فتاة اللغة العربية
قال حكيم :
" يبقى الصالح صالحا حتى يصاحب فاسدا ، فإذا صاحبه فسد ، مثل مياه الأنهار تكون عذبة حتى تخالط ماء البحر فإذا خالطته ملحت وأفسدها
مجاهدة
مجاهدة
جزيت خيراً ....
سعـــــــــــــد نا بالعرض المميز......
بوركت أخيتي ...
؟ إحترت فيني ؟
عزيزتي (( فتاة اللغة العربية ))

دائماً ماتشدني مواضيعك ومشاركاتك المميزة والهادفة ...

أتمنى لك التوفيق دائماً ...

هلاَّ أكملت من فضلك إني متشوقة للنهاية ...
فتاة اللغة العربية
الرسالة:

...في مساء يوم الثلاثاء ، في الأسبوع الذي تلا لقاء الجارية يسار في سوق العطَّارين ، انعقد المجلس في بيت حكيم بن محمود ، كانت غرفة الاستقبال التي أعدت للطرب كبيرة واسعة ، مضاءة بعدد من الشموع الطويلة البيضاء ، وقد أحالت الليل إلى مثل النهار ، وكانت الستائر الشامية موشَّاة بالخيوط اليمانية ، وقد رتب الأثاث بشكل بديع ، ووقف طير الببغاء على رفٍ مرتفع وراح يردد بعض الأصوات والكلمات التي يسمعها من الحاضرين !... وكان أبو محمود يروح ويجيء ، وهو يلقي بالنكتة اللطيفة ، فيقهقه سيعد بن منصور ، وتطوق فم حسَّان ابتسامة خفيفة ، أما حبيب بن مسعود ، فقد جلس كعادته في بدء اللقاء ، معتمدًا على المائدة بكوعه ، محتضنًا وجهه براحتيه ، وقد خيَّم عليه ما يشبه الحزن ، فالتفت إليه حسَّان بن معيقيب وقال له :
مالك يا ابن مسعود ؟ إنك في كل مرة نلتقي بها تبدأ حزينًا كئيبًا كأن هموم الدنيا قد نزلت على رأسك ، فإذا بدأنا اللهو والشراب كنت أغرقنا لهوًا وعربدة !
فضحك حبيب بن مسعود ضحكة تشبه النحيب ، وقال وهو يعتدل في جلسته ويطلق زفرة حارة :
كالطير يرقص مذبوحًا من الألم .
وهمست الجارية :
من الذي ذبحك يا حبيب ؟
فلم يبد عليه أنه سمع سؤالها ، ولكنه أشار إلى حسَّان وقال :
اسمع يا حسَّان ، لقد كنت قبل أن ألتقي بحكيم ، قبل أن يعود من رحلته الأخيرة إلى بلاد شارلمان ، كنت أسير في الطريق المعبَّد ، كنت مع يسار ، أتردد على مجالس العلم ، وأصلي الأوقات في المسجد حتى صلاة الفجر ، وفي مثل هذا البرد ، كنت أستيقظ فأتوضأ بالماء البارد وأنا لا أشعر ببرودته ، وأذهب إلى المسجد ، كنت أحيا حياة أخرى ، أقرب إلى حياة الملائكة ، فلما التقيت بحكيم...
ونكس رأسه ، وأخذ يعصر يديه بيديه ، والجارية وحسَّان وسعيد بن منصور ، وحتى الببغاء كانت تصغي إليه ! ومضى حديثه فقال :
انقدت إلى حكيم بلا تفكير ، سلمته الزمام فأوردني المورد الحرام .
أتدري يا حسَّان ، إننا نسير في طريق مسدود ، ليس له إلا منفذ واحد ، وهتفت الجارية بهمس أيضًا :
إلى أين ؟
فتنهد حبيب وهو يدفع ظهره إلى الخلف وقال :
إلى النار .
ثم شبك بين أصابع يديه وأضاف :
هذا إذا لم يتداركنا الله برحمته .
وسكت حبيب ، وكانت عيون الجارية قد تعلَّقت به تسأله المزيد ، وكان يبدوا كالأسير الذي لا يستطيع الفرار من أسره ، ورفع رأسه ، فرأى الجارية تنظر إليه كأنها ترثي لحاله ، فسرَّه ذلك ومضى يقول :
لقد كنت أعيش في جو مملوء بالرياحين ، كنت في جنة وارفة والظلال أما الآن .. فأنى توجهت تطالعني هوة سحيقة فاغرة فاها تريد أن تبتلعني ، هذه هي المعيشة الضنك التي ذكرها القرآن الكريم } ومن أعرض عن ذكري فإن له معيشة ضنكًا { .
وأقبل أبو محمود ، فأخذ الببغاء إلى غرفة أخرى ثم قال :إذا انتهيت من وعظك فآذني .
فضحك الجميع ضحكة اهتزت لها جنبات الغرفة ، وأراد ابن مسعود أن يجيب ، ولكنه سمع طرقًا خفيفًا على الباب .. فصاح أبو محمود ينادي العبد :
انظر من الباب .
وأقبل هذا بعد قليل - وكان كبير السن تجاوز الخمسين من العمر يرتدي ملابس بيضاء ويضع على رأسه قلنسوة من صنع الأعاجم - وأخذ ... يشير بيديه وعينيه ، ويتكلم بصوت لا يسمعه أحد من الحاضرين ، حتى خيَّم على الجميع صمت مبعثه الرغبة في معرفة ما يريد أن يقوله العبد .
وسأل أبو محمود وهو ينظر بعينيه الزرقاوين وقال :
ما الخبر ؟
وعاد هذا يوشوش بصوت مبهم، وهو يؤشر بيده وعينه حتى ظن البعض أن أمرًا خطيرًا قد وقع.
وصاح أبو محمود وقد نفذ صبره :
تكلم يا رجل .
فكوَّر يديه ، وأحاط بهما فمه ، وأحنى قامته ، وأدنى رأسه وقال :
لقد حضر يسار .
وهتف الجميع بصوت واحد :
من ؟!!
وأجاب مرة أخرى وهو يكوّر يديه ويدني رأسه ، وقال بصوت خافت :
لقد حضر يسار .
وتغير وجه حبيب بن مسعود ، ونهض منفعلاً وهو يهتف :
عملتها يا أبو محمود ؟!
وأشار هذا بيده ، وهو ينفي ما دار في خلد حبيب ، وقال :
ماذا دهاك يا حبيب ؟!إني والله لا أعلم ما الذي جاء به .
فهدَّأ حبيب بن مسعود ، وسرى عنه بعض ما به ، ولكنه قال :
إذا أردت أن تدخله ، فيجب أن ننتقل إلى غرفة أخرى ، لأني لا أرغب أن يراني هنا .
وقدح ذهن حكيم بفكرة شيطانية ، وتبسم وهو يقول :
كما تشاء يا حبيب .
ولما غادر الجميع إلى الغرفة المجاورة ، أشار إلى الجارية أن تبقى ، ثم اقترب منها وقال بهمس :
لقد سعى الطائر إلى الفخ .
فنظرت إليه مستفهمة وقالت :
ماذا تعني ؟
قال : ستقابلينه
وشهقت وهي تضرب على صدرها وقالت :
أنا ؟؟! هنا ؟!
وأجابها وهو يحثها على فهم ما يريد :
نعم ، نعم ، ستقابلينه .
وصرخت وهي تدفعه في صدره وتتراجع إلى الخلف :
مستحيل
قال وهو يؤكد :
بل هذه فرصتك
فأصرَّت وهي تتراجع :
أبدًا ، أبدًا
قال وهو يخفض صوته :
ألم تكبتي له ؟
قالت : بلى ، ولكن !
ولمعت عيناه ، فقاطعها قائلاً : اسأليه الآن
ولم تفهم ما يريد ، فأسرعت تقول له :
ماذا أسأله ؟! ما الذي تريدني أن أسأله ؟
وأشار بيده وقال :
ألم تكتبين له ترغبين في مقابلته ، وذكرت أن لديك مشكلة ؟
قالت : بلى
فصعق أبو محمود وقال حاثًا :
اعرضيها الآن ، هذا أوانها .
ولكنها أشارت بيدها جازمة :
ولكن ليست لديَّ مشكلة .
فضرب أبو محمود على المائدة وهو يتأفف وقال :
المهم أن تقابلينه ، قولي له ،وسكت قليلاً ، كأنه يريد أن يتذكر شيئًا ، ولكنه عاد فقال :
لا تتكلمي على الإطلاق .
وسألته وقد تقارب ما بين حاجبيها :
لا أتكلم ؟! حكيم هل أنت ... فقاطعها :
قابليه ، قابليه فقط ، وأنا أدبر الأمر .
ثم أشار إليها فغادرت الغرفة .
وخرج أبو محمود ، ثم عاد بعد قليل وهو يقود يسارًا أمامه ، ويرحب به ترحيبًا بالغًا ، ويتعذر عن تأخره .
ودخل يسار ، بسمت مهيب وعينين صافيتين ، ولحية تطوق وجهه فتبدو عليه المهابة والجلالة والجمال ، وجلس في صدر المكان وقال :
حدثني قبل أسبوعين سعيد بن منصور ، فذكر لي أن لديك رسالة بخط أبي حامد الغزالي كتبها لأحد تلاميذه جوابًا عن سؤاله .
وتغابى أبو محمود ، وهو ينظر إليه لا يحير جوابًا ، فأضاف يسار قائلاً :
لقد ذكر لي أنَّها رسالة صغيرة ورثتها عن أبيك رحمه الله .
فهز أبو محمود رأسه وقال :
لا أظن أن لدي مثل هذه الرسالة .
وسكت قليلاً ثم أضاف :
سأنظر في الكتب ، لعلي أجدها .
وتوارى أبو محمود قليلاً ثم عاد يحمل كتـابًا كبيرًا ضخـمًا ، فتناوله يسار وأخذ يقلب صفحاته وقال :
هذا كتاب إحياء الدين ، بخط الناسخ عماد الدين السمرقندي .
ثم رفع رأسه وأخذ يوضح :
إن الذي أريده رسالة صغيرة قليلة الصفحات عنوانها "أيها الولد " كتبها الغزالي رحمه الله لأحد تلاميذه .
فتبسم أبو محمود وقال متعذرًا :
أنت تعلم إني لا أحجب عنك شيئًا مهما كان عزيزًا ..
ثم رجع إلى الوراء وقال :
سأعود للبحث عنها مرة أخرى
وقبل أن يذهب ، وقف وقال بلهجة أقرب إلى الرجاء :
إن هنا من يرغب في مقابلتك إذا سمحت ؟
فتبسم يسار وقال :
ليتفضل
وتوارى أبو محمود مرة أخرى ، بينما استمر يسار يقلب صفحات الكتاب الكبير ، ويقرأ بعض التعليقات والحواشي التي دوَّنها بعض النساخ عليه .
ودخلت سرشير تمشي على أطراف أصابعها ، بثوب طويل أبيض رفراف ، وشعر أسود طويل مجدول ، وعينين كحيلتين ، ووجه كالورد ، دخلت وهي في حالة رغيبة رهيبة ، وخطوات مقبلة مدبرة ، ونظرة شهية حيية ... حتى إذا توسَّطت الغرفة رفعت صوتها بالسلام .
ولم يكن يسار قد شعر بها وهي تدخل ، ولكنه عندما سمع صوتها رفع رأسه عن الكتاب ، والتقت العينان ، عيناه المغسولتان بماء الوضوء ، بعينيها النجلاوين الكحيلين ، فغضَّ بصره وعاد ينظر في الكتاب المفتوح بين يديه وقال :
ما الذي جاء بك ؟
فجلست مطرقة كأنها بين يدي مؤدب ، وقد تدلَّت الضفائر السوداء على صدرها ، وعقد اللؤلؤ احتضن جيدها ، والتفت الأسورة الذهبية بشوق حول معصميها، وغطى الثوب الأبيض قدميها.
ثم رفعت رأسها ، تمنَّت لو نظر إليها ، لو عاد ينظر إليها مرة أخرى ؛ فقد رأت في صفاء عينيه ونظراته ، وفي وجهه الذي تزينه اللحية ، نورًا أخَّاذًا لم تر مثله في وجوه الرجال الذين تعرفهم .
ودون أن يرفع رأسه عن الكتاب ، قال مرة أخرى :
ما الذي جاء بك ؟
ولكنها لم تجب ، وبقيت تنظر إليه بخشوع :
كلا ! ما هذا بشرًا ! آه لو كان جميع الرجال مثل يسار !
ونسيت المهمة التي جاءت من أجلها ، كانت تريد أن تأسره فإذا بها أسيرة بين يديه ، أسيرة دون أن يدري آسرها بها !!
وانتظر يسار أن تجيب ، وأراد أن ينهي المقابلة بأسرع وقت فقال :
لقد ذكرت في رقعتك بأن لديك مشكلة .
وبدت حزينة أسيفة ، كأنها ندمت على ما أقدمت
ورفع رأسه يريد حثها على الكلام فقال :
ألا تريدين أن تتكلمي ؟
والتقت العينان مرة أخرى، نظرة بريئة متسائلة، ونظرة حزينة لوجه فتاة كأنه وجه طفلة جميلة.
واستحثَّها يسار :
تكلَّمي
ولكنها انفجرت بالبكاء ، واحتضنت وجهها بكفَّيها ، ثم أسرعت تغادر الغرفة .
ما الذي أبكى الجارية ؟ ما هي المشكلة التي تعاني منها والتي لم تستطع البوح بها ؟ ولماذا تريد أن تعرضها عليه دون غيره ، وهو لم يعرفها ، ولا سمع بها من قبل ؟!!
وانتظر أبو محمود ساعة ، ثم دخل وهو يحمل بيده الرسالة التي سأل عنها يسار ، وقال وهو يناوله إيَّاها : أهذه التي أردت ؟
وتناولها شاكرًا ، وأخذ يقلب صفحاتها ، وينظر فيها ثم رفع رأسه ينظر إليه بامتنان زائد وقال :
إنها هي ،لا أدري كيف أشكرك .
وتبسَّم أبو محمود وهو يتصنع الخجل وقال :
بل أنا الذي أشكرك ؛ لأنك تكرمت علينا بهذه الزيارة .
ونهض يسار وهو يشد على يد أبي محمود وقال :
سأعيدها لك بعد يومين .
قال أبو محمود ، وهو يحتفل به ويوصله إلى الباب :
أرجو أن تقبلها هدية ، ثم أضاف : ليتك تزورنا كل يوم .
... ومضى يسار إلى بيته ، وفي الطريق أخذ يفكر في أمر الجارية ، ماذا تكون هذه المشكلة التي أحزنتها وآلمتها وجعلتها لا تستطيع الكلام بها ؟! واستحضر صورتها الجميلة وهي تدخل ، وصورتها وهي تنظرإليه حزينة أسيفة، وصورتها وهي تبكي ، إنه لم ير في حياته فتاة في مثل جمالها ، بروعتها ، بفتنتها ، لقد وقفت على دكان أبي على الأصفهاني ، وكلمته بالفارسية ، يا لعذوبة صوتها وروعة نغمتها .
وقبل أن يصل إلى البيت ، تذكر حديث الشيخ ، ويوسف الصديق ، وخيَّل إليه كأنه يسمع الشيخ يحذره ، فأسرع الخطو ،وطرق باب بيته ، وفتحته أخته الصغيرة سناء ، ونظرت إليه بعينيها الصافيتين ، وجهها البدري ، وابتسامتها اللطيفة الهادئة وسألته ؟
أين كنت إلى هذه الساعة ؟
فاحتضن وجهها الصغير بيديه ، ثم ربت على شعرها الكستنائي وقال :
هل صليت العشاء ؟
ونفرت من تحت يده ، كما ينفر الطائر ، وقالت :
نعم .
وشعر يسار لأول مرة ، أن قلبه قد تكدَّر قليلاً ، فأسرع يتوضأ ، ثم وقف يصلي .



يتبع
زهرةالايمان
زهرةالايمان
اللهم احفظنا من كيد شياطين الإنس والجن:30: