تفسير السورة من 27-34
ثُمَّ يَوْمَ الْقِيَامَةِ يُخْزِيهِمْ وَيَقُولُ أَيْنَ شُرَكَائِيَ الَّذِينَ كُنْتُمْ تُشَاقُّونَ فِيهِمْ
قَالَ الَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ إِنَّ الْخِزْيَ الْيَوْمَ وَالسُّوءَ عَلَى الْكَافِرِينَ ( 27 )
الَّذِينَ تَتَوَفَّاهُمُ الْمَلائِكَةُ ظَالِمِي أَنْفُسِهِمْ فَأَلْقَوُا السَّلَمَ مَا كُنَّا نَعْمَلُ مِنْ سُوءٍ
بَلَى إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ بِمَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ ( 28 )
ثم يوم القيامة يفضحهم الله بالعذاب ويذلُّهم به, ويقول: أين شركائي من الآلهة
التي عبدتموها من دوني; ليدفعوا عنكم العذاب,
وقد كنتم تحاربون الأنبياء والمؤمنين وتعادونهم لأجلهم؟
قال العلماء الربانيون: إن الذل في هذا اليوم والعذاب على الكافرين بالله ورسله,
الذين تقبض الملائكة أرواحهم في حال ظلمهم لأنفسهم بالكفر,
فاستسْلَموا لأمر الله حين رأوا الموت, وأنكروا ما كانوا يعبدون من دون الله,
وقالوا: ما كنا نعمل شيئًا من المعاصي, فيقال لهم: كَذَبْتم, قد كنتم تعملونها,
إن الله عليم بأعمالكم كلها, وسيجازيكم عليها.
فَادْخُلُوا أَبْوَابَ جَهَنَّمَ خَالِدِينَ فِيهَا فَلَبِئْسَ مَثْوَى الْمُتَكَبِّرِينَ ( 29 )
فادخلوا أبواب جهنم, لا تخرجون منها أبدًا,
فلبئست مقرًا للذين تكبَّروا عن الإيمان بالله وعن عبادته وحده وطاعته.
وَقِيلَ لِلَّذِينَ اتَّقَوْا مَاذَا أَنْزَلَ رَبُّكُمْ قَالُوا خَيْرًا
لِلَّذِينَ أَحْسَنُوا فِي هَذِهِ الدُّنْيَا حَسَنَةٌ وَلَدَارُ الآخِرَةِ خَيْرٌ وَلَنِعْمَ دَارُ الْمُتَّقِينَ ( 30 )
وإذا قيل للمؤمنين الخائفين من الله: ما الذي أنزل الله على النبي محمد صلى الله عليه وسلم؟
قالوا: أنزل الله عليه الخير والهدى. للذين آمنوا بالله ورسوله في هذه الدنيا,
ودَعَوْا عباد الله إلى الإيمان والعمل الصالح, مَكْرُمَة كبيرة من النصر لهم في الدنيا,
وسَعَة الرزق, ولَدار الآخرة لهم خير وأعظم مما أُوتوه في الدنيا,
ولَنِعْم دارُ المتقين الخائفين من الله الآخرةُ.
جَنَّاتُ عَدْنٍ يَدْخُلُونَهَا تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الأَنْهَارُ لَهُمْ فِيهَا مَا يَشَاءُونَ كَذَلِكَ يَجْزِي اللَّهُ الْمُتَّقِينَ ( 31 )
الَّذِينَ تَتَوَفَّاهُمُ الْمَلائِكَةُ طَيِّبِينَ يَقُولُونَ سَلامٌ عَلَيْكُمُ ادْخُلُوا الْجَنَّةَ بِمَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ ( 32 )
جنات إقامة لهم, يستقرون فيها, لا يخرجون منها أبدًا, تجري من تحت أشجارها وقصورها الأنهار,
لهم فيها كل ما تشتهيه أنفسهم, بمثل هذا الجزاء الطيب يجزي الله أهل خشيته
وتقواه الذين تقبض الملائكةُ أرواحَهم, وقلوبُهم طاهرة من الكفر, تقول الملائكة لهم:
سلام عليكم, تحية خاصة لكم وسلامة من كل آفة,
ادخلوا الجنة بما كنتم تعملون من الإيمان بالله والانقياد لأمره.
هَلْ يَنْظُرُونَ إِلا أَنْ تَأْتِيَهُمُ الْمَلائِكَةُ أَوْ يَأْتِيَ أَمْرُ رَبِّكَ كَذَلِكَ فَعَلَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ
وَمَا ظَلَمَهُمُ اللَّهُ وَلَكِنْ كَانُوا أَنْفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ ( 33 )
ما ينتظر المشركون إلا أن تأتيهم الملائكة; لتقبض أرواحهم وهم على الكفر,
أو يأتي أمر الله بعذاب عاجل يهلكهم, كما كذَّب هؤلاء كذَّب الكفار مِن قبلهم,
فأهلكهم الله, وما ظلمهم الله بإهلاكهم, وإنزال العذاب بهم,
ولكنهم هم الذين كانوا يظلمون أنفسهم بما جعلهم أهلا للعذاب.
فَأَصَابَهُمْ سَيِّئَاتُ مَا عَمِلُوا وَحَاقَ بِهِمْ مَا كَانُوا بِهِ يَسْتَهْزِئُونَ ( 34 )
فنزلت بهم عقوبة ذنوبهم التي عملوها, وأحاط بهم العذاب الذي كانوا يسخرون منه.
تفسير السورة من 35-42
وَقَالَ الَّذِينَ أَشْرَكُوا لَوْ شَاءَ اللَّهُ مَا عَبَدْنَا مِنْ دُونِهِ مِنْ شَيْءٍ نَحْنُ
وَلا آبَاؤُنَا وَلا حَرَّمْنَا مِنْ دُونِهِ مِنْ شَيْءٍ كَذَلِكَ فَعَلَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ
فَهَلْ عَلَى الرُّسُلِ إِلا الْبَلاغُ الْمُبِينُ ( 35 )
وقال المشركون: لو شاء الله أن نعبده وحده ما عبدنا أحدًا غيره,
لا نحن ولا آباؤنا مِن قبلنا,
ولا حَرَّمَنا شيئًا لم يحرمه, بمثل هذا الاحتجاج الباطل احتج الكفار السابقون,
وهم كاذبون; فإن الله أمرهم ونهاهم ومكَّنهم من القيام بما كلَّفهم به,
وجعل لهم قوة ومشيئة تصدر عنها أفعالهم,
فاحتجاجهم بالقضاء والقدر من أبطل الباطل من بعد إنذار الرسل لهم,
فليس على الرسل المنذِرين لهم إلا التبليغ الواضح لما كُلِّفوا به.
وَلَقَدْ بَعَثْنَا فِي كُلِّ أُمَّةٍ رَسُولا أَنِ اعْبُدُوا اللَّهَ وَاجْتَنِبُوا الطَّاغُوتَ
فَمِنْهُمْ مَنْ هَدَى اللَّهُ وَمِنْهُمْ مَنْ حَقَّتْ عَلَيْهِ الضَّلالَةُ
فَسِيرُوا فِي الأَرْضِ فَانْظُرُوا كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الْمُكَذِّبِينَ ( 36 )
ولقد بعثنا في كل أمة سبقَتْ رسولا آمرًا لهم بعبادة الله وطاعته وحده وتَرْكِ عبادة غيره
من الشياطين والأوثان والأموات وغير ذلك مما يتخذ من دون الله وليًا,
فكان منهم مَن هدى الله, فاتبع المرسلين, ومنهم المعاند الذي اتبع سبيل الغيِّ,
فوجبت عليه الضلالة, فلم يوفقه الله. فامشوا في الأرض,
وأبصروا بأعينكم كيف كان مآل هؤلاء المكذبين, وماذا حلَّ بهم مِن دمار; لتعتبروا؟
إِنْ تَحْرِصْ عَلَى هُدَاهُمْ فَإِنَّ اللَّهَ لا يَهْدِي مَنْ يُضِلُّ وَمَا لَهُمْ مِنْ نَاصِرِينَ ( 37 )
إن تبذل - أيها الرسول- أقصى جهدك لهداية هؤلاء المشركين
فاعلم أن الله لا يهدي مَن يضلُّ, وليس لهم من دون الله أحد ينصرهم,
ويمنع عنهم عذابه.
وَأَقْسَمُوا بِاللَّهِ جَهْدَ أَيْمَانِهِمْ لا يَبْعَثُ اللَّهُ مَنْ يَمُوتُ بَلَى وَعْدًا عَلَيْهِ حَقًّا
وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لا يَعْلَمُونَ ( 38 )
وحلف هؤلاء المشركون بالله أيمانًا مغلَّظة أن الله لا يبعث مَن يموت بعدما بَلِيَ وتفرَّق,
بلى سيبعثهم الله حتمًا, وعدًا عليه حقًا, ولكن أكثر الناس لا يعلمون قدرة الله على البعث, فينكرونه.
لِيُبَيِّنَ لَهُمُ الَّذِي يَخْتَلِفُونَ فِيهِ وَلِيَعْلَمَ الَّذِينَ كَفَرُوا أَنَّهُمْ كَانُوا كَاذِبِينَ ( 39 )
يبعث الله جميع العباد; ليبين لهم حقيقة البعث الذي اختلفوا فيه,
ويعلم الكفار المنكرون له أنهم على باطل, وأنهم كاذبون
حين حلفوا أنْ لا بعث.
إِنَّمَا قَوْلُنَا لِشَيْءٍ إِذَا أَرَدْنَاهُ أَنْ نَقُولَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ ( 40 )
إنَّ أمر البعث يسير علينا, فإنَّا إذا أردنا شيئًا فإنما نقول له:
« كن » ، فإذا هو كائن موجود.
وَالَّذِينَ هَاجَرُوا فِي اللَّهِ مِنْ بَعْدِ مَا ظُلِمُوا لَنُبَوِّئَنَّهُمْ فِي الدُّنْيَا حَسَنَةً وَلأَجْرُ الآخِرَةِ أَكْبَرُ لَوْ كَانُوا يَعْلَمُونَ ( 41 )
والذين تركوا ديارهم مِن أجل الله, فهاجروا بعدما وقع عليهم الظلم,
لنسكننهم في الدنيا دارًا حسنة, ولأجر الآخرة أكبر; لأن ثوابهم فيها الجنة.
لو كان المتخلفون عن الهجرة يعلمون علم يقين ما عند الله من الأجر
والثواب للمهاجرين في سبيله, ما تخلَّف منهم أحد عن ذلك.
الَّذِينَ صَبَرُوا وَعَلَى رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ ( 42 )
هؤلاء المهاجرون في سبيل الله هم الذين صبروا على أوامر الله
وعن نواهيه وعلى أقداره المؤلمة, وعلى ربهم وحده يعتمدون,
فاستحقوا هذه المنزلة العظيمة.
( 43 ) وما أرسلنا في السابقين قبلك -أيها الرسول- إلا رسلا من الرجال لا من الملائكة،
نوحي إليهم، وإن كنتم -يا مشركي قريش- لا تصدقون بذلك فاسألوا أهل الكتب السابقة،
يخبروكم أن الأنبياء كانوا بشرًا، إن كنتم لا تعلمون أنهم بشر.
والآية عامة في كل مسألة من مسائل الدين، إذا لم يكن عند الإنسان علم منها أن يسأل من يعلمها
من العلماء الراسخين في العلم.
( 44 ) وأَرْسَلْنا الرسل السابقين بالدلائل الواضحة وبالكتب السماوية،
وأنزلنا إليك -أيها الرسول- القرآن؛ لتوضح للناس ما خفي مِن معانيه وأحكامه،
ولكي يتدبروه ويهتدوا به.
( 45 ) أفأمن الكفار المدبِّرون للمكايد أن يخسف الله بهم الأرض كما فعل بقارون،
أو يأتيهم العذاب من مكان لا يُحِسُّونه ولا يتوقعونه، أو يأخذهم العذاب،
وهم يتقلبون في أسفارهم وتصرفهم؟ فما هم بسابقين الله ولا فائتيه ولا ناجين من عذابه؛
لأنه القوي الذي لا يعجزه شيء، أو يأخذهم الله بنقص من الأموال والأنفس والثمرات،
أو في حال خوفهم من أخذه لهم، فإن ربكم لرؤوف بخلقه، رحيم بهم.
( 46 ) أفأمن الكفار المدبِّرون للمكايد أن يخسف الله بهم الأرض كما فعل بقارون،
أو يأتيهم العذاب من مكان لا يُحِسُّونه ولا يتوقعونه، أو يأخذهم العذاب،
وهم يتقلبون في أسفارهم وتصرفهم؟ فما هم بسابقين الله ولا فائتيه ولا ناجين من عذابه؛
لأنه القوي الذي لا يعجزه شيء، أو يأخذهم الله بنقص من الأموال والأنفس والثمرات،
أو في حال خوفهم من أخذه لهم، فإن ربكم لرؤوف بخلقه، رحيم بهم.
( 47 ) أفأمن الكفار المدبِّرون للمكايد أن يخسف الله بهم الأرض كما فعل بقارون،
أو يأتيهم العذاب من مكان لا يُحِسُّونه ولا يتوقعونه، أو يأخذهم العذاب،
وهم يتقلبون في أسفارهم وتصرفهم؟ فما هم بسابقين الله ولا فائتيه ولا ناجين من عذابه؛
لأنه القوي الذي لا يعجزه شيء، أو يأخذهم الله بنقص من الأموال والأنفس والثمرات،
أو في حال خوفهم من أخذه لهم، فإن ربكم لرؤوف بخلقه، رحيم بهم.
( 48 ) أَعَمِيَ هؤلاء الكفار، فلم ينظروا إلى ما خلق الله من شيء له ظل،
كالجبال والأشجار، تميل ظلالها تارة يمينًا وتارة شمالا تبعًا لحركة الشمس نهارًا والقمر ليلا
كلها خاضعة لعظمة ربها وجلاله، وهي تحت تسخيره وتدبيره وقهره؟
( 49 ) ولله وحده يسجد كل ما في السموات وما في الأرض مِن دابة، والملائكة يسجدون لله،
وهم لا يستكبرون عن عبادته. وخصَّهم بالذكر بعد العموم لفَضْلهم وشرفهم وكثرة عبادتهم.
( 50 ) يخاف الملائكة ربهم الذي هو فوقهم بالذات والقهر وكمال الصفات،
ويفعلون ما يُؤْمرون به من طاعة الله. وفي الآية: إثبات صفة العلو والفوقية لله على جميع خلقه،
كما يليق بجلاله وكماله.
( 51 ) وقال الله لعباده: لا تعبدوا إلهين اثنين، إنما معبودكم إله واحد، فخافوني دون سواي.
( 52 ) ولله كل ما في السموات والأرض خلقًا وملكًا وعبيدًا، وله وحده العبادة والطاعة
والإخلاص دائمًا، أيليق بكم أن تخافوا غير الله وتعبدوه؟
( 53 ) وما بكم مِن نعمةِ هدايةٍ، أو صحة جسم، وسَعَة رزقٍ وولد، وغير ذلك،
فمِنَ الله وحده، فهو المُنْعِم بها عليكم، ثم إذا نزل بكم السقم والبلاء والقحط
فإلى الله وحده تَضِجُّون بالدعاء.
( 54 ) ثم إذا كشف عنكم البلاء والسقم، إذا جماعة منكم بربهم المُنْعِم عليهم بالنجاة
يتخذون معه الشركاء والأولياء.
تفسير السورة من 27-34
ثُمَّ يَوْمَ الْقِيَامَةِ يُخْزِيهِمْ وَيَقُولُ أَيْنَ شُرَكَائِيَ...
ومصيرها إلى الزوال، فسوف تعلمون عاقبة كفركم وعصيانكم.
( 56 ) ومِن قبيح أعمالهم أنهم يجعلون للأصنام التي اتخذوها آلهة،
وهي لا تعلم شيئًا ولا تنفع ولا تضر، جزءًا من أموالهم التي رزقهم الله بها تقربًا إليها.
تالله لتسألُنَّ يوم القيامة عما كنتم تختلقونه من الكذب على الله.
( 57 ) ويجعل الكفار لله البنات، فيقولون: الملائكة بنات الله، تنزَّه الله عن قولهم،
ويجعلون لأنفسهم ما يحبون من البنين.
( 58 ) وإذا جاء مَن يخبر أحدهم بولادة أنثى اسودَّ وجهه؛ كراهية لما سمع، وامتلأ غمًّا وحزنًا.
( 59 ) يستخفي مِن قومه كراهة أن يلقاهم متلبسًا بما ساءه من الحزن والعار؛
بسبب البنت التي وُلِدت له، ومتحيرًا في أمر هذه المولودة: أيبقيها حية على ذلٍّ وهوان،
أم يدفنها حية في التراب؟ ألا بئس الحكم الذي حكموه مِن جَعْل البنات لله والذكور لهم.
( 60 ) للذين لا يؤمنون بالآخرة ولا يعملون لها، الصفة القبيحة من العجز والحاجة والجهل والكفر،
ولله الصفات العليا من الكمال والاستغناء عن خلقه، وهو العزيز في ملكه، الحكيم في تدبيره.
( 61 ) ولو يؤاخذ الله الناس بكفرهم وافترائهم ما ترك على الأرض مَن يتحرَّك،
ولكن يبقيهم إلى وقت محدد هو نهاية آجالهم، فإذا جاء أجلهم لا يتأخرون عنه وقتًا يسيرًا،
ولا يتقدمون.
( 62 ) ومن قبائحهم: أنهم يجعلون لله ما يكرهونه لأنفسهم من البنات، وتقول ألسنتهم كذبًا:
إن لهم حسن العاقبة، حقًا أن لهم النار، وأنهم فيها مَتْروكون مَنْسيون.
( 63 ) تالله لقد أرسلنا رسلا إلى أمم مِن قبلك -أيها الرسول-
فحسَّن لهم الشيطان ما عملوه من الكفر والتكذيب وعبادة غير الله،
فهو متولٍّ إغواءهم في الدنيا، ولهم في الآخرة عذاب أليم موجع.
( 64 ) وما أنزلنا عليك القرآن -أيها الرسول- إلا لتوضح للناس ما اختلفوا فيه من الدين والأحكام؛
لتقوم الحجة عليهم ببيانك ورشدًا ورحمة لقوم يؤمنون.
( 65 ) والله أنزل من السحاب مطرًا، فأخرج به النبات من الأرض بعد أن كانت قاحلة يابسة،
إن في إنزال المطر وإنبات النبات لَدليلا على قدرة الله على البعث وعلى الوحدانية،
لقوم يسمعون، ويتدبرون، ويطيعون الله، ويتقونه.
( 66 ) وإن لكم -أيها الناس- في الأنعام -وهي الإبل والبقر والغنم- لَعظة،
فقد شاهدتم أننا نسقيكم من ضروعها لبنًا خارجًا من بين فَرْث -وهو ما في الكَرِش-
وبين دم خالصًا من كل الشوائب، لذيذًا لا يَغَصُّ به مَن شَرِبَه.
( 67 ) ومِن نِعَمنا عليكم ما تأخذونه من ثمرات النخيل والأعناب،
فتجعلونه خمرًا مُسْكِرًا -وهذا قبل تحريمها- وطعامًا طيبًا. إن فيما ذكر لَدليلا على قدرة الله
لِقومٍ يعقلون البراهين فيعتبرون بها.
( 68 ) وألْهَمَ ربك -أيها النبي- النحل بأن اجعلي لك بيوتًا في الجبال، وفي الشجر،
وفيما يبني الناس من البيوت والسُّقُف.
( 69 ) ثم كُلي مِن كل ثمرة تشتهينها، فاسلكي طرق ربك مذللة لك؛
لطلب الرزق في الجبال وخلال الشجر، وقد جعلها سهلة عليكِ، لا تضلي في العَوْد إليها وإن بَعُدَتْ.
يخرج من بطون النحل عسل مختلف الألوان مِن بياض وصفرة وحمرة وغير ذلك،
فيه شفاء للناس من الأمراض. إن فيما يصنعه النحل لَدلالة قوية على قدرة خالقها لقوم يتفكرون،
فيعتبرون.
( 70 ) والله سبحانه وتعالى خلقكم ثم يميتكم في نهاية أعماركم،
ومنكم مَن يصير إلى أردأ العمر وهو الهرم، كما كان في طفولته لا يعلم شيئًا مما كان يعلمه،
إن الله عليم قدير، أحاط علمه وقدرته بكل شيء،
فالله الذي ردَّ الإنسان إلى هذه الحالة قادر على أن يميته، ثم يبعثه.
( 71 ) والله فَضَّل بعضكم على بعض فيما أعطاكم في الدنيا من الرزق،
فمنكم غني ومنكم فقير، ومنكم مالك ومنكم مملوك، فلا يعطي المالكون مملوكيهم مما أعطاهم الله
ما يصيرون به شركاء لهم متساوين معهم في المال، فإذا لم يرضوا بذلك لأنفسهم،
فلماذا رضوا أن يجعلوا لله شركاء من عبيده؟ إن هذا لَمن أعظم الظلم والجحود لِنعم الله عز وجل.
( 72 ) والله سبحانه جعل مِن جنسكم أزواجا؛ لتستريح نفوسكم معهن،
وجعل لكم منهن الأبناء ومِن نسلهنَّ الأحفاد، ورزقكم من الأطعمة الطيبة من الثمار والحبوب
واللحوم وغير ذلك. أفبالباطل من ألوهية شركائهم يؤمنون، وبنعم الله التي لا تحصى يجحدون،
ولا يشكرون له بإفراده جل وعلا بالعبادة؟
( 73 ) ويعبد المشركون أصنامًا لا تملك أن تعطيهم شيئًا من الرزق من السماء كالمطر،
ولا من الأرض كالزرع، فهم لا يملكون شيئًا، ولا يتأتى منهم أن يملكوه؛ لأنهم لا يقدرون.
( 74 ) وإذا عَلِمتم أن الأصنام والأوثان لا تنفع، فلا تجعلوا -أيها الناس-
لله أشباهًا مماثلين له مِن خَلْقه تشركونهم معه في العبادة. إن الله يعلم ما تفعلون،
وأنتم غافلون لا تعلمون خطأكم وسوء عاقبتكم.
( 75 ) ضرب الله مثلا بيَّن فيه فساد عقيدة أهل الشرك:
رجلا مملوكًا عاجزًا عن التصرف لا يملك شيئًا، ورجلا آخر حرًا، له مال حلال رزَقَه الله به،
يملك التصرف فيه، ويعطي منه في الخفاء والعلن، فهل يقول عاقل بالتساوي بين الرجلين؟
فكذلك الله الخالق المالك المتصرف لا يستوي مع خلقه وعبيده، فكيف تُسَوُّون بينهما؟
الحمد لله وحده، فهو المستحق للحمد والثناء، بل أكثر المشركين لا يعلمون أن الحمد والنعمة لله،
وأنه وحده المستحق للعبادة.
( 76 ) وضرب الله مثلا آخر لبطلان الشرك رجلين: أحدهما أخرس أصم لا يَفْهَم ولا يُفْهِم،
لا يقدر على منفعة نفسه أو غيره، وهو عبء ثقيل على مَن يَلي أمره ويعوله،
إذا أرسله لأمر يقضيه لا ينجح، ولا يعود عليه بخير، ورجل آخر سليم الحواس،
ينفع نفسه وغيره، يأمر بالإنصاف، وهو على طريق واضح لا عوج فيه،
فهل يستوي الرجلان في نظر العقلاء؟
فكيف تُسَوُّون بين الصنم الأبكم الأصمِّ وبين الله القادر المنعم بكل خير؟
( 77 ) ولله سبحانه وتعالى عِلْمُ ما غاب في السموات والأرض، وما شأن القيامة
في سرعة مجيئها إلا كنظرة سريعة بالبصر، بل هو أسرع من ذلك. إن الله على كل شيء قدير.
( 78 ) والله سبحانه وتعالى أخرجكم مِن بطون أمهاتكم بعد مدة الحمل، لا تدركون شيئًا
مما حولكم، وجعل لكم وسائل الإدراك من السمع والبصر والقلوب؛
لعلكم تشكرون لله تعالى على تلك النعم، وتفردونه عز وجل بالعبادة.
( 79 ) ألم ينظر المشركون إلى الطير مذللات للطيران في الهواء بين السماء والأرض بأمر الله؟
ما يمسكهن عن الوقوع إلا هو سبحانه بما خَلَقه لها، وأقدرها عليه. إن في ذلك التذليل
والإمساك لَدلالات لقوم يؤمنون بما يرونه من الأدلة على قدرة الله.