المجاهد الصغير
رواية تصور دور الفتية الأفغان في الدفاع عن دولة أفغانستان المسلمة
جبال هندوكوش
لا يمكن للإنسان أن يحس بالملل من متعة مشاهدة منظر الجبال المغطاة بالثلوج في ضوء القمر.
يبدو الظلام هنا وهناك في الأماكن التي لم تغطها الثلوج في التلال الحادة كأنها بقع داكنة في هذه الجبال الشديدة البياض. الجليد يأخذ في التراخي والانحلال بفعل الشمس، نهاراً، أما في الليل فإنه يتماسك ويجمد. هذه الجبال لا يمكن أن نشبع من متعة منظرها في ضوء القمر، لو أمكنك النظر إليها من نافذة منزل دافيء... لكن لو كان بيتك مخبأ، وكنت مجبرا على البقاء فيه في الجبال... فإن الضيق الذي تعانيه سيحرمك من متعة مشاهدة هذا الجمال.
الناس في جبال أفغانستان لا يستطيعون الآن التمتع بمنظر الطبيعة في ليالي يناير، هذه الطبيعة الجميلة برياحها الشديدة، وقمم جبالها البيضاء في ضوء القمر، فقد دخلت جيوش العدو بلادهم، ودمروا كثيراً من القصبات والقرى وسوَّوْها بالأرض من شدة الدمار. ولم يعد لأغلبهم بيت يحتمون به. والجنود المعتدون يسيرون في دوريات منتظمة في شوارع المدن. تفرّق الجيش الأفغاني، تمرد البعض وحمل سلاحه وصعد إلى الجبال واشتركوا في الحرب ضد المعتدين الروس. هؤلاء المجاهدين يتحملون ويعانون شدائد لا يتصورها العقل لكي يطردوا هؤلاء الذين جثموا على قلب أفغانستان، وقد استولى الخائن بابراك كارمال -الذي أعلن نفسه رئيساً للبلاد- على السلطة بمساعدة الروس، وساعده في ذلك بعض الخونة والمنحرفين.
في الجبال عشرات الآلاف من المجاهدين، من الشعب المدني يصارع المعتدين الروس كما يصارعون الجنود الأفغان الذين يساعدونهم.. واأسفاه... فإن إمكانات هذا الصراع متفاوتة جداً. لدى الروس طائرات ودبابات ومدافع وأسلحة آلية وتدميرية متطورة, وزيادة على ذلك فإن جنودهم مدربون تدريباً عالياً، يرتدي كل واحد منهم بالطو من الفرو، وفي قدميه حذاء طويل متين يقيه من البرد والأذى، كما وأن عدد الجنود الروس كثير. أما المجاهدون فإن أكثرهم نصف عارٍ، تمر عليهم أوقات لا يجدون ما يقتاتون به إلا جمع الأعشاب وأوراق الشجر وأكلها، وعندما يمرض الواحد منهم لا يجد دواءً ولا طبيباً، ومع كل هذا كانوا يجاهدون ويقاتلون للتصدي لهذا الجيش المنظم، مع أنهم لا يملكون غير بنادق قديمة، وبنادق صيد.
هؤلاء المجاهدون المساكين، كانوا يحاربون في ليالي الشتاء الباردة، وفي الجبال الجليدية، يحاربون الغجر من ناحية ويحاربون العدو من ناحية أخرى.
أقام المجاهدون مئات من المعسكرات لتدريب المجاهدين في هذه الجبال الواسعة، ويأتي إلى هذه المعسكرات كل من لا يستطيع تحمل احتلال الأجانب لبلاده. وكان بعضهم قد اضطر اضطراراً إلى ترك البلاد تماماً. عشرات الآلاف من الناس لم يستطيعوا تحمل هذا الظلم وهاجروا إلى باكستان، وقد تصرف المسؤولون الباكستانيون والشعب الباكستاني تصرفا كريماً تجاه المهاجرين الأفغان.
وفي واحد من مئات المعسكرات المقامة في الجبال الثلجية في أفغانستان، عاش أفراد معسكر للمجاهدين في تلك الليلة ساعات من القلق والاضطراب. ذلك، لأن اثنين من المجاهدين الذين كانوا يقومون بمهام الدورية الليلية، وجدوا صبياً مجروحاً في ساقه، مغشياً عليه بالقرب من المعسكر فأحضروه معهم.
أخرج الشيخ حسين رئيس المعسكر الرصاصة المستقرة في ساق الصبي ولفّ الجرح بقميصه. لقد أثار هذا الصبي عطفهم وشفقتهم بأنينه الطويل، وتقطّع صوته، بل، ونَفَسِه حيناً بعد حين، لكنه فتح عينيه قرب الصباح....
تابعوااا الحلقات القادمة............
النرجسة @alnrgs_2
عضوة جديدة
يلزم عليك تسجيل الدخول أولًا لكتابة تعليق.
كم أحب هذه الرواية ...
جزاك الله خير على نقلها
لكن معقولة حتكتبيها كلها ماشاء الله
لأنها طويلة جدا ..
:26:
جزاك الله خير على نقلها
لكن معقولة حتكتبيها كلها ماشاء الله
لأنها طويلة جدا ..
:26:
النرجسة
•
كان فتى في الثالثة عشرة أو الرابعة عشرة من عمره، نحيفاً، أسمر الوجه، مجعَّد الشعر، وكان بريق عينيه السوداوين قد اختفى، وبَهَتَ لون وجهه. كان واضحاً من جميع حاله أنه عانى ولا زال يعاني ألماً شديداً رهيباً، وعندما فتح عينيه انهال عليه المجاهدون بسيل من الأسئلة، لكنهم سكتوا مرة واحدة بعد أن طلب منهم الرئيس ألا يُتعبوه بكثرة الأسئلة.
كان الفتى الجريح، يضغط على عينيه وعلى أسنانه بألم، كان يمد يده كأنه يريد أن يُمسك ساقه اليمنى التي أخرجوا منها الرصاصة، لكنه لم يجد في نفسه القدرة على رفع ذراعه. قال الرئيس وهو ينظر إليه:
يبدو أن هذا الولد قد ظل أياماً جائعاً، لا بد أن نجد له شيئاً ما يقتات به. ثم نظر إلى جعفر الهراتي وواصل كلامه قائلاً:
- إذهب إلى القرية الآن، وستجد بعض أهلها قد عادوا إليها بعد أن دمَّر الروس منازلهم، وقد تجد عند هؤلاء قليلاً من القوت.
وقبل أن يبتعد جعفر الهراتي من المغارة لتنفيذ أمر رئيسه، ألقى على الفتى نظرة عطف وإشفاق، ثم ذهب.
إذا لم يحدث ما يُكدِّر الصَّـفْوَ فإن جعفر سيعود في المساء، لم يبقَ في المعسكر شيء اسمه الطعام. كانوا قبل ذلك يستطيعون الحصول على بعض الطعام- مهما كان قليلاً- من القرويين المجاورين، واختفى هذا الإمكان الآن، فقد هجم جنود العدو على القرى وقبضوا على كل من قدَّم مساعدة للمجاهدين، وعاقبوا القرويين الذين واصلوا مساعداتهم للمجاهدين بإحراق قراهم. كما لم يعد هناك أدنى إمكان لوجود الأعشاب ليقتاتوا بها؛ ذلك لأن هطول الثلج وتراكمه على الأرض يمنع ذلك.
لم يكن البرد يؤثر فيهم كثيراً لاحتمائهم في المغارة، لكنهم لا يستطيعون البقاء في المغارة دوماً. كان عليهم مراقبة ممر خيبر، من المكان الذي هم فيه. كثيراً ما كانت تعبر من هذا الممر وحدات العدو العسكرية. إن هذا الطريق الذي يمر من أسفل ويبعد حوالي مائتي متر من القمة التي توجد فيها المغارة، يمتد من كابل عاصمة أفغانستان حتى الحدود الروسية. ولو كان بيد المجاهدين أسلحة جيدة، لمنعوا حتى الطيور من التحليق فوق هذا الممر، ولم تكن أسلحتهم القديمة التي في حوزتهم تؤثر كثيراً في الوحدات الروسية المصفحة، ومع ذلك، فقد كانوا يُغلقون الطريق بأن يدحرجوا صخرة من القمة إلى أسفل، وبذلك كانوا يشغلون قوات العدو ويعطِّلونهم. كانت الصخور التي يدحرجونها تقلب أحياناً وتسحق عربة جيب، وكان الجنود الروس الذين يحدث عليهم هجوم مثل هذا، يُمطرون هذه القمم ساعات وساعات بالرصاص، لكنهم لم يكونوا يستطيعون تسلق هذه الصخور الحادة، والصعود عالياً، ومن كان منهم يحاول هذا، فإنه يصبح هدفاً سهلاً لرصاص المجاهدين عندما يصل إلى القمة.
الشيخ حسين رئيس المعسكر رجل ضخم الجسم، طويل القامة، ذو لحية سوداء، كان يرتدي ملابس رائد في الجيش حُلَّت عنه رتبته، وكان عمره في حدود الأربعين، كان شجاعاً واضح الشجاعة، سريع التصرف، يتحدث بصوت قوي ممتلئ، ولم يكن وجهه يعرف الضحك، وكان مثل كل أفغاني يحب دينه ويحب وطنه حبَّاً جمَّاً، كان هذا الرئيس الذي يتحول إلى أسد مَهيبٍ أمام الأعداء، خاشعاً ذليلاً عندما يصلي، أو عندما يستمع القرآن الكريم وينصت له. كان أكبر الناس سنّاً في هذا المعسكر هو حَمْدَ الله آغا، وكان أكثرهم شباباً وأصغرهم سناً هو جعغر الهراتي. وغير هؤلاء، كان هناك ثلاثة جنود انضموا مع الرئيس إلى المجاهدين، وخمسة مدنيين جاؤوا من القرى المجاورة. وقد وصل عدد الموجودين في المعسكر إلى اثني عشر شخصاً بالفتى الجريح، الذي يرقد على الكنبة الخشبية.
لم تكن قد مضت ساعتان بَعْدُ على خروج جعفر الهراتي من المعسكر، إلا عاد وهو لاهث الأنفاس.........
كان الفتى الجريح، يضغط على عينيه وعلى أسنانه بألم، كان يمد يده كأنه يريد أن يُمسك ساقه اليمنى التي أخرجوا منها الرصاصة، لكنه لم يجد في نفسه القدرة على رفع ذراعه. قال الرئيس وهو ينظر إليه:
يبدو أن هذا الولد قد ظل أياماً جائعاً، لا بد أن نجد له شيئاً ما يقتات به. ثم نظر إلى جعفر الهراتي وواصل كلامه قائلاً:
- إذهب إلى القرية الآن، وستجد بعض أهلها قد عادوا إليها بعد أن دمَّر الروس منازلهم، وقد تجد عند هؤلاء قليلاً من القوت.
وقبل أن يبتعد جعفر الهراتي من المغارة لتنفيذ أمر رئيسه، ألقى على الفتى نظرة عطف وإشفاق، ثم ذهب.
إذا لم يحدث ما يُكدِّر الصَّـفْوَ فإن جعفر سيعود في المساء، لم يبقَ في المعسكر شيء اسمه الطعام. كانوا قبل ذلك يستطيعون الحصول على بعض الطعام- مهما كان قليلاً- من القرويين المجاورين، واختفى هذا الإمكان الآن، فقد هجم جنود العدو على القرى وقبضوا على كل من قدَّم مساعدة للمجاهدين، وعاقبوا القرويين الذين واصلوا مساعداتهم للمجاهدين بإحراق قراهم. كما لم يعد هناك أدنى إمكان لوجود الأعشاب ليقتاتوا بها؛ ذلك لأن هطول الثلج وتراكمه على الأرض يمنع ذلك.
لم يكن البرد يؤثر فيهم كثيراً لاحتمائهم في المغارة، لكنهم لا يستطيعون البقاء في المغارة دوماً. كان عليهم مراقبة ممر خيبر، من المكان الذي هم فيه. كثيراً ما كانت تعبر من هذا الممر وحدات العدو العسكرية. إن هذا الطريق الذي يمر من أسفل ويبعد حوالي مائتي متر من القمة التي توجد فيها المغارة، يمتد من كابل عاصمة أفغانستان حتى الحدود الروسية. ولو كان بيد المجاهدين أسلحة جيدة، لمنعوا حتى الطيور من التحليق فوق هذا الممر، ولم تكن أسلحتهم القديمة التي في حوزتهم تؤثر كثيراً في الوحدات الروسية المصفحة، ومع ذلك، فقد كانوا يُغلقون الطريق بأن يدحرجوا صخرة من القمة إلى أسفل، وبذلك كانوا يشغلون قوات العدو ويعطِّلونهم. كانت الصخور التي يدحرجونها تقلب أحياناً وتسحق عربة جيب، وكان الجنود الروس الذين يحدث عليهم هجوم مثل هذا، يُمطرون هذه القمم ساعات وساعات بالرصاص، لكنهم لم يكونوا يستطيعون تسلق هذه الصخور الحادة، والصعود عالياً، ومن كان منهم يحاول هذا، فإنه يصبح هدفاً سهلاً لرصاص المجاهدين عندما يصل إلى القمة.
الشيخ حسين رئيس المعسكر رجل ضخم الجسم، طويل القامة، ذو لحية سوداء، كان يرتدي ملابس رائد في الجيش حُلَّت عنه رتبته، وكان عمره في حدود الأربعين، كان شجاعاً واضح الشجاعة، سريع التصرف، يتحدث بصوت قوي ممتلئ، ولم يكن وجهه يعرف الضحك، وكان مثل كل أفغاني يحب دينه ويحب وطنه حبَّاً جمَّاً، كان هذا الرئيس الذي يتحول إلى أسد مَهيبٍ أمام الأعداء، خاشعاً ذليلاً عندما يصلي، أو عندما يستمع القرآن الكريم وينصت له. كان أكبر الناس سنّاً في هذا المعسكر هو حَمْدَ الله آغا، وكان أكثرهم شباباً وأصغرهم سناً هو جعغر الهراتي. وغير هؤلاء، كان هناك ثلاثة جنود انضموا مع الرئيس إلى المجاهدين، وخمسة مدنيين جاؤوا من القرى المجاورة. وقد وصل عدد الموجودين في المعسكر إلى اثني عشر شخصاً بالفتى الجريح، الذي يرقد على الكنبة الخشبية.
لم تكن قد مضت ساعتان بَعْدُ على خروج جعفر الهراتي من المعسكر، إلا عاد وهو لاهث الأنفاس.........
النرجسة
•
بحـــــــــــــــــــــــــــــــــــور... الغالية
الرواية منقوووولة .......... وشكراً لمتابعتك
ودمتِ في رعاية المولى،
الغالية.... أمـــــــــــــــــــــــــــــل الروح
وأن مثلك كم أحبها.... ولذا أحببت أن يشاركني بنات حواء قراءتها
أسأل الله العون على نقلها كاملة
إلى كل القراء الأعزاء............
أعتذر لكم........... فأنا كتابتي بطيئة^^^^^مبتدئة
ولكن تابعوا.... وأنا سأبذل قصارى جهدي لكي أنزلها بسرعـ عـ عـ ة كاملة بإذن الله
الرواية منقوووولة .......... وشكراً لمتابعتك
ودمتِ في رعاية المولى،
الغالية.... أمـــــــــــــــــــــــــــــل الروح
وأن مثلك كم أحبها.... ولذا أحببت أن يشاركني بنات حواء قراءتها
أسأل الله العون على نقلها كاملة
إلى كل القراء الأعزاء............
أعتذر لكم........... فأنا كتابتي بطيئة^^^^^مبتدئة
ولكن تابعوا.... وأنا سأبذل قصارى جهدي لكي أنزلها بسرعـ عـ عـ ة كاملة بإذن الله
النرجسة
•
أحدثت عودة جعفر السريعة هذه اضطراباً بينهم. قال جعفر وهو ينتظر بضع دقائق ليجمع أنفاسه:
- الروس، أوقعوا إخواننا في شرْكٍ في الوادي، وعندما رأيتهم من القمة عدت مسرعاً.
- هل معهم دبابات؟
- لا، استطعت من بعيد رؤية سيارتين كبيرتين مصفحتين، وحوالي مائة جندي روسي، ولم استطع عدّ إخواننا لأنهم بين الصخور وهم حوالي عشرة أشخاص على الأكثر، ويتضح ذلك مما يطلقونه من سلاح قليل.
بقي الرئيس مدة يفكِّر وهو يخلل لحيته بأصابعه، فهم الجميع بل انتظروا أن يُصْدِرَ لهم أمراً مهماً بعد قليل.
قال الرئيس:
- استعدوا... إننا ذاهبون.
فأخذوا يستعدون سريعاً. ودبَّت الروح من جديد في هؤلاء المجاهدين الذين لم يضعوا منذ ثلاثة أيام لقمة في أفواههم، لأنهم ليس لديهم طعام!! كانوا يستعدون بسرعة غريبة لكي يهرعوا إلى نجدة ومساعدة إخوانهم المجاهدين الذين نصب لهم العدو كميناً، وكان يبدو في وجه كل واحد منهم الحقد والغضب. وضع حمد الله آغا المسنّ بندقيته الإنجليزية القديمة ذات الفوهة الطويلة على كتفه واستعدّ للخروج، فإذا بالرئيس يقول له:
- إبقَ أنت هنا.
لم يُسَرّ المجاهد المسنُّ قطّ لهذا الأمر، لكن طاعة الرئيس واجبة، نظر إلى الرئيس بنظرات فيها الرجاء، ولم ترمش عيناه قطّ، فهم الرئيس من تصرف المجاهد المسنّ ما يفكر فيه، فقال له:
- لا يمكن أن نترك الفتى الجريح بمفرده.
حوّل العجوز نظراته نحو الطفل الراقد مثل الميت، وقال:
- الحقُّ معك، لا يمكننا ترك العصفور الجريح بمفرده. ثم أخرج بندقيته ذات الفوهة الطويلة وأعطاها لجعفر.
أكمل المجاهدون استعداداتهم وخرجوا من المغارة، وجلس المجاهد العجوز بجوار هذا الصبي الذي أسماه "العصفور الجريح"، وبدأ يقرأ القرآن بصوت خاشع متبتل مرتعش، وكان صوته يتردَّدُ صداه بين جدران المغارة نصف المظلمة. نسي الفتى الجريح المعاناة التي يعانيها عندما استمع إلى هذا الصوت، وأخذ يعود إلى نفسه رويداً رويداً.
لقد أغمي عليه عندما كان الرئيس يُخرج الرصاصة من ساقه، صاح بألم وعضّ ذراع المجاهد العجوز الممسك بيديه، إنه الآن يتذكر هذا وكأنه رؤيا متداخلة، يرقد في مغارة نصف مظلمة، يستمع إلى القرآن الذي يقرأه المجاهد العجوز بصوت مملوء بالإيمان والإخلاص والخشوع.
أفاق عدة مرات. ورأى ما حوله رؤية غير واضحة، أدار رأسه ليستطيع رؤية صاحب الصوت قارئ القرآن، رأى عجوزاً ذا وجه نورانيّ أحنى رأسه، وقد احمرت عيناه من البكاء، وشفتاه ترتعشان، ذلك هو المجاهد العجوز قارئ القرآن، وبقي الفتى يرمقه وهو على هذا الحال فترةً، نسي الفتى ساقه الجريح وأراد النهوض والجلوس على ركبتيه، واعتدل قليلاً، فأحس باحتراق رهيب في ساقه، فأَنَّ بألم. سمع العجوز أنّات الفتى، فقام سريعاً ليُرْقِدَهُ ثانية، ونظر بشفقة إلى وجهه المضطرب، ومسح بخرقة مبللة شفتيه الجافتين، ووضع الخرقة على جبهته الساخنة، نادى الفتى:
- أمي.
نظر إليه المجاهد العجوز بعينين ملأتهما الحيرة. ولم يستطع أن يقول شيئاً. تكلم الفتى مرة أخرى وقال:
- ماذا حدث لأمي؟ هل قتلوها؟. أجابه المجاهد العجوز:
- جاء بك جندي الحراسة مساء. كنت تنام فاقد الوعي على الثلوج. وكان في ساقك رصاصة، أخرجها رئيسنا. قال الفتى:
- وأمي؟ ماذا حدث لها؟. أجابه المجاهد العجوز مرة أخرى:
- وجدوك أنت فقط. كنت نصف ميت عندما أحضروك هنا. الموت والحياة بيد الله. أنت ضعيف كالعصفور لكن لديك قدرة على التحمُّل.
استغرق الفتى في التفكير. حاول أن يتذكر كيفية مجيئه إلى هذا المكان. لقد فقد أمه من قبل سنة، تذكر أنه عندما أضاع طريقه في الجبال أصبح وحيداً، ولم يستطع السير بساقه الجريحة، وأنه أخذ يفقد طاقته شيئاً فشيئاً، لذلك بقي هناك ملقى على الثلوج، هذا كل ما تذكره. أراد أن يتحدث ويحكي ما أصابه لكنه لم يستطع، فقد غامت الدنيا في عينيه وانهارت قواه. حاول أن يستمع لحديث المجاهد العجوز بعينين مغلقتين. وأحسَّ أنه لم يعد يستطيع فهم أي شيء قطّ من كلام الرجل، وأن صوته يغيب عنه شيئاً فشيئاً. ثم فقد الفتى الجريح وعيه مرة أخرى.
أخذ المجاهد العجوز ينظر بحزن بالغ إلى قمم الجبال الصامتة، وإلى هذه المغارة نصف المظلمة، وإلى الفتى الذي فتح عينيه، وسأل عن أمه، ثم أغمي عليه مرة أخرى.
تااابعوا لنعرف ما الذي فعله الرئيس وصحبه بعد مغادرة المغارة
- الروس، أوقعوا إخواننا في شرْكٍ في الوادي، وعندما رأيتهم من القمة عدت مسرعاً.
- هل معهم دبابات؟
- لا، استطعت من بعيد رؤية سيارتين كبيرتين مصفحتين، وحوالي مائة جندي روسي، ولم استطع عدّ إخواننا لأنهم بين الصخور وهم حوالي عشرة أشخاص على الأكثر، ويتضح ذلك مما يطلقونه من سلاح قليل.
بقي الرئيس مدة يفكِّر وهو يخلل لحيته بأصابعه، فهم الجميع بل انتظروا أن يُصْدِرَ لهم أمراً مهماً بعد قليل.
قال الرئيس:
- استعدوا... إننا ذاهبون.
فأخذوا يستعدون سريعاً. ودبَّت الروح من جديد في هؤلاء المجاهدين الذين لم يضعوا منذ ثلاثة أيام لقمة في أفواههم، لأنهم ليس لديهم طعام!! كانوا يستعدون بسرعة غريبة لكي يهرعوا إلى نجدة ومساعدة إخوانهم المجاهدين الذين نصب لهم العدو كميناً، وكان يبدو في وجه كل واحد منهم الحقد والغضب. وضع حمد الله آغا المسنّ بندقيته الإنجليزية القديمة ذات الفوهة الطويلة على كتفه واستعدّ للخروج، فإذا بالرئيس يقول له:
- إبقَ أنت هنا.
لم يُسَرّ المجاهد المسنُّ قطّ لهذا الأمر، لكن طاعة الرئيس واجبة، نظر إلى الرئيس بنظرات فيها الرجاء، ولم ترمش عيناه قطّ، فهم الرئيس من تصرف المجاهد المسنّ ما يفكر فيه، فقال له:
- لا يمكن أن نترك الفتى الجريح بمفرده.
حوّل العجوز نظراته نحو الطفل الراقد مثل الميت، وقال:
- الحقُّ معك، لا يمكننا ترك العصفور الجريح بمفرده. ثم أخرج بندقيته ذات الفوهة الطويلة وأعطاها لجعفر.
أكمل المجاهدون استعداداتهم وخرجوا من المغارة، وجلس المجاهد العجوز بجوار هذا الصبي الذي أسماه "العصفور الجريح"، وبدأ يقرأ القرآن بصوت خاشع متبتل مرتعش، وكان صوته يتردَّدُ صداه بين جدران المغارة نصف المظلمة. نسي الفتى الجريح المعاناة التي يعانيها عندما استمع إلى هذا الصوت، وأخذ يعود إلى نفسه رويداً رويداً.
لقد أغمي عليه عندما كان الرئيس يُخرج الرصاصة من ساقه، صاح بألم وعضّ ذراع المجاهد العجوز الممسك بيديه، إنه الآن يتذكر هذا وكأنه رؤيا متداخلة، يرقد في مغارة نصف مظلمة، يستمع إلى القرآن الذي يقرأه المجاهد العجوز بصوت مملوء بالإيمان والإخلاص والخشوع.
أفاق عدة مرات. ورأى ما حوله رؤية غير واضحة، أدار رأسه ليستطيع رؤية صاحب الصوت قارئ القرآن، رأى عجوزاً ذا وجه نورانيّ أحنى رأسه، وقد احمرت عيناه من البكاء، وشفتاه ترتعشان، ذلك هو المجاهد العجوز قارئ القرآن، وبقي الفتى يرمقه وهو على هذا الحال فترةً، نسي الفتى ساقه الجريح وأراد النهوض والجلوس على ركبتيه، واعتدل قليلاً، فأحس باحتراق رهيب في ساقه، فأَنَّ بألم. سمع العجوز أنّات الفتى، فقام سريعاً ليُرْقِدَهُ ثانية، ونظر بشفقة إلى وجهه المضطرب، ومسح بخرقة مبللة شفتيه الجافتين، ووضع الخرقة على جبهته الساخنة، نادى الفتى:
- أمي.
نظر إليه المجاهد العجوز بعينين ملأتهما الحيرة. ولم يستطع أن يقول شيئاً. تكلم الفتى مرة أخرى وقال:
- ماذا حدث لأمي؟ هل قتلوها؟. أجابه المجاهد العجوز:
- جاء بك جندي الحراسة مساء. كنت تنام فاقد الوعي على الثلوج. وكان في ساقك رصاصة، أخرجها رئيسنا. قال الفتى:
- وأمي؟ ماذا حدث لها؟. أجابه المجاهد العجوز مرة أخرى:
- وجدوك أنت فقط. كنت نصف ميت عندما أحضروك هنا. الموت والحياة بيد الله. أنت ضعيف كالعصفور لكن لديك قدرة على التحمُّل.
استغرق الفتى في التفكير. حاول أن يتذكر كيفية مجيئه إلى هذا المكان. لقد فقد أمه من قبل سنة، تذكر أنه عندما أضاع طريقه في الجبال أصبح وحيداً، ولم يستطع السير بساقه الجريحة، وأنه أخذ يفقد طاقته شيئاً فشيئاً، لذلك بقي هناك ملقى على الثلوج، هذا كل ما تذكره. أراد أن يتحدث ويحكي ما أصابه لكنه لم يستطع، فقد غامت الدنيا في عينيه وانهارت قواه. حاول أن يستمع لحديث المجاهد العجوز بعينين مغلقتين. وأحسَّ أنه لم يعد يستطيع فهم أي شيء قطّ من كلام الرجل، وأن صوته يغيب عنه شيئاً فشيئاً. ثم فقد الفتى الجريح وعيه مرة أخرى.
أخذ المجاهد العجوز ينظر بحزن بالغ إلى قمم الجبال الصامتة، وإلى هذه المغارة نصف المظلمة، وإلى الفتى الذي فتح عينيه، وسأل عن أمه، ثم أغمي عليه مرة أخرى.
تااابعوا لنعرف ما الذي فعله الرئيس وصحبه بعد مغادرة المغارة
الصفحة الأخيرة
بداية طيبة .... فهل هي من كتاباتك أم منقولة
بارك الله فيك :26: