المشهد الخامس عشر
أحلامنا...من يبنيها؟
هل فعلا يحتاج الإنسان إلى مساعدة في بناء أحلامه..؟
يحمل هذا الكلام الكثير من الواقعية والمنطقية. فأحلامنا تتكون و تتشكل حسب البيئة التي نعيش فيها وحسب ما نراه أمامنا. وفي الواقع, للوالدين أهمية كبيرة في التأثير على الأبناء و تشكيل أحلامهم, فبمجرد أن يرى الطفل أو يسمع ما يثير اهتمامه, فهو يعمد إلى تقليده ومحاكاته, وعندما يكبر قليلاً تجده مهتماً بهواية ما, أما بسبب ما شاهده على التلفاز أو تأسياً بوالده أو معلمه. وغالباً ما يكون لدى الصبي والفتاة رغبةً في إتباع خطى شخص أعجبهم فيحلموا أن يكونوا مثله. ومن هذا المنطلق, يجب علينا إلا نفوت الفرصة في تكوين أحلام كبيرة لدى أطفالنا لعلها تتحقق في المستقبل.
* * *
دخلت أريج غرفة المعلمات بعد انتهاء الدرس وألقت التحية ثم جلست إلى جانب سارة التي كانت مرخية رأسها على الطاولة وذراعيها ملتفتان حول رأسها. مدت أريج أناملها الرقيقة, التي تخط برقتها أجمل لوحات تزين المدرسة, ولامست كتف سارة.
- سارة! هل أنت بخير؟
رفعت سارة رأسها فزعة ونظرت إلى أريج عدة ثوان قبل أن يتبين لها من التي كانت تتحدث إليها. وعندما ميزتها ابتسمت بخمول وهزت رأسها.
جاءت أسماء من آخر الغرفة لتقول:
- سارة متعبة ومصابة بالأرق..
رفعت سارة عينيها باتجاه أسماء, وابتسامة كسولة تزين طرف فمها ثم قالت:
- كفاك مزاحاً يا أسماء.. أخشى أن يصيبك ما أصابني لكثرة ما تسخرين مني..
ضحكت أريج وهي تربت على ظهر سارة وقالت:
- دعيها تسخر منك كما تشاء.. ارتاحي أنت..
عادت سارة لتسند رأسها على المكتب بينما تبعت أريج زميلتها أسماء إلى طاولة الإفطار حيث وجدت مجموعة منوعة من المخبوزات مصفوفة على الطاولة بشكل منسق. تناولت أريج إحدى القطع وجلست على حافة المكتب ثم قالت لأسماء:
- سمعت عن مشروعك الجديد.. أتمنى لك التوفيق!!
ابتسمت أسماء وقالت:
- أتمنى أن تهتم الطالبات به.. لان اهتمام الطالبات سيكون السبب الرئيسي لنجاحه..
- من هذه الناحية لا تهتمي.. لقد تحدثت معهن اليوم في الصف واغلبهن متحمسات للغاية..
و انتظرت أريج للحظة قبل أن تقول:
- أبرار كانت المعارض الأول..
أطلقت أسماء ضحكة صغيرة فأخبرتها أريج بالقصة كاملة ثم قالت بعد ذلك:
- بدا لي إنها اقتنعت أخيرا..
ضحكت أسماء بينما رفعت سارة رأسها وقالت:
- أريج!! هل تسمحي لي بان أسالك؟
- تفضلي!
- أريد أن اعرف كيف تستطيعين أن تسيطري على صفك بهذا الهدوء والفعالية..
- ألا يمكنك ذلك؟
- بلى يمكنني ذلك..ولكن بعد أن ينفجر راسي من الصراخ..
تدخلت أسماء بقولها:
- لهذا تشكين من الصداع على الدوام...
فكرت سارة بكلام أسماء و وجدته صحيحا, فهي تعاني دائما من الم في حنجرتها بسبب الصراخ. وقد أزعجتها هذه الفكرة.
قالت أريج :
- لا تزالين قليلة الخبرة.. ستتعلمين مع الوقت..
ضحكت سارة قائلة:
- بعد أن يصيبني الصداع و انعدام الشهية و الأنيميا..و
قاطعتها أسماء ضاحكة:
- على رسلكِ يا عزيزتي..
ضحكت أريج بدورها وهي تقول:
- ربما هي لا تصلح لأن تكون معلمة..
- ولكنها متميزة..
- أنا متميزة في اللغة العربية و لكنني لست متميزة كمعلمة..
ساد الصمت لبرهة قبل أن تقول أريج بجدية:
- أفكر بذلك كثيرا حين أراقبك كل صباح.. أمثالك يعانون الكثير لأنهم لا ينتمون إلى المكان الذي انضموا إليه..
كانت أريج تفكر بنفسها, و بوضعها داخل منزل زوجها, فهي مثل سارة, لا تنتمي إلى ذلك المكان, لا من الناحية المادية و لا من الناحية النفسية, فهي تشعر و كأنها نخلة غرست في البيئة الخطأ..
قالت سارة بهدوء:
- المشكلة هو انني احاول كثيراً ولا استطيع.. احس بخيبة كبيرة!
- لأنك ضحية المجتمع والتعليم!!
تدخلت اسماء بقولها:
- ماذا تريدينها أن تكون؟
قالت أريج:
- أنت قلتها بنفسك يا أسماء..ماذا تريدينها أن تكون؟
التفتت أسماء على سارة وسألتها:
- كنت تحلمين بأن تصبحي معلمة متميزة, اليس كذلك؟
صمتت سارة للحظة تفكر ثم أجابت:
- و هل لدي خيار اخر..
عبست أسماء و قالت:
- يمكنك أن تكوني طبيبة؟
أجابت سارة:
- الطب حلم جميل و لكنني لم افكر في الانضمام الى ركبه..
- إذن ماذا تريدين أن تكوني؟ عدا أن تكوني مربية ومعلمة لأجيال حاضرة و أجيال قادمة؟ عدا عن كونك أهم عنصر من عناصر المجتمع؟
عارضتها سارة بقولها:
- اعتز بكوني ما ذكرت..ولكني كنت احلم بشيء اعظم..
بدت ابتسامة جميلة تلوح على شفتي أريج وهي تراقب صديقتها الغالية. وبالطبع, كان على سارة أن تتنهد تنهيدة فتاة حالمة:
- كنت اتمنى ان اسافر و اطير كعصفور طليق واحقق احلامي التي راودتني في النوم و اليقظة..
قالت اسماء:
- و ماهي تلك الاحلام يا عصفورتي؟
- عندما كنت في الجامعة, كنت احلم كثيراً..حلمت بأني أصبحت عضواً في جمعية حقوق المرأة المسلمة..و مرة حلمت بأن اصبح عضو في معهد تدريب الفتيات على التمريض والعناية بالأطفال ومساعدة كبار السن.
اختنقت سارة بمشاعرها المتدافعة وهي تتابع:
- ومرة حلمت بأن اصبح عضو في جمعية مواجهة المرأة للحرب الفكرية...وعضو في جمعية الحد من الاستهلاك والترف الزائد..
تابعت أريج وكأنها تعبر عن احلامها هي ايضاً:
- أو جمعية توعية الفتاة بكل ما يخص الحياة الزوجية والأمومة وتربية الجيل القادم تربية إسلامية راقية..وحضارية..
قالت سارة:
- ولكن كل هذا غير ممكن..لان المجتمع لا يعتبرك امرأة جادة وعملية إلا في عمل رسمي و مقنن..وكل ما ذكرتُ من أحلام لم يحن الوقت لظهورها لان المجتمع يظن بأنها تكتسب مع الزمن..
لم تملك أسماء إلى أن تطلق أنفاسها.
المشهد الرابع عشر
أقنعة باردة
نحتاج في كثير من الأحيان أن نسدل قناعاً أو ستاراً على أعيننا كي نحجب عن الآخرين رؤية مشاعرنا و ألآمنا, و يفيد هذا القناع كثيرا, في إخفاء ردود أفعالنا تجاه أي موضوع قد يعتقد الآخرين انه مهم بالنسبة لنا, فنوهمهم أننا لا نهتم. و قد يستخدم البعض هذا القناع لإخفاء الألم الناتج من إساءة الآخرين, فبمجرد إسدال هذا القناع يعتقد الناظر إليك انك كحجر لا يشعر و لا يتألم.
* * *
ارتدت أريج ثوب الصلاة الساتر, و أدت صلاة الفجر بعد أن سمعت الآذان يتخلل النوافذ الى غرفتها. وبعد اداء الصلاة, عادت الى غرفتها لترتدي ملابسها. زوجها لا يزال نائما و همّت بايقاظه للصلاة, لكنها ترددت؛ و خافت!
جلست على مقربة منه و مضت تقرأ القران و بعض الاذكار, و كل ما رفعت عينيها اليه, دعت الله له بالهداية.
نهض من نومه فجأة و نظر اليها للحظة طويلة ثم سألها بصوت أجش:
- ماذا تفعلين؟
- ادعوا الله لك..
لم يعقبْ!
نظر الى ساعته بعينين شبة مغلقتين, ثم ما لبث ان اتسعت عيناه دهشة, و سرعان ما تحولت الدهشة الى غضب و هو ينظر باتجاهها.
- لماذا لم توقظيني؟
قالت ببرود:
- لم تطلب مني ان افعل..
قال و هو ينفض فراشه عنه بنفاذ صبر:
- لدي مقابلة مهمة قبل السادسة! سيغضب ابي كثيراً..
راقبته أريج بهدوء و هو يسرع نحو الخزانة و يختطف ثوبه و شماغه, و فكرت؛ سبحان الله!!
يخاف من والده اكثر من خالقه, و يهتم لأمور دنياه اكثرمن اهتمامه بأمور اخرته.
او هكذا هم بعض البشر؟!
تمتمت بهمس:
- لديك مقابلة مع ربك ايضاً قبل الخامسة..
ظنت انه لم يسمعها لولا انه التفت ليرمقها بنظرة احتقار:
- ماذا تقصدين؟
- صلاة الفجر!
ظل صامتا, فتابعت بهدوء شديد:
- على الاقل, حسابك على التقصير في الاخيرة اشد و اعظم..
اسدل على وجهه قناعاً بارداً ليخفي اي تعبير يمكن ان يكون قد اكتسى وجهه لدى سماعه لكلماتها, ثم نفض ثوبه و تمتم:
- يال برودك! امرأة متخلفة!!
نهضت أريج من مكانها و استعدت للذهاب الى المدرسة.
بعد الدرس الرابع, طلبت الوكيلة من أريج ان تراقب احد الصفوف في المرحلة الثالثة لأن معلمتهم متغيبة عن المدرسة.
عندما دخلت اريج الى الصف, نهضت ريما من مكانها لتعطيها اللوحة التي طلبتها منها اثناء فترة النشاط التي خصصتها أريج اثناء فترة الافطار.
- عمل رائع يا ريما!!
احست أريج بالبهجة تعلو وجه ريما وهي تسمع كلمات الإطراء التي انهالت عليها.
فرحت أريج بردة فعل الطالبة؛ فلطالما نهجت أريج منهج التشجيع في دفع طالباتها للتقدم.
- خذيها إلى مكتبي الآن وسوف أعلقها في المعرض بإذن الله..
ابتسمت ريما وهي تقف دافعة مقعدها إلى الخلف قليلا لتتمكن من الخروج ثم حملت لوحتها وخرجت من الفصل متوجهة إلى مكتب المعلمات.
عندما عادت ريما إلى الغرفة و جلست الى جانب شهد, استخرجت كراستها ومضت ترتب اقلامها و أدواتها على الطاولة لترسم لوحة اخرى.
اقتربت الاستاذة أريج من شهد و قالت بلطف:
- هل بدأت برسم اللوحة التي طلبتها منك؟
- لقد بدأت بالعمل ليلة البارحة..
أبتسمت لها الأستاذة أريج وقالت:
- رائع..أنت طالبة مجدة يا شهد ولكن أتمنى أن تتركي الثرثرة في الصف أثناء إلقاء الإذاعة الصباحية..
اطرقت شهد برأسها لتخفي حمرة الخجل التي كست وجنتيها.
لاحظت شهد قلة حماس ريما فقالت لها بصوت منخفض:
- ما الامر؟ ما بالك لا ترسمين؟
- لا اشعر برغبة في ذلك.. اظن انني سأترك الجمعية..
سمعت شهد كلمات صديقتها و لكنها لم تفقه معنى ما تقول.يجب عليها ان تسألها حالما تجلسان في الفناء.
رفعت إحدى الطالبات فأذنت لها الأستاذة أريج بالكلام.
- هل سمعت يا أستاذة بالمشروع الجديد الذي ستشرف عليه الأستاذة أسماء؟؟
اومأت الاستاذة أريج براسها فقالت ريما بحماس:
- ستكون فكرة ناجحة.. أنا متأكدة من ذلك..
فجاء صوت من الخلف:
- هراء!
عندما التفت الجميع نحو أبرار, أحست ريما بأن أبرار قد أجفلت قليلا لتحول الأنظار إليها, وكأنها لسبب ما لم تتوقع ذلك, إلا أنها تابعت قائلة:
- انه برنامج تافه و غير مفيد..كالعادة!!
تسلل الغضب إلى ملامح الأستاذة أريج فنهرتها بقولها:
- إلا تخجلين من نفسك بقول هذا الكلام يا أبرار؟
- إنني ابدي رائي فقط..
هزت ريما رأسها اسفاً فهذه الطالبة من أصعب الطالبات مراساً في المدرسة. تصرفاتها غريبة ومزاجها معكر دائما والجميع يتذمر من لسانها السليط.
قالت الأستاذة بشيء من الهدوء:
- ولكن في رأيك شيء من الانتقاد لمعلمتك..
- ليس علينا كلنا أن نؤيد الفكرة..
ابتسمت الأستاذة أريج فهي لا تحب أن تسلك مسلك العنف في علاقتها مع الطالبات, وهذا ما يجعلها محط احترام للجميع.
- حسناً.. لنقل أن البرنامج لم يعجبك.. و أن لك رأي مغاير للجميع.. هل يمكنك أن توضحي لنا السبب الذي بنيت عليه رأيك؟
تململت أبرار في مقعدها ثم وقفت ورفعت طرف لباسها المدرسي وقالت:
- في الواقع, ..
انتظرت لحظة ثم أردفت قائلة:
- بدا لي معقدا وغير واقعي.. لان الغالبية العظمى من الطالبات لا يرغبن في مناقشة مشاكلهن الخاصة مع الآخرين..
- حتى لو أدى ذلك إلى حل هذه المشاكل؟؟
هزت أبرار رأسها وقالت:
- كثير من المشاكل يصعب حلها..
- هذا صحيح..ولكن ذلك لا يمنع من المحاولة.. أليس كذلك؟
هزت ابرار رأسها فتابعت أريج بعطف:
- كوني متاكدة يا ابرار انني فخورة بك وبرأيك..
كست الحمرة وجنتي أبرار. ولكن للحظة قصيرة جدا فسرعان ما عاد ذلك القناع البارد الذي كانت ترتدي.
أقنعة باردة
نحتاج في كثير من الأحيان أن نسدل قناعاً أو ستاراً على أعيننا كي نحجب عن الآخرين رؤية مشاعرنا و ألآمنا, و يفيد هذا القناع كثيرا, في إخفاء ردود أفعالنا تجاه أي موضوع قد يعتقد الآخرين انه مهم بالنسبة لنا, فنوهمهم أننا لا نهتم. و قد يستخدم البعض هذا القناع لإخفاء الألم الناتج من إساءة الآخرين, فبمجرد إسدال هذا القناع يعتقد الناظر إليك انك كحجر لا يشعر و لا يتألم.
* * *
ارتدت أريج ثوب الصلاة الساتر, و أدت صلاة الفجر بعد أن سمعت الآذان يتخلل النوافذ الى غرفتها. وبعد اداء الصلاة, عادت الى غرفتها لترتدي ملابسها. زوجها لا يزال نائما و همّت بايقاظه للصلاة, لكنها ترددت؛ و خافت!
جلست على مقربة منه و مضت تقرأ القران و بعض الاذكار, و كل ما رفعت عينيها اليه, دعت الله له بالهداية.
نهض من نومه فجأة و نظر اليها للحظة طويلة ثم سألها بصوت أجش:
- ماذا تفعلين؟
- ادعوا الله لك..
لم يعقبْ!
نظر الى ساعته بعينين شبة مغلقتين, ثم ما لبث ان اتسعت عيناه دهشة, و سرعان ما تحولت الدهشة الى غضب و هو ينظر باتجاهها.
- لماذا لم توقظيني؟
قالت ببرود:
- لم تطلب مني ان افعل..
قال و هو ينفض فراشه عنه بنفاذ صبر:
- لدي مقابلة مهمة قبل السادسة! سيغضب ابي كثيراً..
راقبته أريج بهدوء و هو يسرع نحو الخزانة و يختطف ثوبه و شماغه, و فكرت؛ سبحان الله!!
يخاف من والده اكثر من خالقه, و يهتم لأمور دنياه اكثرمن اهتمامه بأمور اخرته.
او هكذا هم بعض البشر؟!
تمتمت بهمس:
- لديك مقابلة مع ربك ايضاً قبل الخامسة..
ظنت انه لم يسمعها لولا انه التفت ليرمقها بنظرة احتقار:
- ماذا تقصدين؟
- صلاة الفجر!
ظل صامتا, فتابعت بهدوء شديد:
- على الاقل, حسابك على التقصير في الاخيرة اشد و اعظم..
اسدل على وجهه قناعاً بارداً ليخفي اي تعبير يمكن ان يكون قد اكتسى وجهه لدى سماعه لكلماتها, ثم نفض ثوبه و تمتم:
- يال برودك! امرأة متخلفة!!
نهضت أريج من مكانها و استعدت للذهاب الى المدرسة.
بعد الدرس الرابع, طلبت الوكيلة من أريج ان تراقب احد الصفوف في المرحلة الثالثة لأن معلمتهم متغيبة عن المدرسة.
عندما دخلت اريج الى الصف, نهضت ريما من مكانها لتعطيها اللوحة التي طلبتها منها اثناء فترة النشاط التي خصصتها أريج اثناء فترة الافطار.
- عمل رائع يا ريما!!
احست أريج بالبهجة تعلو وجه ريما وهي تسمع كلمات الإطراء التي انهالت عليها.
فرحت أريج بردة فعل الطالبة؛ فلطالما نهجت أريج منهج التشجيع في دفع طالباتها للتقدم.
- خذيها إلى مكتبي الآن وسوف أعلقها في المعرض بإذن الله..
ابتسمت ريما وهي تقف دافعة مقعدها إلى الخلف قليلا لتتمكن من الخروج ثم حملت لوحتها وخرجت من الفصل متوجهة إلى مكتب المعلمات.
عندما عادت ريما إلى الغرفة و جلست الى جانب شهد, استخرجت كراستها ومضت ترتب اقلامها و أدواتها على الطاولة لترسم لوحة اخرى.
اقتربت الاستاذة أريج من شهد و قالت بلطف:
- هل بدأت برسم اللوحة التي طلبتها منك؟
- لقد بدأت بالعمل ليلة البارحة..
أبتسمت لها الأستاذة أريج وقالت:
- رائع..أنت طالبة مجدة يا شهد ولكن أتمنى أن تتركي الثرثرة في الصف أثناء إلقاء الإذاعة الصباحية..
اطرقت شهد برأسها لتخفي حمرة الخجل التي كست وجنتيها.
لاحظت شهد قلة حماس ريما فقالت لها بصوت منخفض:
- ما الامر؟ ما بالك لا ترسمين؟
- لا اشعر برغبة في ذلك.. اظن انني سأترك الجمعية..
سمعت شهد كلمات صديقتها و لكنها لم تفقه معنى ما تقول.يجب عليها ان تسألها حالما تجلسان في الفناء.
رفعت إحدى الطالبات فأذنت لها الأستاذة أريج بالكلام.
- هل سمعت يا أستاذة بالمشروع الجديد الذي ستشرف عليه الأستاذة أسماء؟؟
اومأت الاستاذة أريج براسها فقالت ريما بحماس:
- ستكون فكرة ناجحة.. أنا متأكدة من ذلك..
فجاء صوت من الخلف:
- هراء!
عندما التفت الجميع نحو أبرار, أحست ريما بأن أبرار قد أجفلت قليلا لتحول الأنظار إليها, وكأنها لسبب ما لم تتوقع ذلك, إلا أنها تابعت قائلة:
- انه برنامج تافه و غير مفيد..كالعادة!!
تسلل الغضب إلى ملامح الأستاذة أريج فنهرتها بقولها:
- إلا تخجلين من نفسك بقول هذا الكلام يا أبرار؟
- إنني ابدي رائي فقط..
هزت ريما رأسها اسفاً فهذه الطالبة من أصعب الطالبات مراساً في المدرسة. تصرفاتها غريبة ومزاجها معكر دائما والجميع يتذمر من لسانها السليط.
قالت الأستاذة بشيء من الهدوء:
- ولكن في رأيك شيء من الانتقاد لمعلمتك..
- ليس علينا كلنا أن نؤيد الفكرة..
ابتسمت الأستاذة أريج فهي لا تحب أن تسلك مسلك العنف في علاقتها مع الطالبات, وهذا ما يجعلها محط احترام للجميع.
- حسناً.. لنقل أن البرنامج لم يعجبك.. و أن لك رأي مغاير للجميع.. هل يمكنك أن توضحي لنا السبب الذي بنيت عليه رأيك؟
تململت أبرار في مقعدها ثم وقفت ورفعت طرف لباسها المدرسي وقالت:
- في الواقع, ..
انتظرت لحظة ثم أردفت قائلة:
- بدا لي معقدا وغير واقعي.. لان الغالبية العظمى من الطالبات لا يرغبن في مناقشة مشاكلهن الخاصة مع الآخرين..
- حتى لو أدى ذلك إلى حل هذه المشاكل؟؟
هزت أبرار رأسها وقالت:
- كثير من المشاكل يصعب حلها..
- هذا صحيح..ولكن ذلك لا يمنع من المحاولة.. أليس كذلك؟
هزت ابرار رأسها فتابعت أريج بعطف:
- كوني متاكدة يا ابرار انني فخورة بك وبرأيك..
كست الحمرة وجنتي أبرار. ولكن للحظة قصيرة جدا فسرعان ما عاد ذلك القناع البارد الذي كانت ترتدي.
الصفحة الأخيرة
مشروع يلوح في الأفق
قد تخطر في بالك فكرة ما, و تحلم في تطويرها, و تنميتها حتى تستفيد منها و تفيد المجتمع, ولكن يتعين عليك أن تستشير من حولك حتى تكتشف مدى جدواها ومن ثم تقرر ما إذا كنت قادرا على تطويرها واستثمارها الاستثمار الأمثل حتى تعم فائدتها. وعموما, ليس المهم أن تستفيد من الفكرة أو تطورها, المهم هو أن تفكر و تنقل أفكارك إلى الآخرين لعل المجتمع يستفيد منها يوما.
* * *
رغم الحماس الذي يغمر أسماء لطرح فكرتها على الوكيلة إلا أنها لم تكن واثقة من تأييد السيدة سميرة لتلك الفكرة الصغيرة.
في الواقع, شعرت أسماء بان عليها أن تزور مكتب المشرفة الاجتماعية لتتحدث معها عن إمكانية توظيف دورها كمشرفة في إنجاح هذا المشروع الصغير و لحسن حظها, وافقت المشرفة الاجتماعية على تقديم المساعدة.
كما تحدثت ليلة البارحة مع سارة عن الموضوع فأبدت إعجابها الشديد واقترحت أن تستمد أسماء مساعدة معلمات الدين في هذا الموضوع. أحبت أسماء اقتراح سارة فأسرعت بالاتصال على منى و سمر و كنتيجة لهذا الاتصال حصلت أسماء على مساعدتين مقتدرتين.
كانت أسماء جالسة على كرسي الانتظار أمام مكتب السيدة سميرة. كان من المفترض أن تدخل أسماء مباشرة إلى مكتب الوكيلة إلا أنها كانت بحاجة إلى وجود منى إلى جانبها. ولكن الأخيرة قد تأخرت كثيرا الأمر الذي جعل أسماء تصاب بالتوتر. و بعد عدة دقائق أمضتها أسماء في مكتب الوكيلة, أعجبت الوكيلة بالفكرة كثيرا.
- تبدو لي فكرة حسنة..
ما أن سمعت أسماء كلمات الإعجاب التي أبدتها السيدة سميرة, حتى أسرعت لتشرح سبب رغبتها بإنشاء هذه الجمعية:
- كنت وسارة نتحدث عن مشاكل الطالبات وعن أهمية تربية الطالبة اجتماعيا وعاطفيا فخطر ببالي أن معالجة قضايا ومشاكل الطالبات بشكل أكثر انفتاحا و واقعية سيفيد كثيرا في خلق جو من التواصل بين الطالبات و غرفة المشرفة الاجتماعية.. وسيكون هذا المشروع هو الرابط بين الاثنين..ومن خلاله ستكتب الطالبات إبداعاتهن وتقدمن مشاركاتهن وخصوصا إذا أعلن عن هذا الكتاب..ويمكن من خلاله أيضا مناقشة مشاكلهن الاجتماعية والنفسية والعلمية وطرحها في هذا الكتاب..
- رائع!! لكن خذي بعين الاعتبار أهمية المحافظة على سرية ملفات الطالبات ومشاكلهن الاجتماعية..
هدف أسماء من إنشاء هذا المشروع و نشر هذا الكتاب هو الحصول على عدد من المقالات الحرة من كل طالبة تستطيع ذلك. و بالطبع, تقوم كل طالبة بكتابة الموضوع الذي يعجبها و بأي طريقة تريد. و قد حرصت أسماء أن توضح للطالبات بان تهتم الواحدة منهن بكتابة موضوع يتضمن مشكلة اجتماعية أو تربوية لاحظتها الطالبة في محيطها. و في الواقع, هذه المواضيع ستبيّن وجهة نظر الطالبة وموقفها من المشاكل أو الظواهر الاجتماعية, السلبية منها و الايجابية, و بهذا وبعد مناقشة المواضيع, ستقتنع الطالبات الأخريات بهذه النظرة كونها نظرة فتاة بمثل أعمارهن.
اما بالنسبة لمناقشة المواضيع, قررت أسماء أن تقتبس المشاكل التي تضمنتها جميع المقالات و إنشاء استبيان أسبوعي عن كل مشكلة و من ثم إنشاء محاضرة أو نشرة خاصة بهذه المشكلة و معالجتها قبل أن تتحول إلى ظاهرة. و ربما يمكنها أن تُعد مجلة كاملة لمناقشة هذه الظاهرة بكل تفاصيلها.
أعجبت السيدة سميرة بكل هذه الترتيبات فقالت:
- حسنا... ما دام الأمر كذلك, يمكنك أن ترتبي الأمر مع المشرفة الاجتماعية وتعلني ذلك للطالبات... وإذا وجدت من يساعدك بهذا المشروع فذلك أفضل...
خرجت اسماء من غرفة الوكيلة مسرورة بموافقتها و اسرعت الخطى نحو مكتبها فوجدت سارة فأخبرتها بالتفاصيل كاملة فقالت سارة بسرور:
- ساذهب حالاً الى معمل الحاسب و اكتب الاعلان و اعلقه على واجهة الفناء.
نظرت سارة الى ساعتها و تابعت:
- بقي ساعة و نصف على نهاية الدوام المدرسي..و من الافضل ان نعلقه لترى الطالبات الاعلان و يبدأ العمل بالمشروع باسرع وقت ممكن..
هزت اسماء كتفيها:
- حسنا.. افعلي ما ترينه مناسباًَ..