ضــــــوء
•
حياك الله يالغلا
prisonbreak :
هذا التعليق محذوف
جزاك الله خير
بس الظاهر ان هذا منتدى حواء ----> الواحة الادبية ----> اوراق معلمة
بس الظاهر ان هذا منتدى حواء ----> الواحة الادبية ----> اوراق معلمة
المشهد العاشر
التربية الحضارية
لكل بيت طريقته في تربية الأبناء, ولكل فرد قناعة خاصة بأن ما يسلكه من أساليب في تربية أبناءه هي الطريقة الحضارية و المثلى في تنشئة النشء. و لكن الواقع اثبت لنا خطورة الانسياق خلف قاعدة واحدة و أسلوب واحد في تربية الأبناء كلهم, فكل طفل داخل الأسرة الواحدة يحتاج إلى طريقة مختلفة و أسلوب مختلف عن بقية إخوانه, فكيف بأطفال من اسر أخرى أو من بيئات مختلفة.
فالتربية مثل لغة الحوار والتخاطب, تختلف في أسلوبها و في طريقة تقبلها من شخص إلى آخر كما أنها تتشكل حسب اللغة التي ينطقها اللسان.
و رغم ذلك, فالقوانين التربوية, في خطوطها الأساسية, تتشابه إلى حد ما و خصوصا فيما يتعلق بالتربية الدينية وهذا هو المهم لان ذلك يساعد كثيراً في التعليم الجماعي. فالطفل يحب أن يؤدي الصلاة والصيام ضمن مجموعة من الناس بينما لا يشده الأمر كثيرا إذا طُلب منه ذلك بشكل فردي.
ومن الضروري جدا أن نربط التربية بالدين الإسلامي الحنيف, و يجب أن نعتمد, في تربيتنا لأطفالنا, على الأحاديث الشريفة التي تحمل بين سطورها قوانين تربوية أصيلة لا تحتمل كذبا أو خطئا.
* * *
دخلت ريما مع والدتها نبيلة إلى البيت ووضعت حقيبتها على الطاولة وعلّقت عباءتها على المشجب ثم دخلت الى المطبخ لتروي عطشها بمشروب بارد.
دخلت والدتها خلفها و هي تنادي ابنتها مشاعل ذات الثمانية أعوام لتتأكد أن كانت الصغيرة قد عادت من المدرسة أم لا.
لقد اتصلت والدتها بزوجة السائق و التي أخبرتها أنها و زوجها قد أحضرا مشاعل إلى المنزل قبل الساعة الثانية عشرة ظهرا ولكن والدتها حريصة جداً على سلامة ابنتها و هذا الحرص يدفعها لأن تكون أقل اعتماداً على الخدم.
- مشاعل!!
فتحت ريما الثلاجة و هي تقول:
- اظنها تلعب مع شذى..
نظرت ريما الى داخل الثلاجة؛ فوجدت علبة مشروب غازي, و اغرتها علبته المستديرة و ملمسه البارد فالتقطته و فتحته. و حالما همّت ريما بأخذ رشفة صغيرة من المشروب, اجتذبت والدتها المشروب من يدها قائلة بصرامة:
- ماذا تفعلين؟ كم مرة علي ان انهاك عن شرب هذا السم القاتل؟؟
نظرت نبيلة الى العلبة و هي تقول بغضب:
- من احضر هذا الى هنا؟ لابد انه حسام!!
القت نبيلة بالعلبة جانباً و تابعت البحث عن مشاعل, بينما استخرجت ريما كوباً زجاجياً من درج المطبخ و ملأته بالماء البارد.
- مشاعل!!
ظهرت مشاعل من خلف باب غرفة المعيشة واندفعت نحو والدتها ولفت ذراعيها حول وسط أمها ودارت حولها بفرح. وضعت نبيلة يدها على رأس مشاعل وربتت عليها برفق وهي تقول:
- انتبهي يا حبيبتي ! كدت تدفعينني أرضا!
أخذت مشاعل تلتفت يمنة ويسرة ثم قالت:
- أين الأولاد ؟
- ذهب السائق لإحضارهم من المدرسة..
برمت مشاعل شفتيها احتجاجاً وهي تتجه إلى المطبخ وقالت:
- أوه! إني جائعة جدا...
لحقت نبيلة بابنتها إلى المطبخ لتقدم لها شيئا يسد جوعها قبل وصول بقية أفراد الأسرة.
- تعالي يا صغيرتي..سأقدم لك الحساء ريثما يعود والدك..
- أوه لا أريد حساءً..
تجاهلتها نبيلة وسكبت لها القليل من الحساء الدافئ وهي تأمر الخادمة بتسخين الغداء:
- آمنة ! سخني صينية الخضار والأرز..سيأتي الأولاد قريباً من المدرسة؟
وضعت نبيلة إناء الحساء على الطاولة وساعدت مشاعل على الجلوس فوق الكرسي العالي ثم جلست أمام ابنتها وهي تقول:
- استخدمي يدك اليمنى يا عزيزتي.. اين شذى يا مشاعل؟
هزت مشاعل كتفها بلا مبالاة فالتفتت نبيلة نحو الخادمة لتسألها:
- هل معاذ و شذى نائمان يا آمنة ؟ و هل تناولا شيئا قبل أن يناما؟
التفتت الخادمة وأجابتها بهزة من رأسها و طمأنتها بأنهما ناما قريرا العين.
شكرتها نبيلة ثم نهضت من على الكرسي وهمت بالخروج من المطبخ ما جعل مشاعل تنهض هي الأخرى لتلحق بها إلى الصالة فاستدارت نبيلة ونظرت إليها باستغراب:
- لماذا تركتِ حسائك ؟
- لا أريده...
- الم تقولي بأنك جائعة ؟
- بلى و لكنني لا اشعر بالجوع الآن..
هزت نبيلة رأسها استغراباً بينما ركضت مشاعل نحو حقيبة والدتها الملقاة على طاولة الصالة. أدركت نبيلة الآن أن احتجاج ابنتها على الجوع لم يكن رغبة في الغذاء.
بل رغبة في الحصول على الحلوى!!
أخذت نبيلة تراقب ابنتها التي شرعت بالبحث عن قطع الحلوى التي لا تفتا تطلبها. وعندما وجدت مشاعل القطع المطلوبة صاحت بفرح:
- وجدت ثلاث قطع من الشوكولا يا أمي!
هزت نبيلة رأسها اسفاً, ما بال هذا الجيل؟ فلقد تدهورت احلامهم و رغباتهم و اصبحت متعلقة بكل ما هو حسي و لحظي, فلا وجود للرغبات و الاحلام المنطقية و العميقة, فكل همهم الحصول على التوافه بغض النظر عن الوسائل.
- لا تأكليها الآن..الغداء جاهز..
قالت مشاعل محتجة:
- لقد تناولت الحساء قبل قليل..
- كلا لم تتناولي شيئا..
- حسنا سأنتظر حتى أتناول الغداء..
- اتركي واحدة من القطع لأخيك معاذ..وأخرى لشذى..
وافقت ابنتها على مضض و ابتسمت نبيلة بحنان وعلى الرغم من حرصها الشديد على عدم تلبية جميع طلبات ابناءها لأنها تدرك بأنها بذلك ستفسدهم, إلا أنها تتخاذل وتتراجع عن قرارها بمجرد أن تتذكر تلك الابتسامة المرسومة على شفاه أطفالها. و في الحقيقة, تشعر نبيلة انها لم تعد قادرة على التفاهم مع ابناءها الصغار بقدر ما كانت مسيطرة على ابناءها الاكبر سناً.
ترى هل السبب هو انشغالها الان؟ ام فارق السن هو السبب؟
او لعل ابناءها الاكبر سناً كانوا اكثر طواعية و مرونة؟
و ربما كل تلك الاسباب مجتمعة اضافة الى وجود شذى, حفيدتها اليتيمة, و التي استحوذت على اهتمامها و عطفها.
بعد عدة دقائق خرجت ريما من غرفتها وعاد حسام و فراس من مدرستهما.
دخلت ريما المطبخ مع والدتها بينما جلس الأولاد في مجلس الرجال لقراءة الصحف أو مشاهدة التلفاز ريثما يعود والدهما.
تناولت ريما طبقاً من الخزانة وشرعت تسكب السلطة الخضراء فيه ثم رفعت رأسها لتقول:
- هل أعجبك المقال الذي كتبته اليوم يا أمي؟
- كلا..لم يعجبني كثيرا..كان بإمكانك أن تبدعي أكثر..
عبست ريما و هي تفكر بما قالته والدتها لغادة أثناء الدرس؛ فقد شجعتها و امطرتها بكلمات تبعث الثقة في النفس, فما بالها الان تنتقد مقال ريما و تطلب منها المزيد؟
على ريما ان تعترف بأن والدتها قد بدأت تتخذ التشجيع كحافز لطالباتها في الصف, و لكن لا يبدو عليها انها تريد ان تتخذ هذا الحافز وسيلة لتطوير ابنتها.
- إنك تحاولين مقارنتي بشهد..وتتمنين أن أصبح مثلها، أليس كذلك؟
يزعجها كثيرا هذا الأمر! فوالدتها تقارنها كثيرا بصديقتها شهد, وتحثها على أن تصبح بارعة في الكتابة و الدراسة مثلها.
قالت نبيلة:
- إنها طالبة مجدة ومهذبة.. اشعرُ بالفخر دائماً لأنها إحدى طالباتي..
برمت ريما شفتيها باستياء, فعلى الرغم من حبها لصديقتها الغالية فهي تشعر بالانزعاج حين تبدأ امها بمقارنتها بشهد, و تتمنى لو تبدل ريما صفها و تذهب إلى صف آخر غير الصف الذي تدرس فيه شهد.
هزت ريما رأسها مبعدة هذه الرغبة من رأسها, فهي لا تقوى على الابتعاد كثيرا عن صديقتها الغالية.
قالت والدتها فجأة:
- أنت تجلسين بجانبها, أتساءل كثيرا عن السبب الذي يمنعك من منافستها..
في الحقيقة, لم تفكر ريما بهذا من قبل؟ فلطالما أسعدها مديح المعلمات لصديقتها و لم تفكر يوما بأن تقلّدها أو أن تجاريها. ربما لأنها تشعر أنهما شخص واحد!
و في غمرة تساؤلاتها, مرّت أخت ريما الصغرى من تحتها وهي تشير إلى الحلوى الملفوفة بعناية بين أصابعها الصغيرة وقالت بفخر:
- انظري! أمي اشترت لي قطعة شوكولا..
ابتسمت ريما وهي تستدير بعيداً.
والدتها تفرط في تدليل أبنائها الصغار وتفرط في كبت أبنائها الكبار. لا تدري ريما ان كانت والدتها قد ندمت كثيرا على الكبت الذي مارسته على أبنائها الكبار وعوضته بدلال مفرط لأبنائها الصغار, أم أن وجود شذى فرض عليها الرفق في معاملتها وبالتالي وجوب العدل بينها وبين الآخرين؟
رن جهاز ريما المحمول فتفحصته لتجد رقم غادة, اجبت عليها و اخبرتها بأنها ستتصل بها حالما تنتهي من أداء فروضها المدرسية.
قالت ريما عندما اقفلت الخط:
- بطاقة هاتفي المحمول قاربت على الانتهاء.. اريد ان اشتري بطاقة جديدة..
- لن نشتري لك بطاقة بعد الان.. يكفي انك قد التهيت بجوالك عن دراستك..
- كيف ساتحدث مع زميلاتي؟
- استخدمي الهاتف الثابت عند الضرورة...
- و لكن يا امي..
استدارت والدتها لتمنعها من الاحتجاج؛ فسكتت مستسلمة, و لكنها حزنت حين تبادرت الى ذهنها فكرة احتمال ان تكون والدتها تشك في تصرفاتها.
نفت تلك الفكرة من رأسها؛ اذ لا يمكن ان تشك والدتها بها بعد ان احسنت تربيتها. و يعود السؤال مجددا, لماذا منعتها و في هذا الوقت بالذات من تجديد بطاقة الاتصال؟
يحز في نفس ريما ان تتوقع منها والدتها السوء. و فكرت ريما بمنطقية بأن قرار والدتها ربما يكون من صالحها, فهي تسمع كثيرا عن مخاطرة السيئة و خصوصاً على الفتيات الصغيرات امثالها. و مهما كانت ثقة ريما بنفسها او ثقة والدتها بها, فمشاكل ذلك الجهاز الصغير لا تنتهي و خصوصاً عند إساءة استخدامه.
اثناء ماكانت ريما تساعد والدتها في اعداد المائدة عادت اختها الكبرى رنا من الجامعة و هي تجر قدميها جراً, وعيناها على الارض, و ذقنها يكاد يلامس صدرها, و شفتاها مطبقتان كالعادة.
تنهدت ريما الماً على حال اختها و مضت تسكب لها كوبا من الماء البارد بينما قالت والدتها بصلابة:
- لا تنامي الان يا رنا, والدك سيعود في اي لحظة!
لم تعلق رنا! بل استدارت مباشرة الى غرفة الطعام!
- هل الغداء جاهز؟
كان ذلك صوت أبو حسام!!
- ها قد عاد والدك.. دعينا نعد المائدة بسرعة..
التربية الحضارية
لكل بيت طريقته في تربية الأبناء, ولكل فرد قناعة خاصة بأن ما يسلكه من أساليب في تربية أبناءه هي الطريقة الحضارية و المثلى في تنشئة النشء. و لكن الواقع اثبت لنا خطورة الانسياق خلف قاعدة واحدة و أسلوب واحد في تربية الأبناء كلهم, فكل طفل داخل الأسرة الواحدة يحتاج إلى طريقة مختلفة و أسلوب مختلف عن بقية إخوانه, فكيف بأطفال من اسر أخرى أو من بيئات مختلفة.
فالتربية مثل لغة الحوار والتخاطب, تختلف في أسلوبها و في طريقة تقبلها من شخص إلى آخر كما أنها تتشكل حسب اللغة التي ينطقها اللسان.
و رغم ذلك, فالقوانين التربوية, في خطوطها الأساسية, تتشابه إلى حد ما و خصوصا فيما يتعلق بالتربية الدينية وهذا هو المهم لان ذلك يساعد كثيراً في التعليم الجماعي. فالطفل يحب أن يؤدي الصلاة والصيام ضمن مجموعة من الناس بينما لا يشده الأمر كثيرا إذا طُلب منه ذلك بشكل فردي.
ومن الضروري جدا أن نربط التربية بالدين الإسلامي الحنيف, و يجب أن نعتمد, في تربيتنا لأطفالنا, على الأحاديث الشريفة التي تحمل بين سطورها قوانين تربوية أصيلة لا تحتمل كذبا أو خطئا.
* * *
دخلت ريما مع والدتها نبيلة إلى البيت ووضعت حقيبتها على الطاولة وعلّقت عباءتها على المشجب ثم دخلت الى المطبخ لتروي عطشها بمشروب بارد.
دخلت والدتها خلفها و هي تنادي ابنتها مشاعل ذات الثمانية أعوام لتتأكد أن كانت الصغيرة قد عادت من المدرسة أم لا.
لقد اتصلت والدتها بزوجة السائق و التي أخبرتها أنها و زوجها قد أحضرا مشاعل إلى المنزل قبل الساعة الثانية عشرة ظهرا ولكن والدتها حريصة جداً على سلامة ابنتها و هذا الحرص يدفعها لأن تكون أقل اعتماداً على الخدم.
- مشاعل!!
فتحت ريما الثلاجة و هي تقول:
- اظنها تلعب مع شذى..
نظرت ريما الى داخل الثلاجة؛ فوجدت علبة مشروب غازي, و اغرتها علبته المستديرة و ملمسه البارد فالتقطته و فتحته. و حالما همّت ريما بأخذ رشفة صغيرة من المشروب, اجتذبت والدتها المشروب من يدها قائلة بصرامة:
- ماذا تفعلين؟ كم مرة علي ان انهاك عن شرب هذا السم القاتل؟؟
نظرت نبيلة الى العلبة و هي تقول بغضب:
- من احضر هذا الى هنا؟ لابد انه حسام!!
القت نبيلة بالعلبة جانباً و تابعت البحث عن مشاعل, بينما استخرجت ريما كوباً زجاجياً من درج المطبخ و ملأته بالماء البارد.
- مشاعل!!
ظهرت مشاعل من خلف باب غرفة المعيشة واندفعت نحو والدتها ولفت ذراعيها حول وسط أمها ودارت حولها بفرح. وضعت نبيلة يدها على رأس مشاعل وربتت عليها برفق وهي تقول:
- انتبهي يا حبيبتي ! كدت تدفعينني أرضا!
أخذت مشاعل تلتفت يمنة ويسرة ثم قالت:
- أين الأولاد ؟
- ذهب السائق لإحضارهم من المدرسة..
برمت مشاعل شفتيها احتجاجاً وهي تتجه إلى المطبخ وقالت:
- أوه! إني جائعة جدا...
لحقت نبيلة بابنتها إلى المطبخ لتقدم لها شيئا يسد جوعها قبل وصول بقية أفراد الأسرة.
- تعالي يا صغيرتي..سأقدم لك الحساء ريثما يعود والدك..
- أوه لا أريد حساءً..
تجاهلتها نبيلة وسكبت لها القليل من الحساء الدافئ وهي تأمر الخادمة بتسخين الغداء:
- آمنة ! سخني صينية الخضار والأرز..سيأتي الأولاد قريباً من المدرسة؟
وضعت نبيلة إناء الحساء على الطاولة وساعدت مشاعل على الجلوس فوق الكرسي العالي ثم جلست أمام ابنتها وهي تقول:
- استخدمي يدك اليمنى يا عزيزتي.. اين شذى يا مشاعل؟
هزت مشاعل كتفها بلا مبالاة فالتفتت نبيلة نحو الخادمة لتسألها:
- هل معاذ و شذى نائمان يا آمنة ؟ و هل تناولا شيئا قبل أن يناما؟
التفتت الخادمة وأجابتها بهزة من رأسها و طمأنتها بأنهما ناما قريرا العين.
شكرتها نبيلة ثم نهضت من على الكرسي وهمت بالخروج من المطبخ ما جعل مشاعل تنهض هي الأخرى لتلحق بها إلى الصالة فاستدارت نبيلة ونظرت إليها باستغراب:
- لماذا تركتِ حسائك ؟
- لا أريده...
- الم تقولي بأنك جائعة ؟
- بلى و لكنني لا اشعر بالجوع الآن..
هزت نبيلة رأسها استغراباً بينما ركضت مشاعل نحو حقيبة والدتها الملقاة على طاولة الصالة. أدركت نبيلة الآن أن احتجاج ابنتها على الجوع لم يكن رغبة في الغذاء.
بل رغبة في الحصول على الحلوى!!
أخذت نبيلة تراقب ابنتها التي شرعت بالبحث عن قطع الحلوى التي لا تفتا تطلبها. وعندما وجدت مشاعل القطع المطلوبة صاحت بفرح:
- وجدت ثلاث قطع من الشوكولا يا أمي!
هزت نبيلة رأسها اسفاً, ما بال هذا الجيل؟ فلقد تدهورت احلامهم و رغباتهم و اصبحت متعلقة بكل ما هو حسي و لحظي, فلا وجود للرغبات و الاحلام المنطقية و العميقة, فكل همهم الحصول على التوافه بغض النظر عن الوسائل.
- لا تأكليها الآن..الغداء جاهز..
قالت مشاعل محتجة:
- لقد تناولت الحساء قبل قليل..
- كلا لم تتناولي شيئا..
- حسنا سأنتظر حتى أتناول الغداء..
- اتركي واحدة من القطع لأخيك معاذ..وأخرى لشذى..
وافقت ابنتها على مضض و ابتسمت نبيلة بحنان وعلى الرغم من حرصها الشديد على عدم تلبية جميع طلبات ابناءها لأنها تدرك بأنها بذلك ستفسدهم, إلا أنها تتخاذل وتتراجع عن قرارها بمجرد أن تتذكر تلك الابتسامة المرسومة على شفاه أطفالها. و في الحقيقة, تشعر نبيلة انها لم تعد قادرة على التفاهم مع ابناءها الصغار بقدر ما كانت مسيطرة على ابناءها الاكبر سناً.
ترى هل السبب هو انشغالها الان؟ ام فارق السن هو السبب؟
او لعل ابناءها الاكبر سناً كانوا اكثر طواعية و مرونة؟
و ربما كل تلك الاسباب مجتمعة اضافة الى وجود شذى, حفيدتها اليتيمة, و التي استحوذت على اهتمامها و عطفها.
بعد عدة دقائق خرجت ريما من غرفتها وعاد حسام و فراس من مدرستهما.
دخلت ريما المطبخ مع والدتها بينما جلس الأولاد في مجلس الرجال لقراءة الصحف أو مشاهدة التلفاز ريثما يعود والدهما.
تناولت ريما طبقاً من الخزانة وشرعت تسكب السلطة الخضراء فيه ثم رفعت رأسها لتقول:
- هل أعجبك المقال الذي كتبته اليوم يا أمي؟
- كلا..لم يعجبني كثيرا..كان بإمكانك أن تبدعي أكثر..
عبست ريما و هي تفكر بما قالته والدتها لغادة أثناء الدرس؛ فقد شجعتها و امطرتها بكلمات تبعث الثقة في النفس, فما بالها الان تنتقد مقال ريما و تطلب منها المزيد؟
على ريما ان تعترف بأن والدتها قد بدأت تتخذ التشجيع كحافز لطالباتها في الصف, و لكن لا يبدو عليها انها تريد ان تتخذ هذا الحافز وسيلة لتطوير ابنتها.
- إنك تحاولين مقارنتي بشهد..وتتمنين أن أصبح مثلها، أليس كذلك؟
يزعجها كثيرا هذا الأمر! فوالدتها تقارنها كثيرا بصديقتها شهد, وتحثها على أن تصبح بارعة في الكتابة و الدراسة مثلها.
قالت نبيلة:
- إنها طالبة مجدة ومهذبة.. اشعرُ بالفخر دائماً لأنها إحدى طالباتي..
برمت ريما شفتيها باستياء, فعلى الرغم من حبها لصديقتها الغالية فهي تشعر بالانزعاج حين تبدأ امها بمقارنتها بشهد, و تتمنى لو تبدل ريما صفها و تذهب إلى صف آخر غير الصف الذي تدرس فيه شهد.
هزت ريما رأسها مبعدة هذه الرغبة من رأسها, فهي لا تقوى على الابتعاد كثيرا عن صديقتها الغالية.
قالت والدتها فجأة:
- أنت تجلسين بجانبها, أتساءل كثيرا عن السبب الذي يمنعك من منافستها..
في الحقيقة, لم تفكر ريما بهذا من قبل؟ فلطالما أسعدها مديح المعلمات لصديقتها و لم تفكر يوما بأن تقلّدها أو أن تجاريها. ربما لأنها تشعر أنهما شخص واحد!
و في غمرة تساؤلاتها, مرّت أخت ريما الصغرى من تحتها وهي تشير إلى الحلوى الملفوفة بعناية بين أصابعها الصغيرة وقالت بفخر:
- انظري! أمي اشترت لي قطعة شوكولا..
ابتسمت ريما وهي تستدير بعيداً.
والدتها تفرط في تدليل أبنائها الصغار وتفرط في كبت أبنائها الكبار. لا تدري ريما ان كانت والدتها قد ندمت كثيرا على الكبت الذي مارسته على أبنائها الكبار وعوضته بدلال مفرط لأبنائها الصغار, أم أن وجود شذى فرض عليها الرفق في معاملتها وبالتالي وجوب العدل بينها وبين الآخرين؟
رن جهاز ريما المحمول فتفحصته لتجد رقم غادة, اجبت عليها و اخبرتها بأنها ستتصل بها حالما تنتهي من أداء فروضها المدرسية.
قالت ريما عندما اقفلت الخط:
- بطاقة هاتفي المحمول قاربت على الانتهاء.. اريد ان اشتري بطاقة جديدة..
- لن نشتري لك بطاقة بعد الان.. يكفي انك قد التهيت بجوالك عن دراستك..
- كيف ساتحدث مع زميلاتي؟
- استخدمي الهاتف الثابت عند الضرورة...
- و لكن يا امي..
استدارت والدتها لتمنعها من الاحتجاج؛ فسكتت مستسلمة, و لكنها حزنت حين تبادرت الى ذهنها فكرة احتمال ان تكون والدتها تشك في تصرفاتها.
نفت تلك الفكرة من رأسها؛ اذ لا يمكن ان تشك والدتها بها بعد ان احسنت تربيتها. و يعود السؤال مجددا, لماذا منعتها و في هذا الوقت بالذات من تجديد بطاقة الاتصال؟
يحز في نفس ريما ان تتوقع منها والدتها السوء. و فكرت ريما بمنطقية بأن قرار والدتها ربما يكون من صالحها, فهي تسمع كثيرا عن مخاطرة السيئة و خصوصاً على الفتيات الصغيرات امثالها. و مهما كانت ثقة ريما بنفسها او ثقة والدتها بها, فمشاكل ذلك الجهاز الصغير لا تنتهي و خصوصاً عند إساءة استخدامه.
اثناء ماكانت ريما تساعد والدتها في اعداد المائدة عادت اختها الكبرى رنا من الجامعة و هي تجر قدميها جراً, وعيناها على الارض, و ذقنها يكاد يلامس صدرها, و شفتاها مطبقتان كالعادة.
تنهدت ريما الماً على حال اختها و مضت تسكب لها كوبا من الماء البارد بينما قالت والدتها بصلابة:
- لا تنامي الان يا رنا, والدك سيعود في اي لحظة!
لم تعلق رنا! بل استدارت مباشرة الى غرفة الطعام!
- هل الغداء جاهز؟
كان ذلك صوت أبو حسام!!
- ها قد عاد والدك.. دعينا نعد المائدة بسرعة..
المشهد الحادي عشر
نظرة إلى المستقبل
تربية الأطفال تربية سليمة أمر مطلوب و مهم, ولكن التربية السليمة لا تتضمن اتخاذ القرارات بدلا عنهم, وخصوصا فيما يتعلق بدراستهم و علاقاتهم الاجتماعية. و في الحقيقة, يخطئ البعض باعتقادهم أن نجاح الأبناء مشروط بتوجيهات الوالدين لأنهما الأكثر خبرة في الحياة. إلا أن الحياة تحتم أن يعتاد الأبناء على اختيار حياتهم لان ذلك يضمن لهم التعلم من أخطاءهم و بالتالي تصحيحها في المستقبل.
* * *
في حوالي الساعة الرابعة مساء, سمعت ريما صوت أمها تناديها أثناء ما كانت تنهي رسم لوحة طلبتها منها الأستاذة أريج, الأمر الذي جعل ريما تترك غرفتها وتركض ناحية الدرج لترد على نداء أمها. فربما احتاجت إليها لتساعدها على العناية بشذى بعد الغفوة الطويلة التي أخذتها تلك المزعجة الصغيرة بعد الغداء. وقد كانت ريما حريصة على أن لا تترك والدتها مع شذى لوحدها أبدا فلوالدتها مشاغل اكبر من أن تتحملها مع أعباء هذه الصغيرة المسكينة.
شذى هي ابنة سامية, أخت ريما الكبرى, والتي توفيت مباشرة بعد إنجابها لابنتها البكر. وقد صارت شذى المسكينة يتيمة بلا أم وتكفلت والدة ريما برعايتها وخصوصا بعد أن رفض والد شذى أن يتزوج من جديد بعد زوجته التي أحبها حبا عظيما.
أطلت ريما برأسها من فوق الدرج فانساب شعرها الكثيف من فوق كتفها مغطيا ذراعها و أشارت ريما إلى ريشة رسم في يدها وقالت:
- كنت مشغولة بالرسم يا أماه..هل استيقظت شذى؟
- كلا, إنها لا تزال نائمة ولكنني أردت أن تجلسي معي لبعض الوقت.
- حسنا يا أمي..لحظات وانضم إليك..
بعد عدة لحظات, دخلت ريما إلى الغرفة وهي تجر لوحتها العريضة بجانبها, ثم وضعتها في ركن من الغرفة و عادت لتخرج من الغرفة و هي تقول:
- سأحضر الشاي..و أعود حالا..
والدة ريما امرأة صارمة ومتميزة في عملها. وفي الحقيقة, مهمتها كمعلمة جعلت منها امرأة ذات قرارات ثابتة لا يمكن التلاعب بها أبدا, وكذلك انشغال والد ريما الدائم في عمله واضطرارها لتربية الأبناء الذكور لوحدها كان سببا رئيسيا لتثبيت شخصية الأم الحازمة وترسيخها.
وفي الواقع, حتى إدارة المدرسة التي تعمل فيها نبيلة, ومعلماتها و طالباتها يشعرون بهيبتها وقوة شخصيتها, وكثيرا ما تعاني ريما من نتائج قسوة والدتها بعض الأحيان ولكن على الرغم من كل شيء, تظن ريما أن في قسوتها شيئا من الحنان والحكمة. و في الواقع, لا يتفق معها في هذا الرأي احد من اخوتها سوى سامية رحمها الله و التي كانت تشابه الى حد ما شخصية ريما الهادئة و القنوعة, اما رنا فقد كانت الضد تماما لاختيها فلم تكن تهتم بأحد و لم تكن تنصاع الى أي حكم أي انسان و مع ذلك استطاعت والدتها ان تقنعها باتخاذ قرارات مهمة في حياتها فاصبحت رنا بمساعدة والدتها امراة عظيمة و طبيبة ناجحة.
فكرت ريما و هي تقوم باعداد الشاي لوحدها في المطبخ بأن والدتها امرأة عظيمة, و لكن الامر الذي يزعج ريما كثيراً هو عدم ثقة والدتها بها و بتصرفاتها كفتاة ناضجة واعية لما تقول وتفعل. كما انها تهتم كثيراً بها لدرجة حرمانها من الاعتماد على نفسها في ادق الأمور.
عندما عادت ريما إلى غرفة الجلوس وضعت الإبريق والفناجين على الطاولة ثم سكبت فنجانا لأمها و آخر لها ثم جلست بالقرب من أمها قائلة:
- كنت أحاول إنهاء هذه اللوحة قبل نهاية هذا الأسبوع.. ويبدو أنني سأتمكن من إنهائها غدا..
رشفت الأم من فنجانها و هي تراقب لوحة ابنتها بإعجاب واضح. فشعرت ريما بشيء من السرور.
- هل أنت من رسم هذه اللوحة يا ريما؟
- اجل يا أمي ؟ هل أعجبتك؟
هزت الأم رأسها وقالت:
- رائعة..
ابتسمت ريما بفخر, و لكن ذابت ابتسامتها حين أردفت والدتها:
- ليت اجتهادك بالمواد العلمية قدر اجتهادك بالرسم...
ثم هزّت نبيلة رأسها آسفة, و شعرت ريما بأنها قد تسببت في ثقب طبقة الأوزون..
ساد الصمت لحظات ثم رنّ جرس هاتف ريما المحمول. واكتشفت أن صديقتها الحبيبة شهد تتصل بها:
- مرحبا ريما..كيف حالك؟
- الحمد لله, أخيرا اتصلت شهد و شفيت من مرض البخل الذي أصيبت به على حين غفلة!
قالت شهد ممازحة:
- اخرسي! أنا اتصل بك دائما..
تحدتها ريما بقولها:
- أنا التي اتصل بك كل يوم, أما أنت فمنذ دهر لم تتصلي..هل تذكرين آخر مرة اتصلتِ بي؟ منذ شهر و خمسة أيام..
ضحكت شهد و قالت مداعبة:
- أنت لا تستحقين أن اخسر فيك هللة واحدة..هيا اذهبي إلى الهاتف الثابت, سأتصل بك خلال لحظات..
- حسناً يا سيدتي!
اتصلت شهد فأجابت ريما:
- ها..ماذا كنت تقولين؟
- كنت أريد رأيك باللوحة..يجب أن أسلمها للأستاذة خلال هذا الأسبوع و ليس لدي فكرة لأرسمها..
قالت ريما وهي تعض على شفتها السفلى:
- تحتاج إلى تفكير..
ثم تابعت:
- والدتي تمتدح مقالك كثيرا..
- حقا؟
- اجل.. شعرت بالغيرة منك فهي لا تفتأ تذكرك..
- إذن اخبريها أنني أريد أن ادعوك لرحلة صغيرة إلى المدينة الترفيهية..أخبرتني والدتي أنها سترافق جاراتها إلى هناك ففكرت بدعوتك أنت وغادة..
وعدت ريما صديقتها بأن تستأذن أمها بالحضور على الرغم من أنها غير متأكدة من موافقة أمها.
قالت شهد بحماس:
- لقد أعطتني سارة صندوقاً صغيرا ممتلئاً بكتيبات الأذكار, و طلبت مني أن أوزعه عندما أذهب إلى هناك..
- جميل..فكرة حسنة!
عندما عادت ريما إلى غرفة الجلوس حيث تجلس أمها, تحدثت عن الرحلة الترفيهية التي دعتها إليها شهد. فأبدت والدتها امتعاضاً شديداً من فكرة ذهاب ريما بمفردها إلى مثل تلك الأماكن التي وصفتها بـ "المناطق الفوضوية".
لم تستغرب ريما رد والدتها, و لم تحزن لأنها منعتها من الذهاب. و لكنها رغبت أن تكون والدتها أكثر واقعية و إقناعا في ردها, و تمنّت لو تقنعها بالأساس الذي تعتمده في تربيتها لها.
فهل هي تعتمد على أسباب وجيهة في إصدار أحكامها وقراراتها, أم أنها تصدرها جزافاً في محاولة لإثبات ذاتها و سيطرتها على أبناءها.
قالت والدتها بعد لحظات من الصمت:
- كيف حال دراستك يا ابنتي؟ و كيف حال المواد العلمية معك؟
- أكثر من رائعة.. الأستاذة امتنان أخبرتني اليوم بأنها تود أن تتحدث معك في وقت استراحة الفطور..ألم تلتقي بها؟
- كلا.. ربما كنت منشغلة بشيء ما..
- انها تريد أن تخبرك بأنني في تحسن ملحوظ بمادة الرياضيات..
- اتمنى ذلك!
لابد أن أمها قلقة جدا بشأن دروس ريما لأنها في السنة الاخيرة في الثانوية وتظن انه يجب عليها أن تتفوق لتحصل على معدل جيد.
- ما الداعي لكل هذا القلق يا أماه ؟
- يجب على أن اقلق..أخبرتني نورة بأنك تحتاجين إلى جهد أكثر في مادة الفيزياء..
ضحكت ريما وقالت مطمئنة:
- لا تخافي يا أمي سأنجح بإذن الله..
- أنا لا أريدك أن تنجحي فقط.. أريدك أن تتفوقي...
اكتأبت ملامح ريما وهي تقول:
- أمي..إنني أحاول جهدي, صدقيني... لكن ما الذي يمكنني فعله إذا كانت مادة الفيزياء معقدة وصعبة..
أمها تظن أن بإمكان ريما أن تتحول إلى معجزة في علم الكيمياء والفيزياء وهي تدرك أن المواد العلمية تحتاج إلى جهد كبير. فبالاضافة الى أن أمها قد أرغمتها على اختيار القسم العلمي في الثانوية فهي تريدها أن تخترق حدود عقلها وتصبح مخترعة صواريخ..
- اجتهدي أكثر..و إذا احتجت إلى معلمة خصوصية سأحضر لك أفضل المدرسات..
ابتسمت ريما بعطف:
- ولماذا يا أمي؟ ليس لذلك من داعي؟ يمكنني أن احصل على اي معدل وانظم إلى الكلية وبكل سهولة..
- "كلية الحاسب" تحتاج إلى معدل عالي..
ضحكت ريما وقالت:
- ولكنني لن ادخل "كلية الحاسب".. أريد أن انظم إلى كلية الاقتصاد..سأدرس الرسم!
ظهرت الصدمة واضحة على ملامح أمها وهي تقول:
- الرسم !!
انزعجت ريما حين لاحظت الغضب الذي احتل عيني والدتها و هي تتابع:
- لا يمكن أن تفعلي ذلك..
بدت أمها وكأنها تنطق بكلمة غريبة وهي تردد:
- الرسم !!
- ما الأمر يا أمي؟ هل من مشكلة؟
- اجل!! لن اسمح لك بان تكوني مجرد معلمة "فنية"..
أطلقت ريما ضحكة مرتبكة وهي تقول:
- سأكون معلمة رسم متميزة وفنانة و..
لامست ريما ذراع والدتها بلطف وهي تتابع:
- و ربما تزورين معرضي يوما..
- كفي عن هذا الهذيان يا ريما!! ثم انني آمرك بأن تتركي جمعيةالرسم هذه وتهتمي بدروسك!
لم تكن لهجة أمها لهجة غاضبة ولكنها كانت تحمل شيئا من العتاب. لابد أن أمها قلقة جدا عليها فهي تظن كعادتها إنها لا تزال صغيرة ولا تدرك ما هو أفضل و ان من أهم مسؤولياتها كأم أن توجه ابنتها وتفتح عينيها لترى الاتجاه الصحيح لاختيارات الحياة العملية منها و الاجتماعية.
هزت ريما رأسها بصمت و هي ترخي عينيها الى الارض. مشكلة ريما الوحيدة, انها لا تستطيع ان تُصرح برغباتها و احلامها أمام والدتها, و تفضل الخضوع لها براً بها و انصياعاً لأوامرها و رغباتها.
زمت ريما شفتيها لتمنع نفسها من الكلام, و هي تفكر بصمت, بأن هذا الخضوع ربما سيكون في صالحها يوماً ما كما كان في صالح سامية و رنا حين اختارت لهما والدتهما حياة تحلم بها الكثيرات.
قالت والدتها عندما لاحظت صمت ريما:
- حبيبتي لا تقلقي.. كل ما كنت أتمناه هو أن تري أن ما أردته لك هو في مصلحتك.. أنت لا تزالين اصغر من أن تحددي مستقبلك..
ظلت ريما ساكتة لبرهة قبل أن تومئ برأسها موافقة رأي أمها. و رغم موافقتها الهادئة والمستسلمة فقد امتلأت عيناها بالدموع..
نظرة إلى المستقبل
تربية الأطفال تربية سليمة أمر مطلوب و مهم, ولكن التربية السليمة لا تتضمن اتخاذ القرارات بدلا عنهم, وخصوصا فيما يتعلق بدراستهم و علاقاتهم الاجتماعية. و في الحقيقة, يخطئ البعض باعتقادهم أن نجاح الأبناء مشروط بتوجيهات الوالدين لأنهما الأكثر خبرة في الحياة. إلا أن الحياة تحتم أن يعتاد الأبناء على اختيار حياتهم لان ذلك يضمن لهم التعلم من أخطاءهم و بالتالي تصحيحها في المستقبل.
* * *
في حوالي الساعة الرابعة مساء, سمعت ريما صوت أمها تناديها أثناء ما كانت تنهي رسم لوحة طلبتها منها الأستاذة أريج, الأمر الذي جعل ريما تترك غرفتها وتركض ناحية الدرج لترد على نداء أمها. فربما احتاجت إليها لتساعدها على العناية بشذى بعد الغفوة الطويلة التي أخذتها تلك المزعجة الصغيرة بعد الغداء. وقد كانت ريما حريصة على أن لا تترك والدتها مع شذى لوحدها أبدا فلوالدتها مشاغل اكبر من أن تتحملها مع أعباء هذه الصغيرة المسكينة.
شذى هي ابنة سامية, أخت ريما الكبرى, والتي توفيت مباشرة بعد إنجابها لابنتها البكر. وقد صارت شذى المسكينة يتيمة بلا أم وتكفلت والدة ريما برعايتها وخصوصا بعد أن رفض والد شذى أن يتزوج من جديد بعد زوجته التي أحبها حبا عظيما.
أطلت ريما برأسها من فوق الدرج فانساب شعرها الكثيف من فوق كتفها مغطيا ذراعها و أشارت ريما إلى ريشة رسم في يدها وقالت:
- كنت مشغولة بالرسم يا أماه..هل استيقظت شذى؟
- كلا, إنها لا تزال نائمة ولكنني أردت أن تجلسي معي لبعض الوقت.
- حسنا يا أمي..لحظات وانضم إليك..
بعد عدة لحظات, دخلت ريما إلى الغرفة وهي تجر لوحتها العريضة بجانبها, ثم وضعتها في ركن من الغرفة و عادت لتخرج من الغرفة و هي تقول:
- سأحضر الشاي..و أعود حالا..
والدة ريما امرأة صارمة ومتميزة في عملها. وفي الحقيقة, مهمتها كمعلمة جعلت منها امرأة ذات قرارات ثابتة لا يمكن التلاعب بها أبدا, وكذلك انشغال والد ريما الدائم في عمله واضطرارها لتربية الأبناء الذكور لوحدها كان سببا رئيسيا لتثبيت شخصية الأم الحازمة وترسيخها.
وفي الواقع, حتى إدارة المدرسة التي تعمل فيها نبيلة, ومعلماتها و طالباتها يشعرون بهيبتها وقوة شخصيتها, وكثيرا ما تعاني ريما من نتائج قسوة والدتها بعض الأحيان ولكن على الرغم من كل شيء, تظن ريما أن في قسوتها شيئا من الحنان والحكمة. و في الواقع, لا يتفق معها في هذا الرأي احد من اخوتها سوى سامية رحمها الله و التي كانت تشابه الى حد ما شخصية ريما الهادئة و القنوعة, اما رنا فقد كانت الضد تماما لاختيها فلم تكن تهتم بأحد و لم تكن تنصاع الى أي حكم أي انسان و مع ذلك استطاعت والدتها ان تقنعها باتخاذ قرارات مهمة في حياتها فاصبحت رنا بمساعدة والدتها امراة عظيمة و طبيبة ناجحة.
فكرت ريما و هي تقوم باعداد الشاي لوحدها في المطبخ بأن والدتها امرأة عظيمة, و لكن الامر الذي يزعج ريما كثيراً هو عدم ثقة والدتها بها و بتصرفاتها كفتاة ناضجة واعية لما تقول وتفعل. كما انها تهتم كثيراً بها لدرجة حرمانها من الاعتماد على نفسها في ادق الأمور.
عندما عادت ريما إلى غرفة الجلوس وضعت الإبريق والفناجين على الطاولة ثم سكبت فنجانا لأمها و آخر لها ثم جلست بالقرب من أمها قائلة:
- كنت أحاول إنهاء هذه اللوحة قبل نهاية هذا الأسبوع.. ويبدو أنني سأتمكن من إنهائها غدا..
رشفت الأم من فنجانها و هي تراقب لوحة ابنتها بإعجاب واضح. فشعرت ريما بشيء من السرور.
- هل أنت من رسم هذه اللوحة يا ريما؟
- اجل يا أمي ؟ هل أعجبتك؟
هزت الأم رأسها وقالت:
- رائعة..
ابتسمت ريما بفخر, و لكن ذابت ابتسامتها حين أردفت والدتها:
- ليت اجتهادك بالمواد العلمية قدر اجتهادك بالرسم...
ثم هزّت نبيلة رأسها آسفة, و شعرت ريما بأنها قد تسببت في ثقب طبقة الأوزون..
ساد الصمت لحظات ثم رنّ جرس هاتف ريما المحمول. واكتشفت أن صديقتها الحبيبة شهد تتصل بها:
- مرحبا ريما..كيف حالك؟
- الحمد لله, أخيرا اتصلت شهد و شفيت من مرض البخل الذي أصيبت به على حين غفلة!
قالت شهد ممازحة:
- اخرسي! أنا اتصل بك دائما..
تحدتها ريما بقولها:
- أنا التي اتصل بك كل يوم, أما أنت فمنذ دهر لم تتصلي..هل تذكرين آخر مرة اتصلتِ بي؟ منذ شهر و خمسة أيام..
ضحكت شهد و قالت مداعبة:
- أنت لا تستحقين أن اخسر فيك هللة واحدة..هيا اذهبي إلى الهاتف الثابت, سأتصل بك خلال لحظات..
- حسناً يا سيدتي!
اتصلت شهد فأجابت ريما:
- ها..ماذا كنت تقولين؟
- كنت أريد رأيك باللوحة..يجب أن أسلمها للأستاذة خلال هذا الأسبوع و ليس لدي فكرة لأرسمها..
قالت ريما وهي تعض على شفتها السفلى:
- تحتاج إلى تفكير..
ثم تابعت:
- والدتي تمتدح مقالك كثيرا..
- حقا؟
- اجل.. شعرت بالغيرة منك فهي لا تفتأ تذكرك..
- إذن اخبريها أنني أريد أن ادعوك لرحلة صغيرة إلى المدينة الترفيهية..أخبرتني والدتي أنها سترافق جاراتها إلى هناك ففكرت بدعوتك أنت وغادة..
وعدت ريما صديقتها بأن تستأذن أمها بالحضور على الرغم من أنها غير متأكدة من موافقة أمها.
قالت شهد بحماس:
- لقد أعطتني سارة صندوقاً صغيرا ممتلئاً بكتيبات الأذكار, و طلبت مني أن أوزعه عندما أذهب إلى هناك..
- جميل..فكرة حسنة!
عندما عادت ريما إلى غرفة الجلوس حيث تجلس أمها, تحدثت عن الرحلة الترفيهية التي دعتها إليها شهد. فأبدت والدتها امتعاضاً شديداً من فكرة ذهاب ريما بمفردها إلى مثل تلك الأماكن التي وصفتها بـ "المناطق الفوضوية".
لم تستغرب ريما رد والدتها, و لم تحزن لأنها منعتها من الذهاب. و لكنها رغبت أن تكون والدتها أكثر واقعية و إقناعا في ردها, و تمنّت لو تقنعها بالأساس الذي تعتمده في تربيتها لها.
فهل هي تعتمد على أسباب وجيهة في إصدار أحكامها وقراراتها, أم أنها تصدرها جزافاً في محاولة لإثبات ذاتها و سيطرتها على أبناءها.
قالت والدتها بعد لحظات من الصمت:
- كيف حال دراستك يا ابنتي؟ و كيف حال المواد العلمية معك؟
- أكثر من رائعة.. الأستاذة امتنان أخبرتني اليوم بأنها تود أن تتحدث معك في وقت استراحة الفطور..ألم تلتقي بها؟
- كلا.. ربما كنت منشغلة بشيء ما..
- انها تريد أن تخبرك بأنني في تحسن ملحوظ بمادة الرياضيات..
- اتمنى ذلك!
لابد أن أمها قلقة جدا بشأن دروس ريما لأنها في السنة الاخيرة في الثانوية وتظن انه يجب عليها أن تتفوق لتحصل على معدل جيد.
- ما الداعي لكل هذا القلق يا أماه ؟
- يجب على أن اقلق..أخبرتني نورة بأنك تحتاجين إلى جهد أكثر في مادة الفيزياء..
ضحكت ريما وقالت مطمئنة:
- لا تخافي يا أمي سأنجح بإذن الله..
- أنا لا أريدك أن تنجحي فقط.. أريدك أن تتفوقي...
اكتأبت ملامح ريما وهي تقول:
- أمي..إنني أحاول جهدي, صدقيني... لكن ما الذي يمكنني فعله إذا كانت مادة الفيزياء معقدة وصعبة..
أمها تظن أن بإمكان ريما أن تتحول إلى معجزة في علم الكيمياء والفيزياء وهي تدرك أن المواد العلمية تحتاج إلى جهد كبير. فبالاضافة الى أن أمها قد أرغمتها على اختيار القسم العلمي في الثانوية فهي تريدها أن تخترق حدود عقلها وتصبح مخترعة صواريخ..
- اجتهدي أكثر..و إذا احتجت إلى معلمة خصوصية سأحضر لك أفضل المدرسات..
ابتسمت ريما بعطف:
- ولماذا يا أمي؟ ليس لذلك من داعي؟ يمكنني أن احصل على اي معدل وانظم إلى الكلية وبكل سهولة..
- "كلية الحاسب" تحتاج إلى معدل عالي..
ضحكت ريما وقالت:
- ولكنني لن ادخل "كلية الحاسب".. أريد أن انظم إلى كلية الاقتصاد..سأدرس الرسم!
ظهرت الصدمة واضحة على ملامح أمها وهي تقول:
- الرسم !!
انزعجت ريما حين لاحظت الغضب الذي احتل عيني والدتها و هي تتابع:
- لا يمكن أن تفعلي ذلك..
بدت أمها وكأنها تنطق بكلمة غريبة وهي تردد:
- الرسم !!
- ما الأمر يا أمي؟ هل من مشكلة؟
- اجل!! لن اسمح لك بان تكوني مجرد معلمة "فنية"..
أطلقت ريما ضحكة مرتبكة وهي تقول:
- سأكون معلمة رسم متميزة وفنانة و..
لامست ريما ذراع والدتها بلطف وهي تتابع:
- و ربما تزورين معرضي يوما..
- كفي عن هذا الهذيان يا ريما!! ثم انني آمرك بأن تتركي جمعيةالرسم هذه وتهتمي بدروسك!
لم تكن لهجة أمها لهجة غاضبة ولكنها كانت تحمل شيئا من العتاب. لابد أن أمها قلقة جدا عليها فهي تظن كعادتها إنها لا تزال صغيرة ولا تدرك ما هو أفضل و ان من أهم مسؤولياتها كأم أن توجه ابنتها وتفتح عينيها لترى الاتجاه الصحيح لاختيارات الحياة العملية منها و الاجتماعية.
هزت ريما رأسها بصمت و هي ترخي عينيها الى الارض. مشكلة ريما الوحيدة, انها لا تستطيع ان تُصرح برغباتها و احلامها أمام والدتها, و تفضل الخضوع لها براً بها و انصياعاً لأوامرها و رغباتها.
زمت ريما شفتيها لتمنع نفسها من الكلام, و هي تفكر بصمت, بأن هذا الخضوع ربما سيكون في صالحها يوماً ما كما كان في صالح سامية و رنا حين اختارت لهما والدتهما حياة تحلم بها الكثيرات.
قالت والدتها عندما لاحظت صمت ريما:
- حبيبتي لا تقلقي.. كل ما كنت أتمناه هو أن تري أن ما أردته لك هو في مصلحتك.. أنت لا تزالين اصغر من أن تحددي مستقبلك..
ظلت ريما ساكتة لبرهة قبل أن تومئ برأسها موافقة رأي أمها. و رغم موافقتها الهادئة والمستسلمة فقد امتلأت عيناها بالدموع..
المشهد الثاني عشر
متاعب في كل مكان
من الطبيعي أن يشعر الإنسان بالملل و الإحباط إذا بقي فترة طويلة بلا عمل, فتجده لا يرتاح ولا يهدأ له بال حتى يجد عملا يملأ وقت فراغه و يدعمه مادياً.
فالعمل بالنسبة للإنسان, رغم ما يحتويه من صعوبات, كالماء للحياة. إلا أن الشخص لا يتفانى في عمله و لا يرتاح فيه ما لم يتلاءم مع طبيعته, و يتوافق مع شخصيته, و يتناسب مع ظروف حياته.
بالنسبة للمواطن العربي, فهو يفضل أن يكون عمله في المدينة التي ولد فيها و يعيش فيها - و يا حبذا لو كان بجانب منزله - و يفضل أن يكون العائد المادي من عمله مناسبا لطموحاته و أسلوب معيشته التي يحلم بها, أما قاعدة "مد لحافك على قدر رجليك" فلا تنفع هذه الأيام, كما يهمه أن تكون شركة حكومية أو قطاع خاص ضخم ليقال "فلان يعمل في شركة كذا وكذا الضخمة".
و على كل حال, كل عمل, مهما كان, لا يخلوا من المتاعب إلا أن التعب في عمل يحبه الشخص و يجد فيه نفسه و تتفجر فيه مواهبه وقدراته أفضل من التعب في أي مكان آخر.
* * *
- الم تأوي إلى فراشك بعد يا سارة؟
- انتظري قليلا يا أمي..
كانت سارة تكتب تمارين خاصة في مادة النحو لجميع المراحل الدراسية و كان عليها أن تنتهي من كتابة جميع التمارين قبل نهاية الأسبوع.
- لقد تعبت من العمل طوال النهار يا بنيتي؟ ستتدهور صحتك!
وضعت سارة قلمها على الطاولة و أخذت نفسا عميقا:
- آه.. لقد سئمت هذا العمل.. وسئمت من تكرار المعلومات ذاتها طوال العام.. وسئمت من كتابة هذه الأوراق مرارا وتكرارا...
اقتربت أم ياسر من ابنتها المتعبة ولفت ذراعها الحانية حول كتف سارة لتواسيها فما ملكت سارة إلى أن مالت بجذعها واستندت على كتف أمها.
- اشعر بالتعب..
- كل الوظائف متعبة..وأنت تعرفين هذا جيدا..
تنهدت سارة وهي تنحني لتسند راسها على الطاولة ثم قالت:
- إنني اشعر بخيبة الأمل.. لماذا لا يتطور التعليم؟ لماذا نظل عاجزين امام التقدم؟ لا ادري الى متى سيظل التعليم حصرا على الحفظ و التكرار..
قالت أم ياسر:
- لا تحزني يا ابنتي ولا تفكري كثيرا, اذهبي إلى فراشك الآن.. يجب أن ترتاحي قبل بداية اليوم الثاني.. أتعلمين أن وليد سيحزن عندما يراك شاحبة هكذا؟
تنهدت سارة وهي تومئ برأسها ثم نهضت وقبلت رأس والدتها.
إدراك سارة لحقيقة واحدة وهي أن المتاعب موجودة في كل مكان وفي أي زمان و أنها ليست حصرا على عمل واحد أو منظمة واحدة, هو ما يجعلها أكثر صبرا و أكثر احتمالا للحمل الذي اختارت أن تتحمله. وعلى الرغم من ذلك, فلديها إيمان بأنها ربما, لو كانت في مهمة أخرى تناسب ميولها, قد تكون اشد رغبة في القيام بها ما دامت قادرة على احتمال مشاكلها وتخطي مصاعبها بحبها لها.
اغلقت سارة جهاز الحاسوب و رتبت اوراقها ثم سارت نحو سريرها. والدتها على حق فقد كان النهار مُتعِباً بالنسبة لسارة و الصداع يكاد يقتلها على الرغم من أنها قد تناولت حبة صداع عندما استيقظت في الصباح. تظن والدتها انها تشكوا من اعراض حمل.
حاولت سارة بهزة خفيفة من رأسها أن تبعد هذا الاحتمال عن بالها, فعدا عن حقيقة أنها تتناول موانع الحمل, فهي ليست على استعداد لهذا الأمر لأنه لم يمض على زواجها سوى عام ونصف وهي تريد أن تنتظر قليلا.
وبعد تفكير بسيط, قررت بان ليس عليها أن تقلق على احتمال ربما يكون غير صحيح.
عندما وضعت رأسها على مخدتها رن جرس هاتفها المحمول.
- مرحبا شهد!
- آسفة للإزعاج يا سارة. و لكنني أردت أن أستشيرك بأمر ما.. لدي لوحة للأستاذة سارة, و يجب أن أسلمها خلال هذا الأسبوع, و المشكلة هي أنني افتقر إلى الأفكار..
فكرت سارة قليلا ثم قالت:
- اجعليها لوحة غامضة..أريج تحب الغموض!
- حقا؟
فرحت شهد بمعلومة جديدة عن أستاذتها المحبوبة و قررت أن تخبر صديقاتها بالأمر و تتفاخر بتلك المعلومة السرية أمام غادة. و لكن فرحتها لم تدم طويلا, لان سارة قد قرأت أفكارها كما يبدو.
- إياك أن تقولي ذلك للطالبات! و إلا سأحبسك في المعمل..
ضحكت شهد:
- لن اخبر أحدا...إلا المعمل بالله عليك!!
وضحكتا معا!
متاعب في كل مكان
من الطبيعي أن يشعر الإنسان بالملل و الإحباط إذا بقي فترة طويلة بلا عمل, فتجده لا يرتاح ولا يهدأ له بال حتى يجد عملا يملأ وقت فراغه و يدعمه مادياً.
فالعمل بالنسبة للإنسان, رغم ما يحتويه من صعوبات, كالماء للحياة. إلا أن الشخص لا يتفانى في عمله و لا يرتاح فيه ما لم يتلاءم مع طبيعته, و يتوافق مع شخصيته, و يتناسب مع ظروف حياته.
بالنسبة للمواطن العربي, فهو يفضل أن يكون عمله في المدينة التي ولد فيها و يعيش فيها - و يا حبذا لو كان بجانب منزله - و يفضل أن يكون العائد المادي من عمله مناسبا لطموحاته و أسلوب معيشته التي يحلم بها, أما قاعدة "مد لحافك على قدر رجليك" فلا تنفع هذه الأيام, كما يهمه أن تكون شركة حكومية أو قطاع خاص ضخم ليقال "فلان يعمل في شركة كذا وكذا الضخمة".
و على كل حال, كل عمل, مهما كان, لا يخلوا من المتاعب إلا أن التعب في عمل يحبه الشخص و يجد فيه نفسه و تتفجر فيه مواهبه وقدراته أفضل من التعب في أي مكان آخر.
* * *
- الم تأوي إلى فراشك بعد يا سارة؟
- انتظري قليلا يا أمي..
كانت سارة تكتب تمارين خاصة في مادة النحو لجميع المراحل الدراسية و كان عليها أن تنتهي من كتابة جميع التمارين قبل نهاية الأسبوع.
- لقد تعبت من العمل طوال النهار يا بنيتي؟ ستتدهور صحتك!
وضعت سارة قلمها على الطاولة و أخذت نفسا عميقا:
- آه.. لقد سئمت هذا العمل.. وسئمت من تكرار المعلومات ذاتها طوال العام.. وسئمت من كتابة هذه الأوراق مرارا وتكرارا...
اقتربت أم ياسر من ابنتها المتعبة ولفت ذراعها الحانية حول كتف سارة لتواسيها فما ملكت سارة إلى أن مالت بجذعها واستندت على كتف أمها.
- اشعر بالتعب..
- كل الوظائف متعبة..وأنت تعرفين هذا جيدا..
تنهدت سارة وهي تنحني لتسند راسها على الطاولة ثم قالت:
- إنني اشعر بخيبة الأمل.. لماذا لا يتطور التعليم؟ لماذا نظل عاجزين امام التقدم؟ لا ادري الى متى سيظل التعليم حصرا على الحفظ و التكرار..
قالت أم ياسر:
- لا تحزني يا ابنتي ولا تفكري كثيرا, اذهبي إلى فراشك الآن.. يجب أن ترتاحي قبل بداية اليوم الثاني.. أتعلمين أن وليد سيحزن عندما يراك شاحبة هكذا؟
تنهدت سارة وهي تومئ برأسها ثم نهضت وقبلت رأس والدتها.
إدراك سارة لحقيقة واحدة وهي أن المتاعب موجودة في كل مكان وفي أي زمان و أنها ليست حصرا على عمل واحد أو منظمة واحدة, هو ما يجعلها أكثر صبرا و أكثر احتمالا للحمل الذي اختارت أن تتحمله. وعلى الرغم من ذلك, فلديها إيمان بأنها ربما, لو كانت في مهمة أخرى تناسب ميولها, قد تكون اشد رغبة في القيام بها ما دامت قادرة على احتمال مشاكلها وتخطي مصاعبها بحبها لها.
اغلقت سارة جهاز الحاسوب و رتبت اوراقها ثم سارت نحو سريرها. والدتها على حق فقد كان النهار مُتعِباً بالنسبة لسارة و الصداع يكاد يقتلها على الرغم من أنها قد تناولت حبة صداع عندما استيقظت في الصباح. تظن والدتها انها تشكوا من اعراض حمل.
حاولت سارة بهزة خفيفة من رأسها أن تبعد هذا الاحتمال عن بالها, فعدا عن حقيقة أنها تتناول موانع الحمل, فهي ليست على استعداد لهذا الأمر لأنه لم يمض على زواجها سوى عام ونصف وهي تريد أن تنتظر قليلا.
وبعد تفكير بسيط, قررت بان ليس عليها أن تقلق على احتمال ربما يكون غير صحيح.
عندما وضعت رأسها على مخدتها رن جرس هاتفها المحمول.
- مرحبا شهد!
- آسفة للإزعاج يا سارة. و لكنني أردت أن أستشيرك بأمر ما.. لدي لوحة للأستاذة سارة, و يجب أن أسلمها خلال هذا الأسبوع, و المشكلة هي أنني افتقر إلى الأفكار..
فكرت سارة قليلا ثم قالت:
- اجعليها لوحة غامضة..أريج تحب الغموض!
- حقا؟
فرحت شهد بمعلومة جديدة عن أستاذتها المحبوبة و قررت أن تخبر صديقاتها بالأمر و تتفاخر بتلك المعلومة السرية أمام غادة. و لكن فرحتها لم تدم طويلا, لان سارة قد قرأت أفكارها كما يبدو.
- إياك أن تقولي ذلك للطالبات! و إلا سأحبسك في المعمل..
ضحكت شهد:
- لن اخبر أحدا...إلا المعمل بالله عليك!!
وضحكتا معا!
الصفحة الأخيرة