فتاة الرافدين
:27: الفصل التاسع عشر

عادت نقاء إلى البيت ولم تشأ أن تحدث أمها عن حادثة القرط ، لئلا تأسف على ذلك ، ولكنها كتبت عن الحادثة بإسهاب في رسالتها الأسبوعية إلى إبراهيم . وجاء جواب إبراهيم مليئاً بالمدح والتشجيع ، وقد ذكر في آخر رسالته : أنه سوف يبتاع لها قرطاً أثمن منه ... ومضت أسابيع ثلاثة كانت كفيلة بطمس معالم حادثة القرط والرجل الفضولي من ذهن نقاء ، ولم تكن سعاد قد اتصلت بها خلال هذه الأسابيع ...
وفي أحد الأيام اقترح والد نقاء على ابنته أن تصحبه إلى أحد المنتزهات ، فلم تر بداً من إجابة طلبه ، ولم يهمها تعيين المكان الذي يذهبان إليه ما دامت مع أبيها ، وقد اختار منتزه الجمهورية فوافقته على ذلك ، ولكنها عندما دخلت المنتزه رأت أن عليها أن تنفرد عن ابيها ، فقد كان المنتزه يعج بالرواد ، وقد صادف أبوها كثيراً من أصدقائه وأصحابه ، ولم تشأ أن تفصل أباها عن أصدقائه ، فاعتذرت منه ، وذهبت إلى ركن منعزل ، ولكنها أحست بوحشة ، لانفرادها هناك على خلاف


--------------------------------------------------------------------------------

( 154 )

عادتها ، فقد بعثت حادثة ذلك الرجل المتطفل الرعب في قلبها وجعلتها لا تطمئن إلى الانفراد ، ولذلك فقد صممت على أن تنهض من مجلسها المنعزل وتتخذ لها مجلساً هو أقرب للمجتمع من هذا المجلس النائي ، وفعلاً فقد نهضت واتجهت نحو قلب المنتزه ، غير أن صوتاً خافتاً تردد في أذنيها قائلاً :
ـ من فضلك يا سيدتي كلمة واحدة لا غير..
ولم تتمكن نقاء أن تعرف صاحب الصوت ، فتوقفت عن السير والتفتت لترى من الذي يخاطبها ، فأبصرت محمود وهو واقف على بعد أمتار منها فاستدارت بعنف ولم ترد عليه ولكن صوته لاحقها متوسلاً :
ـ كلمة واحدة يا سيدتي ! أنا آسف جداً .. من فضلك لحظة واحدة ...
واستمرت نقاء تسير دون أن تلتفت إليه ، ولكنها شعرت أنه يتبعها وهو يردد :
ـ أنك ملاك طاهر يا سيدتي ، فلا تغلقي طريق الخير من أمامي ... لا تتجاهليني لكي لا يخفت بصيص النور الذي أشرق على جنبات روحي ... كلمة واحدة لا غير ...
فرأت نقاء أن عليها أن تقف ، فمحدثها مندفع وراءها لا يريم وهي لا تريد أن تجره إلى حيث يجلس أبوها وأصحابه ... فتوقفت والتفتت نحو قائلة :


--------------------------------------------------------------------------------

( 155 )

ـ يا لك من ملحاح ...
ولكنها لم تكد تراه حتى استغربت منه علامات الندم التي كانت تلوح عليه ... كما أنها كانت قد استغربت عباراته المهذبة ... فردد محمود قائلاً :
ـ أنا آسف يا سيدتي ... فقد أوقعوني في غلطة لن أغفرها لنفسي أبد الدهر ، أنت لا تعلمين الآلام التي قاسيتها .. وكان أملي كله منوطاً برؤيتك وطلب العفو منك ، فهل تمنين عليّ بذلك ؟.
وتفحصته نقاء بعقلها ملياً ورأت دلائل الصدق واضحة على قسمات وجهه فردت عليه قائلة :
ـ أما بالنسبة لي فقد غفرت لك يا سيدي فأنا لا أغضب على أمثالك من الرجال ... ولكن أرثي لهم من صميم قلبي ، والرثاء لا يوجب النقمة ولكن...
ـ ولكن ماذا ؟ قولي بالله عليك كلمة أخرى مهما كانت ... فأنا على استعداد لسماع كل شيء.
ـ أقصد أنك يجب أن تطلب العفو من ربك أولاً ، ومن روحك ثانياً ... فالروح عنصر طاهر كان يمكن لها ان تكون في أهاب تسمو فيه على الملايين من البشر ، ولكنك ظلمتها وأسرتها بين جدران جسمك الذي لم يجلب لها سوى العار ، فالروح لا يهمها المال ولا تعنيها الثروة ولا تهوى غير العزة


--------------------------------------------------------------------------------

( 156 )

والكرامة ... هذه هي روحك التي لم تتجه نحوها بعد ، فقد ألهاك الجسد الفاني عنها وغرك المال المتلاشي عن إجابة طلباتها ، ولهذا فإن عليك أولاً أن تتجه إلى روحك فترضيها وتستغفر منها كل ما مضى ... عند ذاك فقط سوف تشعر براحة التوبة ...ثم ما الذي دعاك إلى الندم ؟
ـ الندم ... فقد رأيتك في ذلك اليوم وأنت تتنازلين عن قرطيك الماسيين لا لشيء إلا للستر على المرأة المسكينة ، وبدافع من الرحمة الاحسان ، فما شككت يومها أنك ملاك طاهر في صورة انسان.
وتذكرت نقاء حادثة القرط فابتسمت وقالت :
ـ لم يكن الأمر مهماً إلى هذا الحد ، فقد كان من واجبي كامرأة وكمسلمة وكبشر أن أفعل ذلك.
وجمدت عينا محمود على فم نقاء وهي تتكلم ، ثم شعر أنها في سبيلها للانصراف ... فعز عليه ذلك وود لو استمرت تتكلم واستمر هو يستمع فقال :
ـ أنا أجهل طريقي إلى روحي فلم يسبق لي أن توصلت إليها من قريب أو بعيد ، فقد أعمتني سطوة الجسد عن كل شيء !.
ـ أنه طريق واضح لا يكلفك سوى تجاهل سلطان المال والجسد عليك.


--------------------------------------------------------------------------------

( 157 )

ـ أنت ترينه واضحاً بلا ريب ، ولكني أنا الذي لم أعرف طيلة حياتي سوى إطاره ، أنّى لي أن أتعرف إلى الروح ، وأن أصل إلى واقعها في الحياة !.
ـ أنت تشعرني بأنك لست بعيداً عن الحقيقة ... البعد الذي تتخيله أنت ، راجع نفسك مرة أخرى لترى أنك قريب منها وقريب جداً...
ـ وكيف لي أن اراجع نفسي وقد طمستها يد النزوات والهفوات ؟!..
ـ النزوات مهما كانت لا تتعدى أن تكون نزوة عابرة ، والهفوات وإن عظمت ما هي إلا أحداث مندثرة ولكن روحك لا تطمس ولا تختفي أبداً.
ـ إذن أنت تظنين أن من الممكن إصلاح نفسي وتهذيبها.
ـ طبعاً وبسهولة جداً ، فإن عوامل الشر عوامل سطحية ولكن عوامل الخير ثابتة راسخة في الأعماق.
ـ هذا إذا كانت عوامل الخير موجودة لدي...
ـ إن لكل انسان عوامل خير وعوامل شر ، والشخص هو الذي يظهر إحدى العوامل ويخفي الأخرى ، ولهذا فهو يتمكن إذا أراد أن يرجع إلى أعماقه ليبرز العوامل الاخرى إلى حيز


--------------------------------------------------------------------------------

( 158 )

الوجود ، فقد انفق أن انقلب الفاسق قديساً ، والقديس فاسقاً.
ـ أحقاً يمكن ذلك ؟!
ـ أنا واثقة من إمكان ذلك بالنسبة اليك ، فحاول لترى أنك لن تعجز عنه مطلقاً.
ـ وكيف أحاول ذلك ؟ أنا ضائع في خضم الاخطاء !.
وهنا أحست نقاء بأن وقوفها قد طال أكثر مما ينبغي ... ولكن دافع الخير كان يدعوها أن لا تترك هذا الرجل الذي يقف على عتبات التوبة. وترددت لحظة بين الواجب الديني والآداب الاجتماعية ، ولكن صوت محدثها كان يصلها قائلاً في تضرع :
نعم أنا ضائع في خضم الخطايا ولست أرى طريقي منها فهل لك أن ترشديني إليه ؟..
وتغلب على نقاء واجبها الديني ، فأسندت ظهرها إلى جذع شجرة وقالت :
ـ إن الأخطاء تمحى بالندم والخطايا تغفر التوبة ، فأنت إذا راجعت ماضيك واستشعرت الأسف على ما صدر منك ووددت صادقاً لو لم تفعل ما فعلت كنت في مستقبلك وكأنك لم تأت بشيء ، فإن التائب النادم يكون كمن ولدته أمه.


--------------------------------------------------------------------------------

( 159 )

ـ ولكن ثروتي تغرني بالانحراف.
ـ أبداً .. فالثروة قد تصبح أداة للاستقامة ، وقد تكون وسيلة للخير والصلاح إذا كان لديك ما يساعدها على ذلك من كرامة واستقامة ، أنت سوف تستشعر لثروتك بلذة لم تكن تستشعرها من قبل ، فثروتك قبل اليوم كانت كل بضاعتك في الحياة ، وإذا شعر الانسان أن كيانه متركز على شيء واحد في الحياة ، خالط سعادته بذلك الشيء عوامل كثيرة من الحرص والخوف عليه ... ولكن الثروة إذا كانت عاملاً ثانوياً وكانت شخصية الانسان متركزة على أشياء أخر غير المال ، شعر صاحب المال أن ثروته نعمة اضافية من حقه أن يسعد فيها وينعم.
سكتت نقاء ، ولكن محمود استزادها قائلاً :
ـ أنت تتكلمين بأسلوب رائع لم يسبق لي أن سمعته من قبل !.
ـ ولكنك تتمكن أن تسمعه فيما بعد ، فالدنيا تزخر بالاساليب الرائعة من الكلام ، وبالمعاني السامية في التعبير ، أنا لست إلا واحدة من ملايين ، وليست كلماتي سوى نغمة من بين آلاف النغمات الطاهرة العذبة.
ـ وأين أتمكن أن أجد بعض هؤلاء ؟!.
ـ إنهم في كل مكان ، ولا يخلو منهم مكان ، ولكنك لم


--------------------------------------------------------------------------------

( 160 )

تكن لتتمكن من التعرف عليهم قبل اليوم ، فقد كنت في سكرة تحت سطوة الجسد والمال ، فإن عوامل الخير أوفر بكثير من عوامل الشر ، والصلاح أقوى في العالم من الفساد .
وردد محمود نفس كلماتها قائلاً :
ـ عوامل الخير أوفر من عوامل الشر ، والصلاح أقوى من الفساد.
وأردفت نقاء تقول :
ـ نعم وبكل تأكيد ، فما عليك إلا أن تتجه نحو الخير لترى منبعه الرقراق ومعينه الصافي المتدفق.
واطرق محمود برأسه وكأنه يفكر ، واغتنمت بقاء فرصة سكوته فتحركت وهي تقول :
ـ سوف أتركك إلى روحك ، لتحاول أن تفتش فيها عن عوامل الخير المكبوتة ، ولي وطيد الأمل في أنك سوف تفعل ذلك بلا ريب ، وأما أنا فأستودعك الله.
ورفع محمود رأسه ليرى نقاء وقد استدارت وتوجهت نحو وسط المنتزه فردد قائلاً :
ـ في أمان الله...


--------------------------------------------------------------------------------

( 161 )


الفصل العشرون

رجع محمود إلى داره وهو يتلذذ بيقظة انسانيته ... حقاً أنه كان يشعر بالندم منذ اللقاء الأخير مع نقاء ، وحقاً أنه تعذب كثيراً قبل أن يراها ويطلب منها العفو ، وحقاً أنه طيلة أسابيع ثلاثة كان منصرفاً عن مجونه وعبثه .. يفكر في الفتاة التي أساء إليها إساءة فظيعة قبل أن يعرف أنها ملاك طاهر وروح عذبة ... ولكنه في ذلك اليوم كان يحس بشعور لم يحسه من قبل ، وكان يستعيد كلمات نقاء في ذهنه دون أن يتعمد ذلك ، وكان كمن أخذ يستيقظ من سبات عميق ... وود لو طال به المقام مع نقاء فقد حسسته بأفكارها وآرائها ... وأرق في تلك الليلة وهو يقلب في ذهنه ما قالته ... ويحاول أن يركز أفكاره عند كل نقطة من كلماتها وألفاظها ، وشعر أنه مدين نحو تلك الفتاة بهذا النور الذي أخذ يضيء جنبات روحه ، ففتش في جوانب قلبه : هل أنه يعشق تلك الفتاة أو يهواها ؟ ولكنه لم يجد للعشق في قلبه اثراً ، فالشعور الوحيد الذي يحسه نحوها هو شعور الاكبار والاعجاب فهو يود لو رآها مرات أخرى ولكن لا على حساب


--------------------------------------------------------------------------------

( 161 )

العشق والمتعة ، بل لأجل أن يستمد منها قوة وعزيمة ... وصمم على أن يستمر بتردده على المنتزه والحديقة حتى يعود فيلقاها ثانية.
وفي الصباح لم يبرح محمود غرفته مطلقاً ولم يسمح لأحد بالدخول عليه ، فقد كان يعيش في دوامة من الأفكار المتضاربة ، وقد أخذ يستعيد في فكره جميع مراحل حياته ، ويذكر ما الذي جناه من سلوكه وطريقته في الحياة ، وهاله أن يرى أنه لم يحصل على شيء سوى المال ، وحتى المال فلم يحصل عليه هو بنفسه أيضاً فقد ورثه عن أبيه وها هو قد بدد نصفه في مدة عشر سنوات ، وفكر في حاله بعد عشر سنين ، وبعد أن يبدد جميع أمواله على ملذاته وشهواته ، فما الذي سوف يتبقى لديه ... وراح يعدد في ذهنه كل ما قد يجنيه المرء في الحياة من العزة والكرامة والجاه والذكر الطيب والصديق الوفي والزوجة المخلصة . وكان جوابه عن كل هذه الأمور لا شيء ، فهو يعلم أن أصدقاءه لن يحاولوا النظر إلى وجهه إذا أفلس من المال ، وإن مكانته في المجتمع قد انعدمت تماماً ، بعد أن اعتزله وسط شلة من المنحرفين ، وإن كرامته قد أريقت على مذبح الشهوات ، وحتى زوجته ، فهي لن تقيم معه يوماً واحداً إذا تلاشت ثروته ... وهاله أنه توصل إلى هذه الحقيقة ، وألمه أن تكون سعادته منوطة بالمال حتى في حياته الزوجية ، فهو يعلم أن سعاد لا تحمل له في قلبها أي عاطفة ، ولا يشدها إليه إلا المال ... وود لو


--------------------------------------------------------------------------------

( 163 )

استطاع أن يهرب من هذه الافكار وأن يعود إلى غفلته الأولى التي كان سادراً فيها منذ سنوات ، ولكن مفاهيم نقاء وأفكارها كانت مسيطرة عليه بصورة لم تكن تمكنه من الفرار ، فهو كان يجهل قبل اليوم أن دنياه التي يعيش فيها تعمر بأمثال هذه الروحيات التي رأى عليها الفتاة ، أما الآن وقد وجد أمامه ما كان يظنه مثالياً أو أسطورياً ، فما عليه إلا أن يكونه ، فالأعمى الذي يرتد إليه بصره ، عليه أن يعمل ن ظره ولايركن إلى الظلام الذي كان يطبق عينيه من قبل ، وعجب أن تكون أفكاراً وليدة في ذهنه تتمكن أن تصارع أفكاراً عاش معها سنوات ، ولكنه عاد يقول : أنه منذ الآن بدأ يفكر ... أما ماضيه فقد كان خلواً من الفكر ، كان سطحياً ، لا يستند إلى جذور ... وشعر بحاسة ماسة إلى لقاء الفتاة مرة أخرى ، فهو يشعر بضيعته وسط مختلف التيارات ، وود لو عرف من تكون تلك الفتاة ليقصد بيتها ، ويستزيدها من الكلام ... وفجأة فكر في سعاد ، وفي السبب الذي دعاها أن تخدعه على هذه الصورة ، وتدفع به نحو هذه الفتاة الطاهرة ، ولم يتمكن أن يفهم لذلك سبباً ، أو يأتي بتبرير معقول ، سوى أن بعض مشاعر الحقد هي التي دفعتها إلى ذلك ، وعجب أن تحقد سعاد على تلك الفتاة وليست هي ممن يعيشون حياتها أو يرتادون مجتمعها ، ولكنه عاد ليقول : إن أحقاد سعاد لا تقف عند حد ، ولا تقتصر على أشخاص معدودين ... ولذ له أن يتخيل سعاد وهي تتحرق شوقاً لفهم النتيجة ، ولكنها لا


--------------------------------------------------------------------------------

( 164 )

تتمكن من السؤال ، وصمم على أن لا يدعها تتوصل إلى معرفة أي شيء مهما حاولت ذلك ، وفعلاً فقد غلف وجهه بغلاف لم تتمكن سعاد أن تصل من ورائه إلى الحقيقة ، وحاولت مراراً أن تستدرجه إلى الكلام ، ولكنه كان يروغ عن الحديث ، وقد أعجبه صموده هذا أمام سعاد ، فلم يكن ليعهد بنفسه المقدرة على ذلك من قبل . وآمل أنه سوف يتمكن أن يثبت كيانه الخاص أمامها في الحياة.

-----------------------------------------------------------------------------
:26: الفصل الحادي والعشرون

رجعت نقاء إلى البيت وهي تشعر براحة نفسية ، وتحس أنها قد أدت واجبها الديني والأدبي تجاه ذلك الرجل ، وفي تلك الليلة كتبت إلى إبراهيم تفصيل الحادث وموقفها من الرجل الغريب ، وجاءها الجواب من إبراهيم وكان يمتدح فيه موقفها الشريف الواضح ، وقد كتب لها قائلاً : « ألم أقل لك أنك تتمكنين أن تجاهدي يا نقاء ! ألم أقل لك أن الجهاد ليس وقفاً على الحروب فقط ؟ فامضى في جهادك يا عزيزتي ! مكللة بالغار ، مجللة بأبراد العفة والفضيلة ... » وزاد هذا الجواب ثقة نقاء بنفسها ، واطمئنانها إلى سلوكها.
وفي مرة خرجت من البيت ، قاصدة زيارة خالة إبراهيم ، فقد كانت تكثر من التردد عليها في أيام غيبة إبراهيم. ووصلت نقاء إلى باب الدار وقرعت الجرس مراراً دون أن يرد عليها أحد ، واستغربت أن تكون خالتها قد خرجت من الدار وهي لا تخرج إلا لماماً ، فانتظرت لحظة ثم أعادت قرع الجرس ، وفي هذه المرة سمعت صوت حركة في الداخل ، وفي


--------------------------------------------------------------------------------

( 166 )

اللحظة التي كانت تفتح فيها الباب ، برزت من جانب الشارع سيارة محمود ، ولكن نقاء لم تنتبه لذلك وأسرعت إلى الدخول ، أما محمود فقد أبصر بها لأول وهلة وصمم على أن لا يبرح الشارع ، حتى تخرج مرة أخرى ، سواء كان هذا بيتها أو كانت زائرة فيه ، وأطالت نقاء جلوسها هناك ، وفي تمام الساعة الثانية عشرة انصرفت من بيت خالتها ووقفت على رصيف الشارع تنتظر سيارة تقلها إلى البيت وفجأة وقفت أمامها . سيارة نزل منها محمود ، وراعها التغير الذي طرأ على هذا الرجل ، فقد كان يرتدي بلدة زرقاء غامقة لا يزينها أي شيء وشعره مردوداً إلى الوراء ببساطة ، كما أن الخصلات التي كانت تتدلى على جبينه قد اختفت ... وتأخرت نقاء خطوات ... ولكن محمود قال بصوت هاديء رصين :
ـ عفوك يا سيدتي ! إذا كنت قد أزعجتك برؤيتي ، لا تظني أني سوف أحاول أن أدعوك إلى الركوب معي في سيارتي ، أو أعرض عليك إيصالك إلى البيت ، أبداً... لن أقوم بشيء من هذا ، فأنا أعلم أنك سوف لن تلوثي طهرك بمصاحبتي ... ولكن أريد أن أحدثك فقط ...
وأسعد نقاء أن تجد هذا الرجل المغرور المتغطرس الذي لم يكن يتكلم إلا عن الثروة والمال وقد عاد إنساناً مهذباً ينطق صوته عن الصدق والاخلاص ، واحتارت ماذا تفعل... ولم تر بداً من أن تقول :


--------------------------------------------------------------------------------

( 167 )

ـ وأي حديث تريد أن تحدثني به يا سيدي ؟!.
فتردد محمود لحظة ثم أجاب :
ـ أنا أخطأت التعبير ، فأنا لا أريد أن أتحدث .. ولكن أريد أن استمع ، فقد كان لكلماتك الماضية أعظم الأثر في روحي وفكري . نعم ، روحي التي وجدتها أخيراً.
ـ وعلى أي حال وجدت روحك يا سيدي ... أي شيء كانت تدعوك إليه ؟
ـ إلى الخير والصلاح ، والى انتشالي من حضيض الرذيلة وتجنيبي خطر الانحراف .
ـ ألم أقل لك أن روحك خيرة ؟... وأنك كنت تظلمها في الماضي.
ـ ليتني أكون على ثقة من ذلك.
ـ إن هذه المشاعر التي تحسها هي الدليل على ذلك.
وبدا وجه محمود وكأنه وجه طالب يؤدي الامتحان لأول مرة ، وتردد مدة ثم تمتم قائلاً :
ـ ولكنني ضائع لا محالة ...
ـ ولماذا تظن ذلك وتفكر فيه ؟! أنت الآن أبعد ما تكون عن الضياع ... فأنت منذ الآن موجود كما لم توجد من قبل ، إن حياتك الواقعية ابتدأت منذ وقعت على حقيقة روحك بين


--------------------------------------------------------------------------------

( 168 )

مختلف التيارات ، أنت لم تكن لتحيا في الواقع من قبل ، ولكن أموالك هي التي كانت تحيا وتحييك معها ، أما الآن فسوف تحيا أنت لا لتحيا الثروة وتعيش لتتصرف فيها لا تتصرف هي فيك ، أنت واقف على أبواب الحياة الواقعية لا الحياة المزيفة الضائعة.
وهنا مرت سيارة « الأمانة » فحاولت نقاء أن تركب فيها ولكن محمود توسل إليها قائلاً :
ـ لا ، ليس الآن .. لا زلت أطلب المزيد ، أنا بعيد العهد عن الحياة الحرة الكريمة ، غريق بمهاوي الضلال والفساد وأخشى أن لا تهبني هذه الكلمات القصار ، الصمود الكافي الذي أحتاجه في هذا الصراع.
قرأت نقاء أن عليها أن تجيبه إلى طلبه ، وإلا فستكون هي المتجنية عليه فقالت :
ـ أنت الآن قد اتجهت إلى الخير وتطلعت إلى أفق الكمال ، فما عليك إلا أن تقرأ الكتب المهذبة للروح والفكر والعقيدة.
ـ أرشديني إليها فأنا لا أعرف عن الكتب والكتّاب شيئاً ؟.
فأخذت نقاء تعدُّ له أسماء بعض الكتب ، وأرشدته إلى تتبع نتاج بعض الكتاب ، وظنت أن مهمتها قد انتهت ولكنه


--------------------------------------------------------------------------------

( 169 )

قال :
ـ ألا يمكن لي أن أعرف من يكون ملاكي الهادي لك أفزع نحوه عند كل مشكلة ؟ فحياتي معقدة مليئة بالمشاكل والآلام ولن أتمكن أن أسيرها كما أريد بسهولة.
فضحكت نقاء ضحكة قصيرة ثم هزت رأسها وهي تقول :
ـ أما هذا فلا...
ـ ولكن ...
ـ ولكن ماذا ؟!.
ـ اقصد أن شعوري نحوك لا يتعدى شعور الغريق نحو المنقذ ، والمريض نحو الطبيب ، أنا أنظر اليك كاشعاعة من رحمة أشرقت على جنبات روحي ، فهلا أرشدتيني إلى مطلع ذلك النور ؟
ومرة أخرى هزت رأسها بإصرار وقالت :
ـ لا ، إن هذا لن يكون ...
ـ ولماذا ؟!
ـ لأني لا أستقبل في بيتي رجالاً أجانب.
ـ أنا واثق من هذا ، ولكن عندي ما أقوله لك...


--------------------------------------------------------------------------------

( 170 )

ـ أي شيء مثلاً ؟.
ـ مشاكلي الخاصة لا تتسع لنقلها وقفة على جانب الطريق.
ـ أنا آسفة ، ولكن ما في اليد حيلة.
ـ وأخيراً ؟.
ـ لا شيء...
ـ إذن فما الذي عليّ أن أعمل ؟.
ـ إقرأ الكتب التي دللتك عليها ، فإن فيها أكبر غذاء روحي ، يغنيك عن كل شيء.
وفي هذه اللحظة مرت « الأمانة » فركبت فيها متوجهة نحو البيت ... ووقف محمود يتابع سيارتها بنظره حتى اختفت في منعطف الطريق ، وعجب لنفسه كيف لم يحاول اللحاق بها في سيارته ليتعرف على بيتها ويعرف من تكون ، ولكن عاملاً غريباً منعه من ذلك وتساءل في حيرة : هل هذا الذي يعبر عنه بالشهامة أو الكرامة ؟.
وعلى كل حال فقد استقل سيارته ، وتوجه إلى سوق الكتب وحرص على أن يشتري كل كتاب ذكرته له نقاء ، ومؤلفات الكتاب الذين عددت أسماءهم ... ورجع إلى البيت وهو محمل بأنواع الكتب ... ورأته سعاد من نافذتها


--------------------------------------------------------------------------------

( 171 )

وهو يدخل الدار ، وقد حمل في كاتا يديه لفافات ثقال ، وفكرت ما عسى أن تكون هذه اللفافات ؟... وخطر لها كل شيء عدا الكتب . وكانت قد لاحظت على زوجها تغييراً كلياً في الأيام الأخيرة ، وركوناً إلى العزلة والانفراد ، فلم يشهد ضمن هذه المدة أي احتفال ، بل ولم يذهب إلى أي مسرح من المسارح ، وكان دائم التفكير ، طويل الشرود ، ولم تتمكن سعاد أن تفهم لذلك سبباً ، فهي حتى ولو افترضت أن محمود قد فشل في محاولاته مع نقاء ... لم تكن ترى أن فشله يستوجب منه هذا التغيير الفجائي ، فطالما فشل في غزواته الغرامية من قبل ، وخطر لها أنه عاشق ... ولعل التي يعشقها هي نقاء . ولكنها عادت فاستبعدت أن يعشق محمود وهي تعهده سطحياً في جميع الأمور ...
وفي مرة استدعت سنية وكانت الأخيرة قد نحلت وظهر على وجهها شحوب باهت ، وسر سعاد أن تراها كذلك ، وهي التي طالما أشعلت في فؤادها نار الحقد والغيرة وصممت سعاد على أن تصارح سنية بكل شيء فقالت :
ـ لقد دعوتك يا سنية لكي أكون معك صريحة فصارحيني أنت أيضاً ولا تخفي عني شيئاً...
ـ وبماذا أصارحك يا سيدتي؟!.
ـ إن سيدك منذ أسابيع وحاله ليس على مايرام...
ـ من أي ناحية ؟


--------------------------------------------------------------------------------

( 172 )

ـ أنا لا أحب منك التغابي... أنا أعلم موقفك من محمود وموقفه منك ، وأنت تعلمين أيضاً أنه زوجي ولي الحق في تتبع أحواله.
ـ تماماً كما تقولين يا سيدتي.
ـ طيب ... الآن أعود إلى كلامي الأول... ألم تلاحظي على محمود تغيراً في هذه الأسابيع ؟
ـ وكيف لا وقد تغير سيدي كثيراً.
ـ وما عساه يكون السبب ؟..
ـ .....
ـ أجيبي يا سنية ! فأنا لن أفوه أمام محمود بحرف واحد مما ستقولين ، اطمئني من هذه الناحية ، فليس من مصلحتي في شيء أن أخبره بأني كنت أتجسس عليه ، والآن ألا تعلمين من أمره شيئاً ؟.
ـ إذا أردت الحقيقة يا سيدتي ! فقد صادف ورأيت سيدي ...
وقطعت سعاد كلامها قائلة :
ـ عدت مرة أخرى إلى كلمات المداهنة ، لا تقولي صادف ، أنا أعرف أنك كنت تتابعين خطواته وتتجسسين عليه.


--------------------------------------------------------------------------------

( 173 )

ـ نعم وقد رأيته في صحبة فتاة في إحدى المنتزهات ..
وهنا تحفزت سعاد وقالت :
ـ ما شكل هذه الفتاة ؟
ـ الواقع أني لم أصدق عيني حينما رأيتهما يا سيدتي ! فقد كانت فتاة وقوراً بريئة المظهر محتشمه الملبس ولكن...
ـ ولكن ماذا ؟
ـ عدت فرأيته معها ثانية وكانت تحدثه وهي مستندة إلى جذع شجرة وهو واقف أمامها يستمع.
ـ ألم تسمعي ما كانت تقول ؟.
ـ ومن أين لي أن أسمع وأنا خارج أسوار الحديقة... وفي مرة أخرى ...
وسكتت سنية ، لكن سعاد استحثتها على الكلام قائلة :
ـ وماذا في مرة أخرى ؟!.
ـ رأيته واقفاً معها على رصيف الشارع ، وكانت سيارته إلى جواره تنتظر...
وهل ركبت معه السيارة ؟
ـ لا أدري وإن كنت لا أشك في ذلك ، فقد خشيت أن أتأخر فيلحظني سيدي.


--------------------------------------------------------------------------------

( 174 )

وأطرقت سعاد تفكر ، ثم رفعت رأسها وقالت :
ـ شكراً لك يا سنية ! والآن انصرفي واخبريني عن كل ما يجد في الأمر.
وشعرت سعاد بلذة الانتقام ، ونسيت كل شيء سوى فوزها بالتنكيل بإبراهيم . وظنت أن ساعة الانتقام منه قد دنت ، وما عليها إلا أن تزور إبراهيم بعد رجوعه لتهنئه بالعروس التي اختارها دون باقي الفتيات ، وتتلذذ بمرآه وقد جلله العار وحطمته خيانة نقاء ، ورأت أن الوقت لم يحن بعد لاسترداد محمود فلتدعه لنقاء مؤقتاً حتى يرجع إبراهيم ، فهي واثقة من جره إليها في أي حين وعليها هي أيضاً أن تلتفت نحو صلاح قبل أن يفلت من يدها نهائياً ، فقد كانت قد أهملته منذ الحفلة الأخيرة لانشغالها بالمهندس الشاب.

-------------------------------------------:02:
فتاة الرافدين
( 175 )


الفصل الثاني والعشرون

عكف محمود على مطالعة الكتب التي اشتراها ، وكانت تفتح أمامه أبواباً كثيرة من المعرفة والثقافة الدينية والروحية ، وتنقله إلى عالم أوسع يحلق فيه بروحه سعيداً نشواناً ، ولم يكن ييأس من لقاء ملاكه الهادي مرة أخرى ، فهو يقضي جل أوقاته بين المنتزه والحدائق ، وكتابه معه أينما ذهب .. وفعلاً فقد صادفها في أحد الأيام وهي جالسة في ركنها القصي تطالع كعادتها دائماً ، فتقدم نحوها بخطى ثابتة وحيّاها بصوت هاديء ، فعرفت نقاء صوته فرفعت رأسها وردت تحيته باحترام فقال لها :
ـ أتسمح لي سيدتي بالجلوس على مقعد قريب لمحادثتها ؟
ـ ولم يسع نقاء إلا أن تقول :
ـ لك ذلك.
فجلس محمود وقال :


--------------------------------------------------------------------------------

( 176 )

ـ أنا لا أريد أن أضيع هذه الدقائق عبثاً . لقد قرأت جل الكتب التي أرشدتيني إليها.
ـ بارك الله فيك ، كيف أنت بعد قراءتها ؟.
ـ أرى نفسي وكأني ولدت من جديد ، فقد تبدلت جميع مفاهيمي عن الحياة ... نعم لقد ولدت من جديد !.
ـ فلا تفكر إذن بعد اليوم في ماضيك ، واحرص على أن تحصر فكرك في مستقبلك وحياتك الجديدة.
ـ أنا أحاول أن انتزع نفسي من ماضيي ، وقد توصلت إلى كثير من ذلك ولكن...
ـ ولكن ماذا ؟.
ـ ولكن صاحبة هذا الخاتم الذي يطوق أصبعي ، والتي منعتك مرة دون أن تسلميني إلى يد البوليس هي التي تحول بيني وبين نسيان الماضي.
ـ آه !...
ـ نعم ، فحاضرها مرآة ماضيي.
ـ ألا يمكن أن تقوم هي أيضاً ؟
ـ مطلقاً فقد بعد بها الطريق ، ولم تتورع عن ارتكاب أي شيء.


--------------------------------------------------------------------------------

( 177 )

ـ حتى ... أقصد حتى...
ـ دعيني أقول ما تريدين قوله ، نعم حتى الخيانة الزوجية !
ـ آه!...
ـ إنها كالفراشة تنتقل إلى حيث شاءت ومتى رغبت.
ـ إلى هذا الحد !؟.
ـ نعم وأكثر...
ـ ولماذا لاتحاول التخلص منها ؟
وسكت محمود برهة ثم قال :
ـ لأني أحبها يا أخية ، وحبي لها هو الذي جعلني أمسك عليها طيلة هذه المدة.
ـ أنت غلطان يا أخي ، فأنت لا تحب زوجتك هذه أبداً ؟!
ـ وكيف ؟!
ـ إنك لو كنت تحبها حقاً ، لما أمكنك أن تسمح لها بتلك الأعمال ، ولكن شعورك نحوها ليس شعور حب ، بل أنه مجرد نزوة جسدية وشعور بالضعف أمام سلطانها عليك ، فأنت تحب دارك مثلاً ، فهل يمكنك أن تدع واحداً غريباً عنك لا يمت


--------------------------------------------------------------------------------

( 178 )

لك بصلة يسكنها وإياك ؟ وأنت تحب ثروتك ولا ريب ، فهل ترضى أن يشاركك فيها أحد ؟ أنت لا تحبها مطلقاً.
ـ فتش في نفسك عن الحب ، لترى أن الشعور الذي يشدك نحو هذه الزوجة هو أبعد ما يكون عنه ، فالحب لا يقوم مع الخيانة ، ولا يدوم في جو الرذيلة ، لأنه شيء مقدس لا يعمر إلا في القلوب الطاهرة والأرواح البريئة ، أنك لو طالعت نفسك لرأيت كيف أنك تمقتها بدلاً من أن تحبها وتتمنى الفرار منها ، وتؤثر البعد عنها للخلاص من سيطرتها على جسدك وتسخيرها لنزواتك.
ـ أنا أخشاها دائماً...
ـ إن هذا أحسن دليل يدلك على أنك غلطان في تقدير عواطفك نحوها ، فالمحب لا يخشى حبيبه ولا يخافه ، ولكن الخاضع يخشى من أخضعه ، والضعيف يخشى القوي ، كنت ضعيفاً أمامها قبل الآن ، أما الآن فإنك انت القوي وهي الضعيفة ، فإن قوة الشرف والايمان هي أسمى قوة في الانسان ، وأنت الآن مؤمن وشريف . فحاول أن تتخلص من أحابيلها ، راجع نفسك مرة أخرى لترى صدق ما أقول.
ـ أنا على يقين من أني لن أتمكن من أن أنزع الماضي ما دمت خاضعاً لسلطان هذه المرأة.


--------------------------------------------------------------------------------

( 179 )

ـ فتحرر من سلطانها إذن
ـ سوف أحاول ذلك مهما استطعت.
ـ حاول أولاً أن تصلحها ، فإذا فشلت فلا تدعها تلوث حياتك الحرة الشريفة...
ـ إن إصلاحها متعذر ، فهي قد استحالت إلى مجموعة من آثام وخطايا...
ـ إن المحاولة لن تخسرك شيئاً على كل حال ، فإذا عجزت حدد موقفك منها.
ـ فسكت محمود ، ثم قال بصوت خافت :
ـ هل لي أن أوجه إليك سؤالاً واحداً ؟
ـ تفضل ... إسأل...
ـ لقد رأيتك مرة في المطار بصحبة رجل كهل ؟.
ـ نعم ، أنت تقصد يوم سفر إبراهيم ، لقد كان أبي معي هناك وهو رجل كهل كما رأيت.
ـ ابوك ؟!.
ـ نعم ، أبي.
ـ ومن عساه إبراهيم هذا الذي كان له سعادة مشايعتك ؟!.


--------------------------------------------------------------------------------

( 180 )

فعلت حمرة الخفر والحياء وجه نقاء وهي تقول :
ـ إنه زوجي...
ـ ولم يظهر محمود أي خيبة وارتباك ، فهو لم يكن يشعر نحو نقاء غير شعور الأخوة والاعجاب ، ولكنه ود لو عرف زوجها ، ومن يكون فتساءل :
ـ هلا زدتيني إيضاحاً بشخصية إبراهيم ؟
ـ وما الذي يعنيك من ذلك يا أخي !؟
ـ أرجو أن لا تحملي سؤال محمل الفضول...
ـ أنا أعلم أن غايتك من السؤال نبيلة ، والاستطلاع إذا كان بداع النبل لا يعد فضولاً أو تطفلاً.
ولم يشأ محمود أن يتابع هذا الموضوع لئلا يغضب محدثته ، أو يسيء اليها . فسكت برهة ثم قال وكأنه يحدث نفسه :
ـ ليتني أتمكن أن أدفن الماضي في سجل النسيان ، ولكني لن استطيع ذلك ما دامت تلك موجودة.
ـ أنت الآن رجل مستقيم ، لك أفكارك الواضحة وشخصيتك الثابتة ، فتصرف بما يمليه عليك ضميرك ، وبما تدعو إليه روحك.
وعند ذلك نهضت نقاء وقالت :


--------------------------------------------------------------------------------

( 181 )

ـ أنت لم تعد تحتاج إلى أحد ، فإن عندك من الكتب رصيداً يغنيك عن كل شيء ، ولكن فاتني أن أقول لك : إذا أردت أن تطالع قصة ، فاقرأ قصة « البؤساء » لفكتور هوجو ، فهي مدرسة إنسانية رائعة.
ولم يسع محمود إلا أن ينهض احتراماً لها ، فودعته وانصرفت ، وفي هذه المرة لم تحدثه نفسه أن يتبعها أو يتعقبها ، فقد كان يشعر أن ذلك بعيد كل البعد عن الأخلاق الفاضلة...

........................................................................................

الفصل الثالث والعشرون

رجع محمود إلى البيت وهو يحس بالصراع قائماً بين عاملين في روحه ، فقد كان يشعر أن عليه أن يتحرر من سعاد وأنه لن ينجح في حياته الجديدة ، إلا إذا تخلص من سلطانها عليه ، وكان يقف فكره عند كل مرة ، يحدث فيها نفسه عن حياته الجديدة ، ويتساءل في سره : هل حقاً أنه بدأ حياة جديدة لا زيف فيها ولا خداع ... لا فسق فيها ولا مجون ؟ هل حقاً أنه أخذ يستيقظ من سكرته الماضية ؟ وكيف ؟ ... وما هو السبب في هذا ؟ ... ولم يكن في كل مرة يحصل من نفسه إلا على جواب واحد : كنت تكفر بوجود الخير ، ولكنه وجد أمامك فآمنت به ... كنت تنكر أن للقيم حقيقة فتجسدت أمامك ... فلم يسعك إلا أن تقر بها... أنت خضت تجربة كانت فاشلة ، لكنها دلتك على طريق النجاح . وكان أشد ما يعذبه هو موقفه من سعاد ، وكان يود أن يعرف نوعية الحبل الذي يشده إليها ، وهل أن الحب هو الذي يخضعه لها أو شيء آخر فيتردد ... أهو يحبها حقاً ؟ أيحق له أن يستبقيها بذريعة الحب ؟ أيسمي شعوره نحوها


--------------------------------------------------------------------------------

( 184 )

حباً أم مجرد رغبة ورهبة ؟ أيجوز له أن يدعها تنبش ماضيه وهو في طريقه لدفنه في طيات التوبة ؟ أيصح له أن يعيش مع امرأة لا تتقيد بأي قيم انسانية ؟ ... إنه يقر بأنها كانت ضرورة من ضرورات حياته السابقة ، أما الآن فقد أصبحت ضرراً على حياته اللاحقة ... نعم ، إنه كان يهواها فيما مضى ، ولكن الآن هل لا يزال يهواها أو هل يحبها حقاً ؟!.


--------------------------------------------------------------------------------

( 185 )


الفصل الرابع والعشرون

مضت الايام على محمود وهو يعاني صراعاً عنيفاً بين قوى الشر والخير ، وما أكثر ما أرق لياليه يتقلب بين مختلف الأفكار ... وكانت سعاد تتجنبه طيلة هذه المدة ، ظناً منها أنه عاشق مفتون مندفع وراء هواه ... وفي أحد الأيام خرجت سعاد من البيت ، فرأت محمود يستعد لركوب السيارة ، وقد حمل بين يديه حقيبة صغيرة ، فتوقفت وسألته متخابثة :
ـ إلى أين أنت مسافر يا محمود ؟
ـ أنا ذاهب لزيارة جدتي العجوز فقد علمت أنها مريضة...
ـ ومتى أصبحت طبيباً تداوي العجائز ؟
ـ أنا لست بطبيب ، ولكن علي أن أذهب لآتي لها بطبيب ، فأنا كل ما تبقى لها في الوجود.
ـ ومنذ متى أصبحت تحس بهذه العواطف الانسانية ؟!.
ـ منذ أبصرت عيني نور الحياة


--------------------------------------------------------------------------------

( 186 )

وظنت سعاد أنه يهزأ ، فأردفت تقول :
ـ وكم سيطول بقاؤك هناك ؟
ـ إلى الوقت الذي أطمأن فيه على صحتها.
ـ حتى ولو أسبوع ؟.
ـ أنا سوف أبقى أسبوعاً على كل حال ، فلم أزر جدتي المسكينة هذه منذ سنوات ، مع أنها بعثت تسدعيني عشرات المرات ، ولكن إذا أحوج الأمر فسوف أظل أكثر من أسبوع.
ـ إذهب مع السلامة يا محمود !.
واستقل محمود سيارته ، ومضى ينهب بها الشارع وكأنه كان يريد الابتعاد عن سعاد بأسرع وقت ، وتابعته سعاد بنظرها ، وردت في نفسها قائلة : أنت لن تذهب إلى جدتك يا محمود ! ... فهنيئاً لنقاء بأسبوعها الحافل ... وليكن هذا الأسبوع هو أسبوع الوداع ، فقد قربت عودة إبراهيم...
أما محمود فقد كان صادقاً فيما قال ، وكانت جدته مريضة حقاً ولكنها لم تشأ أن تستدعيه ، فقد يئست من استجابته لها لكثرة ما استدعته فلم يجب ، وكتبت إليه فلم يرد عليها بكلمة واحدة ، فأقامت على علتها ووحدتها تنتظر الأجل المحتوم.
ولم يتوقف محمود في الطريق ، فقد كان يخشى أن يتأخر


--------------------------------------------------------------------------------

( 187 )

ساعة فيصل بعد فوات الأوان ، فهو يحس بعاطفة قوية تجيش بصدره نحو هذه الجدة المسكينة ، وهو يتصورها على سرير الموت ، تقلبها أيدي الأجانب والأغراب ، وود لو يلقاها حية ليستغفرها عن عقوقه ويذرف بين يديها دموع التوبة والندم... ووصل أخيراً إلى بيت جدته وطرق الباب ففتحه له خادم شيخ استغرب قدومه ولم يتعرف عليه ، فسأله محمود في لهفة :
ـ كيف حال السيدة يا حاج ؟!.
فرد الخادم بصوت يشوبه الاستغراب لهذه اللهفة قائلاً :
ـ لا تزال كما هي يا أستاذ !..
ـ تقصد أنها لا تزال مريضة ؟.
ـ نعم فهي ما برحت تصارع الموت ولكن...
ولم يمهله محمود ليتم جملته بل اندفع نحو الداخل ، وهم الخادم أن يمنعه من الدخول وهو يقول :
ـ إن الدخول ممنوع يا سيدي ! فحالها لايسمح بذلك.
ـ ولكني ابنها يا شيخ !.
ـ ابنها !؟.
ـ نعم أنا حفيدها الوحيد.


--------------------------------------------------------------------------------

( 188 )

ـ أه ... أنت السيد محمود إذن ؟
ـ نعم.
ـ لقد كانت تذكرك كثيراً يا سيدي ! ... وطالما سكبت لأجلك الدموع.
ودخل محمود على جدته فوجدها في غيبوبة وقد وقفت عند رأسها خادمتها العجوز التي لازمتها منذ صباها الأول ... ولهذا فقد عرفت محمود في الوهلة الأولى ، فقالت بصوت تخنقه العبرات :
ـ هل أتيت أخيراً يا سيد محمود ! ... لقد كانت تحيى بذكرك دائماً ولكنها الآن لا تتمكن أن تحس بوجودك.
وتساقط العرق بارداً على وجه محمود وردد في جزع قائلاً :
ـ لعلها .. لعلها ...
ـ لا يا سيدي ! إنها لم تنته بعد ولكن نهايتها ليست ببعيدة.
ـ وكيف ؟ ألا يوجد طبيب هنا ؟!
ـ لقد رآها الطبيب منذ ساعة ، ولكنه قال : إنها لن تحتاج إليه بعد الآن.


--------------------------------------------------------------------------------

( 189 )

أنحنى محمود على الجسد المسجى ، ورفع اليد المعروفة إلى فمه وطبع عليها قبلة طويلة ثم رفع رأسه وقد تبلل وجهه بالدموع ، وظل واقفاً أمامها لا يريم ، وفجأة صدرت عن صدر المريضة العجوز آهة أتبعتها بتململ قليل من رأسها ، فانحنى عليها مرة أخرى وناداها بصوت خافت حنون : جدتي ... جدتي العزيزة ! أنا محمود . جهد جبار فتحت العجوز عينيها وابتهل محمود إلى ربه في سره قائلاً : ليتها تعرفني يا رب ! وعرفته المسكينة ، فقد لاحت على وجهها المغضن الشاحب شبح ابتسامة... فعاد محمود يقول :
ـ أنا محمود ، جئت إليك تائباً نادماً مستغفراً عما بدر مني ، فهل تغفرين لابنك العاق ؟.
ورفعت المرأة العجوز عينها نحو السماء كأنها تريد أن تدعو له بالغفران ، فانحنى مرة أخرى وقبل يدها بخشوع وشعر بأناملها باردة متشنجة ، فلم يشأ أن يترك تلك اليد الكريمة التي طالما هدهدته وداعبته فأبقى عليها بين يديه ، واختجلت الأنامل في قبضته اختلاجة صغيرة ، وصدرت عن الجسد المسجى أنة خافتة ، فنظر نحوها فزعاً ، وحاول أن يناديها مرة أخرى ، ولكن الخادمة العجوز منعته من ذلك ، وقالت وهي تذرف العبرات :
ـ دعها فقد أسلمت روحها إلى باريها راضية مرضية.

:(
فتاة الرافدين
الفصل الخامس والعشرون

أنهى محمود مراسيم دفن جدته ، وفي ساعة متأخرة من اليوم الثاني وصل إلى داره ففتح الباب بالمفتاح الذي كان يحمله معه ، وتوجه إلى غرفته ، وكان السكون يسود أرجاء الدار ، وقد انصرف الخدم إلى بيوتهم كعادتهم في كل يوم ، فلم يكن يستقيم في البيت أحد من الخدم عدا سنية ، وكان بصيص من النور يلوح من نوافذ غرفتها فعلم أنها لا تزال يقظى ، وحانت منه التفاتة نحو غرفة سعاد فراها غارقة في ظلام دامس ، فعجب لذلك وهو يعلم أنها لا تنام في الظلمة ، وفكر أنها لم تعد بعد ، ونظر إلى الساعة فرأى أنها تقارب الثانية صباحاً .. وكانت حوادث اليومين الماضيين قد أثرت على أعصابه فلم يتمكن أن ينام ، وهو يشعر بالندم ... كيف أعمت الشهوات عينيه ؟ وكيف سمح لنفسه أن يجري وراء هواه ؟ وكيف صيرته المادة عبداً لا يخضع إلا لها ؟ ولا يعيش إلا لأجلها ، حتى جدته العجوز لم يستجب لنداءاتها أو يرد على رسائلها ، ليت حياتها استمرت مدة أطول ، إذن لعرف كيف يضمها إليه ، وكيف يمسح بعواطفه


--------------------------------------------------------------------------------

( 192 )

على آلامها وأمراضها ، لكنها ذهبت ولن تعود ، وأرق محمود مع هذه الأفكار ... وعز عليه النوم ، ومرت ساعة وساعتان ولم يطبق له جفن ، تذكر سعاد وخطر له أن يعرف إن كانت قد عادت أم لا ، فنهض وتطلع نحو نافذتها فرآها كما كانت غارقة في الظلام ، فهاله أنها لم ترجع بعد ، واتجه ببصره نحو غرفة سنية فوجد أن النور الضعيف لا يزال يلوح منها ، فهم أن يستدعيها ليسألها عن سعاد ، ولكنه خشي أن تحمل سنية ذلك منه على محمل غير شريف ، فتردد مدة ثم أقلع عن هذه الفكرة وحاول أن ينام ، ولكنه لم يتمكن من ذلك ، وقد أخذت تنكشف أمام ضميره أعمال سعاد وأفعالها على أبشع صورة ، وعجب لنفسه كيف ظن أن في وسعه إصلاحها بعد أن بلغت من انحرافها هذا المدى البعيد... وعند بزوغ أول علائم الفجر ذهب بنفسه إلى غرفة سعاد ليتأكد من خلوها فألفاها مغلقة يسودها الظلام ، وخطر له أن يطرق الباب فلعلها آثرت أن تنام ليلتها في الظلمة ، ولكن طرقاته لم تكن لتنتج شيئاً والغرفة خالية ، فرجع إلى غرفته وهو يتميز غيظاً وحنقاً وألقى بنفسه على الكرسي وهو يتمتم : لقد حسبت أني لن أرجع قبل أسبوع ... ولكن أيمكن أن يحدث هذا ؟ أوصلت بها الخيانة إلى هذا المدى البعيد ! نعم إنها هكذا كانت دائماً ، ولكني أنا الذي كنت سادراً في سكرتي المقيتة فاستغفلتني حتى أمنت جانبي واستبعدتني حتى لم تعد تخشى مني.


--------------------------------------------------------------------------------

( 193 )

ثم صمم على أن يستدعي سنية ... وما عليه إذا خامر الشك قلبها إلى دقائق ... وقرع الجرس ، فقد كان في غرفته جرس خاص يتصل بغرفتها مباشرة ، ولم تمض لحظات حتى سمع نقراً خفيفاً على الباب فقال : ادخلي يا سنية !... فدخلت سنية وهي تتعثر بأذيالها من الارتباك ووقفت تنتظر فسألها محمود في هدوء قائلاً :
ـ أين سعاد يا سنية ؟!.
فسكتت سنية ولم تجب ، بل ولم ترفع نحوه رأسها أيضاً ، فكرر السؤال في شدة :
ـ أجيبي يا سنية ! أين ذهبت سعاد ؟ ولماذا لم تعد طيلة هذه الليلة ؟
ورأت سنية أن الفرصة قد واتتها للانتقام من سعاد ، وليكن بعد ذلك ما يكون ، فهي لم تكن تخشى سعاد إلا من ناحية واحدة ، وهي ان تتسبب في طردها وإقصائها عن محمود ، وأما الآن فقد خسرت محمود على كل حال ، فما الذي يدعوها إلى التستر على سعاد ، ولهذا فقد صممت على أن تقول كل شيء ... فقالت :
ـ لقد تركت سيدتي البيت منذ الساعة السادسة بعد الظهر من مساء أمس...
فارتعد صوت محمود وهو يسأل :


--------------------------------------------------------------------------------

( 194 )

ـ ألا تعلمين أين ذهبت ؟ ألم تقل لك شيئاً عن ذلك ؟
ـ إنها لم تخبرني بشيء.
ـ أصدقيني يا سنية ! ألا تعلمين شيئاً عن المكان الذي قصدت إليه.
ـ إنها ذهبت إلى أحد المسارح.
ـ أحد المسارح ! وفي الساعة السادسة.
ـ لقد قضت ساعتين في حدائق المسرح قبل بداية العرض.
ـ وهل كانت وحدها يا سنية ؟
ـ لا...
ـ إذن فمن كان معها هناك ؟.
ـ كانت بصحبة صلاح ...
ـ صلاح !!..
ـ نعم صلاح.
ـ ومن أين علمت ذلك ؟
ـ لقد تعقبتها يا سيدي ! ولم أعد إلى البيت حتى عرفت كل شيء...


--------------------------------------------------------------------------------

( 195 )

ـ أنت تعقبتيها يا سنية !
ـ نعم فأنا موتورة ، فقد حطمت حياتي وسحقت سعادتي.
ـ وكيف يا سنية ؟!
ـ أنا على ثقة من أنها هي التي تسببت بحرماني من....
ـ أما هذا فلا .. أنا أفهم ما تريدين أن تقولي ، ولكن اعلمي يا سنية ! أن سعاد لم يكن لها أي دخل في ذلك... والآن أخبريني أين قضت سعاد ليلتها ؟
ـ عند صلاح ... نعم ، وقد رأيتهما يدخلان داره وهما مخمورين.
ـ أحقاً ما تقولين أم أن حقدك عليها يدفعك إلى ذلك ؟.
ـ أقسم لك بربي يا سيدي ! على صحة ما أقوله .. وإذا أردت أن تتأكد أذهب إلى بيت صلاح لتجدها هناك.
وأحس محمود أن الدماء تغلي في عروقه وأن قبضة الغيرة تضغط على عنقه بيد من حديد ، فسكت برهة ثم رأى أن عليه أن يقول لهذه المسكينة الواقفة أمامه شيئاً وهو يعلم أنه أساء إليها من قبل فقال :
ـ سنية ! أنت امرأة شابة على جانب غير قليل من الذكاء والفطنة ، فهلا شققت لنفسك طريقاً في الحياة وأنا كفيل بتمهيده لك على أحسن وجه...


--------------------------------------------------------------------------------

( 196 )

ـ أنا لا أفهم ما تقصد يا سيدي ! وأي حياة هذه التي تحدثني عنها ؟.
ـ أقصد مستقبلك يا سنية !..
ـ مستقبلي ! ومن أين لي مستقبل واضح !..
ـ أنا على استعداد لأن أعينك بأي شيء...
ـ ماذا مثلاً ؟
ـ عمل تجاري أو أي شيء آخر من هذا القبيل.
ـ عمل تجاري ... عمل تجاري !.
ـ نعم يا سنية ! أنا مسؤول عن كفالته لك... فكري فيما قلته الآن ومتى ما توصلت إلى قرار فأنا حاضر أن أساعدك كأخ.
ـ ماذا تقول يا سيدي ؟ أنا أكون صاحبة عمل تجاري ؟!.
ـ نعم أنت تكونين المالكة لرأس مال تتصرفين فيه كما تشائين ، لكي أتمكن أن أعيش حياتي هانئاً سعيداً ... والآن انصرفي يا سنية ! واعلمي أني قد خلقت من جديد...
انصرفت سنية وهي لا تكاد تصدق ما سمعته !... وظل محمود ينتظر رجوع سعاد ، وقد صمم على أن يحدد موقفه منها ... وفكر لو ذهب إلى بيت صلاح ليضع النقاط


--------------------------------------------------------------------------------

( 197 )

على الحروف معها هناك ، ولكي يحول دون عودتها إلى البيت ... ولكنه تذكر كلمات نقاء وتذكر أنها أوصته أن يحاول إصلاحها أولاً ، فإذا يئس فإن عليه أن يبعدها عن حياته بأي ثمن.
وفي حوالي الساعة الثامنة سمع بوق سيارة سعاد... فانتظر حتى استوثق من دخولها إلى غرفتها ثم توجه إليها ، وكان باب غرفتها لا يزال مفتوحاً ولكنه قرع الباب فجاءه صوت سعاد :
ـ من الطارق ... سنية ؟ أدخلي.
فرد محمود قائلاً :
ـ لا ... أنا محمود يا سعاد !
ثم دلف إلى الغرفة قائلاً :
ـ أظنك لم تتوقعين رؤيتي في هذا الصباح...
وصعقت سعاد لمرآه وتمتمت قائلة :
ـ محمود ... محمود...
ـ نعم ... أنا محمود زوجك المخدوع !.
وكانت سعاد واقفة فألقت بنفسها على الكرسي وحاولت أن تستعيد رباطة جأشها ، وأن تواجه الواقع مهما كان ، فقالت بصوت حاولت أن يبدو طبيعياً :


--------------------------------------------------------------------------------

( 198 )

ـ اراك عدت سريعاً يا محمود ! ألم تكن رحلتك موفقة ؟
فتقدم نحوها ووقف لمواجهتها وقال وهو يتصنع الهدوء :
ـ نعم لقد عدت لأراك تقضين ليلك خارج بيتك... ولا تعودين إلا عند الصباح ... عدت لأراك وأنت تتمرغين بالرذيلة وتريقين ما تبقى لك من العزة والكرامة على مذبح شهواتك..
ـ لست ادري ما الذي دهاك يا محمود ؟ هل أنت سكران أم أن الفشل قد حدى بك إلى هذه الثورة ، فجعلك تتمشدق بالعزة والكرامة ؟..
ـ أنا الآن صاح كما لم أصح من قبل ، ولهذا فقد جئت لأحاول معك محاولة أخيرة ...
ـ إن محاولاتك معلومة لدي ... فوفر لنفسك نصائحك...
ـ بودي لو أقلعت عن هذه المحاولة ، ولكن داعي الواجب يدعوني إلى ذلك ... أين كنت يا سعاد ؟ أين قضيت ليلتك هذه بعيدة عن الدار ؟ متى افترقت عن صلاح ؟ وهل افترقت عنه ؟!.
ـ وما يعنيك أنت من ذلك... أنا حرة أفعل ما أشاء !.
ـ إن للحرية حدوداً قد أسأت لها كثيراً يا سعاد !


--------------------------------------------------------------------------------

( 199 )

ـ مهما بلغت من الحرية فلن أصل إلى بعض حريتك يا محمود ... ونحن متفقان مبدئياً على المساواة بين المرأة والرجل !
ـ الحرية لا تعني الخيانة ، ولا تعني الانحراف...
ـ الخائن لا يخان يا محمود !
ـ أنا لا أريد أن أدخل معك في نقاش عن الخيانية الزوجية ولكني أريد إيضاحاً فقط.
ـ عن أي شيء ؟
ـ عن المكان الذي قضيت فيه ليلتك هذه...
ـ أخبرني أنت أولاً عن ليلتك الماضية ... والتي قبلها ... حدثني أنت أولاً عن مغامراتك ومغامرتك الأخيرة على الخصوص وتفاصيلها لكي يكون لك بعض الحق في السؤال...
ـ أنا لن أفوه بحرف واحد يا سعاد ، وعليك أنت أن تخبريني بكل شيء ، فقد سئمت هذا الوضع المشين ، ولم أعد أطيق هذه الضعة التي تشعريني بها في الحياة ... أنا لن ...
فقطعت سعاد كلامه ، وهي تظن أنها سوف ترميه بنفس سلاحه ، وأنها سوف تتمكن منه كعادتها في المرات السابقة فقالت :


--------------------------------------------------------------------------------

( 200 )

ـ وما السبب في انتهاء مهمتك بهذه السرعة ! هل تخاصمتما أم هل رجع الغائب عن السفر ؟!
ـ أنا لا أفهم ما تقولين يا سعاد ، لقد عدت وكفى ، نعم عدت أمس ليلاً.
ـ ثم ماذا ؟
ـ لا شيء مطلقاً سوى أني لم أعد أطيق منك هذا السلوك ...
ـ أراك ثائراً ( اليوم ) يا محمود !... أكان فشلك مع نقاء هو الذي دعاك إلى هذه الثورة ؟ ... أنت تعلم منذ اليوم الأول أني حرة ، نعم أنا حرة.
ـ أنا لا أفهم ما تقولين وماذا تقصدين... أي نقاء هذه التي تتحدثين عنها وأي فشل ؟ أنا ما عدت أفشل في حياتي ما دمت ... سوف أتخلص منك ومن عارك يا سعاد.
ـ أهكذا تنسى اسمها بهذه السرعة يا محمود ... أم تتناساه ؟
ـ أنا لا أعرف أي اسم لكي أنساه ، أنا لا أذكر الآن سوى إني في طريقي للتخلص منك إلى الأبد ... إلا إذا حاولت أن تبرري تصرفاتك وتتوبي وتقلعي عن تصرفاتك المشينة.


--------------------------------------------------------------------------------

( 201 )

ـ ماذا أبرر ... وعن أي تصرفات...
ـ عن خياناتك ونزواتك...
ـ لا شك أنك مجنون ... أتظن أن أمرأة مثلي في شبابي وجمالي تقبع في عقر دارك وتوقف حياتها عليك ؟ ... أنا حرة يا محمود ! ... ولي الحق الكامل في الاستفادة من جمالي وشبابي ، أنا لا أسحق حياتي لحساب زوج مثلك أو أي زوج آخر ، فهل يكفيك هذا ؟.
ـ طبعاً يكفيني وزيادة ، لقد كنت أظن أنك سوف تعتذرين أما الآن...
ـ فماذا عساك أن تفعل بعد أن عرفت أني لا اعتذر ولا أبدي أي تبرير ، أنا هكذا كنت وهكذا سأكون !.
ـ أنت تعترفين إذن !
ـ وهل أنت قاض حتى أعترف بين يديك... كان عليك أن تعترف أنت أولاً...
ـ أنا زوجك ولي الحق في تحديد موقفي منك بعد الآن إلا إذا..
ـ مرة أخرى تقول إلا إذا.. لا أعلم ، إني لن أعتذر مطلقاً فنحن متفقان على أن لكل من المرأة والرجل الحرية الكاملة ، فكما ذهبت أنت إلى نقاء ... ذهبت أنا أيضاً...


--------------------------------------------------------------------------------

( 202 )

ـ إلى صلاح طبعاً !.
ـ نعم ، فهل يرضيك هذا ، وهل يكفيني شر ثورتك !...
ـ أتعلمين ما تقولين يا سعاد !.. هل انتبهت إلى كلماتك الناطقة عن الخطيئة والمجللة بالعار ؟
ـ أراك أصبحت تردد الكلمات العتيقة... هل أصابتك العدوى من نقاء ؟
ـ نقاء ! ومن تكون نقاء هذه ! أنا لا أعرف واحدة اسمها نقاء ، ولا أردد كلمات عتيقة ، وأنا أحاول جاهداً أن أسيطر على أعصابي معك ، لكي لا أبقي ناحية مغفولة ، أو أغلق باباً من أبواب الأمل في الاصلاح ...
ـ لا أدري هل أنت غبي أم تتغابى ؟ أم تظن بي الغباء ؟! أتنكر معرفة نقاء ؟!.
ـ أنا لم أسمع بهذا الاسم من قبل !
ـ هه... نقاء فاتنتك الجديدة زوجة إبراهيم .
وهنا أفلت زمام غضب محمود فصرح بها قائلاً :
ـ الويل لك يا سعاد ! أتجرأين على النيل من هذا الملاك الطاهر...


--------------------------------------------------------------------------------

( 203 )

وقطعت سعاد كلامه قائلة :
ـ أرأيت كيف أنك تعرفها يا محمود !؟.
ـ أنا لم أكن أعرف حتى اسمها قبل الآن ، ولكني عرفتها لذكر إبراهيم ، وحتى هذا فهي لم تكن لتخبرني به لولا داعي العفة والفضيلة...
ـ العفة !!..
ـ نعم ، إنها ملاك طاهر في صورة انسان ، انها مجموعة مثل خيرة ، وأنموذج كامل للأخلاق الفاضلة.
ـ ماذا تعني يا محمود ؟!.
ـ أنت لا تستطيعين أن تتوصلي إلى ما أعنيه ، فمن أين لفكرك الطائش أن يسبر ماهيتها ويدرك حقيقتها..
وارتبكت سعاد ولم تفهم معنى لكلمات محمود ، فرددت قائلة :
ـ أنا لا أفهم ما تعنيه يا محمود ، أيمكن لنقاء أن تكون عفيفة فاضلة وهي خليلتك ؟!.
ـ أعوذ بالله ، أنا لم أكن أعرف عنها حتى مجرد اسمها ، ولا تعرف هي عني حتى اسمي ، ولا يمكن لقلب طاهر على شاكلة قلبها أن يعشق رجلاً مثلي ، إنها وهبته لمن يستحقه ، ولا شك...


--------------------------------------------------------------------------------

( 204 )

وارتعش صوت سعاد وهي تقول :
ـ أنت إذن لم...
ـ لا... أبداً ، أنا أعرف ما تريدين أن تقولي ... لقد دفعت بي إلى الغواية ، ولكني اهتديت... وأرسلت بي نحو الظلام ولكني أبصرت قدامي نوراً فمشيت ... وبعثت بي إلى الحضيض ، فسموت إلى الآفاق. أنت أردت أن تمعنين في تضليلي ، فشاء الله أن يكون في إضلالك هداية لي. وإنقاذاً لروحي من بحر الخطيئات . أنا لم أعد ذلك الرجل الضائع في خضم الخطايا ، فقد تفتحت عيني لأول مرة على نور الحياة ، وذقت طعم سعادتها منذ أيام.
ـ إذن... إذن... فأنت تعشق نقاء ولم تحاول إغراءها !
ـ أنا لم أعشقها ، ولن أعشقها أبداً ، ولا أشعر نحوها بأي شعور شهوي ، ولكني احترمها كملاك هادي ، وكوكب منير فهي بالنسبة لي معنى روحاني يفوق العشق ، ويسمو على الحب ، ولا يدانيه شيء.
وخرجت الحروف متقطعة من فم سعاد وهي تقول :
ـ وهي ؟!.
ـ مسكينة أنت يا سعاد ، لعلك تودين لو تعرفين الحقيقة ، ولا مانع عندي أن أخبرك بها الآن ، وبعد أن حزمت أمري معك يا سعاد : أنت أغريتيني بنقاء ولم أعرف


--------------------------------------------------------------------------------

( 205 )

لذلك سبباً حتى الآن ودفعتيني إليها ، فاندفعت إلى حيث تريدين وحاولت أن ألقي حولها شباكي ولكني فشلت ، وبدلاً من أن تسلمني إلى أيدي الشرطة بدأت في هدايتي وارشادي إلى طريق الصلاح وقد نجحت كما ترين ، كادت أن تسلمني إلى أيدي الشرطة لولا عطفها عليك وحرصها على أن تجنبك الفضيحة ، قالت لي مرة : لولا هذه المرأة التي تحمل خاتمها حول إصبعك لسلمتك للشرطة.
وصعقت سعاد وسألت في فزع :
ـ وهل تعرفني هي ؟!
ـ لا ، ولكنها تعرف أني رجل متزوج ، ولو كانت تعرفك لعلمت أن ذلك لن يزيدك فضيحة وعاراً جديدين.
ـ فتمتمت سعاد قائلة :
ـ أو لو تعرف من تكون أنت ؟
ـ أبداً فما حاولت أن تتعرف عليّ ، فهي لم يكن لغيرها أمري من قريب أو بعيد عن موقفها ولا تزال تجهل حتى اسمي مع أنها تعلم كونها هي التي بعثتني بعثاً جديداً في الحياة وهي التي فتحت أمامي أبواب المستقبل الشريف ، نعم أنها لا تعرف عني حتى اسمي.
فخرج صوت سعاد على شكل أنات وهي تقول :


--------------------------------------------------------------------------------

( 206 )

ـ إذن فلم تتمكن من إغرائها ؟
ـ وهل يمكن لمثلي أن يغرر بمثلها ! وهل يمكن لتفاهة أفكاري أن تتلاعب بأفكارها السامية... أنها في حصن حصين من مفاهيمها ومثلها وثبات عقيدتها.
ـ آه ، أنت تتكلم عن المثل والمفاهيم !
ـ نعم ، بعد أن عرفت أن لا حياة بلا مثل ، ولا سعادة بدون مفاهيم صالحة ... أنا لم أكن أصدق قبل معرفتي لها أن للخير وجوداً على هذه الأرض أو أن المثالية الحقيقية توجد في البشر ، ولكنها قلبت مفاهيمي رأساً على عقب ، وأحدثت في نفسي انقلاباً لم أخرج منه إلا وقد انتصر عنصر الخير فيّ على عنصر الشر ، جعلتني أؤمن أن الدنيا مليئة بالناس الطيبين بعد أن كنت أجهل حتى وجود واحد منهم ، أما الآن فأنا رجل جديد... ولهذا فقد صممت على أن أحزم امري معك يا سعاد ! فقد تنبهت أخيراً إلى الخطأ الذي كنت أعيش فيه. فأنا لم أحبك يا سعاد ! بل ولن أحبك في يوم من الأيام مطلقاً ، وإنما الشعور الحيواني هو الذي أخضعني لك فيما مضى ، وقد تخلصت من ذلك الشعور البغيض ، فأنت الآن لا تعنين عندي شيئاً. سوف أدفع لك صداقك كاملاً فلعله يكفل لك حياتك لمدة وجيزة تقعين بعدها على صيد جديد ، وأنا إذ اتخذ هذا القرار استشعر الراحة والرضاء ، فقد حاولت إلى آخر لحظة أن أنتشلك من حضيضك أو أرفعك


--------------------------------------------------------------------------------

( 207 )

من وهدتك هذه لكنك أبيت ذلك وركبت غرورك واندفعت وراء شيطانك ، فاذهبي إلى حيث يقودك فكرك الضال.
وكانت سعاد تستمع إلى محمود وهي تستشعر بقلبها يتحطم تحت وطأة كلماته الرصينة ، فقد تجسم لها في لحظة شقائها وفشلها في الحياة ، ورأت كيدها وهو يرد إلى نحوها وسلاحها يعود فيدمي فؤادها ويهدم ما بنته من آمال على الثروة التي أخذت تتلاشى من بين يديها وتتركها ليد العدم والحرمان ، إنها لم تكن تحب محمود ولم تكن تحزن لفراقه أبداً ، ولكنها ما كانت تطيق حياة الفاقة وهي تعلم أن شخصيتها في المجتمع مرهونة بالثروة والمال الذي يخولها ولوج المجتمع الذي تعيشه ، وهكذا رأت نفسها في لحظة وهي خلو من كل شيء...

:26: :26: :26:
الفصل السادس والعشرون

كانت الأشهر الثلاثة تكاد تنقضي وتنتهي بمضيها سفرة إبراهيم وقد أصبحت رسائله تصل مرتين في الأسبوع بدل المرة الواحدة ، ونقاء تعيش بأمل اللقاء القريب وعلى أحلام المستقبل السعيد... واخيراً تعين يوم وصوله ، ولم يكن قد بقي عليه سوى يومين. وخرجت نقاء إلى السوق لتشتري بعض حوائجها ، ولما أتممت مهمتها وقفت تنتظر سيارة « الأمانة » وفجأة وقفت أمامها سيارة نزل منها محمود ، وابتدرها بتحية مؤدبة رصينة ، فلم تفزع نقاء في هذه المرة ولم تتقهقر خطوات كما فعلت في المرة الماضية ، فقد اطمأنت إلى غايات هذا الرجل وواقعه النبيل ، ولهذا فقد ردت تحيته بما يليق .. وشجع محمود حماسها في الجواب وسره أن يكون قد توصل أخيراً إلى إشاعة الثقة في نفس نقاء وقال :
ـ منذ مدة وأنا أفتش عنك يا اختي ، فأنا في حاجة إلى مزيد من الارشاد...
ـ ألم تكمل قراءة الكتب ؟


--------------------------------------------------------------------------------

( 210 )

ـ قرأتها جميعاً ، وعدت فاشتريت كتباً جديدة ...
ـ وهل اشتريت « البؤساء » ليفكتور هوجو ؟
ـ نعم ، فإن اقتناء الكتب أصبح هوايتي المفضلة.
ـ فعليك بها إذن فهي كفيلة بإرواء ظمأك إلى العلم والمعرفة.
ـ ولكن لدي ما أقوله لك ، فقد تمكنت أن أتخلص أخيراً من جميع توابع الماضي البغيض !
ـ حقاً ... بارك الله فيك ولكن كيف ؟
ـ أظن أني لن أتمكن أن أشرح لك ذلك هنا وسط الزحام.
وسكت محمود فلم يردف شيئاً ، وسكتت نقاء أيضاً ، ونظرت إليه فرأته يتطلع نحوها بتضرع والتماس وشعرت أن عليها أن تفعل شيئاً تجاه هذا الرجل لكي لا تعقده ثقته بنفسه ولتوحي إليه أن نظرتها نحوه قد تغيرت وانه الآن يختلف عما كان عليه من قبل فقالت :
ـ يمكنك أن تلاقيني في المنتزه.
ـ أحقاً تمنين عليّ بذلك ؟
ـ نعم لأنك أصبحت رجلاً شريفاً ومستقيماً.


--------------------------------------------------------------------------------

( 211 )

ـ ولكن متى ؟
ـ اليوم في الساعة الخامسة .
ـ شكراً.
ـ لا داعي للشكر فليس هذا إلا واجب إنساني ...
ـ أما الآن فأظن أن عليّ أن أنصرف...
ـ إذا سمحت بذلك طبعاً.
ـ طبعاً فلن أطيل وقوفك على قارعة الطريق.
ثم انحنى لها باحترام وذهب ، واستقلت نقاء « الامانة » إلى البيت ، وفي تمام الخامسة كانت تتوجه نحو المنتزه لتستمع إلى حديث الرجل الغريب ، فهي لم تعد تخافه بعد اليوم بعد أن أشرق على قلبه نور الايمان ، وهناك وجدته ينتظر ولم تشأ أن تذهب إلى ركنها القصي فاختارت مجلسها في ناحية واضحة من نواحي المنتزه ، وبعد لحظات من جلوسها سألها محمود في أدب قائلاً :
ـ هل لي أن أتحدث ؟
ـ تفضل يا سيدي ! على الرحب والسعة...
ـ لقد أصبحت لي مرشدة وناصحة ...
ـ ...


--------------------------------------------------------------------------------

( 212 )

ـ وقد حدثتك في اجتماع سابق عن مشاكلي المعقدة ، التي تحول بيني وبين بدء حياة جديدة ، ولكنك نصحتيني أن أحاول ...
ـ أنت تقصد زوجتك إذن ؟
ـ نعم إنها هي ، ولكنها لم تعد زوجتي والحمد لله ، فقد وفقت إلى إبعادها عن حياتي نهائياً.
ـ وكيف ؟ أعجزت عن إصلاحها ؟
ـ لقد حاولت ذلك إرضاء للمرؤة ولكني لم أفلح ، لقد قضيت أسابيع طوال يؤرقني القلق وتعذبني الحيرة ، حتى حدث أخيراً ما قطع الشك باليقين ...
ـ آه ! ...
ـ نعم ... ولهذا فقد تمكنت أن أتحرر من سلطانها ونفوذها الشيطاني.
ـ وكيف ؟؟
ـ طلقتها منذ أيام ..
ـ يا لها من تعيسة !
ـ لا يا نقاء ! إن التعاسة تحتاج إلى شعور وإلى قلب وإلى كرامة ، أما هذه فلا تملك شيئاً من هذه الأمور ، ولهذا فهي لن تكون تعيسة مطلقاً.


--------------------------------------------------------------------------------

( 213 )

فاستغربت نقاء ذكره لاسمها وهي لم تخبره به من قبل ، فسألته في استغراب قائلة :
ـ من أين تعرفت على اسمي ؟ فأنا لم أذكره أمامك على ما أظن.
ـ أبداً فقد كنت حريصة على أن لا تذكريه ، ولكن سعاد هي التي ذكرته لي.
ـ فبغتت نقاء وسارعت تقول :
ـ سعاد ! ومن تكون سعاد هذه ؟
ـ إنها زوجتي السابقة التي حدثتك عنها منذ دقائق ، إنها الشيطان بعينه ، ليتك كنت رأيتيها لتعرفي ما أقول ...
وغرقت نقاء في فكر عميق ... أتكون سعاد هذه بنت خالتها هي ؟ أيكون هذا الرجل هو زوجها محمود ؟ ولم يسعها إلا أن تسأل بارتباك.
ـ كم من المدة التي قضيتها معها بعد الزواج ؟
ـ أربع سنوات ، عشنا ثلاثة منه في أوروبا.
ـ في أوروبا !
ـ نعم ، ولم نرجع إلا قبل بضع شهور ...
ـ آه ...


--------------------------------------------------------------------------------

( 214 )

ـ ماذا ؟
ـ لا شيء ..
ـ هل أزعجك حديثي عن سعاد ؟
ـ لا ، أبداً ...
ولكن محمود عرف أنها ليست على حالها الطبيعي ، ولكنه لم يعرف لذلك سبباً ، فعاد يقول :
ـ نعم إن سعاد هي التي ذكرت اسمك لي.
ـ وبماذا كانت تذكرني ؟
ـ أنا لم أصارحك بالحقيقة بعد ... ولابد لي أن أصارحك بها مهما كلفني ذلك من آلام : إن سعاد هي التي دفعتني إلى ارتكاب ذلك الخطأ الفظيع .. فقد صورتك لي على صورة هي طبق الأصل لصورتها الواقعية ، وكانت المادة تعمي بصري وتسيرني بسلطانها ، فصدقتها بما ادعت وأنت تعلمين النتيجة ...
ـ أو علمت سعاد هذا كله ؟ هل حقاً أنها هي التي كانت تدفعك إلى ذلك ؟‍
ـ إي وربي ‍ وقد أعطتني أوصافك لأتعرف عليك في المطار.


--------------------------------------------------------------------------------

( 215 )

ـ يا لها من امرأة ؟!
ـ نعم ، يا لها من امرأة !
ـ لم أكن أظن أنها سوف تنزل إلى هذا المستوى.
ـ أكنت تعرفينها من قبل ؟
ـ نعم إنها بنت خالتي !
ـ بنت خالتك ! إذا فأنت تلك الفتاة التي كانت تحدثني عنك ...
ـ عن تأخر أفكاري ورجعيتي في الحياة .
ـ تماماً.
ـ ولكن ...
ـ ولكن ماذا ؟ وهذه آخر صفحة عار من حياتها اكتشفتها الآن عن بنت خالتك ، وهي تقف مثل هذا الموقف المشين ، حقاً لست أدري بماذا ينبغي أن أصف هذا الجرم الفظيع !.
ـ وإذا أردت أن تكون رجل اليوم فلا تصفها بأي شيء واتركها ومصيرها المظلم.
ـ ولكنها بلغت من الدناءة...
ـ أرجوك يا أخي محمود لا تأت على ذكرها بعد الآن ، يكفيها من تلاقي من آلام.


--------------------------------------------------------------------------------

( 216 )

ثم سكتت نقاء وهي لا تكاد تصدق ما سمعته بأذنيها منذ لحظات ، ولا تعرف لذلك سبباً ، أي بغضاء هائلة هذه التي بعثت سعاد إلى إلقاء هذه الأحابيل ، فهي لا تذكر أنها أساءت إليها يوماً ما ، ولم يشأ محمود أن يقطع عليها سلسلة تفكيرها ، ولكنها نظرت إلى ساعتها ثم نهضت وهي تقول :
ـ إن عليّ أن أذهب إلى البيت ، فلدي موعد مع بعض الصديقات فنهض محمود أيضاً ، وقال :
ـ هل لي أن أسأل عن موعد قدوم السيد ابراهيم ، وعن السبب في سفره إلى باريس ؟
ـ أما السبب فهو تقديم الأطروحة للحصول على شهادة الدكتوراه ، وقد حصل عليها ، وأبرم عقود جديدة مع بعض الشركات الأجنبية ليحصل على وكالات لبيع منتوجاتها هنا ، وأما موعد قدومه فهو صباح يوم الأربعاء في الساعة الثانية عشر.
ـ أيمكن لي أن أكون من جملة المستقبلين ؟
ـ طبعاً فقد كتبت له عنك وحدثته عن جميع التطورات ...
ـ يا لك من شخصية نادرة ، أيمكن أن تصل ثقتي بنفسي يوماً ما إلى هذا المستوى ؟


--------------------------------------------------------------------------------

( 217 )

ـ نعم ، إذا استضاءت جميع جنبات روحك بنور الايمان.
ـ إذن فأنت تسمحين لي بالذهاب إلى المطار ؟
ـ وبكل ترحيب.
فتاة الرافدين
الخاتمة


وفي صباح يوم الأربعاء كانت نقاء تقف في المطار وهي تنتظر وصول الطائرة التي تقل إبراهيم ، وكان لدى استقباله عدد كبير من أصحابه وأصدقائه ، وقبل وصول الطائرة بقليل وصل محمود وكان بادي الارتباك لعدم معرفته بأحد من المستقبلين ... وبدت في الأفق الطائرة التي تقل ابراهيم وبعد دقائق حطت على أرض المطار ... ونزل منها إبراهيم وقد علت وجهه ابتسامة عريضة ، وحيي بيديه مستقبليه ، ثم توجه نحو الجمارك ، وهنا تقدم محمود ناحية نقاء وسألها قائلاً :
ـ أتظنين أن وجودي سيغضبه يا نقاء ؟
ـ على العكس ، فهو سيسر لمرآك وسيسعده أن يجدك في استقباله كأخ ...
ووصل إبراهيم فصافح مستقبليه بحرارة ، وكانت نظراته المعبرة تحمل لنقاء معان كثيرة ، أغنته عن البيان ، وتولت نقاء تعريف محمود فقالت :
ـ إنه السيد محمود الذي حدثتك عنه في رسائلي.


--------------------------------------------------------------------------------

( 220 )

ـ فصافحه ابراهيم مرة أخرى وهو يقول :
ـ تشرفنا يا أخي محمود ، لقد حدثتني نقاء عنك كثيراً ...
وعلت حمرة الخجل وجه محمود ، فلابد أن تكون نقاء قد كتبت لابراهيم عن كل شيء ، ماضيه وحاضره ... وعند باب المطار تقدم محمود طالباً من إبراهيم السماح له بإيصالهم إلى البيت ، فتلقى إبراهيم عرضه بسرور ، ولأول مرة ركبت نقاء سيارة محمود ، ولكن في صحبة إبراهيم ... ومضى محمود يقود سيارته ببطء ، وبعد مدة قصيره التفت إلى ابراهيم وقال :
ـ أتعلم يا دكتور ! أن الأخت نقاء قد اخرجتني من الظلمات إلى النور ، ورفعتني من حضيض الخطيئة إلى أفق الفضيلة ...
ـ دعك من هذا يا أخي ، فهي لم تقم إلا بواجب مقدس يفرضه دينها ، ويدعوها إليه شعورها الانساني ، دع الماضي يذهب في سجل التوبة ...
ـ نعم وأنا أحاول ذلك جاهداً ، وسوف يتسنى لي هذا بعد أن تخلصت نهائياً من سعاد.
ـ سعاد !
ـ نعم ، سعاد زوجتي السابقة ، التي كانت السبب غير


--------------------------------------------------------------------------------

( 221 )

المباشر لهدايتي الى مطلع النور ، كانت تقدر أنها تبعثني نحو الظلام ، ولكن النور هو الذي كان ينتظرني هناك.
وهنا أردفت نقاء قائلة :
ـ أنا لم أزل أجهل الكثير يا سيدي ! فلم أفهم حتى الآن الداعي الذي دعا سعاد إلى تلك المناورة مع أنها ...
ثم سكتت نقاء ، فلم تكمل جملتها.
ولكن إبراهيم كان يتابع كلماتها باهتمام ، فلما سكتت سألها في لهفة :
ـ مع أنها ماذا ؟
ـ فقد خيل له ـ إلى ابراهيم ـ أن سعاد هذه ليست سوى سعاد بنت خالة نقاء ، وجاءه جواب نقاء مؤكداً لظنه :
ـ مع أنها بنت خالتي !
ـ آه ، وهل أساءت إليك إساءة شخصية سعاد هذه ؟
وهنا تولى محمود الجواب فقال :
ـ انها لم تسىء إليها مطلقاً ، وإن حسبت أنها تسيء ، فإن لدى السيدة نقاء جيوشاً تقيها شر سعاد وأمثال سعاد ، إن سعاد هي التي دفعت بي نحوها لأخطىء ، فجعلني كما لها أتطلع نحو الكمال ، ولكن لم أتمكن أن أفهم لحقدها الاسود هذا سبباً.


--------------------------------------------------------------------------------

( 222 )

وهنا أردفت نقاء قائلة :
ـ ولا أنا أيضاً.
فأجاب إبراهيم بنبرة صارمة تنبض بالألم والكراهية :
ـ ولكني أنا أعرف يا نقاء ! نعم أنا أعرف يا محمود ! فهي لم تكن تقصد نقاء بهذا الحقد ، ولكنها كانت تقصدني أنا ، كانت تريد أن تنتقم من نقاء ، فظنت أنها تتمكن أن تنال من المثل والمفاهيم التي نؤمن بها أنا ونقاء ، ولكن فاتها أن جيوش العقيدة تحمينا من كل كيد ، وتدفع عنا أي سوء.
واتسعت حدقتا نقاء وهي تستمع إلى إبراهيم ، وسألته قائلة :
ـ وأي شيء تنقمه عليك سعاد يا إبراهيم ؟!.
ـ عرفتني قبل سنوات ، وحاولت أن تلقي حولي شباكها بشتى الاساليب ، ولما فشلت نقمت علي وهالها أن تراني قد انتصرت عليها بقوة العقيدة والايمان ، فأرادت أن تحطم عقيدتي ، وتسحق كبرياء روحي ، وكنت أنت يا نقاء سبيلها إلى ذلك ...
وهنا خرجت الكلمات متقطعة من فم محمود ، وهو يقول :


--------------------------------------------------------------------------------

( 223 )

ـ يا لها من امرأة في كل يوم تنكشف من سجل حياتها صفحة جديدة ، خطت كلماتها بحروف من ...
ثم سكت محمود ، فقالت نقاء :
ـ أحقاً أنها كانت تهواك يا إبراهيم ؟!.
ـ الآن فقد عرفت سبب الحملات الظالمة التي كانت تشنها عليك يا لها من مسكينة.
وكاد أن يصرخ محمود وهو يقول :
ـ الا تقفين في طيبتك عند حد ، ألمثل سعاد يقال مسكينة !.
ـ إنها بشر يا محمود !
ـ ولكنك أنت فوق البشر يا أختاه !..
ـ لا ، أنا لست فوق البشر ، ولكني أرثي لحال هذه المسكينة ، وأرى أن أحد أسباب انحرافها يعود إلى المجتمع المنحرف ، وإلى انعدام القيم الاسلامية فيه ، ولو أنها كانت في مجتمع فاضل ، وأنشأت فيه نشأة إسلامية صحيحة ، وهذبت تهذيباً روحياً حقيقياً ، لما وصلت إلى هذا الدرك ، فالمجتمع الفاسد يقدم كثيراً من الضحايا وأكثر ضحاياه من النساء ، لأنهن أعجل تأثراً وأسهل انقياداً ، وفعلاً ، فقد انقادت هذه المسكينة إلى ألوان الاغراء التي يضج بها مجتمعنا المتناقض.


--------------------------------------------------------------------------------

( 224 )

فضحك محمود ، وقال :
ـ لا زلت تصرين على أنها مسكينة ؟
فابتسم إبراهيم ، وربت على كتف محمود وهو يقول :
ـ دعها يا أخي فهي نقاء !.
ـ نعم إنها نقاء ...

.................................................................................................

we a*7irann atamanna an akon kad wa9alto ila alhadaf min *7ilal hathay al rewaya..we aw9altokom ilaihi...
3ilmann 3ala annanay lam ara tafa3olann ma3a alkissa ..welakinnany wathi8atonn koll athika be annakom law kara'atomoha setakono lakom al estefada insha'allah

tarakabbo min okhtikom mazidann min al rewayat..we allaty se onziloha 7al inteha'ey min tiba3atiha 3ala al-word ..shokrenn lakonn

domtom li be 3ain illah
//fatato_alrafidain