لولا71
لولا71 •
الا يوجد تعليق واحد على ما انقله لكم من هذه السير و لو من باب التشجيع على الاستمرار
لولا71
لولا71 •
نسَبُه ومَوْلده
هو الإِمام الحافظ شيخ الإسلام محيي الدين أبو زكريا يحيى بن شرف بن مُرِّي بن حسن بن حسين بن محمد بن جمعة بن حِزَام، النووي نسبة إلى نوى، وهي قرية من قرى حَوْران في سورية، ثم الدمشقي الشافعي، شيخ المذاهب وكبير الفقهاء في زمانه.
ولد النووي رحمه اللّه تعالى في المحرم 631 هـ في قرية نوى من أبوين صالحين، ولما بلغ العاشرة من عمره بدأ في حفظ القرآن وقراءة الفقه على بعض أهل العلم هناك، وصادف أن مرَّ بتلك القرية الشيخ ياسين بن يوسف المراكشي، فرأى الصبيانَ يُكرِهونه على اللعب وهو يهربُ منهم ويبكي لإِكراههم ويقرأ القرآن، فذهب إلى والده ونصحَه أن يفرّغه لطلب العلم، فاستجاب له.
وفي سنة 649 هـ قَدِمَ مع أبيه إلى دمشق لاستكمال تحصيله العلمي في مدرسة دار الحديث، وسكنَ المدرسة الرواحية، وهي ملاصقة للمسجد الأموي من جهة الشرق.
وفي عام 651 هـ حجَّ مع أبيه ثم رجع إلى دمشق.

أخلاقُهُ وَصفَاتُه
أجمعَ أصحابُ كتب التراجم أن النووي كان رأساً في الزهد، وقدوة في الورع، وعديم النظير في مناصحة الحكام والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، ويطيب لنا في هذه العجالة عن حياة النووي أن نتوقف قليلاً مع هذه الصفات المهمة في حياته:

الزهد
تفرَّغَ الإِمام النووي من شهوة الطعام واللباس والزواج، ووجد في لذّة العلم التعويض الكافي عن كل ذلك. والذي يلفت النظر أنه انتقل من بيئة بسيطة إلى دمشق حيث الخيرات والنعيم، وكان في سن الشباب حيث قوة الغرائز، ومع ذلك فقد أعرض عن جميع المتع والشهوات وبالغ في التقشف وشظف العيش.

الورع
وفي حياته أمثلة كثيرة تدلُّ على ورع شديد، منها أنه كان لا يأكل من فواكه دمشق، ولما سُئل عن سبب ذلك قال: إنها كثيرة الأوقاف، والأملاك لمن تحت الحجر شرعاً، ولا يجوز التصرّف في ذلك إلا على وجه الغبطة والمصلحة، والمعاملة فيها على وجه المساقاة، وفيها اختلاف بين العلماء.ومن جوَّزَها قال: بشرط المصلحة والغبطة لليتيم والمحجور عليه، والناس لا يفعلونها إلا على جزء من ألف جزء من الثمرة للمالك، فكيف تطيب نفسي؟. واختار النزول في المدرسة الرواحيّة على غيرها من المدارس لأنها كانت من بناء بعض التجّار.
وكان لدار الحديث راتب كبير فما أخذ منه فلساً، بل كان يجمعُها عند ناظر المدرسة، وكلما صار له حق سنة اشترى به ملكاً ووقفه على دار الحديث، أو اشترى كتباً فوقفها على خزانة المدرسة، ولم يأخذ من غيرها شيئاً. وكان لا يقبل من أحد هديةً ولا عطيّةً إلا إذا كانت به حاجة إلى شيء وجاءه ممّن تحقق دينه. وكان لا يقبل إلا من والديه وأقاربه، فكانت أُمُّه ترسل إليه القميص ونحوه ليلبسه، وكان أبوه يُرسل إليه ما يأكله، وكان ينام في غرفته التي سكن فيها يوم نزل دمشق في المدرسة الرواحية، ولم يكن يبتغي وراء ذلك شيئاً.

مُناصحَتُه الحُكّام
لقد توفرت في النووي صفات العالم الناصح الذي يُجاهد في سبيل اللّه بلسانه، ويقوم بفريضة الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، فهو مخلصٌ في مناصحته وليس له أيّ غرض خاص أو مصلحة شخصية، وشجاعٌ لا يخشى في اللَّه لومة لائم، وكان يملك البيان والحجة لتأييد دعواه.
وكان الناسُ يرجعون إليه في الملمّات والخطوب ويستفتونه، فكان يُقبل عليهم ويسعى لحلّ مشكلاتهم، كما في قضية الحوطة على بساتين الشام:
لما ورد دمشقَ من مصرَ السلطانُ الملكُ الظاهرُ بيبرسُ بعد قتال التتار وإجلائهم عن البلاد، زعم له وكيل بيت المال أن كثيراً من بساتين الشام من أملاك الدولة، فأمر الملك بالحوطة عليها، أي بحجزها وتكليف واضعي اليد على شيءٍ منها إثبات ملكيته وإبراز وثائقه، فلجأ الناس إلى الشيخ في دار الحديث، فكتب إلى الملك كتاباً جاء فيه "وقد لحق المسلمين بسبب هذه الحوطة على أملاكهم أنواعٌ من الضرر لا يمكن التعبير عنها، وطُلب منهم إثباتٌ لا يلزمهم، فهذه الحوطة لا تحلّ عند أحد من علماء المسلمين، بل مَن في يده شيء فهو ملكه لا يحلّ الاعتراض عليه ولايُكلَّفُ إثباته" فغضب السلطان من هذه الجرأة عليه وأمر بقطع رواتبه وعزله عن مناصبه، فقالوا له: إنه ليس للشيخ راتب وليس له منصب. لما رأى الشيخ أن الكتاب لم يفِدْ، مشى بنفسه إليه وقابله وكلَّمه كلاماً شديداً، وأراد السلطان أن يبطشَ به فصرف اللَّه قلبَه عن ذلك وحمى الشيخَ منه، وأبطلَ السلطانُ أمرَ الحوطة وخلَّصَ اللَّه الناس من شرّها.

حَيَاته العلميّة
تميزت حياةُ النووي العلمية بعد وصوله إلى دمشق بثلاثة أمور: الأول: الجدّ في طلب العلم والتحصيل في أول نشأته وفي شبابه، وقد أخذ العلم منه كلَّ مأخذ، وأصبح يجد فيه لذة لا تعدِلُها لذة، وقد كان جادّاً في القراءة والحفظ، وقد حفظ التنبيه في أربعة أشهر ونصف، وحفظ ربع العبادات من المهذب في باقي السنة، واستطاع في فترة وجيزة أن ينال إعجاب وحبَّ أستاذه أبي إبراهيم إسحاق بن أحمد المغربي، فجعلَه مُعيد الدرس في حلقته. ثم درَّسَ بدار الحديث الأشرفية، وغيرها. الثاني: سعَة علمه وثقافته، وقد جمع إلى جانب الجدّ في الطلب غزارة العلم والثقافة المتعددة، وقد حدَّثَ تلميذُه علاء الدين بن العطار عن فترة التحصيل والطلب، أنه كان يقرأ كلََّ يوم اثني عشر درساً على المشايخ شرحاً وتصحيحاً، درسين في الوسيط، وثالثاً في المهذب، ودرساً في الجمع بين الصحيحين، وخامساً في صحيح مسلم، ودرساً في اللمع لابن جنّي في النحو، ودرساً في إصلاح المنطق لابن السكّيت في اللغة، ودرساً في الصرف، ودرساً في أصول الفقه، وتارة في اللمع لأبي إسحاق، وتارة في المنتخب للفخر الرازي، ودرساً في أسماء الرجال، ودرساً في أصول الدين، وكان يكتبُ جميعَ ما يتعلق بهذه الدروس من شرح مشكل وإيضاح عبارة وضبط لغة. الثالث: غزارة إنتاجه، اعتنى بالتأليف وبدأه عام 660 هـ، وكان قد بلغ الثلاثين من عمره، وقد بارك اللّه له في وقته وأعانه، فأذاب عُصارة فكره في كتب ومؤلفات عظيمة ومدهشة، تلمسُ فيها سهولةُ العبارة، وسطوعَ الدليل، ووضوحَ الأفكار، والإِنصافَ في عرض آراء الفقهاء، وما زالت مؤلفاته حتى الآن تحظى باهتمام كل مسلم، والانتفاع بها في سائر البلاد. ويذكر الإِسنوي تعليلاً لطيفاً ومعقولاً لغزارة إنتاجه فيقول: اعلم أن الشيخ محيي الدين رحمه اللّه لمّا تأهل للنظر والتحصيل، رأى أن من المسارعة إلى الخير؛ أن جعل ما يحصله ويقف عليه تصنيفاً ينتفع به الناظر فيه، فجعل تصنيفه تحصيلاً، وتحصيله تصنيفاً، وهو غرض صحيح وقصد جميل، ولولا ذلك لما تيسر له من التصانيف ما تيسر له".

ومن أهم كتبه
"شرح صحيح مسلم" و"المجموع" شرح المهذب، و"رياض الصالحين" و"تهذيب الأسماء واللغات"، والروضة روضة الطالبين وعمدة المفتين"، و"المنهاج في الفقه" و"الأربعين النووية" و"التبيان في آداب حَمَلة القرآن" و"الأذكار "حلية الأبرار وشعار الأخيار في تلخيص الدعوات والأذكار المستحبّة في الليل والنهار"، و"الإِيضاح" في المناسك.

شيوخه
من شيوخه في الفقه:
عبد الرحمن بن إبراهيم بن سباع الفزاري، تاج الدين، عُرف بالفِرْكاح، توفي سنة 690 هـ. 3. إسحاق بن أحمد المغربي، الكمال أبو إبراهيم، محدّث المدرسة الرواحيّة، توفي سنة 650 هـ. 4. عبد الرحمن بن نوح بن محمد بن إبراهيم بن موسى المقدسي ثم الدمشقي، أبو محمد، مفتي دمشق، توفي سنة 654 هـ. 5. سلاَّر بن الحسن الإِربلي، ثم الحلبي، ثم الدمشقي، إمام المذهب الشافعي في عصره، توفي سنة 670 هـ.
ومن شيوخه في الحديث:
إبراهيم بن عيسى المرادي، الأندلسي، ثم المصري، ثم الدمشقي، الإِمام الحافظ، توفي سنة 668 هـ. 2. خالد بن يوسف بن سعد النابلسي، أبو البقاء، زين الدين، الإِمام المفيد المحدّث الحافظ، توفي سنة 663 هـ. 3. عبد العزيز بن محمد بن عبد المحسن الأنصاري، الحموي، الشافعي، شيخ الشيوخ، توفي سنة 662 هـ. 4. عبد الرحمن بن أبي عمر محمد بن أحمد بن محمد بن قُدامة المقدسي، أبو الفرج، من أئمة الحديث في عصره، توفي سنة 682 هـ. 5. عبد الكريم بن عبد الصمد بن محمد الحرستاني، أبو الفضائل، عماد الدين، قاضي القضاة، وخطيب دمشق. توفي سنة 662 هـ. 6. إسماعيل بن أبي إسحاق إبراهيم بن أبي اليُسْر التنوخي، أبو محمد تقي الدين، كبير المحدّثين ومسندهم، توفي سنة 672 هـ. 7. عبد الرحمن بن سالم بن يحيى الأنباري، ثم الدمشقي الحنبلي، المفتي، جمال الدين. توفي سنة 661 هـ. 8. ومنهم: الرضي بن البرهان، وزين الدين أبو العباس بن عبد الدائم المقدسي، وجمال الدين أبو زكريا يحيى بن أبي الفتح الصيرفي الحرّاني، وأبو الفضل محمد بن محمد بن محمد البكري الحافظ، والضياء بن تمام الحنفي، وشمس الدين بن أبي عمرو، وغيرهم من هذه الطبقة.
ومن شيوخه في علم الأصول
أما علم الأصول، فقرأه على جماعة، أشهرهم: عمر بن بندار بن عمر بن علي بن محمد التفليسي الشافعي، أبو الفتح. توفي سنة 672 هـ.
شيوخه في النحو واللغة
وأما في النحو واللغة، فقرأه على: الشيخ أحمد بن سالم المصري النحوي اللغوي، أبي العباس، توفي سنة 664 هـ.والفخر المالكي.والشيخ أحمد بن سالم المصري

مسموعاته
سمع النسائي، وموطأ مالك، ومسند الشافعي، ومسند أحمد بن حنبل، والدارمي، وأبي عوانة الإِسفراييني، وأبي يعلى الموصلي، وسنن ابن ماجه، والدارقطني، والبيهقي، وشرح السنّة للبغوي، ومعالم التنزيل له في التفسير، وكتاب الأنساب للزبير بن بكار، والخطب النباتية، ورسالة القشيري، وعمل اليوم والليلة لابن السني، وكتاب آداب السامع والراوي للخطيب البغدادي، وأجزاء كثيرة غير ذلك.

تلاميذه
وكان ممّن أخذ عنه العلم: علاء الدين بن العطار، وشمس الدين بن النقيب، وشمس الدين بن جَعْوان، وشمس الدين بن القمَّاح، والحافظ جمال الدين المزي، وقاضي القضاة بدر الدين بن جماعة، ورشيد الدين الحنفي، وأبو العباس أحمد بن فَرْح الإِشبيلي، وخلائق.

وَفَاته
وفي سنة 676 هـ رجع إلى نوى بعد أن ردّ الكتب المستعارة من الأوقاف، وزار مقبرة شيوخه، فدعا لهم وبكى، وزار أصحابه الأحياء وودّعهم، وبعد أن زار والده زار بيت المقدس والخليل، وعاد إلى نوى فمرض بها وتوفي في 24 رجب. ولما بلغ نعيه إلى دمشق ارتجّت هي وما حولها بالبكاء، وتأسف عليه المسلمون أسفاً شديداً، وتوجّه قاضي القضاة عزّ الدين محمد بن الصائغ وجماعة من أصحابه إلى نوى للصلاة عليه في قبره، ورثاه جماعة، منهم محمد بن أحمد بن عمر الحنفي الإِربلي، وقد اخترت هذه الأبيات من قصيدة بلغت ثلاثة وثلاثين بيتاً:
عزَّ العزاءُ وعمَّ الحــادث الجلــل *** وخاب بالموت في تعميرك الأمل
واستوحشت بعدما كنت الأنيـس لهـا *** وساءَها فقدك الأسحارُ والأصـلُ
وكنت للدين نوراً يُستضاء به مسـدَّد *** منـك فيــه القولُ والعمــلُ
زهدتَ في هــذه الدنيا وزخرفـها *** عزماً وحزماً ومضروب بك المثل
أعرضت عنها احتقاراً غير محتفل *** وأنت بالسعـي في أخـراك محتفل
وهكذا انطوت صفحة من صفحات عَلَمٍ من أعلاَم المسلمين، بعد جهاد في طلب العلم، ترك للمسلمين كنوزاً من العلم، لا زال العالم الإسلامي يذكره بخير، ويرجو له من اللَّه تعالى أن تناله رحماته ورضوانه.
رحم اللّه الإِمام النووي رحمة واسعة، وحشره مع الذين أنعم اللّه عليهم من النبيين والصدّيقين والشهداء والصالحين وحسن أولئك رفيقاً، وجمعنا به تحت لواء سيدنا محمد صلى اللّه عليه وسلم.
ـــــــــــــــ
لولا71
لولا71 •
للعلماء الربانيين مواقف عديدة يتضح منها مدى ثباتهم على الحق، وتمسكهم به، وعدم تزحزحهم عنه، وبذل أنفسهم في سبيل الله رخيصة، طلبا لمرضاته ومغفرته. ومن هذه المواقف العظيمة موقف إمام أهل السنة أحمد بن حنبل، عندما تعرض إلى فتنة القول بخلق القرآن، التي دعا إليها الخليفة العباسي المأمون، بناء على مذهب أحمد بن أبي دؤاد ومشورته له بذلك، وقد رفض عدد من العلماء القول بهذه المقولة، فمنهم من قتل ومنهم من سجن، ومنهم من استجاب ظاهرا فقط ليحفظ دمه أخذا بقوله تعالى (من كفر بالله من بعد إيمانه إلا من أكره وقلبه مطمئن بالإيمان... ). أما الإمام أحمد فكان له معهم شأن آخر، فقد رفض الانصياع لمثل هذا القول، وآثر قول الحق مهما كلفه ذلك من عذاب وشدة، فكان نتيجة ذلك أن رفع الله شأنه في الدنيا، وعرف الناس الحق. وكانت بداية المحنة أن أمر المأمون إسحاق بن إبراهيم – وهو صاحب شرطة المأمون على بغداد - أن يمتحن الناس بالقول بخلق القرآن، فمن أبى منهم حبس، فأجابه القوم إلى ذلك إلا أربعة: أحمد بن حنبل ومحمد بن نوح والقواريري والحسن بن حماد المعروف بسجادة لكثرة عبادته، فدعاهم إلى القول بخلق القرآن فأبى أن يجيبه أحد منهم، فأدخلوا الحبس ثم أجاب إلى هذا القول القواريري والحسن بن حماد، وبقي أحمد بن حنبل ومحمد بن نوح على قولهم. قال الفضل بن زياد: لما خرج أحمد بن حنبل من عند إسحاق بوم امتحنه -وكان ذلك في جمادى الآخرة سنة ثماني عشرة ومائتين- قعد في المسجد فقال له جماعة أخبرنا بمن أجاب – يعني إلى القول بخلق القرآن – فكأنه ثقل عليه، فكلموه أيضا فقال: لم يحب أحد من أصحابنا والحمد لله. ثم ذكر من أجاب من العلماء ومن وافقهم على ما أرادوا، ثم قال: امتحنهم مرة، مرة، وامتحنني مرتين، مرتين. فقال: ما تقول في القرآن؟ قلت: كلام الله غير مخلوق. فأقامني وأجلسني في ناحية، ثم سألهم، ثم ردني ثانية، فسألني وأخذني في التشبيه. فقلت: ( ليس كمثله شيء وهو السميع البصير ) فقال لي: وما السميع البصير؟ فقلت: هكذا قال تعالى. فلما بلغ المأمون رفض الإمام أحمد ومحمد بن نوح القول بأن القرآن مخلوق، أمر بإحضارهما إليه مقيدين، وكان مقيما بمدينة طرسوس. قال محمد بن إبراهيم البوشنجي: فجعلوا يذكرون أبا عبد الله وهو بالرقة في التقية وما روي فيها من الجواز. فقال: كيف تصنعون بحديث خباب: إن من كان قبلكم كان ينشر أحدهم بالمنشار، لا يصده ذلك عن دينه. فأيسنا منه وعلمنا أن لن يجيبهم إلى ما أرادوا. ثم قال: لست أبالي بالحبس ما هو ومنزلي إلا واحد، ولا أخاف قتلا بالسيف، إنما أخاف فتنة السوط – يعني الجلد بالسياط – فسمعه بعض أهل الحبس فقال له: لا عليك يا أبا عبد الله، فما هو إلا سوطان ثم لا تدري أين يقع الباقي. فكان ذلك سببا في التخفيف عنه. وحدث الإمام أحمد قال: ما سمعت كلمة منذ وقعت في هذا الأمر أقوى من كلمة أعرابي كلمني بها في رحبة طوق، قال: يا أحمد، إن يقتلك الحق مت شهيدا، وإن عشت، عشت حميدا. فقوى قلبي. هذا وقد كان الإمام أحمد يدعو الله كثيرا ألا يجتمع بالمأمون، فاستجاب الله دعاءه فلم يجتمع به، وذلك أنه مات قبل أن يصلا إليه. فلما بلغهم نبأ وفاة المأمون، ردا في قيودهما إلى بغداد، فأما محمد بن نوح فإنه مات في الطريق ففك قيده وصلى عليه الإمام أحمد ودفنه وقال: ما رأيت أحدا على حداثة سنه وقدر علمه أقوم بأمر الله من محمد بن نوح، إني لأرجو أن يكون قد ختم له بخير، قال ذات يوم: يا أبا عبد الله، الله، الله، إنك لست مثلي. أنت رجل يقتدى بك. قد مد الخلق أعناقهم إليك، لما يكون منك، فاتق الله واثبت لأمر الله، أو نحو هذا. فلما تولى المعتصم الخلافة بعد المأمون استمر على نفس الأمر، وأمر بسجن الإمام أحمد. حدث صالح بن أحمد قال: قال أبي: كان يوجه إلي كل يوم رجلين أحدهما يقال له: أحمد بن رباح والآخر يقال له: أبو شعيب الحجام فلا يزالان يناظراني حتى إذا قاما دعي بقيد فزيد في قيودي، فصار في رجلي أربعة أقياد، فلما كان اليوم الثالث دخل علي فناظرني فقلت له: ما تقول في علم الله؟ قال: مخلوق. قلت: كفرت بالله، فقال الرسول- الذي كان يحضر من قبل إسحاق بن إبراهيم-: إن هذا رسول أمير المؤمنين، فقلت: إن هذا قد كفر. فلما كان في الليلة الرابعة وجه يعني المعتصم ببغا الكبير إلى إسحاق، فأمره أن يحملني إليه، فأدخلت على إسحاق، فقال: يا أحمد إنها والله نفسك إنه لا يقتلك بالسيف، إنه قد آلى إن لم تجبه أن يضربك ضرباً بعد ضرب، وأن يقتلك في موضع لا يرى فيه شمس ولا قمر، أليس قد قال الله تعالى (إنا جعلناه قرآنا عربيا) أفيكون مجعولا إلا مخلوقا؟ فقلت: فقد قال الله تعالى: (فجعلهم كعصف مأكول) أفخلقهم؟ قال: فسكت. فلما صرنا إلى الموضع المعروف بباب البستان أخرجت، وجيء بدابة فأركبت وعلي الأقياد ما معي من يمسكني، فكدت غير مرة أن أخر على وجهي لثقل القيود فجيء بي إلى دار المعتصم فأدخلت حجرة ثم أدخلت بيتا وأقفل الباب علي في جوف الليل ولا سراج، فأردت الوضوء فمددت يدي فإذا أنا بإناء فيه ماء وطست موضوع فتوضأت وصليت. فلما كان من الغد أخرجت تكتي وشددت بها الأقياد أحملها وعطفت سراويلي فجاء رسول المعتصم فقال أجب فأخذ بيدي وأدخلني عليه والتكة في يدي أحمل بها الأقياد، وإذا هو جالس وأحمد بن أبي دؤاد حاضر، وقد جمع خلقا كثيرا من أصحابه، فقال لي المعتصم: ادنه، ادنه فلم يزل يدنيني حتى قربت منه، ثم قال: اجلس فجلست، وقد أثقلتني الأقياد فمكثت قليلا ثم قلت: أتأذن في الكلام؟ قال: تكلم. فقلت: إلى ما دعا الله ورسوله؟ فسكت هنية ثم قال: إلى شهادة أن لا إله إلا الله، فقلت: فأنا أشهد أن لا إله إلا الله. ثم قلت: إن جدك ابن عباس يقول: لما قدم وفد عبد القيس على رسول الله صلى الله عليه وسلم سألوه عن الإيمان، فقال: أتدرون ما الإيمان؟ قالوا الله ورسوله أعلم، قال: شهادة أن لا إله إلا الله وأن محمدا رسول الله وإقام الصلاة وإيتاء الزكاة، وأن تعطوا الخمس من المغنم. قال أبي: فقال، يعني المعتصم: لولا أني وجدتك في يد من كان قبلي ما عرضت لك. ثم قال: يا عبد الرحمن بن إسحاق، ألم آمرك برفع المحنة؟ فقلت: الله أكبر إن في هذا لفرجا للمسلمين، ثم قال لهم: ناظروه وكلموه، يا عبد الرحمن كلمه. فقال: ما تقول في القرآن؟ قلت: ما تقول أنت في علم الله؟ فسكت، فقال لي بعضهم: أليس قال الله تعالى (الله خالق كل شيء) والقرآن أليس شيئا؟ فقلت: قال الله (تدمر كل شيء) فدمرت ما أراد الله. فقال بعضهم: (ما يأتيهم من ذكر من ربهم محدث) أفيكون محدث إلا مخلوقا؟ فقلت: قال الله (ص والقرآن ذي الذكر) فالذكر هو القرآن، وتلك ليس فيها ألف ولام. وذكر بعضهم حديث عمران بن حصين (إن الله خلق الذكر) فقلت: هذا لفظ خطأ حدثنا غير واحد (إن الله كتب الذكر). واحتجوا بحديث ابن مسعود: ما خلق الله من جنة ولا نار ولا سماء ولا أرض أعظم من آية الكرسي. فقلت: إنما وقع الخلق على الجنة والنار والسماء والأرض ولم يقع على القرآن. فقال بعضهم: حديث خباب: يا هنتاه تقرب إلى الله بما استطعت فإنك لن تتقرب إليه بشيء أحب إليه من كلامه. فقلت: هكذا هو. قال صالح: وجعل ابن أبي دؤاد ينظر إلى أبي كالمغضب. قال أبي: وكان يتكلم هذا فأرد عليه، ويتكلم هذا فأرد عليه، فإذا انقطع الرجل منهم اعترض ابن أبي دؤاد فيقول: يا أمير المؤمنين، هو والله ضال مبتدع، فيقول: كلموه ناظروه فيكلمني هذا فأرد عليه، ويكلمني هذا فأرد عليه، فإذا انقطعوا يقول المعتصم: ويحك يا أحمد ما تقول؟ فأقول: يا أمير المؤمنين أعطوني شيئا من كتاب الله أو سنة رسوله صلى الله عليه وسلم حتى أقول به. فيقول أحمد بن أبي دؤاد: أنت لا تقول إلا ما في الكتاب والسنة؟ فقلت له: تأولت تأويلا فأنت أعلم وما تأولت ما يحبس عليه ولا يقيد عليه. قال صالح: وجعل ابن أبي دؤاد يقول: يا أمير المؤمنين والله لئن أجابك لهو أحب إلي من مائة ألف دينار، ومائة ألف دينار فيعد من ذلك ما شاء الله أن يعد. فقال: لئن أجابني لأطلقن عنه بيدي، ولأركبن إليه بجندي، ولأطأن عقبه. - يعني بذلك إكرامه – ثم قال: يا أحمد: والله إني عليك لشفيق، وإني لأشفق عليك كشفقتي على ابني هارون، ما تقول؟ فأقول: أعطوني شيئا من كتاب الله وسنة رسوله. فلما طال المجلس، ضجر وقال: قوموا وحبسني عنده وعبد الرحمن بن إسحاق يكلمني. وقال: ويحك أجبني وقال: ويحك ألم تكن تأتينا؟ فقال له عبد الرحمن: يا أمير المؤمنين أعرفه منذ ثلاثين سنة يرى طاعتك والحج والجهاد معك، فيقول: والله إنه لعالم وإنه لفقيه وما يسوءني أن يكون معي يرد عني أهل الملل. ثم قال: ما كنت تعرف صالحا الرشيدي؟ قلت: قد سمعت به. قال: كان مؤدبي وكان في ذلك الموضع جالسا-وأشار إلى ناحية من الدار- فسألته عن القرآن فخالفني فأمرت به فوطئ وسحب , يا أحمد أجبني إلى شيء لك فيه أدنى فرج حتى أطلق عنك بيدي. قلت: أعطوني شيئا من كتاب الله وسنة رسوله. فطال المجلس وقام ورددت إلى الحبس. فلما كان المغرب وجه إلي برجلين من أصحاب بن أبي دؤاد يبيتان عندي ويناظراني ويقيمان معي، حتى إذا كان وقت الإفطار جيء بالطعام ويجتهدان بي أن أفطر فلا أفعل - وكانت ليالي رمضان – قال: ووجه المعتصم إلى أبي دؤاد في الليل فقال: يقول لك أمير المؤمنين ما تقول؟ فأرد عليه نحو مما كنت أرد. فقال ابن أبي دؤاد: والله لقد كتب اسمك في السبعة. يحيى بن معين وغيره. فمحوته ولقد ساءني أخذهم إياك. ثم قال: إن أمير المؤمنين قد حلف أن يضربك ضربا بعد ضرب وأن يلقيك في موضع لا ترى فيه الشمس ويقول: إن أجابني جئت إليه حتى أطلق عنه بيدي ثم انصرف. فما أصبحنا جاء رسوله فأخذ بيدي حتى ذهب بي إليه فقال لهم: ناظروه فجعلوا يناظروني فأرد عليهم، فإذا جاءوا بشيء من الكلام مما ليس في الكتاب والسنة قلت: ما أدري ما هذا؟ قال: فيقولون: يا أمير المؤمنين إذا توجهت الحجة علينا ثبت، وإذا كلمناه بشيء يقول لا أدري ما هذا؟ فقال: ناظروه. فقال رجل: يا أحمد أراك تذكر الحديث وتنتحله. فقلت: ما تقول في قوله تعالى (يوصيكم الله في أولادكم للذكر مثل حظ الأنثيين)؟ قال: خص بها المؤمنين. قلت: ما تقول إن كان قاتلا أو عبدا؟ فسكت. وإنما احتججت عليهم بهذا لأنهم كانوا يحتجون بظاهر القرآن. فحيث قال لي: أراك تنتحل الحديث اجتججت بالقرآن يعني وإن السنة خصصت القاتل والعبد. فأخرجتهما من العموم، قال: لم يزالوا كذلك إلى قرب الزوال. فلما ضجر قال: قوموا ثم خلا بي وبعد الرحمن بن إسحاق فلم يزل يكلمني ثم قام ودخل، ورددت إلى الموضع. فلما كانت الليلة الثالثة قلت: خليق أن يحدث غدا من أمري شيء، فقلت للموكل بي: أريد خيطا فجاءني بخيط فشددت به الأقياد ورددت التكة إلى سراويلي، مخافة أن يحدث من أمري شيء فأتعرى، فلما كان من الغد أدخلت إلى الدار فإذا هي غاصة، فجعلت أدخل من موضع إلى موضع وقوم معهم السيوف وقوم معم السياط وغير ذلك، ولم يكن في اليومين الماضيين كبير أحد من هؤلاء. فلما انتهيت إليه قال: اقعد ثم قال: ناظروه كلموه. فجعلوا يناظروني يتكلم هذا فأرد عليه ويتكلم هذا فأرد عليه، وجعل صوتي يعلو أصواتهم فجعل بعض من هو قائم على رأسي يومئ إلي بيده، فلما طال المجلس نحاني ثم خلا بهم، ثم نحاهم وردني إلى عنده، وقال: ويحك يا أحمد أجبني حتى أطلق عنك بيدي، فرددت عليه نحو ردي. فقال: عليك، وذكر اللعن، خذوه اسحبوه. فسحبت. قال: وقد كان صار إلي شعر من شعر رسول الله صلى الله عليه وسلم في كم قميصي، فوجه إلي إسحاق بن إبراهيم يقول: ما هذا المصرور؟ قلت: شعر من شعر رسول الله صلى الله عليه وسلم، وسعى بعضهم ليخرق القميص عني، فقال المعتصم: لا تخرقوه، فنزع فظننت أنه إنما درئ عن القميص الخرق بالشعر. قال صالح: قال أبي: لما جيء بالسياط نظر إليها المعتصم وقال: ائتوني بغيرها، ثم قال: للجلادين تقدموا فجعل يتقدم إلي الرجل منهم فيضربني سوطين، فيقول له: شد قطع الله يدك، ثم يتنحى ويقوم الآخر فيضربني سوطين، وهو يقول في كل ذلك: شد قطع الله يدك، فلما ضربت تسعة عشر سوطا قام إلي – يعني المعتصم – وقال: يا أحمد علام تقتل نفسك إني والله عليك لشفيق، قال: فجعل عجيف ينخسني بقائمة سيفه وقال: أتريد أن تغلب هؤلاء كلهم؟ وجعل بعضهم يقول: ويلك الخليفة على رأسك قائم، وقال بعضهم: يا أمير المؤمنين دمه في عنقي اقتله، وجعلوا يقولون: يا أمير المؤمنين أنت صائم وأنت في الشمس قائم، فقال: ويحك يا أحمد ما تقول؟ فأقول: أعطوني شيئا من كتاب الله أو سنة رسول الله صلى الله عليه وسلم أقول به فرجع وجلس، وقال للجلاد: تقدم وأوجع قطع الله يدك، ثم قام الثانية فجعل يقول: ويحك يا أحمد أجبني، فجعلوا يقبلون علي ويقولون: يا أحمد إمامك على رأسك قائم، وجعل عبد الرحمن يقول: من صنع من أصحابك في هذا الأمر ما تصنع؟ وجعل المعتصم يقول: ويحك أجبني إلى شيء لك فيه أدنى فرج حتى أطلق عنك بيدي، فقلت: يا أمير المؤمنين أعطوني شيئا من كتاب الله، فيرجع ويقول للجلادين تقدموا فجعل الجلاد يتقدم ويضربني سوطين ويتنحى وهو في خلال ذلك يقول: شد قطع الله يدك، قال أبي: فذهب عقلي فأفقت بعد ذلك فإذا الأقياد قد أطلقت عني، فقال لي رجل ممن حضر: إنا كببناك على وجهك وطرحنا على ظهرك بارية ودسناك، قال أبي: فما شعرت بذلك وأتوني بسويق فقالوا لي: اشرب وتقيأ، فقلت: لا أفطر، ثم جيء بي إلى دار إسحاق بن إبراهيم فحضرت صلاة الظهر فتقدم ابن سماعة فصلى، فلما انفتل من صلاته قال لي: صليت والدم يسيل في ثوبك؟ فقلت: قد صلى عمر وجرحه يثغب دما. قال صالح: ثم خلي عنه فصار إلى منزله، وكان مكثه في السجن منذ أخذ وحمل إلى أن ضرب وخلي عنه ثمانية عشر شهرا، ولقد أخبرني أحد الرجلين اللذين كانا معه قال يا ابن أخي رحمة الله على أبي عبد الله، والله ما رأيت أحدا يشبهه، ولقد جعلت أقول له - في وقت ما يوجه إلينا بالطعام-: يا أبا عبد الله أنت صائم وأنت في موضع تقية فيأبى، ولقد عطش فقال لصاحب الشراب: ناولني فناوله قدحا فيه ماء وثلج فأخذه ونظر إليه هنيهة ثم رده ولم يشرب، فجعلت أعجب من صيره على الجوع والعطش وهو فيما هو فيه من الهول. قال: صالح فكنت ألتمس وأحتال أن أوصل إليه طعاما أو رغيفا في تلك الأيام فلم أقدر. وأخبرني رجل حضره أنه تفقده في الأيام الثلاثة وهم يناظرونه فما لحن في كلمة قال: وما ظننت أن أحدا يكون في مثل شجاعته وشدة قلبه. قال حنبل: سمعت أبا عبد الله يقول: ذهب عقلي مرارا فكان إذا رفع عني الضرب رجعت إلي نفسي، وإذا استرخيت وسقطت رفع عني الضرب، أصابني ذلك مرارا، ورأيته يعني المعتصم قاعدا في الشمس بغير مظلة، فسمعته وقد أفقت يقول لابن أبي دؤاد: لقد ارتكبت إثما في أمر هذا الرجل. فقال: يا أمير المؤمنين إنه والله كافر مشرك قد أشرك من غير وجه، فلا يزال به حتى يصرفه عما يريد، وقد كان أراد أن يخليني بلا ضرب فلم يدعه ولا إسحاق بن إبراهيم. هذه هي قصة الإمام أحمد وثباته على الحق وعدم تزعزعه عنه، وإن فيها لعبرة لمن أراد الاعتبار، وفيها دليل على زهد العلماء في الدنيا وتضحيتهم في سبيل نشر الحق بين الناس. لقد كان بإمكان الإمام أحمد أن ينطق بما أرادوا على سبيل التقية كما فعل غيره من العلماء الذين كان مستندهم في ذلك قول الله تعالى ( إلا من أكره وقلبه مطمئن بالإيمان ) ولكن حرص الإمام على تعليم الناس وإيصال الحق لهم ولمن يأتي بعدهم وعدم مشاركة أهل البدع في بدعهم جعلته يتحمل هذا الأذى وهذا العذاب، ولقد عانى الإمام أحمد بعد ذلك عدة سنوات فظل مطاردا من الحكام حتى تولى المتوكل على الله الخلافة، وأمر برفع الفتنة، ومنع الناس من الخوض والكلام في هذه المسألة، عند ذلك بدأ الأمر يخف عن الإمام أحمد بعد ما يقرب من ثمانية عشر عاما خرج منها إماما للمسلمين.
amany_sadek2000
amany_sadek2000 •
بالله عليك استمرى حفظك الله و رعاك موضوع قيم للغايه و مجهود رراااائععع:41: :41:
اثابك الله عليه خير الثواب ووفقك لما يحب و يرضى :27:
لولا71
لولا71 •
اختى فى الله امانى اشكر لك مرورك على موضوعى واشكر لك هذا التشجيع فانا لم اجد التفاعل المرجو مع الموضوع وكنت انوى التوقف ولكن تشجيعك شحذ الهمة وان شاء الله ساستمر بعون الله