسة والعشرين ، خرج محمود من الدار ، وألقت عليه سعاد نظرة من نافذتها ، وهو يستقل سيارته ، وتمتمت تقول : إنك حريص جداً على تحديد المواعيد ، إذهب إلى حيث بعثتك يا محمود ! ولتكن سيارتك الفارهة هذه أول أحابيل إغرائك ... ولم تتمكن سعاد من الخروج ، لئلاً يعود محمود قبلها فلا يجدها في الدار ، وفعلاً فقد عاد محمود في التاسعة والنصف وذهب إلى غرفته رأساً ولم يخرج منها إلا إلى غرفة المائدة ، وتناولت سعاد الغداء معه فعرفت أنه في سبيل إيجاد أحسن طريقة يستحوذ بها على تلك الفتاة.
------------------------------------------------------------------------------
الفصل الرابع عشر
مر يومان على سفر إبراهيم ، ولم تخرج نقاء من الدار ، وفي صباح اليوم الثالث صممت على أن تذهب لزيارة خالة إبراهيم ، التي ربته وأنشأته ، وكانت له بمثابة الأم ، وعند الباب أبصرت سعاد وهي تترجل من سيارتها أمام البيت ، فلم يسعها إلا أن تقف لتستقبلها ، وكان لقاء سعاد لها ودوداً حاراً ... ولما عرضت عليها الدخول إلى الدار ، قالت : أنها تود لو تجلس قليلاً في الحديقة ، وفي ظل إحدى الشجيرات ... وفهمت أن سعاد تحاول الانفراد بها دون خالتها ، ولكنها لم يسعها أن تمتنع من ذلك ، وعزمت على أن تذهب لتستدعي أمها بعد قليل ، ولكن سعاد لم تتطرق إلى ابراهيم وسفره إلا بكلمات قصيرة ، وكان حديثها يدور حول أمور شتى بعيدة عن إبراهيم ، ولهذا لم تجد نقاء أي داع لطلب حضور أمها وهي تعلم أنها تنفر من سعاد وتتحاشاها.. تحدثت سعاد عن حرصها الشديد على التنزه وهي راجلة في كل صباح .. ثم سكتتت لحظة تنتظر تعليقاً من نقاء على كلامها ، ولكنها لم تعلق بشيء ، فلم تر بداً من أن تسألها قائلة :
--------------------------------------------------------------------------------
( 124 )
ـ وأنت يا نقاء ! ألا يسمح لك بالتنزه للترفيه عنك في بعض الأيام ؟...
وآلم نقاء أن تكون جميع كلمات سعاد مسمومة... ولم تر بداً من أن تجيبها وهي تتعمد اللامبالاة.
ـ وقد أقصد منتزه الجمهورية ، أو حدائق الغوطة.
وتظاهرت سعاد بالاستغراب ، وقالت :
ـ آه ، إذن أنت لا تتعدين هذين المكانين ؟
ـ لا ، مطلقاً.
ـ وهل كان إبراهيم يصحبك إلى هناك ... أقصد أيسمح لك إبراهيم بذلك ؟
ـ أما مع إبراهيم كنت أذهب إلى كل مكان يراه مناسباً لي.
ـ إذن أنت وحدك تذهبين إلى هذين المكانين ؟
ـ نعم ... أو مع أبي.
ـ أو تذهبين وحدك يا نقاء ؟!
ـ نعم بعد أن يأذن لي إبراهيم !
ـ كنت أظن أن تقاليدك تمنعك من ذلك.
ـ إن الآداب التي تعتبرينها تقاليد ، لا تقيد الحريات المهذبة ، وإنما تشترط في كل ذلك أن يكون في إطار ديني ، وأن لا يخرج عن حدود الآداب الاسلامية ... ولي من
--------------------------------------------------------------------------------
( 125 )
عقيدتي ومبدأي ما يقيني كل سوء ، ويدفع عني كل شر.
ـ وكيف تقضين أوقاتك هناك وأنت وحيدة بين مئات من الناس ؟
ـ إن من عادتي أن أعتزل المنطقة المزدحمة ، وأختار لي ركناً قصياً ، وأصحب معي آثر كتاب عندي ، فإن المطالعة هناك تحلو لي كثيراً..
فتأوهت سعاد وكأنها تستمع إلى كلام ذي شجون وقالت بصوت يفطر أسى ومرارة :
ـ يا له من ظلم فظيع ... أمثلك تعتزل المجتمع وتعيش على هامش الحياة ؟ أتكون محاسنك هذه رهناً للمعطف والطرحة السوداء ، وتكون أفكارك الفتية مدفونة بين صفحات كتاب ؟ إن أسفي عليك لا يكاد ينقضي يا نقاء ! فأنت جديرة باحتلال عرش ملكات الجمال . حقاً أن الماس ليبدو غريباً إلا على جيدك العاجي ... أنا على ثقة من أنك لا تزالين تجهلين حقيقة جمالك وروعته ، فالفتاة الصغيرة لا تشعر بواقع جمالها إلا إذا استمعت إليه من أفواه الرجال ، فهم أخبر ما يكونون بأنواع الجمال ، إن حياة المرأة تبدأ عندما تشعر أن ألوفاً من القلوب أخذت تحوم حولها. فما دامت الفتاة مغلفة بالأبراد ، فهي لن تتمكن أن تعرف لأنوثتها طعاماً ، أو تشعر لجمالها لذة ... أنت مظلومة يا نقاء ! فها أنت تقبعين هنا في عزلتك هذه ، في الوقت الذي يتنقل
--------------------------------------------------------------------------------
( 126 )
فيه إبراهيم حراً طليقاً في ربوع فرنسا ... أنت تتجنبين رجال بلدك ، وإبراهيم يتقلب في أحضان غانيات باريس...
قالت نقاء :
ـ أية حياة هذه التي تتحدثين عنها يا سعاد ؟! ومتى كانت غرائز الرجال هي المحور في تهديد شخصية الفتاة ؟ إن غرائز الرجال تتمكن أن تقيم جانباً واحداً من جوانب وجودها فقط وهو الجانب المادي ! هذا الجانب الذي لا يمكن أن يكتب له الاستمرار بصورة ثابتة في حياة الفتاة ، ولهذا فإن الكيان الذي تصل إليه الفتاة في مسيرة حياتها نتيجة حكم غرائز الرجال عليها محدود الأمد والنمو والكيان الذي تحققه الفتاة لنفسها عن طريق حكم العقول والأفكار ، هو الطريق الثابت القابل للتصاعد والتقدم نتيجة تصاعد الأسباب التي دعت إليه ، والدين هو المنار الذي يهدي السائرات إلى تحقيق وجودهن على أساس هذا الواقع الثابت المستقيم ، إنني لست مظلومة ، ولكن الفتاة التي تفتقد أنوثتها وكرامتها وتستحيل إلى سلعة مقروضة يختارها الرجل تارة ويبذها أخرى .. مظلومة يا سعاد ...! إنني لست أسيرة وإنني حرة في جميع تصرفاتي ، لا أخضع لأحد فيها سوى الله عز وجل ، ولكن الأسيرة تلك التي يتلاعب بمقدورات وجودها واضع موضة ، أو مصمم زي من الأزياء ، أو مقترح صبغ من أصباغ الوجه والكفين ، أما الآن فأنني سأذهب لأستدعي أمي ، فقد ظننت أنك لن
--------------------------------------------------------------------------------
( 127 )
تتطرقي إلى أمثال هذه المواضع ... أما الآن فقد وجب حضور أمي.
ولكن سعاد سارعت بالنهوض أيضاً وهي تقول :
ـ ولكني آسفة يا نقاء ...! فقد حان وقت عودتي إلى البيت ، فإن لدي ضيوفاً ولابد أنه قادمون بعد قليل.
فلم ترد عليها نقاء ولم تحاول أن تستبقيها ، بل ظلت واقفة وقد اصطبغ وجهها بحمرة قانية ، فقد ودت لو أن سعاد لم تكن ضيفتها أو قريبتها ، إذن لعرفت كيف تتصرف معها.
ولهذا فقد انصرفت سعاد بسرعة ، وحرصت على أن تجتمع مع محمود في ذلك اليوم ، وأن تشير أمامه إلى أن الفتاة التي يحوم الصراع حولها ، تتردد على منتزه الجمهورية ، أو حدائق الغوطة ، وإنها لا تتعدى هذين المكانين ما دامت لم تصل إلى اختيار واحد من الاثنين ... ومنذ ذلك اليوم كان محمود يتنقل بين هذين المكانين ، وكله عيون تتطلع ليجد ضالته بين الحسان ، بعد أن رآها وعرفها في المطار ، وقد توطد أمله بالفوز بها بعد أن رآها في صحبة أبيها الذي صورته له سعاد بصورة صديق أو خليل وعزا ذلك إلى أن مصاحبتها لهذا الرجل الكهل ، لم تكن إلا لأجل المال ، وهو يملك المال والشباب ... ومرة رآها في ركن قصي من المنتزه ، وكان معها
--------------------------------------------------------------------------------
( 128 )
نفس الرجل الكهل ، فلم يشأ أن يتقرب نحوها ، واستمر ينتظر فرصة أخرى في يوم ما . .
-----------------------------------------------------------------------------------
:24: الفصل الخامس عشر
كانت نقاء تتلقى في نهاية كل أسبوع رسالة من إبراهيم ، وكانت رسائله مسهبة مفصلة ، يحدثها فيها عن أعماله وأحواله وعن أفكاره ومشاعره ، وهي مليئة بكلمات الحب ، نابضة بعبارات الاخلاص والوفاء ، ولم تكن نقاء تتوانى عن الرد ، فهي تكتب في يوم وصول رسالته إليها وتحدثه أيضاً عن أحوالها ، وما يجد في حياتها ، كما أنها كانت تحاول أن تبعث فيه بكلماتها العاطفية العذبة ، روح المقاومة على الفراق ... وكانت تقضي أيام الأسبوع وهي تعيش على رسالة إبراهيم ، تعيد قراءتها مرة ومرة ، وتعد كلماتها باتقان ، ثم تعود لتعد حروفها أيضاً ، وعندما كانت تشعر بوحشة ممضة ، كانت تقصد المنتزه لترفه عن نفسها في الهواء الطلق... وفي مرة كانت تجلس في ركنها المنعزل من المنتزه ، وهي منهمكة في مطالعة رواية معربة لفيكتور هيجو ، أحست أن وراءها من يتطلع نحوها ، ونحو الكتاب الذي تقرأ فيه ، ولكنها رأت أن من الحكمة أن لا تلقي بالاً إلى هذا المتطفل أياً كان ، ولهذا فلم ترفع رأسها عن الكتاب ، وفجأة شعرت
--------------------------------------------------------------------------------
( 130 )
أن كرسياً قد وضع قريباً من الكرسي الذي تجلس عليه ، ولم تلتفت كذلك ، فقد كانت هذه هي طريقتها دائماً في تجاهل الفضوليين ، وبعد برهة وجيزة أقبل الساقي ليسألها إذا كانت تطلب شيئاً ، فرفعت رأسها وقالت : أنها تطلب كأساً من عصير الليمون . وذهب الساقي ليأتي بما طلبت ، ولكن صوتاً غريباً ارتفع من الجالس على الكرسي القريب منها ، وهو يقول :
ـ أرى أن الأنسة تفضل شراب الليمون..
فالتفتت نحو مصدر الصوت لترى شاباً قد اتخذ له مجلساً على كرسي هناك ، وهالها منه هذه الميوعة التي كانت تبدو واضحة عليه ولم تر بداً من أن تجيب قائلة : نعم ... ولم تزد على ذلك ، وهمت أن تنهض لتنصرف ، ولكنها لاحظت أنها مقيدة أدبياً بانتظار الساقي. فتململت في جلستها وعادت تقرأ ، ولكن الرجل المتطفل لم يكن ليهزم بهذه السرعة ، ولم يخطر بباله سوى أنها أساليب إغراء ، فأردف يقول :
ـ وما هذا الكتاب الذي استحوذ عليك يا أنسة ؟!.
ولم تشأ أن تجيبه ، ولكنه كرر سؤاله ثانية وثالثة.. فلم تر من اللياقة أن تبقى أسئلته المتكررة بدون جواب... فأجابته في برودة قائلة :
ـ إنه « عاصفة وقلب » لهيجو.
--------------------------------------------------------------------------------
( 131 )
ولم يفهم محمود لكلماتها معنى ، فهو لم يقرأ أي كتاب لهيجو ، بل ولم يكن يعرف أي شيء عن أسلوبه في الكتابة ، ولذلك فهو لم يقع في جوابها إلا على كلمة « عاصفة وقلب » فأرسل آهة قصيرة ثم قال :
ـ إن أروع القصص هي قصة القلوب... نعم ، القلوب الخفاقة بالحب ، الناضحة بالوجد ، إن أقدس شيء في الحياة هو الحب يا أنستي العزيزة.
وأزعجت نقاء هذه الكلمات ، وردت عليه ، وكأنها تحدث نفسها قائلة :
ـ إن أقدس شيء في الحياة هو المبدأ ، وأعز شيء هو الدين والعقيدة.
وظنت أنها قد تخلصت بجوابها هذا من مضايقة محدثها المتطفل وأنه سوف يعرف أن أهدافه لن تصيب عندها مرمى ، ولكن محمود لم يكن لتهمه هذه الألفاظ ، وهو يظنها رياءاً وخداعاً ، وساءه أن تكون فاتنته قد اختارت أن تلعب معه هذه اللعبة ، فتضاحك وهو يقول :
ـ إن الحب والمال هما العنصران الاساسيان في الحياة ... فلا حب بلا مال ، ولا مال بلا حب ... فأنا مثلاً لدي من المال الشيء الكثير ولكني ما زلت أسعى وراء الحب ، إن الذهب الذي بين يدي حائر يفتش عمن يتهاوى على قدميها.
--------------------------------------------------------------------------------
( 132 )
وهنا لم يسع نقاء إلا أن تنهض سواء أجاء الساقي أو لم يجيء ، فانتفضت واقفة وهي تقول :
ـ إنك على خطأ فظيع ، فإن المال الذي تضعه أنت قبل كل شيء وفوق كل شيء ، ما هو في الواقع غير خديعة وسراب قد يتلاشى في لمحة عين ، فلا يخلف وراءه غير الحسرة والندم ... ولكن الشيء الوحيد الذي هو فوق كل شيء وقبل كل شيء هو الكرامة ... نعم كرامة الانسان ... ولا تكتسب هذه عن طريق مال أو ثروة... ومن يفلس منها فقد أفلس من كل شيء...
قالت نقاء هذا وأخذت طريقها نحو الخروج... ولم ييأس محمود بل زاده هذا اللقاء رغبة واندفاعاً ، وتمتم قائلاً وهو يراها تبتعد عنه : حقاً أنها لعنيدة ماكرة ، ولكني سوف أعرف كيف أكشفها على حقيقتها ... ثم نهض وتوجه نحو الخارج وقرب سيارته نحو باب المنتزه ثم ترجل منها ووقف إلى جوارها وعيناه شاخصتان إلى الباب ... فقد كان يعلم أن نقاء لم تخرج بعد وقد رآها تدفع ثمن العصير ، ثم خرجت فتقدم نحوها خطوات ، ولكنها تجاهلته واتجهت إلى الناحية الأخرى ، وكاد أن يناديها ليعرض عليها إرجاعها إلى البيت ، ولكن شيئاً ما في مشيتها وتجاهلها له منعه من أن يقوم بأي عمل صبياني ... فتراجع نحو سيارته وهو يقول : أنها رأت السيارة ولا ريب ، وسوف يأتي اليوم الذي تطلب
--------------------------------------------------------------------------------
( 133 )
هي فيه أن تستقلها إلى جواري ، أما الآن فإن عليّ أن أتبعها لأعرف بيتها الذي تسكن فيه . وكانت نقاء قد توجهت إلى « الأمانة » واستقلتها ، وأسرع محمود بسيارته خلف السيارة التي كانت فيها نقاء ، وحرص جداً أن لا يفوته تعقبها من بين باقي السيارات ، وفي أحد الشوارع وقفت السيارة التي كان يتبعها ونزلت منها نقاء فدلفت إلى أحد البيوت ، فأوقف محمود سيارته ، ونزل ليرى رقم البيت حتى يسهل التعرف عليه فيما بعد ، ولكنه فوجيء بلوحة تحمل إسم أحدى الخياطات الشهيرات ، فعلم أنها زبون لهذه الخياطة ، فشعر بالخيبة ولم يسعه إلا أن يعود بسيارته من حيث أتى ، وقد كانت نقاء قد خمنت ذلك ، ولهذا لم تشأ أن تذهب إلى البيت لئلا يتبعها هذا الرجل الفضولي إلى هناك.
--------------------------------------------------------------------
سأحاول إدراج القصة كاملة هذه الليلة أنشا الله :27:
الفصل الثالث عشر
أما سعاد فقد ألقت سماعة التلفون بعد محادثتها الأخيرة مع نقاء ، وبعد أن استوثقت من سفر إبراهيم . وعرفت ساعة سفره ، فركت يدها بغبطة ، وهي تقول : سوف أبدأ محاولتي الناجحة... نعم ، سوف أبدأها في أول فرصة من سفر إبراهيم صاحب المثل والمفاهيم... ولم تشأ ان تخرج ذلك الصباح ، بل عكفت في دارها تقلب خطتها على جميع الوجوه حتى استوثقت أخيراً من استكمال حلقاتها وعند الظهر تناولت طعامها مع محمود ، وعلى المائدة قالت وكأنها تذكرت أمراً :
ـ معذرة أنا لم أحدثك بتطورات الموقف يا محمود ...
ـ وأي موقف هو هذا يا سعاد ؟!.
ـ الصراع القائم بين سعيد والممثل.
ـ آه ... حول تلك الغادة الحسناء ؟
ـ نعم حولها .
ـ ما الذي جد في الأمر يا سعاد ؟
ـ إنهما لا يزالان يتباريان ...
--------------------------------------------------------------------------------
( 120 )
يا لها من مقامرة ماهرة ... إنها تعرف كيف تكسب الرجل الذي يحمل إليها أكثر مقدار ممكن من المال ، تصور أنها الآن تتظاهر بمصادقة رجل كهل ، لكي تغيظ هذين الشابين وتزيد حماسهما إندفاعاً.
ـ كيف ومن أين لك هذه المعلومات وأنا لا أرى لهذه الفتاة أثراً ولا خبراً في أي حفلة من الحفلات أو أي منتزه من المنتزهات ؟!
ـ وما يدريك يا محمود ، فلعلك رأيتها ولم تعرفها ، فهي تظهر بمختلف الأزياء ، فتارة هي محافظة وقورة تلبس الطرحة وتلتفع بمعطف أسود.. وتارة هي غانية لعوب ترود الحفلات وتحي السهرات. وأنا لا أكاد أشخصها حتى الآن ، ولكني عرفت أنها سوف تذهب إلى المطار صباح يوم الأربعاء في الساعة التاسعة لموادعة إحدى صديقاتها ، فإذا أمكنني الذهاب إلى هناك فسوف أتمكن من التعرف عليها بلا ريب...
ـ وكيف يمكنك ذلك وسط مجموعة النساء اللاتي يعج بهن المطار ؟!
ـ أنا أعلم أنها بيضاء شقراء عسلية العينين ، بيضوية الوجه ، متوسطة الطول ، رشيقة القوام ، ثم إن لديها خالاً أسود فوق رقبتها من الجهة اليمنى ، وسوف يدلني هذا عليها بدون شك ... هذا إذا كانت سافرة . وأما إذا كانت في
--------------------------------------------------------------------------------
( 121 )
مسموح المحافظات ، فإن زيها أحسن دليل يدليني عليها ، وأغلب الظن أنها ستكون كذلك بلا ريب إن صاحبها الكهل ، سوف يصحبها إلى هناك ... وهي تكثر الظهور بهذا الزي التنكري ما دامت معه.
واكتفت سعاد بهذا القدر من الكلام في هذه المرة ، فأتمت غذاءها على عجل ، وتوجهت نحو غرفتها ، وما أن أوصدت خلفها الباب ، حتى تمتمت قائلة : سوف أتظاهر يوم الأربعاء بالمرض ، وسوف لن أخرج من البيت لأدع له المجال في الذهاب إلى هناك . هو لا يعرف أباها مطلقاً ، ولذلك فسوف يصدق ما قلته له عن وجود صاحب لها ، كهل ، فهي سوف تذهب إلى المطار مع إبراهيم في الساعة الثامنة والنصف كما أخبرتني ، والطائرة سوف تقلع في تمام التاسعة ، ولابد أنها سوف ترجع مع أبيها إلى البيت...
ثم ألقت سعاد بنفسها على السرير ، وأطلقت لفكرها العنان ... فكرت أنها قد أقدمت على مغامرة طائشة ، قد تفقد من ورائها محمود ، ولكن سرعان ما عادت تقول : إن محمود لن يتحرر من نفوذي عليه ، فأنا بالنسبة إليه أكثر من زوجة ، وأكثر من معشوقة ... أنا موجه له ومرشدة ، أنا التي سكبت فيه روحاً من روحي ، وبعثت في رأسه جميع أفكاري وآرائي ، أنه لم يكن سوى رجل تافه خامل قبل أن ألقي شباكي عليه ، فهو صنعية يدي في هذا الباب ، ثم إنه
--------------------------------------------------------------------------------
( 122 )
دائب على تتبع الغواني ، وترصد الفاتنات ، فما الذي يؤثر عليّ إذا كانت إحداهن نقاء... إنه سادر في طيشه ، منساق وراء نزواته ، سواءاً مع هذه أو تلك ، ولديه من أساليب الاغراء أقواها أثراً وأرسخها أساساً ، وهو المال معبود الملايين...
وفعلاً فقد نفذت خطتها كاملة ، فتظاهرت بالمرض في صباح يوم الأربعاء ، وأظهرت أمام زوجها أسفها لعدم تمكنها من الذهاب إلى المطار ، والتعرف على تلك الفتاة ، وشعرت أن محمود قد أكثر من التأنق في ذلك الصباح ... وفي الساعة الثامنة الدقيقة الخامسة والعشرين ، خرج محمود من الدار ، وألقت عليه سعاد نظرة من نافذتها ، وهو يستقل سيارته ، وتمتمت تقول : إنك حريص جداً على تحديد المواعيد ، إذهب إلى حيث بعثتك يا محمود ! ولتكن سيارتك الفارهة هذه أول أحابيل إغرائك ... ولم تتمكن سعاد من الخروج ، لئلاً يعود محمود قبلها فلا يجدها في الدار ، وفعلاً فقد عاد محمود في التاسعة والنصف وذهب إلى غرفته رأساً ولم يخرج منها إلا إلى غرفة المائدة ، وتناولت سعاد الغداء معه فعرفت أنه في سبيل إيجاد أحسن طريقة يستحوذ بها على تلك الفتاة.
------------------------------------------------------------------------------
الفصل الرابع عشر
مر يومان على سفر إبراهيم ، ولم تخرج نقاء من الدار ، وفي صباح اليوم الثالث صممت على أن تذهب لزيارة خالة إبراهيم ، التي ربته وأنشأته ، وكانت له بمثابة الأم ، وعند الباب أبصرت سعاد وهي تترجل من سيارتها أمام البيت ، فلم يسعها إلا أن تقف لتستقبلها ، وكان لقاء سعاد لها ودوداً حاراً ... ولما عرضت عليها الدخول إلى الدار ، قالت : أنها تود لو تجلس قليلاً في الحديقة ، وفي ظل إحدى الشجيرات ... وفهمت أن سعاد تحاول الانفراد بها دون خالتها ، ولكنها لم يسعها أن تمتنع من ذلك ، وعزمت على أن تذهب لتستدعي أمها بعد قليل ، ولكن سعاد لم تتطرق إلى ابراهيم وسفره إلا بكلمات قصيرة ، وكان حديثها يدور حول أمور شتى بعيدة عن إبراهيم ، ولهذا لم تجد نقاء أي داع لطلب حضور أمها وهي تعلم أنها تنفر من سعاد وتتحاشاها.. تحدثت سعاد عن حرصها الشديد على التنزه وهي راجلة في كل صباح .. ثم سكتتت لحظة تنتظر تعليقاً من نقاء على كلامها ، ولكنها لم تعلق بشيء ، فلم تر بداً من أن تسألها قائلة :
--------------------------------------------------------------------------------
( 124 )
ـ وأنت يا نقاء ! ألا يسمح لك بالتنزه للترفيه عنك في بعض الأيام ؟...
وآلم نقاء أن تكون جميع كلمات سعاد مسمومة... ولم تر بداً من أن تجيبها وهي تتعمد اللامبالاة.
ـ وقد أقصد منتزه الجمهورية ، أو حدائق الغوطة.
وتظاهرت سعاد بالاستغراب ، وقالت :
ـ آه ، إذن أنت لا تتعدين هذين المكانين ؟
ـ لا ، مطلقاً.
ـ وهل كان إبراهيم يصحبك إلى هناك ... أقصد أيسمح لك إبراهيم بذلك ؟
ـ أما مع إبراهيم كنت أذهب إلى كل مكان يراه مناسباً لي.
ـ إذن أنت وحدك تذهبين إلى هذين المكانين ؟
ـ نعم ... أو مع أبي.
ـ أو تذهبين وحدك يا نقاء ؟!
ـ نعم بعد أن يأذن لي إبراهيم !
ـ كنت أظن أن تقاليدك تمنعك من ذلك.
ـ إن الآداب التي تعتبرينها تقاليد ، لا تقيد الحريات المهذبة ، وإنما تشترط في كل ذلك أن يكون في إطار ديني ، وأن لا يخرج عن حدود الآداب الاسلامية ... ولي من
--------------------------------------------------------------------------------
( 125 )
عقيدتي ومبدأي ما يقيني كل سوء ، ويدفع عني كل شر.
ـ وكيف تقضين أوقاتك هناك وأنت وحيدة بين مئات من الناس ؟
ـ إن من عادتي أن أعتزل المنطقة المزدحمة ، وأختار لي ركناً قصياً ، وأصحب معي آثر كتاب عندي ، فإن المطالعة هناك تحلو لي كثيراً..
فتأوهت سعاد وكأنها تستمع إلى كلام ذي شجون وقالت بصوت يفطر أسى ومرارة :
ـ يا له من ظلم فظيع ... أمثلك تعتزل المجتمع وتعيش على هامش الحياة ؟ أتكون محاسنك هذه رهناً للمعطف والطرحة السوداء ، وتكون أفكارك الفتية مدفونة بين صفحات كتاب ؟ إن أسفي عليك لا يكاد ينقضي يا نقاء ! فأنت جديرة باحتلال عرش ملكات الجمال . حقاً أن الماس ليبدو غريباً إلا على جيدك العاجي ... أنا على ثقة من أنك لا تزالين تجهلين حقيقة جمالك وروعته ، فالفتاة الصغيرة لا تشعر بواقع جمالها إلا إذا استمعت إليه من أفواه الرجال ، فهم أخبر ما يكونون بأنواع الجمال ، إن حياة المرأة تبدأ عندما تشعر أن ألوفاً من القلوب أخذت تحوم حولها. فما دامت الفتاة مغلفة بالأبراد ، فهي لن تتمكن أن تعرف لأنوثتها طعاماً ، أو تشعر لجمالها لذة ... أنت مظلومة يا نقاء ! فها أنت تقبعين هنا في عزلتك هذه ، في الوقت الذي يتنقل
--------------------------------------------------------------------------------
( 126 )
فيه إبراهيم حراً طليقاً في ربوع فرنسا ... أنت تتجنبين رجال بلدك ، وإبراهيم يتقلب في أحضان غانيات باريس...
قالت نقاء :
ـ أية حياة هذه التي تتحدثين عنها يا سعاد ؟! ومتى كانت غرائز الرجال هي المحور في تهديد شخصية الفتاة ؟ إن غرائز الرجال تتمكن أن تقيم جانباً واحداً من جوانب وجودها فقط وهو الجانب المادي ! هذا الجانب الذي لا يمكن أن يكتب له الاستمرار بصورة ثابتة في حياة الفتاة ، ولهذا فإن الكيان الذي تصل إليه الفتاة في مسيرة حياتها نتيجة حكم غرائز الرجال عليها محدود الأمد والنمو والكيان الذي تحققه الفتاة لنفسها عن طريق حكم العقول والأفكار ، هو الطريق الثابت القابل للتصاعد والتقدم نتيجة تصاعد الأسباب التي دعت إليه ، والدين هو المنار الذي يهدي السائرات إلى تحقيق وجودهن على أساس هذا الواقع الثابت المستقيم ، إنني لست مظلومة ، ولكن الفتاة التي تفتقد أنوثتها وكرامتها وتستحيل إلى سلعة مقروضة يختارها الرجل تارة ويبذها أخرى .. مظلومة يا سعاد ...! إنني لست أسيرة وإنني حرة في جميع تصرفاتي ، لا أخضع لأحد فيها سوى الله عز وجل ، ولكن الأسيرة تلك التي يتلاعب بمقدورات وجودها واضع موضة ، أو مصمم زي من الأزياء ، أو مقترح صبغ من أصباغ الوجه والكفين ، أما الآن فأنني سأذهب لأستدعي أمي ، فقد ظننت أنك لن
--------------------------------------------------------------------------------
( 127 )
تتطرقي إلى أمثال هذه المواضع ... أما الآن فقد وجب حضور أمي.
ولكن سعاد سارعت بالنهوض أيضاً وهي تقول :
ـ ولكني آسفة يا نقاء ...! فقد حان وقت عودتي إلى البيت ، فإن لدي ضيوفاً ولابد أنه قادمون بعد قليل.
فلم ترد عليها نقاء ولم تحاول أن تستبقيها ، بل ظلت واقفة وقد اصطبغ وجهها بحمرة قانية ، فقد ودت لو أن سعاد لم تكن ضيفتها أو قريبتها ، إذن لعرفت كيف تتصرف معها.
ولهذا فقد انصرفت سعاد بسرعة ، وحرصت على أن تجتمع مع محمود في ذلك اليوم ، وأن تشير أمامه إلى أن الفتاة التي يحوم الصراع حولها ، تتردد على منتزه الجمهورية ، أو حدائق الغوطة ، وإنها لا تتعدى هذين المكانين ما دامت لم تصل إلى اختيار واحد من الاثنين ... ومنذ ذلك اليوم كان محمود يتنقل بين هذين المكانين ، وكله عيون تتطلع ليجد ضالته بين الحسان ، بعد أن رآها وعرفها في المطار ، وقد توطد أمله بالفوز بها بعد أن رآها في صحبة أبيها الذي صورته له سعاد بصورة صديق أو خليل وعزا ذلك إلى أن مصاحبتها لهذا الرجل الكهل ، لم تكن إلا لأجل المال ، وهو يملك المال والشباب ... ومرة رآها في ركن قصي من المنتزه ، وكان معها
--------------------------------------------------------------------------------
( 128 )
نفس الرجل الكهل ، فلم يشأ أن يتقرب نحوها ، واستمر ينتظر فرصة أخرى في يوم ما . .
-----------------------------------------------------------------------------------
:24: الفصل الخامس عشر
كانت نقاء تتلقى في نهاية كل أسبوع رسالة من إبراهيم ، وكانت رسائله مسهبة مفصلة ، يحدثها فيها عن أعماله وأحواله وعن أفكاره ومشاعره ، وهي مليئة بكلمات الحب ، نابضة بعبارات الاخلاص والوفاء ، ولم تكن نقاء تتوانى عن الرد ، فهي تكتب في يوم وصول رسالته إليها وتحدثه أيضاً عن أحوالها ، وما يجد في حياتها ، كما أنها كانت تحاول أن تبعث فيه بكلماتها العاطفية العذبة ، روح المقاومة على الفراق ... وكانت تقضي أيام الأسبوع وهي تعيش على رسالة إبراهيم ، تعيد قراءتها مرة ومرة ، وتعد كلماتها باتقان ، ثم تعود لتعد حروفها أيضاً ، وعندما كانت تشعر بوحشة ممضة ، كانت تقصد المنتزه لترفه عن نفسها في الهواء الطلق... وفي مرة كانت تجلس في ركنها المنعزل من المنتزه ، وهي منهمكة في مطالعة رواية معربة لفيكتور هيجو ، أحست أن وراءها من يتطلع نحوها ، ونحو الكتاب الذي تقرأ فيه ، ولكنها رأت أن من الحكمة أن لا تلقي بالاً إلى هذا المتطفل أياً كان ، ولهذا فلم ترفع رأسها عن الكتاب ، وفجأة شعرت
--------------------------------------------------------------------------------
( 130 )
أن كرسياً قد وضع قريباً من الكرسي الذي تجلس عليه ، ولم تلتفت كذلك ، فقد كانت هذه هي طريقتها دائماً في تجاهل الفضوليين ، وبعد برهة وجيزة أقبل الساقي ليسألها إذا كانت تطلب شيئاً ، فرفعت رأسها وقالت : أنها تطلب كأساً من عصير الليمون . وذهب الساقي ليأتي بما طلبت ، ولكن صوتاً غريباً ارتفع من الجالس على الكرسي القريب منها ، وهو يقول :
ـ أرى أن الأنسة تفضل شراب الليمون..
فالتفتت نحو مصدر الصوت لترى شاباً قد اتخذ له مجلساً على كرسي هناك ، وهالها منه هذه الميوعة التي كانت تبدو واضحة عليه ولم تر بداً من أن تجيب قائلة : نعم ... ولم تزد على ذلك ، وهمت أن تنهض لتنصرف ، ولكنها لاحظت أنها مقيدة أدبياً بانتظار الساقي. فتململت في جلستها وعادت تقرأ ، ولكن الرجل المتطفل لم يكن ليهزم بهذه السرعة ، ولم يخطر بباله سوى أنها أساليب إغراء ، فأردف يقول :
ـ وما هذا الكتاب الذي استحوذ عليك يا أنسة ؟!.
ولم تشأ أن تجيبه ، ولكنه كرر سؤاله ثانية وثالثة.. فلم تر من اللياقة أن تبقى أسئلته المتكررة بدون جواب... فأجابته في برودة قائلة :
ـ إنه « عاصفة وقلب » لهيجو.
--------------------------------------------------------------------------------
( 131 )
ولم يفهم محمود لكلماتها معنى ، فهو لم يقرأ أي كتاب لهيجو ، بل ولم يكن يعرف أي شيء عن أسلوبه في الكتابة ، ولذلك فهو لم يقع في جوابها إلا على كلمة « عاصفة وقلب » فأرسل آهة قصيرة ثم قال :
ـ إن أروع القصص هي قصة القلوب... نعم ، القلوب الخفاقة بالحب ، الناضحة بالوجد ، إن أقدس شيء في الحياة هو الحب يا أنستي العزيزة.
وأزعجت نقاء هذه الكلمات ، وردت عليه ، وكأنها تحدث نفسها قائلة :
ـ إن أقدس شيء في الحياة هو المبدأ ، وأعز شيء هو الدين والعقيدة.
وظنت أنها قد تخلصت بجوابها هذا من مضايقة محدثها المتطفل وأنه سوف يعرف أن أهدافه لن تصيب عندها مرمى ، ولكن محمود لم يكن لتهمه هذه الألفاظ ، وهو يظنها رياءاً وخداعاً ، وساءه أن تكون فاتنته قد اختارت أن تلعب معه هذه اللعبة ، فتضاحك وهو يقول :
ـ إن الحب والمال هما العنصران الاساسيان في الحياة ... فلا حب بلا مال ، ولا مال بلا حب ... فأنا مثلاً لدي من المال الشيء الكثير ولكني ما زلت أسعى وراء الحب ، إن الذهب الذي بين يدي حائر يفتش عمن يتهاوى على قدميها.
--------------------------------------------------------------------------------
( 132 )
وهنا لم يسع نقاء إلا أن تنهض سواء أجاء الساقي أو لم يجيء ، فانتفضت واقفة وهي تقول :
ـ إنك على خطأ فظيع ، فإن المال الذي تضعه أنت قبل كل شيء وفوق كل شيء ، ما هو في الواقع غير خديعة وسراب قد يتلاشى في لمحة عين ، فلا يخلف وراءه غير الحسرة والندم ... ولكن الشيء الوحيد الذي هو فوق كل شيء وقبل كل شيء هو الكرامة ... نعم كرامة الانسان ... ولا تكتسب هذه عن طريق مال أو ثروة... ومن يفلس منها فقد أفلس من كل شيء...
قالت نقاء هذا وأخذت طريقها نحو الخروج... ولم ييأس محمود بل زاده هذا اللقاء رغبة واندفاعاً ، وتمتم قائلاً وهو يراها تبتعد عنه : حقاً أنها لعنيدة ماكرة ، ولكني سوف أعرف كيف أكشفها على حقيقتها ... ثم نهض وتوجه نحو الخارج وقرب سيارته نحو باب المنتزه ثم ترجل منها ووقف إلى جوارها وعيناه شاخصتان إلى الباب ... فقد كان يعلم أن نقاء لم تخرج بعد وقد رآها تدفع ثمن العصير ، ثم خرجت فتقدم نحوها خطوات ، ولكنها تجاهلته واتجهت إلى الناحية الأخرى ، وكاد أن يناديها ليعرض عليها إرجاعها إلى البيت ، ولكن شيئاً ما في مشيتها وتجاهلها له منعه من أن يقوم بأي عمل صبياني ... فتراجع نحو سيارته وهو يقول : أنها رأت السيارة ولا ريب ، وسوف يأتي اليوم الذي تطلب
--------------------------------------------------------------------------------
( 133 )
هي فيه أن تستقلها إلى جواري ، أما الآن فإن عليّ أن أتبعها لأعرف بيتها الذي تسكن فيه . وكانت نقاء قد توجهت إلى « الأمانة » واستقلتها ، وأسرع محمود بسيارته خلف السيارة التي كانت فيها نقاء ، وحرص جداً أن لا يفوته تعقبها من بين باقي السيارات ، وفي أحد الشوارع وقفت السيارة التي كان يتبعها ونزلت منها نقاء فدلفت إلى أحد البيوت ، فأوقف محمود سيارته ، ونزل ليرى رقم البيت حتى يسهل التعرف عليه فيما بعد ، ولكنه فوجيء بلوحة تحمل إسم أحدى الخياطات الشهيرات ، فعلم أنها زبون لهذه الخياطة ، فشعر بالخيبة ولم يسعه إلا أن يعود بسيارته من حيث أتى ، وقد كانت نقاء قد خمنت ذلك ، ولهذا لم تشأ أن تذهب إلى البيت لئلا يتبعها هذا الرجل الفضولي إلى هناك.
--------------------------------------------------------------------
سأحاول إدراج القصة كاملة هذه الليلة أنشا الله :27:
:24:
( 134 )
--------------------------------------------------------------------------------
( 135 )
الفصل السادس عشر
رجعت نقاء إلى البيت ، وكان في انتظارها هناك رسالة من إبراهيم ، أنستها الرجل المتطفل ، وكل ما يدور حوله ، وأمضت في قراءتها وقتاً طويلاً ... فهي كالعادة رسالة مسهبة تشرح كل شيء ، وتتناول كل موضوع ... وأحست نقاء أن إبراهيماً لا يزال قريباً منها ، فهي لم تفتقد روحه ولم تنقطع عن أفكاره ، فهذه رسائله الأسبوعية تنبض بالحياة وتصل بين قلبيهما وفكريهما ، ولا تدع لعامل من عوامل الفراق أن يقطع هذه الصلة الروحية... وفي المساء سهرت نقاء مع كتابة رسالة لإبراهيم ، ولم تنته منها إلا في ساعة متأخرة من الليل ، فآوت إلى فراشها وهي تحس بمتعة ونشاط ، وكأنها عادت من سهرة كانت تضمها مع إبراهيم ... وكان يلذ لها كثيراً أن تجلس في نهاية كل أسبوع لتحدث إبراهيم في رسالتها عن أسبوعها المنصرم وكل ما جد في حياتها خلاله . وفي الصباح ذهبت بنفسها لابراد الرسالة ، فقد كانت تحرص على انجاز هذه المهمة بنفسها في كل اسبوع ، وفي أحد الأسابيع توجهت إلى البريد لترد رسالتها الأسبوعية ، وفي طريق عودتها عرجت
--------------------------------------------------------------------------------
( 136 )
على المنتزه ، فقد كان اليوم صحواً والشمس دافئة نقية ، ودخلت المتنزه فلاحظت أنه يكاد أن يكون خالياً من الرواد لولا بعض المتنزهين توزعوا في أنحائه البعيدة ، ولذلك فلم تشأ نقاء أن تذهب إلى ركن منعزل ، فقد كان هدوء المنتزه يوحي بالوحشة ، وفكرت في أن تعود من حيث أتت ، ولكنها فطنت أن ذلك سيبدو منها حركة غريبة بعد أن لاحظ دخولها الجالسون ، فجلست وهي تشعر بقلق وحيرة ولم تكن تحمل معها كتاباً في هذه المرة ، وجاء الساقي ليسألها عن طلبها فلم تر بداً من أن تطلب إليه زجاجة من العصير ، وصممت على أن تترك المنتزه قبل أن تشربه ، ولكن بعد دفع ثمنه ، وفي تلك اللحظة سمعت وراءها صوتاً يقول :
ـ يا لها من فرصة سعيدة جمعتني بك مرة أخرى.
وكان صاحب الصوت يتقدم حتى واجهها ، فرأت إنه ذلك الرجل الفضولي الذي تطفل عليها في المرة السابقة ، فسرت رعدة خفيفة في عروقها وهزت رأسها قائلة :
ـ لعلك غلطان يا سيدي ، ثم أدارت وجهها عنه.
فقد رأت أفضل طريقة لازاحة هذا الرجل هو تجاهله التام ، ولكنه أتخذ له مجلساً بالقرب منها وضحك وهو يقول :
ـ لا أظن ذاكرتك ضعيفة إلى هذا الحد ، أما أنا قد انطبعت صورتك على شغاف قلبي منذ النظرة الأولى ، وها أنا
--------------------------------------------------------------------------------
( 137 )
مستعد لبذل روحي وثروتي التي تعد بالملايين في سبيل نظرة واحدة منك يا آنسة !.
فانتفضت نقاء غضباً ، وهمت أن تقوم فتنصرف دون أن ترد عليه ، ولكنها خشيت أن يظن فيها الضعف أو ينسب فرارها إلى الخوف فيشجعه ذلك على التعرض لها فيما بعد ، فتمالكت نفسها وقالت :
ـ الآن ذكرتك يا رجل ! فإن نغمة المادة التي تشع على كلامك تميزك عن غيرك من الرجال.
ورآى محمود أن الفرصة مواتية لكي يسترسل في بيان مقدار ثروته فقال :
ـ نعم ، أنا أقرك على هذا ... فقد انصبغت كلماتي بصبغة المال . فالثروة إذا تكاثرت بدت علاماتها واضحة على جميع تصرفات صاحبها.
وودت نقاء لو ضحكت على هذا الرجل المسكين الذي لا يملك شيئاً غير المال ، والذي يعني أن المال هو أقوى سلاح ، ولكنها لم تشأ أن تضحك أمام هذا الرجل الفضولي ، حتى ولا ضحكة استهزاء ، وشعرت أن لديها ما تقوله قبل أن تقوم ، وشعرت أيضاً أن عليها أن تقول ذلك لتفهمه أن بين بنات الاسلام من لا يغرها المال ، ولا تخدعها الثروة ، ولهذا فقد أجابته قائلة :
--------------------------------------------------------------------------------
( 138 )
ـ من المؤسف حقاً أن يصطبغ الانسان بطابع الثروة ، وأن تبدو عليه دلائلها في جميع أحواله وتصرفاته ، لأن ذلك لا يتم إلا إذا اقفرت شخصيته من جميع العلامات الأخرى.
ـ إن المال الذي يلبس شخصية صاحبه أي لبوس شاء ، ويبرزه بأي شكل رغب.
ـ أبداً فإن المال لا يتمكن أن يخلع على صاحبه أي إطار ، اللهم سوى إطار الاناقة ، وهذا هو أتفه شيء بالنسبة إلى الرجال.
وبحركة لا اختيارية رفع محمود يده نحو شعره الذي كان مصففاً بأحدث طريقة ، وكانت خصلات منه تتدلى على جبينه ، وقد دهنت وصبغت ، في الوقت الذي كان شعره الباقي يقرب من السواد ، وكأن كلمات نقاء عن إناقة الرجال وميوعتهم قد أثرت عليه دون أن يشعر ... وأحست نقاء بحركته هذه ، فاسترسلت تقول :
ـ إن الكرامة مجردة قد تجر إلى الثروة ، والاستقامة وحدها يمكن أن تأتي بالثروة ، والشخصية القوية بمفردها ربما ساقت صاحبها إلى المال ، ولكن المال وحده لا يتمكن أن يأتي بأي ميزة من هذه الميزات.
واستغرب محمود لهجة نقاء الصادقة ، وكلماتها المركزة ، وعجب أن يبلغ الرياء بهذه الفتاة هذا المبلغ ، وتردد لحظة قبل أن يرد قائلاً :
--------------------------------------------------------------------------------
( 139 )
ـ أنت تتحدثين بأسلوب غريب لا ينطبق وشخصيتك.
وهنا تلكأ محمود قبل أن يردف كلمة شخصيتك بكلمة الفاتنة ، ولم يستطع أن يفهم سبباً لهذا التردد ، وهو يحدث فتاة معروضة للمساومة حسب ما كان يعتقد ... وكادت نقاء أن تنهض بعد هذا الجواب ، ولكن دافعاً خفياً كان يشدها إلى الجلوس ويدعوها إلى أن ترد على هذا الرجل وتجعله يقف بجرأته عند حد .. فردت عليه بنفس لهجتها التهكمية قائلة :
ـ أنا لا أتحدث بأي أسلوب غريب ، وليس في كلماتي أي معنى جديد ، وإنما أنت هو الذي يتحدث بأسلوب غريب عن الرجولة ، بعيد عن العزة والكرامة ، ولا أدري ما الذي يدعوني إلى الرد عليك وكلماتك لا تستحق عندي أي رد أو تعليق ، ولكن العاطفة الانسانية هي التي دفعت بي إلى أن أنبهك من غفلتك ، فاعلم يا سيدي ، أن الشخص الذي يركز حياته ويبني نجاحه على المال وحده ويعقد مستقبله على تأثير الثروة والغنى يكون ضائعاً لا محالة ، فإن المواد الأرضية معرضة للفناء مهما عزت وغلت ، فلا تظن بعد الآن أنك بما تملك من ثروة تستطيع أن تتطفل على من تشاء وتستحوذ على من تريد... أنت واقع تحت تأثير مفهوم خاطىء ، بعيد كل البعد عن الحقيقة والواقع.
وما أن أتمت كلماتها هذه حتى وقفت واتجهت نحو باب
--------------------------------------------------------------------------------
( 140 )
الخروج ، وخلفت محمود وراءها ، وقد أخذ بهذا السلوك الغريب من هذه التي كان يحسبها غانية لعوباً.
------------------------------------------------------------------------------:26:
:24: الفصل السابع عشر
أما سعاد فقد كانت تود لو استطلعت من محمود نتيجة فعالياته ... ولكنها لم تجرأ على ذلك ، لا لشيء ولكن لكي لا تلقي في قلب محمود الشك من إرشاده إلى هذه الفتاة ، فقد كان عليها أن تتجاهل أن كلامها كان له أي تأثير على محمود ، والشيء الذي لاحظته أن محمود لم يكن يؤم البيت إلا ساعة أو ساعتين في النهار وعرفت أوقاته موزعة بين المنتزه وحدائق الغوطة ، وكان منظر سنية وهي غضبى مقطبة أكبر تسلية لها على تصور محمود ، وهو واقع في حبائل نقاء ... فقد كانت سنية تعيش في هم مقيم ، بعد أن أنشغل عنها محمود ، وانصرف إلى ملاحقة نقاء ... وفي مرة عاد محمود إلى البيت فلاحظت عليه سعاد أنه حائر مشوش الفكر ، وأنه كثيراً ما يشرد بين آونة وأخرى فشاع الاضطراب في نفس سعاد ، وخشيت أن يكون محمود قد فشل في محاولاته أو ضعف أمام عناد نقاء ، ولكنها لم تتوصل إلى طريقة تمكنها من فهم الواقع ، وبعد كثرة تردد قررت أن تذهب لزيارة نقاء ، فاتصلت بها تلفونياً واستوثقت من عدم وجود زوار
--------------------------------------------------------------------------------
( 142 )
لديها ثم استقلت سيارتها إلى بيت نقاء ولم تخرج نقاء لاستقبالها ، بل كلفت الخادمة أن تقودها إلى الصالون ، وأخبرت أمها بعزم سعاد على المجيء ، وطلبت منها أن تحضر ، ولكن أمها لم تتمكن أن تجلس مع سعاد أكثر من دقائق ، واعتذرت بكونها محمومة ويلزم عليها أن تذهب إلى غرفتها لتستريح ، وفوجئت نقاء بعزم أمها على الذهاب إلى غرفتها ، وحاولت أن تثنيها على ذلك ، ولكن أمها كانت تظن أنها بحركتها هذه سوف تغضب سعاد وتظهرها على نقمتها عليها وعدم اهتمامها بوجودها... وسر سعاد خروج خالتها وانفرادها بنقاء ، وارتبكت نقاء وحارت ماذا تفعل إذا عادت سعاد إلى كلامها المعهود وهي لا تطيق ذلك مطلقاً ، فهي تخشى أن تصدر عنها كلمات تسيء فيها إلى سعاد ، ولهذا فقد بدا الارتباك واضحاً عليها ... ولاحظت سعاد علائم الاضطراب التي ظهرت على نقاء ، فعللت ذلك بتعليل آخر هو أبعد ما يكون عن الواقع ... فبدأت تتحدث وكان حديثها يدور حول أذواق الرجال في الجمال ، وكلمات الاعجاب التي سبق أن سمعتها من المعجبين... وكيف أن كثيراً من الرجال كانوا يلاحقونها بالمدح والاطراء أينما سارت وأي مكان حلت فيه ...
وكانت سعاد تقصد من ذكرها لهذه الحوادث استدراج نقاء لذكر حوادث مماثلة عسى أن تتوصل إلى معرفة شيء عن موقف محمود معها ، ولكن نقاء لم تكن ممن يجرفهن
--------------------------------------------------------------------------------
( 143 )
الحديث ، فهي لم تعلق على أحاديث سعاد بأي شيء... ولهذا فقد انصرفت عنها سعاد وهي على ثقة من أن محمود قد تمكن من التغرير بنقاء ، وإلا لكانت حدثتها عنه وعن مغازلته لها .. وحدثت سعاد نفسها قائلة : إن نجاح محمود قد أصبح عندي أرجح من فشله ، فليس من المعقول أن تقاوم هذه الفتاة الصغيرة إغراء محمود وترفض ثروته وملايينه.
وفي البيت افتقدت سعاد خادمتها سنية ، وكانت تفتقدها كثيراً في الأيام الأخيرة ، وخمنت أنها في سبيلها إلى التجسس على محمود والتعرف على فاتنته الجديدة ... والواقع أن سنية كانت تتعقب سيدها في أغلب الأيام لترى غريمتها التي سلبته لبه ، وقد شاهدته في أحد الأيام يتحدث مع نقاء ، ولكنها لم تصدق أن هذه الفتاة المحتشمة الوقور هي التي أغرت سيدها وسحرته .. وظنت أن جلوسه معها مجرد مصادفة . ولهذا فقد استمرت تتعقبه وتتجسس عليه.
--------------------------------------------------------------------------------
( 144 )
--------------------------------------------------------------------------------
( 145 )
الفصل الثامن عشر
كانت رسائل إبراهيم لا تفتأ تصل إلى نقاء في نهاية كل أسبوع ، وكانت جميع رسائله تحمل معها الأمل في إسراعه بالعودة وتقليص مدة الفراق .. وكانت نقاء قد تجنبت الذهاب إلى المنتزه بعد تكرر مصادفة محمود هناك ، ولكنها في أحد الأيام أحست بحاجتها إلى الترفيه والتنزه ، فقصدت إلى حدائق الغوطة وهي على اطمئنان من أنها ستكون في منجاة من تطفل ذاك الرجل الفضولي هناك ، فلابد أنه من رواد ذاك المنتزه بالخصوص ، وفي الحدائق لفت نظرها منظر امرأة شابة ، مهلهلة الثياب ، بادية الشحوب ، ذابلة الأجفان ، وهي تحمل على يدها طفلاً لا تكاد ملابسه الممزقة تستر جسمه الهزيل ، وكان منظر هذه المرأ يجسد البؤس والفاقة في أجلى مظاهرهما ، وهي تدور على الجالسين تستدر عطفهم ليجودوا عليها ببعض النقود... وعندما لاحظت نقاء أنها تتقدم نحوها سارعت إلى فتح حقيبتها لتخرج منها ما تعطيه لهذه المسكينة قبل أن تسأل منها ذلك ، وأخرجت منها بضع دراهم وهي على عجل وارتباك ، فقد أثر عليها منظر تلك المنكودة
--------------------------------------------------------------------------------
( 146 )
ومدت إليها يدها بالمال ، وأشاعت هذه البادرة من نقاء الغبطة على وجه المرأة المسكينة ورفعت رأسها إلى السماء وكأنها تدعو لنقاء ، ثم تركتها لتكمل دورتها في أنحاء الحديقة. وأطرقت نقاء برأسها وهي تفكر في البؤس الذي كان يشمل هذه الأم المنكودة ، ولكنها انتبهت من إطراقتها على صوت رجل يقول :
ـ كم أنت كريمة يا انسة ؟ هل كانت هذه البائسة تستحق أكثر من بضعة قروش ؟!.
فاستدارت نحو الصوت لترى محمود ... وأفزعها أن يكوه هذا الرجل قد لاحقها إلى هناك .. وعلت وجهها صفرة باهتة ولأول مرة شعرت بالخوف ، فقد كانت تعلل لقاءه لها في المنتزه بمجرد مصادفة ، ولكن الآن ... وتلفتت حولها كأنها تريد أن تستنجد بأحد .. ولكنها اطمأنت إلى حد ما .. حينما رأت أن الحديقة مليئة بالرواد وإنها ليست وحدها أمام هذا الملحاح ... فانتفضت واقفة وقالت بصوت قوي لثقتها بنفسها :
ـ أما احتفظت بنصيحتك لنفسك ، وهلاً عرفت أنك تتطفل بأسلوب رخيص ؟!
وهنا صمم محمود أن يخرج من التلميح إلى التصريح ، وأن ينهي هذه المناورات المملة ، فقد أعياه التردد والشك ، فقال :
--------------------------------------------------------------------------------
( 147 )
ـ أنا لا أتطفل مطلقاً ، وإنما أنا في الواقع ...
وأراد أن يقول : « أساوم » ، ولكن نظرات نقاء الملتهبة منعته من إتمام جملته ، فردد قائلاً :
ـ في الواقع ... في الواقع ...
فصاحت به نقاء قائلة :
ـ إذاً فماذا تسمي فضولك هذا يا رجل ؟ أنت رجل غريب لا أعرف عنك حتى اسمك ... فكيف تسمح لنفسك أن تتدخل في شؤوني الخاصة ؟!.
ـ ولكني ... أعرف ...
ومرة أخرى لم يستطع أن يكمل جملته ، فقد كان ينوي أن يقول : لكني أعرف عنك كل شيء ... ولكن منظر نقاء وهي في ثورتها تلك ، جعلته لا يجرؤ على التصريح ، فسكت أيضاً ... واحست نقاء أن عليها أن لا تدع هذا الرجل قبل أن تلقنه درساً لا ينساه ، فصرخت به قائلة :
ـ ما لك لا تستطيع أن تتكلم ؟ أو ليس المال قادراً أن يطلق عقدة لسانك ؟! الويل لك من الدرك الذي أنزلك المال إليه ... ارجع إلى نفسك ، وانقذها قبل فوات الأوان ، فلعل هناك في صميم روحك نقطة من خير .. حاول أن تنحي بريق الذهب من أمامك عينيك ، لترى الحياة الحرة الشريفة كيف تكون ...
--------------------------------------------------------------------------------
( 148 )
فخفض محمود رأسه وقال : 0
ـ أنا مستعد لتحقيق جميع شروطك وإنجاز كل رغباتك ، فإن ثروتي تفوق ثروات الآخرين بمراتب ...
وصعقت نقاء لهذه الكلمات ، ولم يسعها إلا أن تصرخ فيه :
ـ يا لك من رجل ... مع من تظن أنك تتكلم ؟ وأي فكرة شيطانية أوحت إليك بذلك ؟ كنت آمل في إصلاحك أول الأمر ، أما الآن فإنك لست أهلاً للاصلاح ، فاذهب إلى حيث يقودك شيطانك ، ولكن شخص طريقك جيداً بعد الآن ، وفي المرات اللاحقة ، فوربي لولا هذه المسكينة التي أرى خاتم خطوبتها حول أصبعك لسلمتك الآن إلى أيدي الشرطة ، ولكن تلك المسكينة ما ذنبها إذا كان زوجها أحد ذئاب البشر !! ولهذا فأنا لا أريد أن أسبب لها فضيحة ...
وتهدج صوت نقاء فلم تستطع أن تتكلم أكثر من ذلك ، فاستدارت ، وتوجهت نحو باب الخروج.
أما محمود فقد غير مجلسه وجلس في الطرف الآخر من الحديقة ، ولكنه لاحظ أن المرأة المنكودة التي كانت تستعطي قد توقفت قليلاً أمام الكرسي الذي كانت تجلس عليه نقاء ، ثم انحنت والتقطت شيئاً من الأرض وأخفته في قبضة يدها ، فرأى أن الفرصة قد واتته للاحتكاك بنقاء مرة أخرى ، نهض
--------------------------------------------------------------------------------
( 149 )
من مجلسه نحو المرأة المسكينة وهو يصرخ فيها قائلاً :
ـ دعي ما أخذتيه يا سارقة.
وحاولت المسكينة أن تفر ، ولكن صوت محمود كان قد جميع حولها جميعاً من الناس ، وفتح محمود يدها عنوة ليجد فيها قرطاً من الماس الثمين ، فالتفت الساقي وهو يقول :
ـ إسرع باستدعاء الانسة التي كانت تجلس هناك ، فإن هذا القرط يعود إليها بلا شك.
واسرع الساقي لاستدعاء نقاء ، فجاءت لترى المرأة المنكودة وقد احيطت بعشرات من الناس وهم يوزعون عليها الشتائم والسباب ويحاولون أخذها إلى مركز الشرطة ، واتجهت نظرات المرأة المسكينة نحو نقاء ، وهي تعلم أن القرط يعود إليها ، ولذلك فقد قرأت نقاء في نظراتها معنى الاسترحام والخوف والاستعطاف ، وكانت المنكودة ترتعد كريشة في مهب الريح ، حتى أنها لم تعد تتمكن من إمساك طفلها ، فتعلق بعنقها وهو يضج بالبكاء ، فتساءلت نقاء : ما الخبر ؟... فارتفعت الأصوات وهي تردد : إنها سارقة ، سرقت قرطك الماسي . فتقدمت نقاء نحو المرأة ، وكانت لا تزال متمسكة بالقرط في قبضة يدها ، فأمسكت بيدها في لطف وقالت بنغمة عذبة رقيقة :
ـ أريني القرط يا أختاه.
--------------------------------------------------------------------------------
( 150 )
ولم يسع المرأة أن تمتع أمام لهجة نقاء العاطفية ففتحت يدها وألقت نظرة على القرط ثم رفعت رأسها وقالت :
ـ إنه كان قرطي ولكني أعطيته لها ، فهي ليست سارقة أبداً.
فظهرت علامات الدهشة على المجتمعين . وكانت يد المرأة المسكينة لا تزال مفتوحة وفيها أحد القرطين ، فعادت نقاء وأطبقت يدها على القرط وقالت :
ـ إنه ملكك يا اختاه ، فتعالي واخرجي من الحديقة.
فتهاوت المسكينة على أقدام نقاء تريد أن تبللها بدموع الندم والشكر ، ولكن نقاء أنهضتها وهي تقول :
ـ قومي يا اختاه ، أنا لم أقم إلا بأقل الواجب ، لم يكن لدي ما أقدمه لك فقدمت قرطي ، هيا واتركي المحل يا اختاه.
ثم أخذت بيدها وجرتها نحو الباب ، والجميع يتابعونها بنظرات الاستغراب.
أما محمود فقد تبعها بنفسه ، وهو لا يكاد يصدق ما رآه ، وفي خارج الحديقة أبصر نقاء تجر المرأة المسكينة إلى ركن في الشارع ، وتخرج القرط الثاني من حقيبتها وتقدمه لها ، وهي تتكلم بكلام لم يتمكن أن يسمعه ، ولكنه رأى ابتسامة ملائكية كانت تلوح على وجه نقاء وهي تفعل ذلك ، ثم
--------------------------------------------------------------------------------
( 150 )
رآها تهز يد المرأة مصافحة قبل أن تستقل « الامانة »... وذهل محمود وكاد يظن أنه في حلم ، فهو لا يصدق أن فتاة تعرض نفسها للمساومة ، تقف هذا الموقف النبيل ، وإن المرأة التي تتصيد المال تتنازل عن قرطيها الماسيين بهذه السهولة وبدافع من الرحمة.
واستقل سيارته وهو غارق في خضم الأفكار ، وكانت أفكاره مشوشة مختلطة ، وفي البيت أغلق عليه باب غرفته لكي لا يكدر تفكيره أحد ، وأخذ يراجع تصرفات نقاء ويستعيد كلماتها وعباراتها ويتمثل لهجتها الصادقة وأسلوبها الواضح المستقيم ، وتذكر نظراتها النارية وصوتها المتهدج ... ولم يسعه بعد ذلك إلا أن يعترف بأن هذه امور لا يمكن أن تكون مصطنعة أو مزيفة ، ولابد أن يكون قد وقع هو نفسه في خطأ فظيع...
ولم يتمكن محمود أن يصرف فكره عن حادثة القرط ، فقد قلبت هذه الحادثة مفاهيمه ، وفتحت أمامه آفاقاً جديدة لم يكن يعرفها أو يعترف بوجودها أيضاً ... وشعر أن في الحياة معان سامية كانت خافية عليه ... وإن في هذه المعاني روعة لا متناهية ، تفوق جميع ما صادفه في حياته من روائع مصطنعة وأحس بالوضاعة وهو يتمثل موقفه من الفتاة ، وهو يحشو كلماته الجوفاء بذكر الثروة والمال ، في الوقت الذي لا يهمها فيه أن تتنازل عن قرطيها الماسيين في سبيل التستر على امرأة
--------------------------------------------------------------------------------
( 152 )
فقيرة منكودة ، وتذكر الابتسامة الملائكية التي كانت مطبوعة على وجهها وهي تسلم القرط الثاني ... فردد يحدث نفسه قائلاً : حقاً لست أنا غير رجل تافه في الحياة ... ما أحلى أن يشعر الانسان بشعور الخير ، ويحس بلذة عمل المعروف ... فهو لم يكن يظن قبل الآن أن لأمثال هذه الفتاة وجوداً واقعياً ، كان يعتقد أن الخير والفضيلة ليس لهما وجود إلا في أذهان المفكرين ... وليست سوى مفاهيم خيالية لا يمكن لها أن تظهر إلى حيز الوجود...
:17:
( 134 )
--------------------------------------------------------------------------------
( 135 )
الفصل السادس عشر
رجعت نقاء إلى البيت ، وكان في انتظارها هناك رسالة من إبراهيم ، أنستها الرجل المتطفل ، وكل ما يدور حوله ، وأمضت في قراءتها وقتاً طويلاً ... فهي كالعادة رسالة مسهبة تشرح كل شيء ، وتتناول كل موضوع ... وأحست نقاء أن إبراهيماً لا يزال قريباً منها ، فهي لم تفتقد روحه ولم تنقطع عن أفكاره ، فهذه رسائله الأسبوعية تنبض بالحياة وتصل بين قلبيهما وفكريهما ، ولا تدع لعامل من عوامل الفراق أن يقطع هذه الصلة الروحية... وفي المساء سهرت نقاء مع كتابة رسالة لإبراهيم ، ولم تنته منها إلا في ساعة متأخرة من الليل ، فآوت إلى فراشها وهي تحس بمتعة ونشاط ، وكأنها عادت من سهرة كانت تضمها مع إبراهيم ... وكان يلذ لها كثيراً أن تجلس في نهاية كل أسبوع لتحدث إبراهيم في رسالتها عن أسبوعها المنصرم وكل ما جد في حياتها خلاله . وفي الصباح ذهبت بنفسها لابراد الرسالة ، فقد كانت تحرص على انجاز هذه المهمة بنفسها في كل اسبوع ، وفي أحد الأسابيع توجهت إلى البريد لترد رسالتها الأسبوعية ، وفي طريق عودتها عرجت
--------------------------------------------------------------------------------
( 136 )
على المنتزه ، فقد كان اليوم صحواً والشمس دافئة نقية ، ودخلت المتنزه فلاحظت أنه يكاد أن يكون خالياً من الرواد لولا بعض المتنزهين توزعوا في أنحائه البعيدة ، ولذلك فلم تشأ نقاء أن تذهب إلى ركن منعزل ، فقد كان هدوء المنتزه يوحي بالوحشة ، وفكرت في أن تعود من حيث أتت ، ولكنها فطنت أن ذلك سيبدو منها حركة غريبة بعد أن لاحظ دخولها الجالسون ، فجلست وهي تشعر بقلق وحيرة ولم تكن تحمل معها كتاباً في هذه المرة ، وجاء الساقي ليسألها عن طلبها فلم تر بداً من أن تطلب إليه زجاجة من العصير ، وصممت على أن تترك المنتزه قبل أن تشربه ، ولكن بعد دفع ثمنه ، وفي تلك اللحظة سمعت وراءها صوتاً يقول :
ـ يا لها من فرصة سعيدة جمعتني بك مرة أخرى.
وكان صاحب الصوت يتقدم حتى واجهها ، فرأت إنه ذلك الرجل الفضولي الذي تطفل عليها في المرة السابقة ، فسرت رعدة خفيفة في عروقها وهزت رأسها قائلة :
ـ لعلك غلطان يا سيدي ، ثم أدارت وجهها عنه.
فقد رأت أفضل طريقة لازاحة هذا الرجل هو تجاهله التام ، ولكنه أتخذ له مجلساً بالقرب منها وضحك وهو يقول :
ـ لا أظن ذاكرتك ضعيفة إلى هذا الحد ، أما أنا قد انطبعت صورتك على شغاف قلبي منذ النظرة الأولى ، وها أنا
--------------------------------------------------------------------------------
( 137 )
مستعد لبذل روحي وثروتي التي تعد بالملايين في سبيل نظرة واحدة منك يا آنسة !.
فانتفضت نقاء غضباً ، وهمت أن تقوم فتنصرف دون أن ترد عليه ، ولكنها خشيت أن يظن فيها الضعف أو ينسب فرارها إلى الخوف فيشجعه ذلك على التعرض لها فيما بعد ، فتمالكت نفسها وقالت :
ـ الآن ذكرتك يا رجل ! فإن نغمة المادة التي تشع على كلامك تميزك عن غيرك من الرجال.
ورآى محمود أن الفرصة مواتية لكي يسترسل في بيان مقدار ثروته فقال :
ـ نعم ، أنا أقرك على هذا ... فقد انصبغت كلماتي بصبغة المال . فالثروة إذا تكاثرت بدت علاماتها واضحة على جميع تصرفات صاحبها.
وودت نقاء لو ضحكت على هذا الرجل المسكين الذي لا يملك شيئاً غير المال ، والذي يعني أن المال هو أقوى سلاح ، ولكنها لم تشأ أن تضحك أمام هذا الرجل الفضولي ، حتى ولا ضحكة استهزاء ، وشعرت أن لديها ما تقوله قبل أن تقوم ، وشعرت أيضاً أن عليها أن تقول ذلك لتفهمه أن بين بنات الاسلام من لا يغرها المال ، ولا تخدعها الثروة ، ولهذا فقد أجابته قائلة :
--------------------------------------------------------------------------------
( 138 )
ـ من المؤسف حقاً أن يصطبغ الانسان بطابع الثروة ، وأن تبدو عليه دلائلها في جميع أحواله وتصرفاته ، لأن ذلك لا يتم إلا إذا اقفرت شخصيته من جميع العلامات الأخرى.
ـ إن المال الذي يلبس شخصية صاحبه أي لبوس شاء ، ويبرزه بأي شكل رغب.
ـ أبداً فإن المال لا يتمكن أن يخلع على صاحبه أي إطار ، اللهم سوى إطار الاناقة ، وهذا هو أتفه شيء بالنسبة إلى الرجال.
وبحركة لا اختيارية رفع محمود يده نحو شعره الذي كان مصففاً بأحدث طريقة ، وكانت خصلات منه تتدلى على جبينه ، وقد دهنت وصبغت ، في الوقت الذي كان شعره الباقي يقرب من السواد ، وكأن كلمات نقاء عن إناقة الرجال وميوعتهم قد أثرت عليه دون أن يشعر ... وأحست نقاء بحركته هذه ، فاسترسلت تقول :
ـ إن الكرامة مجردة قد تجر إلى الثروة ، والاستقامة وحدها يمكن أن تأتي بالثروة ، والشخصية القوية بمفردها ربما ساقت صاحبها إلى المال ، ولكن المال وحده لا يتمكن أن يأتي بأي ميزة من هذه الميزات.
واستغرب محمود لهجة نقاء الصادقة ، وكلماتها المركزة ، وعجب أن يبلغ الرياء بهذه الفتاة هذا المبلغ ، وتردد لحظة قبل أن يرد قائلاً :
--------------------------------------------------------------------------------
( 139 )
ـ أنت تتحدثين بأسلوب غريب لا ينطبق وشخصيتك.
وهنا تلكأ محمود قبل أن يردف كلمة شخصيتك بكلمة الفاتنة ، ولم يستطع أن يفهم سبباً لهذا التردد ، وهو يحدث فتاة معروضة للمساومة حسب ما كان يعتقد ... وكادت نقاء أن تنهض بعد هذا الجواب ، ولكن دافعاً خفياً كان يشدها إلى الجلوس ويدعوها إلى أن ترد على هذا الرجل وتجعله يقف بجرأته عند حد .. فردت عليه بنفس لهجتها التهكمية قائلة :
ـ أنا لا أتحدث بأي أسلوب غريب ، وليس في كلماتي أي معنى جديد ، وإنما أنت هو الذي يتحدث بأسلوب غريب عن الرجولة ، بعيد عن العزة والكرامة ، ولا أدري ما الذي يدعوني إلى الرد عليك وكلماتك لا تستحق عندي أي رد أو تعليق ، ولكن العاطفة الانسانية هي التي دفعت بي إلى أن أنبهك من غفلتك ، فاعلم يا سيدي ، أن الشخص الذي يركز حياته ويبني نجاحه على المال وحده ويعقد مستقبله على تأثير الثروة والغنى يكون ضائعاً لا محالة ، فإن المواد الأرضية معرضة للفناء مهما عزت وغلت ، فلا تظن بعد الآن أنك بما تملك من ثروة تستطيع أن تتطفل على من تشاء وتستحوذ على من تريد... أنت واقع تحت تأثير مفهوم خاطىء ، بعيد كل البعد عن الحقيقة والواقع.
وما أن أتمت كلماتها هذه حتى وقفت واتجهت نحو باب
--------------------------------------------------------------------------------
( 140 )
الخروج ، وخلفت محمود وراءها ، وقد أخذ بهذا السلوك الغريب من هذه التي كان يحسبها غانية لعوباً.
------------------------------------------------------------------------------:26:
:24: الفصل السابع عشر
أما سعاد فقد كانت تود لو استطلعت من محمود نتيجة فعالياته ... ولكنها لم تجرأ على ذلك ، لا لشيء ولكن لكي لا تلقي في قلب محمود الشك من إرشاده إلى هذه الفتاة ، فقد كان عليها أن تتجاهل أن كلامها كان له أي تأثير على محمود ، والشيء الذي لاحظته أن محمود لم يكن يؤم البيت إلا ساعة أو ساعتين في النهار وعرفت أوقاته موزعة بين المنتزه وحدائق الغوطة ، وكان منظر سنية وهي غضبى مقطبة أكبر تسلية لها على تصور محمود ، وهو واقع في حبائل نقاء ... فقد كانت سنية تعيش في هم مقيم ، بعد أن أنشغل عنها محمود ، وانصرف إلى ملاحقة نقاء ... وفي مرة عاد محمود إلى البيت فلاحظت عليه سعاد أنه حائر مشوش الفكر ، وأنه كثيراً ما يشرد بين آونة وأخرى فشاع الاضطراب في نفس سعاد ، وخشيت أن يكون محمود قد فشل في محاولاته أو ضعف أمام عناد نقاء ، ولكنها لم تتوصل إلى طريقة تمكنها من فهم الواقع ، وبعد كثرة تردد قررت أن تذهب لزيارة نقاء ، فاتصلت بها تلفونياً واستوثقت من عدم وجود زوار
--------------------------------------------------------------------------------
( 142 )
لديها ثم استقلت سيارتها إلى بيت نقاء ولم تخرج نقاء لاستقبالها ، بل كلفت الخادمة أن تقودها إلى الصالون ، وأخبرت أمها بعزم سعاد على المجيء ، وطلبت منها أن تحضر ، ولكن أمها لم تتمكن أن تجلس مع سعاد أكثر من دقائق ، واعتذرت بكونها محمومة ويلزم عليها أن تذهب إلى غرفتها لتستريح ، وفوجئت نقاء بعزم أمها على الذهاب إلى غرفتها ، وحاولت أن تثنيها على ذلك ، ولكن أمها كانت تظن أنها بحركتها هذه سوف تغضب سعاد وتظهرها على نقمتها عليها وعدم اهتمامها بوجودها... وسر سعاد خروج خالتها وانفرادها بنقاء ، وارتبكت نقاء وحارت ماذا تفعل إذا عادت سعاد إلى كلامها المعهود وهي لا تطيق ذلك مطلقاً ، فهي تخشى أن تصدر عنها كلمات تسيء فيها إلى سعاد ، ولهذا فقد بدا الارتباك واضحاً عليها ... ولاحظت سعاد علائم الاضطراب التي ظهرت على نقاء ، فعللت ذلك بتعليل آخر هو أبعد ما يكون عن الواقع ... فبدأت تتحدث وكان حديثها يدور حول أذواق الرجال في الجمال ، وكلمات الاعجاب التي سبق أن سمعتها من المعجبين... وكيف أن كثيراً من الرجال كانوا يلاحقونها بالمدح والاطراء أينما سارت وأي مكان حلت فيه ...
وكانت سعاد تقصد من ذكرها لهذه الحوادث استدراج نقاء لذكر حوادث مماثلة عسى أن تتوصل إلى معرفة شيء عن موقف محمود معها ، ولكن نقاء لم تكن ممن يجرفهن
--------------------------------------------------------------------------------
( 143 )
الحديث ، فهي لم تعلق على أحاديث سعاد بأي شيء... ولهذا فقد انصرفت عنها سعاد وهي على ثقة من أن محمود قد تمكن من التغرير بنقاء ، وإلا لكانت حدثتها عنه وعن مغازلته لها .. وحدثت سعاد نفسها قائلة : إن نجاح محمود قد أصبح عندي أرجح من فشله ، فليس من المعقول أن تقاوم هذه الفتاة الصغيرة إغراء محمود وترفض ثروته وملايينه.
وفي البيت افتقدت سعاد خادمتها سنية ، وكانت تفتقدها كثيراً في الأيام الأخيرة ، وخمنت أنها في سبيلها إلى التجسس على محمود والتعرف على فاتنته الجديدة ... والواقع أن سنية كانت تتعقب سيدها في أغلب الأيام لترى غريمتها التي سلبته لبه ، وقد شاهدته في أحد الأيام يتحدث مع نقاء ، ولكنها لم تصدق أن هذه الفتاة المحتشمة الوقور هي التي أغرت سيدها وسحرته .. وظنت أن جلوسه معها مجرد مصادفة . ولهذا فقد استمرت تتعقبه وتتجسس عليه.
--------------------------------------------------------------------------------
( 144 )
--------------------------------------------------------------------------------
( 145 )
الفصل الثامن عشر
كانت رسائل إبراهيم لا تفتأ تصل إلى نقاء في نهاية كل أسبوع ، وكانت جميع رسائله تحمل معها الأمل في إسراعه بالعودة وتقليص مدة الفراق .. وكانت نقاء قد تجنبت الذهاب إلى المنتزه بعد تكرر مصادفة محمود هناك ، ولكنها في أحد الأيام أحست بحاجتها إلى الترفيه والتنزه ، فقصدت إلى حدائق الغوطة وهي على اطمئنان من أنها ستكون في منجاة من تطفل ذاك الرجل الفضولي هناك ، فلابد أنه من رواد ذاك المنتزه بالخصوص ، وفي الحدائق لفت نظرها منظر امرأة شابة ، مهلهلة الثياب ، بادية الشحوب ، ذابلة الأجفان ، وهي تحمل على يدها طفلاً لا تكاد ملابسه الممزقة تستر جسمه الهزيل ، وكان منظر هذه المرأ يجسد البؤس والفاقة في أجلى مظاهرهما ، وهي تدور على الجالسين تستدر عطفهم ليجودوا عليها ببعض النقود... وعندما لاحظت نقاء أنها تتقدم نحوها سارعت إلى فتح حقيبتها لتخرج منها ما تعطيه لهذه المسكينة قبل أن تسأل منها ذلك ، وأخرجت منها بضع دراهم وهي على عجل وارتباك ، فقد أثر عليها منظر تلك المنكودة
--------------------------------------------------------------------------------
( 146 )
ومدت إليها يدها بالمال ، وأشاعت هذه البادرة من نقاء الغبطة على وجه المرأة المسكينة ورفعت رأسها إلى السماء وكأنها تدعو لنقاء ، ثم تركتها لتكمل دورتها في أنحاء الحديقة. وأطرقت نقاء برأسها وهي تفكر في البؤس الذي كان يشمل هذه الأم المنكودة ، ولكنها انتبهت من إطراقتها على صوت رجل يقول :
ـ كم أنت كريمة يا انسة ؟ هل كانت هذه البائسة تستحق أكثر من بضعة قروش ؟!.
فاستدارت نحو الصوت لترى محمود ... وأفزعها أن يكوه هذا الرجل قد لاحقها إلى هناك .. وعلت وجهها صفرة باهتة ولأول مرة شعرت بالخوف ، فقد كانت تعلل لقاءه لها في المنتزه بمجرد مصادفة ، ولكن الآن ... وتلفتت حولها كأنها تريد أن تستنجد بأحد .. ولكنها اطمأنت إلى حد ما .. حينما رأت أن الحديقة مليئة بالرواد وإنها ليست وحدها أمام هذا الملحاح ... فانتفضت واقفة وقالت بصوت قوي لثقتها بنفسها :
ـ أما احتفظت بنصيحتك لنفسك ، وهلاً عرفت أنك تتطفل بأسلوب رخيص ؟!
وهنا صمم محمود أن يخرج من التلميح إلى التصريح ، وأن ينهي هذه المناورات المملة ، فقد أعياه التردد والشك ، فقال :
--------------------------------------------------------------------------------
( 147 )
ـ أنا لا أتطفل مطلقاً ، وإنما أنا في الواقع ...
وأراد أن يقول : « أساوم » ، ولكن نظرات نقاء الملتهبة منعته من إتمام جملته ، فردد قائلاً :
ـ في الواقع ... في الواقع ...
فصاحت به نقاء قائلة :
ـ إذاً فماذا تسمي فضولك هذا يا رجل ؟ أنت رجل غريب لا أعرف عنك حتى اسمك ... فكيف تسمح لنفسك أن تتدخل في شؤوني الخاصة ؟!.
ـ ولكني ... أعرف ...
ومرة أخرى لم يستطع أن يكمل جملته ، فقد كان ينوي أن يقول : لكني أعرف عنك كل شيء ... ولكن منظر نقاء وهي في ثورتها تلك ، جعلته لا يجرؤ على التصريح ، فسكت أيضاً ... واحست نقاء أن عليها أن لا تدع هذا الرجل قبل أن تلقنه درساً لا ينساه ، فصرخت به قائلة :
ـ ما لك لا تستطيع أن تتكلم ؟ أو ليس المال قادراً أن يطلق عقدة لسانك ؟! الويل لك من الدرك الذي أنزلك المال إليه ... ارجع إلى نفسك ، وانقذها قبل فوات الأوان ، فلعل هناك في صميم روحك نقطة من خير .. حاول أن تنحي بريق الذهب من أمامك عينيك ، لترى الحياة الحرة الشريفة كيف تكون ...
--------------------------------------------------------------------------------
( 148 )
فخفض محمود رأسه وقال : 0
ـ أنا مستعد لتحقيق جميع شروطك وإنجاز كل رغباتك ، فإن ثروتي تفوق ثروات الآخرين بمراتب ...
وصعقت نقاء لهذه الكلمات ، ولم يسعها إلا أن تصرخ فيه :
ـ يا لك من رجل ... مع من تظن أنك تتكلم ؟ وأي فكرة شيطانية أوحت إليك بذلك ؟ كنت آمل في إصلاحك أول الأمر ، أما الآن فإنك لست أهلاً للاصلاح ، فاذهب إلى حيث يقودك شيطانك ، ولكن شخص طريقك جيداً بعد الآن ، وفي المرات اللاحقة ، فوربي لولا هذه المسكينة التي أرى خاتم خطوبتها حول أصبعك لسلمتك الآن إلى أيدي الشرطة ، ولكن تلك المسكينة ما ذنبها إذا كان زوجها أحد ذئاب البشر !! ولهذا فأنا لا أريد أن أسبب لها فضيحة ...
وتهدج صوت نقاء فلم تستطع أن تتكلم أكثر من ذلك ، فاستدارت ، وتوجهت نحو باب الخروج.
أما محمود فقد غير مجلسه وجلس في الطرف الآخر من الحديقة ، ولكنه لاحظ أن المرأة المنكودة التي كانت تستعطي قد توقفت قليلاً أمام الكرسي الذي كانت تجلس عليه نقاء ، ثم انحنت والتقطت شيئاً من الأرض وأخفته في قبضة يدها ، فرأى أن الفرصة قد واتته للاحتكاك بنقاء مرة أخرى ، نهض
--------------------------------------------------------------------------------
( 149 )
من مجلسه نحو المرأة المسكينة وهو يصرخ فيها قائلاً :
ـ دعي ما أخذتيه يا سارقة.
وحاولت المسكينة أن تفر ، ولكن صوت محمود كان قد جميع حولها جميعاً من الناس ، وفتح محمود يدها عنوة ليجد فيها قرطاً من الماس الثمين ، فالتفت الساقي وهو يقول :
ـ إسرع باستدعاء الانسة التي كانت تجلس هناك ، فإن هذا القرط يعود إليها بلا شك.
واسرع الساقي لاستدعاء نقاء ، فجاءت لترى المرأة المنكودة وقد احيطت بعشرات من الناس وهم يوزعون عليها الشتائم والسباب ويحاولون أخذها إلى مركز الشرطة ، واتجهت نظرات المرأة المسكينة نحو نقاء ، وهي تعلم أن القرط يعود إليها ، ولذلك فقد قرأت نقاء في نظراتها معنى الاسترحام والخوف والاستعطاف ، وكانت المنكودة ترتعد كريشة في مهب الريح ، حتى أنها لم تعد تتمكن من إمساك طفلها ، فتعلق بعنقها وهو يضج بالبكاء ، فتساءلت نقاء : ما الخبر ؟... فارتفعت الأصوات وهي تردد : إنها سارقة ، سرقت قرطك الماسي . فتقدمت نقاء نحو المرأة ، وكانت لا تزال متمسكة بالقرط في قبضة يدها ، فأمسكت بيدها في لطف وقالت بنغمة عذبة رقيقة :
ـ أريني القرط يا أختاه.
--------------------------------------------------------------------------------
( 150 )
ولم يسع المرأة أن تمتع أمام لهجة نقاء العاطفية ففتحت يدها وألقت نظرة على القرط ثم رفعت رأسها وقالت :
ـ إنه كان قرطي ولكني أعطيته لها ، فهي ليست سارقة أبداً.
فظهرت علامات الدهشة على المجتمعين . وكانت يد المرأة المسكينة لا تزال مفتوحة وفيها أحد القرطين ، فعادت نقاء وأطبقت يدها على القرط وقالت :
ـ إنه ملكك يا اختاه ، فتعالي واخرجي من الحديقة.
فتهاوت المسكينة على أقدام نقاء تريد أن تبللها بدموع الندم والشكر ، ولكن نقاء أنهضتها وهي تقول :
ـ قومي يا اختاه ، أنا لم أقم إلا بأقل الواجب ، لم يكن لدي ما أقدمه لك فقدمت قرطي ، هيا واتركي المحل يا اختاه.
ثم أخذت بيدها وجرتها نحو الباب ، والجميع يتابعونها بنظرات الاستغراب.
أما محمود فقد تبعها بنفسه ، وهو لا يكاد يصدق ما رآه ، وفي خارج الحديقة أبصر نقاء تجر المرأة المسكينة إلى ركن في الشارع ، وتخرج القرط الثاني من حقيبتها وتقدمه لها ، وهي تتكلم بكلام لم يتمكن أن يسمعه ، ولكنه رأى ابتسامة ملائكية كانت تلوح على وجه نقاء وهي تفعل ذلك ، ثم
--------------------------------------------------------------------------------
( 150 )
رآها تهز يد المرأة مصافحة قبل أن تستقل « الامانة »... وذهل محمود وكاد يظن أنه في حلم ، فهو لا يصدق أن فتاة تعرض نفسها للمساومة ، تقف هذا الموقف النبيل ، وإن المرأة التي تتصيد المال تتنازل عن قرطيها الماسيين بهذه السهولة وبدافع من الرحمة.
واستقل سيارته وهو غارق في خضم الأفكار ، وكانت أفكاره مشوشة مختلطة ، وفي البيت أغلق عليه باب غرفته لكي لا يكدر تفكيره أحد ، وأخذ يراجع تصرفات نقاء ويستعيد كلماتها وعباراتها ويتمثل لهجتها الصادقة وأسلوبها الواضح المستقيم ، وتذكر نظراتها النارية وصوتها المتهدج ... ولم يسعه بعد ذلك إلا أن يعترف بأن هذه امور لا يمكن أن تكون مصطنعة أو مزيفة ، ولابد أن يكون قد وقع هو نفسه في خطأ فظيع...
ولم يتمكن محمود أن يصرف فكره عن حادثة القرط ، فقد قلبت هذه الحادثة مفاهيمه ، وفتحت أمامه آفاقاً جديدة لم يكن يعرفها أو يعترف بوجودها أيضاً ... وشعر أن في الحياة معان سامية كانت خافية عليه ... وإن في هذه المعاني روعة لا متناهية ، تفوق جميع ما صادفه في حياته من روائع مصطنعة وأحس بالوضاعة وهو يتمثل موقفه من الفتاة ، وهو يحشو كلماته الجوفاء بذكر الثروة والمال ، في الوقت الذي لا يهمها فيه أن تتنازل عن قرطيها الماسيين في سبيل التستر على امرأة
--------------------------------------------------------------------------------
( 152 )
فقيرة منكودة ، وتذكر الابتسامة الملائكية التي كانت مطبوعة على وجهها وهي تسلم القرط الثاني ... فردد يحدث نفسه قائلاً : حقاً لست أنا غير رجل تافه في الحياة ... ما أحلى أن يشعر الانسان بشعور الخير ، ويحس بلذة عمل المعروف ... فهو لم يكن يظن قبل الآن أن لأمثال هذه الفتاة وجوداً واقعياً ، كان يعتقد أن الخير والفضيلة ليس لهما وجود إلا في أذهان المفكرين ... وليست سوى مفاهيم خيالية لا يمكن لها أن تظهر إلى حيز الوجود...
:17:
الصفحة الأخيرة