في الطريق :
... لقد صدق حبيب بن مسعود حين قال :
إن دون الوصول إلى يسار سبعة أبواب ، عليها سبعة أقفال من حديد ، ولكن هل تستطيع هذه الأبواب أن تثبت أمام الطَرْق الكثير ؟ والمحاولات المتواصلة في التغلب عليها ؟
كان من عادة يسار عندما يعود إلى البيت بعد صلاة الفجر والاستماع إلى حديث الشيخ ، أن يقضي فترة مـن الوقـت في قراءة جـزء كامـل من القرآن الكريم ، ثم عددٍ من الأدعية المأثورة عن النبي – صلى الله عليه وسلّم - وبعدها يأخذ قسطًا من الراحة بانتظار طعام الفطور ، حتى إذا حان موعده ، تناول فطوره مع أمه ، التي تبدو موفورة النشاط ، ضاحكة متفائلة ، لا تكل عن الحركة وأخته الصغيرة سناء ، التي يحاكي وجهها استدارة البدر ، ببشرة بيضاء نقية ، وعينين بلون البن وصفاء السماء ، ولم تكن قِطَّتها الكبيرة ذات الشعر الطويل تفارقها ساعة من الزمان ، فهي تتبعها كظلها أينما ذهبت ، ولا تفارقها إلا ساعة النوم .
أما أبوه فكان يخرج من البيت قبل أن يعود يسار من المسجد ثم يتبعه يسار بعد تناول الفطور ، فيساعده في عقد الصفقات ومراجعة الحسابات ومتابعة الديون .
وعندما ارتفعت الشمس في ذلك الصباح الدافئ ، خرج يسار في طريقه إلى السوق ، ولمَّا سار في بعض الطرق ، وقعت علينه عليها ،التقى بها وجهًا لوجه ! كانت تسير إلى جانب خادمها مريد ، وكانت تبدو عليها الحشمة والوقار ، فلم تلتفت يمينًا أو شمالاً ، ولكنها عندما رأته ألقت عليه نظرة غريبة ، لم يستطع يسار تفسيرها ، فيها الجرأة والحزن والحياء ، وما لم يعرفه من معان أخر .
وأبعدها عن خاطره ، وخاصة عندما احتواه السوق ، وانشغل مع أبيه في أمور التجارة . ودهش عندما صادفها في اليوم الثاني أيضًا ، كان يتحدث إلى أبي الفداء الماوردي ، وقد سأله عن سبب انقطاعه عن المسجد في صلاة الصبح فأجاب هذا ، وقد ناء بحمل حاجات كثيرة ، وأخذ يتحدث عن بيته وزوجه وطفله المريض وكم مرة في الشهر يأخذه إلى الطبيب ، دهش يسار عندما سمع صوتًا كتغريد البلابل !! فالتفت ، فإذا هي!!
هي الجارية بكل ما فيها من فتنة وجاذبية وسحر أخَّاذ . وذهبت بعد أن مسَّت قلبه بكسرة من عينها اليسرى ، فغضَّ بصره في الحال ، وراح يستغفر الله في سرِّه ثم مضى في طريقه .
وأخذ في اليوم الثالث يستعجل أمه في إعداد الفطور ، وفي كل مرة يخرج إلى ساحة الدار ينظر إلى الشمس ، أين وصلت ! وانتبه إلى صوت أخته الصغيرة التي كانت تركض وراء قطتها التي يشبه لون شعرها لون الحناء ، سألته وهي تركض دون أن تنتظر الجواب :
هل لديك موعد مع أحد ؟
وشعر كأن الصغيرة أيقظته ، فأخذ يلوم نفسه ، ويستغفر الله في سره ، ويحاول أن ينفض ما علق بقلبه من البكر من غبار ، فكثيرًا ما يعنى المرء بغسل ثوبه وملابسه ، ولكنه يهمل غسل قلبه ! هكذا قال الشيخ عندما كان يتحدث بهدوء وتؤدة ، فيجذب إليه القلوب والآذان ،ولكن القلب لا يغسل بالماء والصابون ، إن له غسلاً آخر ليس من مادة هذه الأرض ، التوبة والاستغفار والإقلاع عن الذنب .
وتعمَّد يسار أن يتأخر أكثر من أي يوم ، ولاحظت أمه أنه بينما كان يحثها على إعداد الفطور بسرعة ، إذا به يسكت فيتركها تعده على مهل .
كانت البيوت تقف على جانبي الطريق متصلة ببعضها ، إلا فتحات قليلة تؤدي إلى النهر ، وتطل الأصص بالأزهار الملونة من الشرفات ، وتبدو الستائر ذات الألوان الزاهية عندما تفتح البيوت التي تواجه النهر نوافذها تستقبل الشمس .
ومضى يسار في الطريق ، وكان مرتاح القلب مسرورًا ؛ لأنه انتبه إلى نفسه ، فعالجها وغسل قلبه من صورة الجارية وصوتها و...
وكان معظم المارة يسلِّمون عليه ، ويسلِّم عليهم ، والتقى في طريقه بالعم عثمان ، وكان هذا شيخًا تجاوز المائة من العمر ، أبيض شعر الرأس واللحية ، أحمر الوجه ، احتفظ باعتدال قامته وشيئًا من نشاطه ، وكان يستند بيده اليمنى على عصا غليظة ، و قد قضى ما يزيد على الثمانين من عمره يعمل في البحر ، تاجرًا وبحارًا وربانًا ، حتى لقب بحق ، بأبي البحر .
وقف العم عثمان يسأل يسارًا عن حاله وعن والده ووالدته وعن أخته الصغيرة ثم مضى يحدثه دون مقدمات عن إحدى رحلاته إلى بلاد الصين ، عندما غرقت السفينة وقذفه الموج إلى الشاطئ ، ثم لجأ إلى قرية ، لما علم أهلها أنه مسلم وأنه من بلاد العرب ، وأنه رأى مكة والمدينة وأدى فريضة الحج .
هنا أخذ العم عثمان يسعل بشدة ، حتى تحول لون وجهه إلى مثل لون الدم ، فلما هدأ ضرب الأرض بعصاه وقال : أتدري ماذا فعلوا ؟ لقد هجموا علي ومزقوا ملابسي ووزعوها على أهل القرية قطعة قطعة يتبركون بها ، ثم طلبوا إليَّ الإقامة عندهم ، فلما أخبرتهم بأني أريد العودة إلى أهلي وبلادي ، جاءوا بجميع فتيات القرية ، وعرضوا عليَّ اختيار من أريد لكي أتزوجها وأقيم عندهم ، لكني رفضت ، وأخبرتهم بأني متزوج ولي أولاد ،
وسكت العم عثمان ليسترد أنفاسه ، ثم ليخرج من خزانة عمره الطويل ما حوت من أخبار ، ثم قرب رأسه وهو ينحني وقال :
أتدري ماذا كان قرارهم ؟ أرادوا قتلي !
وهتف يسار :
أرادوا قتلك ؟ لماذا ؟ هل أسأت إليهم ؟
فهزَّ العم عثمان رأسه وقال :
كلا ، لقد أرادوا تكريمي على ما يزعمون ، فعندما رأوا إصراري على عدم البقاء عندهم ، تشاوروا فيما بينهم ، وقالوا : إن هذا الرجل مبارك ، وذهابه يعد خسارة لنا ، وأنه من الأفضل قتله وإقامة بناء يليق بمكانته على قبره ، فيكون بركة لنا وللقرية على ممر الزمان .
قال العم عثمان وهو في حالة الانفعال الشديد : لم أمكنهم من نفسي ، هربت ، هربت في نفس الليلة التي علمت أنهم سيقتلوني فيها .
وبينما كان يسار في انسجام تام مع العم عثمان ، وهو يستمع إلى قصته العجيبة ، التي لولا العم عثمان ومكانته لما صدقها ، بينما هو في هذه الحالة من الانسجام إذ سمع صوتًا كاللحن الشارد يقول :
- إنه لا يريدنا
والتفت بحركة لا إرادية سريعة ، ورآها ، في ابتسامة مليحة ووجه متورِّد وعينين فيهما الكثير من العتاب ، ثم حوَّلت نظرها إلى الخادم بعد أن ألقت بشواظها على قلب الفتى ، قلب يسار .
ما الذي جاء بها في هذه الساعة ؟ ألم يتأخر في الخروج من البيت حتى ارتفعت الشمس ؟! هل تأخرت هي أيضًا ؟! كيف حدث هذا ؟
ومضى ذلك اليوم ، وعندما عاد يسار في المساء ، وبلغ المكان الذي كان يتحدث به مع العم عثمان ، تذكر تلك القصة ، وتذكر الجارية ، فخفق قلبه ،وتلفت حوله ، وشعر كأنه يسمع صوتها العذب يردد بدلال وإغراء : إنه لا يريدنا .
وتطلع إلى النهر الذي خيَّم عليه الظلام ، وكانت الريح ساكنة ، والنهر ساكتًا ، وليس هناك من يضرب بمجدافه ويغني ، وبقي واقفًا لحظات تهجم عليه خواطر شتى كيف هجمت هذه الفتاة على قلبه ؟! كيف تسلَّلت إليه ؟
لقد أصاب قلبه ما كدَّر صفاءه ، لقد تلوث قلبه ، إنه لا يحق له أن يذهب بعد اليوم إلى المسجد ، أو يجلس بين يدي الشيخ ؛ إنه لم يعد ذلك الفتى الطاهر النقي الثوب ، إن قلب العابد الموصول بالله يجب أن يخلو من الصور ، لا يدع فيه مكانًا لمثل هذه الجارية ، كيف سمح لها أن تلوث بساط قلبه بأقدامها ؟! كيف سمح لها ؟إنه لولاه لما طمعت فيه ... ولكن ، لا .. سيذهب غدًا ،وسيحدث الشيخ بكل ما حدث ، فعنده الدواء . ولم لا يحدثه ؟ ! إنه لا يفضي لأبيه ، ولا لأي إنسان قريب بما يفضي به للشيخ ، إنه يشعر بأن الشيخ منه بمنزلة الأب والأخ الكبير والصديق ، بل أكثر من ذلك كله ، إنه المربي .
ووقف في غرفته المطلة على النهر ، وأخذ يتطلع من النافذة كان الجو باردًا ولكن ليس شديد البرودة ، وعلى الجهة الثانية من النهر يبدو بصيص بعض الفوانيس ، وأرسل طرفه إلى السماء ، إلى الكون الكبير الساجد ، في ذلك الليل البهيم ، ونظر إلى النجوم التي تطرز ثوب السماء ، وأخذ يردد مع نفسه :
سبحان الله ، سبحان الله ...
ثم أخذ يرددها بهمس ، وأحس بلذتها وعذوبتها ، فرفع بها صوته وشعر كأنها أخذت تكبر وتكبر حتى عاد الكون كله يستجيب لهتافه ، سبحان الله ، سبحان الله ... ، ولم يدر كم بقي واقفًا ، مستغرقًا ، محلقًا بروحه ، منصتًا إلى هتاف الكون ، الذي هو صدى هتافه النابع من أعماق قلبه .
ثم أغلق النافذة وسوى الستائر ، وألقى بنفسه على الفراش وراح يردد مع نفسه أدعية النوم ، ويفكر في معانيها الكثيرة المتجددة ، ثم لفه النوم الهادئ بين أحضانه .
يتبع .
... لقد صدق حبيب بن مسعود حين قال :
إن دون الوصول إلى يسار سبعة أبواب ، عليها سبعة أقفال من حديد ، ولكن هل تستطيع هذه الأبواب أن تثبت أمام الطَرْق الكثير ؟ والمحاولات المتواصلة في التغلب عليها ؟
كان من عادة يسار عندما يعود إلى البيت بعد صلاة الفجر والاستماع إلى حديث الشيخ ، أن يقضي فترة مـن الوقـت في قراءة جـزء كامـل من القرآن الكريم ، ثم عددٍ من الأدعية المأثورة عن النبي – صلى الله عليه وسلّم - وبعدها يأخذ قسطًا من الراحة بانتظار طعام الفطور ، حتى إذا حان موعده ، تناول فطوره مع أمه ، التي تبدو موفورة النشاط ، ضاحكة متفائلة ، لا تكل عن الحركة وأخته الصغيرة سناء ، التي يحاكي وجهها استدارة البدر ، ببشرة بيضاء نقية ، وعينين بلون البن وصفاء السماء ، ولم تكن قِطَّتها الكبيرة ذات الشعر الطويل تفارقها ساعة من الزمان ، فهي تتبعها كظلها أينما ذهبت ، ولا تفارقها إلا ساعة النوم .
أما أبوه فكان يخرج من البيت قبل أن يعود يسار من المسجد ثم يتبعه يسار بعد تناول الفطور ، فيساعده في عقد الصفقات ومراجعة الحسابات ومتابعة الديون .
وعندما ارتفعت الشمس في ذلك الصباح الدافئ ، خرج يسار في طريقه إلى السوق ، ولمَّا سار في بعض الطرق ، وقعت علينه عليها ،التقى بها وجهًا لوجه ! كانت تسير إلى جانب خادمها مريد ، وكانت تبدو عليها الحشمة والوقار ، فلم تلتفت يمينًا أو شمالاً ، ولكنها عندما رأته ألقت عليه نظرة غريبة ، لم يستطع يسار تفسيرها ، فيها الجرأة والحزن والحياء ، وما لم يعرفه من معان أخر .
وأبعدها عن خاطره ، وخاصة عندما احتواه السوق ، وانشغل مع أبيه في أمور التجارة . ودهش عندما صادفها في اليوم الثاني أيضًا ، كان يتحدث إلى أبي الفداء الماوردي ، وقد سأله عن سبب انقطاعه عن المسجد في صلاة الصبح فأجاب هذا ، وقد ناء بحمل حاجات كثيرة ، وأخذ يتحدث عن بيته وزوجه وطفله المريض وكم مرة في الشهر يأخذه إلى الطبيب ، دهش يسار عندما سمع صوتًا كتغريد البلابل !! فالتفت ، فإذا هي!!
هي الجارية بكل ما فيها من فتنة وجاذبية وسحر أخَّاذ . وذهبت بعد أن مسَّت قلبه بكسرة من عينها اليسرى ، فغضَّ بصره في الحال ، وراح يستغفر الله في سرِّه ثم مضى في طريقه .
وأخذ في اليوم الثالث يستعجل أمه في إعداد الفطور ، وفي كل مرة يخرج إلى ساحة الدار ينظر إلى الشمس ، أين وصلت ! وانتبه إلى صوت أخته الصغيرة التي كانت تركض وراء قطتها التي يشبه لون شعرها لون الحناء ، سألته وهي تركض دون أن تنتظر الجواب :
هل لديك موعد مع أحد ؟
وشعر كأن الصغيرة أيقظته ، فأخذ يلوم نفسه ، ويستغفر الله في سره ، ويحاول أن ينفض ما علق بقلبه من البكر من غبار ، فكثيرًا ما يعنى المرء بغسل ثوبه وملابسه ، ولكنه يهمل غسل قلبه ! هكذا قال الشيخ عندما كان يتحدث بهدوء وتؤدة ، فيجذب إليه القلوب والآذان ،ولكن القلب لا يغسل بالماء والصابون ، إن له غسلاً آخر ليس من مادة هذه الأرض ، التوبة والاستغفار والإقلاع عن الذنب .
وتعمَّد يسار أن يتأخر أكثر من أي يوم ، ولاحظت أمه أنه بينما كان يحثها على إعداد الفطور بسرعة ، إذا به يسكت فيتركها تعده على مهل .
كانت البيوت تقف على جانبي الطريق متصلة ببعضها ، إلا فتحات قليلة تؤدي إلى النهر ، وتطل الأصص بالأزهار الملونة من الشرفات ، وتبدو الستائر ذات الألوان الزاهية عندما تفتح البيوت التي تواجه النهر نوافذها تستقبل الشمس .
ومضى يسار في الطريق ، وكان مرتاح القلب مسرورًا ؛ لأنه انتبه إلى نفسه ، فعالجها وغسل قلبه من صورة الجارية وصوتها و...
وكان معظم المارة يسلِّمون عليه ، ويسلِّم عليهم ، والتقى في طريقه بالعم عثمان ، وكان هذا شيخًا تجاوز المائة من العمر ، أبيض شعر الرأس واللحية ، أحمر الوجه ، احتفظ باعتدال قامته وشيئًا من نشاطه ، وكان يستند بيده اليمنى على عصا غليظة ، و قد قضى ما يزيد على الثمانين من عمره يعمل في البحر ، تاجرًا وبحارًا وربانًا ، حتى لقب بحق ، بأبي البحر .
وقف العم عثمان يسأل يسارًا عن حاله وعن والده ووالدته وعن أخته الصغيرة ثم مضى يحدثه دون مقدمات عن إحدى رحلاته إلى بلاد الصين ، عندما غرقت السفينة وقذفه الموج إلى الشاطئ ، ثم لجأ إلى قرية ، لما علم أهلها أنه مسلم وأنه من بلاد العرب ، وأنه رأى مكة والمدينة وأدى فريضة الحج .
هنا أخذ العم عثمان يسعل بشدة ، حتى تحول لون وجهه إلى مثل لون الدم ، فلما هدأ ضرب الأرض بعصاه وقال : أتدري ماذا فعلوا ؟ لقد هجموا علي ومزقوا ملابسي ووزعوها على أهل القرية قطعة قطعة يتبركون بها ، ثم طلبوا إليَّ الإقامة عندهم ، فلما أخبرتهم بأني أريد العودة إلى أهلي وبلادي ، جاءوا بجميع فتيات القرية ، وعرضوا عليَّ اختيار من أريد لكي أتزوجها وأقيم عندهم ، لكني رفضت ، وأخبرتهم بأني متزوج ولي أولاد ،
وسكت العم عثمان ليسترد أنفاسه ، ثم ليخرج من خزانة عمره الطويل ما حوت من أخبار ، ثم قرب رأسه وهو ينحني وقال :
أتدري ماذا كان قرارهم ؟ أرادوا قتلي !
وهتف يسار :
أرادوا قتلك ؟ لماذا ؟ هل أسأت إليهم ؟
فهزَّ العم عثمان رأسه وقال :
كلا ، لقد أرادوا تكريمي على ما يزعمون ، فعندما رأوا إصراري على عدم البقاء عندهم ، تشاوروا فيما بينهم ، وقالوا : إن هذا الرجل مبارك ، وذهابه يعد خسارة لنا ، وأنه من الأفضل قتله وإقامة بناء يليق بمكانته على قبره ، فيكون بركة لنا وللقرية على ممر الزمان .
قال العم عثمان وهو في حالة الانفعال الشديد : لم أمكنهم من نفسي ، هربت ، هربت في نفس الليلة التي علمت أنهم سيقتلوني فيها .
وبينما كان يسار في انسجام تام مع العم عثمان ، وهو يستمع إلى قصته العجيبة ، التي لولا العم عثمان ومكانته لما صدقها ، بينما هو في هذه الحالة من الانسجام إذ سمع صوتًا كاللحن الشارد يقول :
- إنه لا يريدنا
والتفت بحركة لا إرادية سريعة ، ورآها ، في ابتسامة مليحة ووجه متورِّد وعينين فيهما الكثير من العتاب ، ثم حوَّلت نظرها إلى الخادم بعد أن ألقت بشواظها على قلب الفتى ، قلب يسار .
ما الذي جاء بها في هذه الساعة ؟ ألم يتأخر في الخروج من البيت حتى ارتفعت الشمس ؟! هل تأخرت هي أيضًا ؟! كيف حدث هذا ؟
ومضى ذلك اليوم ، وعندما عاد يسار في المساء ، وبلغ المكان الذي كان يتحدث به مع العم عثمان ، تذكر تلك القصة ، وتذكر الجارية ، فخفق قلبه ،وتلفت حوله ، وشعر كأنه يسمع صوتها العذب يردد بدلال وإغراء : إنه لا يريدنا .
وتطلع إلى النهر الذي خيَّم عليه الظلام ، وكانت الريح ساكنة ، والنهر ساكتًا ، وليس هناك من يضرب بمجدافه ويغني ، وبقي واقفًا لحظات تهجم عليه خواطر شتى كيف هجمت هذه الفتاة على قلبه ؟! كيف تسلَّلت إليه ؟
لقد أصاب قلبه ما كدَّر صفاءه ، لقد تلوث قلبه ، إنه لا يحق له أن يذهب بعد اليوم إلى المسجد ، أو يجلس بين يدي الشيخ ؛ إنه لم يعد ذلك الفتى الطاهر النقي الثوب ، إن قلب العابد الموصول بالله يجب أن يخلو من الصور ، لا يدع فيه مكانًا لمثل هذه الجارية ، كيف سمح لها أن تلوث بساط قلبه بأقدامها ؟! كيف سمح لها ؟إنه لولاه لما طمعت فيه ... ولكن ، لا .. سيذهب غدًا ،وسيحدث الشيخ بكل ما حدث ، فعنده الدواء . ولم لا يحدثه ؟ ! إنه لا يفضي لأبيه ، ولا لأي إنسان قريب بما يفضي به للشيخ ، إنه يشعر بأن الشيخ منه بمنزلة الأب والأخ الكبير والصديق ، بل أكثر من ذلك كله ، إنه المربي .
ووقف في غرفته المطلة على النهر ، وأخذ يتطلع من النافذة كان الجو باردًا ولكن ليس شديد البرودة ، وعلى الجهة الثانية من النهر يبدو بصيص بعض الفوانيس ، وأرسل طرفه إلى السماء ، إلى الكون الكبير الساجد ، في ذلك الليل البهيم ، ونظر إلى النجوم التي تطرز ثوب السماء ، وأخذ يردد مع نفسه :
سبحان الله ، سبحان الله ...
ثم أخذ يرددها بهمس ، وأحس بلذتها وعذوبتها ، فرفع بها صوته وشعر كأنها أخذت تكبر وتكبر حتى عاد الكون كله يستجيب لهتافه ، سبحان الله ، سبحان الله ... ، ولم يدر كم بقي واقفًا ، مستغرقًا ، محلقًا بروحه ، منصتًا إلى هتاف الكون ، الذي هو صدى هتافه النابع من أعماق قلبه .
ثم أغلق النافذة وسوى الستائر ، وألقى بنفسه على الفراش وراح يردد مع نفسه أدعية النوم ، ويفكر في معانيها الكثيرة المتجددة ، ثم لفه النوم الهادئ بين أحضانه .
يتبع .
الصفحة الأخيرة
كلّ الحوادث مبداهـا من النّظر ** ومعظم النار من مستصغر الشّرر
كم نظرة بلغت من قلب صاحبها **كمبلغ السّهم بين القوس والوتر
والعبدُ مـادام ذا طرف يقلّبـه ** في أعين العين موقوف على الخطر
سرّ مقلته ما ضرّ مهجتــه ** لا مرحبًا بسرور عــاد بالضّرر