أنهار الجنة
أنهار الجنة
ما شاء الله وبارك الله في هذه الموهبة التي تمتلكينها يا عصفورة الربيع

قصتك محزنة ومشوقة في نفس الوقت ... ولكن ننتظر بقيتها
*الغاليه*
*الغاليه*
ماشاء الله على الموهبه الرائع نتمنى لك مزيد التقدم
وانا بنتظار باقي القصه
عصفورة الربيع
أنهار الجنة والغالية ..
نورتما الصفحة ...
أشكركما على اهتمامكما وأنتظر زيارتكما مجدداً..

أعرف أن الانقطاع عن القصة يجعلها تفقد ترابطها .. لكنها الظروف ..
انا متأسفة جداً ...

***********
الدرة نهاد ..
تسرني عودتك ....:27:
عصفورة الربيع
الجزء الثامن ...

(8) ــــــــــــــــــــــ أخوة صادقة ..

( الله أكبر الله أكبر .. لا إله إلا الله .. )
ما أعذبه من صوت وما أحلاه من نداء ..
إنه إعلان لبدء يوم جديد مبشر بالخير .. لكم أشعر بانشراح الصدر حين أسمع أذان الفجر ..
أزحت عني الغطاء ونهضت ، وما أن وطأت قدماي الأرض حتى شعــرت بها تهتز .. جلست بسرعة منتظرة انتهاء هذا الدوار المفاجئ .. عندها تذكرت حديثي بالأمس مع ( سعد ) فوجدت ضميري يؤنبني وبشدة ..
لماذا لم ألتمس له العذر في تأخره ؟..
مهما يكن الأمر فما فعلته كان خطأ مني ..
أما كان علي أن أدخل السرور إلى قلبه بدلاً من إلقاء تلك الكلمات القاسية ؟..
حقاً لا أدري كيف خرجت مني .. ولكن سبق السيف العذل .. والندم الآن لن يفيدني بشيء ..

أديت صلاة الفجر فشعرت الراحة تغمرني .. كيف لا والعبد في صلاته يترك الدنيا كلها وراء ظهره ليقف بين يدي خالقه عزوجل ..

عاد ( سعد ) .. وقد بدا أكثر إرهاقاً .. وعيناه المحمرتان تدلان على أنه لم يقض ليلة طيبة .. يا إلهي كم أنا قاسية ؟؟
دنوت منه في تردد .. ووقفت لحظات لا أدري ماذا أقول ..
ـ ( سعد ) .. أنا .. آسفة ..
تطلع إلى عيني وفي وجهه تعبير لا يمكنني أن أصفه بالكلمات .. ثم ارتسمت ابتسامة باهتة على ثغره وهو يقول في هدوء :
ـ لا بأس ....
( لا بأس ) ؟!.. إذاً هذا إقرار واضح منك بأنني أنا المخطئة .. حسناً مادام هذا يرضيك فلا بأس عندي كذلك .. ولا يجب أن نعطي الموضوع أكثر مما يستحق ..
أشعة الشمس تتسلل في حياء إلى الغرفة لتقول لي بأنه علي الاستعداد للذهاب إلى الدوام ..

**************

كما هي العادة كل يوم .. اجتمعنا نحن المدرسات وقت الاستراحة في حجرتنا .. وقد علت الأصوات بالحديث في شتى الأمور ..
وكالعادة ـ كذلك ـ كنت أجلس معهن دون أن أشاركهن في أحاديثهن ..
كلا .. لست انطوائية .. ولكني لا أجد الرغبة في نفسي للخوض في مواضيــع مملة .. فهن لا حديث لهن سوى عن الطبخ والبيت والأطفال ....

انتظرت ( هدى ) فجاءت بعد أن قتلني الملل قتلاً ..
ـ اعذريني على تأخري .. فـ...
قاطعتها :
ـ أجل أجل .. ( ريم ) لم تدعك وشأنك ..!!
أتحدث عن طفلتها طبعاً .. ابتسمت في حين أكملت أنا قائلة :
ـ صدقيني لولا طفلتك المزعجة هذه .. لما عذرتك مطلقاً ..
قالت لي وهي تمسك بدلة القهوة :
ـ هل أصب لك ؟
ـ لا .. فمعدتي ليست على ما يرام ..
قالت مازحة :
ـ لا بد أن طعام العشاء كان فاسداً ..
ـ لا يا ذكية .. فانا لم أتعش بالأمس ..
ـ لماذا .. أهناك شيء ما ؟
ـ لا شهية لي للطعام هذه الأيام .. والوحدة القاتلة لا تشجع على أي شيء ..
ظهر الاهتمام على وجهها وهي تسأل :
ـ وهل من جديد ؟ أخشى أن الأمور بينكما تزداد سوءاً ..!
فما أن أنهت عبارتها حتى وجدتني أخبرها بما دار بيننا ليلة البارحة وعن تصرفي الأهوج مع ( سعد ) ، فقالت في حكمة كمن عرك الحياة وعركته :
ـ حبيبتي .. المشاكل لا تحل بجدل لا طائل من ورائه .. فهي تزيد الطين بلة ، وتجعل من الحبة قبة !..
ـ أعلم ولكن .. في بعض الأحيان لا يمكنك أن تجدي الوقت لتفكــري في حل مرضٍ .. ألا يحدث ذلك معك ؟
ـ بلى .. ولكن مغبته دائما لا تكون مبشرة بالخير ..
ـ أنا أغبطك على روحك الصابرة .. فأنت تحسنين التصرف حتى في أحلك الظروف !!
قالت في بساطة :
ـ ومن قال بأنك لا تستطيعين ذلك .. فقط فكري بروية وسيلهمك الله الحل لجميع مشاكلك ...

*******************

من الجميل أن يكون لدى المرء صديقاً يحتوي مشاعر الأخوة فيك ..يشاطرك أفراحك وأتراحك .. ويشعرك بأهمية وجودك في هذه الحياة ...
( هدى ) الغالية دائماً تقف بجانبي وتشد من أزري .. وكلماتها تملؤني بالأمل كلما زحف اليأس إلى قلبي أو خيم الحزن على سمائي ..
هو إحساس شبيه بذاك الإحساس الذي يتملكني حين أجلس مع أمي الحبيبة ..
فعندما أحدثها .. تفتح لي قلبها وتحاول بأية وسيلة أن تلم شعث نفسي المشتتة ، وتمنحني أمانا وحناناً بلا حدود ..

( هدى ) تقول لي بان أصمد .. وألا أقف في أول عقبة تواجهني .. لأن المؤمن كالنخلة .. لا تزعزعها الرياح العاتية .. وتظل شامخة معطاءة طوال حياتها رغم المحن ..
فهل أستطيع أنا الصمود ؟...
وفي لهف أترقب الجواب .........

****************
عصفورة الربيع
الجزء التاسع ...

(9) ــــــــــــــــــــــــــــ ؟؟؟؟

أرض جرداء واسعة .. لا أثر فيها للحياة ..
ظلام حالك يلف المكان .. يملؤه رهبة ووحشة !..
أرى على مد البصر طيفاً يتحرك .. شبح إنسان يسير على غير هدى ..
أدنو بخطى حثيثة .. فأرى ( سعد ) يتلفت حوله بنظرات تائهة حيرى كمن فقد دابته في أرض فلاة ....
أهتف في ذهول غير مصدقة ..
( سعد ) ما بك ؟.. ماذا ألم بك ؟.. لم بدأ الذبول يعتري جسدك الغض ؟ لم بدأ الوهن يغزو صوتك الشجي ؟ أين اختفى نور الحياة الذي كان يشع من عينيك ؟
أين غابت الابتسامة المشرقة التي كانت تزين ثغرك ؟ ما بك أصبحت كــوردة ذابلة ؟ كورقة ترتجف في برد الشتاء ؟ ماذا حدث لك ؟ أين تلك النضارة .. تلك المشاعر المتفائلة التي كانت تفعم روحك ؟ أين كلماتك العذبة .. التي تروى ظمأ قلبي وتشعل نار عزيمتي ؟..
( سعد ) ما بك لا تسمعني .. هل أصابك الصمم ؟؟ ما لك لا تحدثني ولا ترد على ..
أأصابك البكم أيضاً ؟!!..
( سعد ) .. ( سعد ) ... أين تذهب وتتركني ؟.. انتظر .. انتظرني .. لاااااا .......
ويستحيل المشهد سواداً كليل مدلهم .. فلم أعد أرى شيئاً حتى لكأن كل ما كان حولي صار إلى العدم ؟!!....
ثم .....
فتحت عيناي ..
يداي تعصران ملاءة السرير في عنف .. وثمة قطرات باردة احتشدت على جبيني علامة على أن ما رأيته لم يكن مسراً على الإطلاق ..!
ـ أعوذ بالله !!.. ما هذه الرؤى المفزعة التي أمست تزورني كل ليلة ؟

مددت يدي لألتقط المنبه القابع بجوار السرير .. وأشارت لي أرقامها الفسفورية المضيئة إلى أن الوقت لا يزال مبكراً جداً .. إنها الواحدة والنصف صباحاً ..
لا بد أن يعود ( سعد ) بعد نصف ساعة من الآن ..
قلبي يحدثني بأشياء مرعبة .. أعوذ بالله ..
قمت من فراشي .. فما كان النوم ليعاودني مرة أخرى بعد هذا الكابوس ..
فتحت النافذة فداعب النسيم البارد خصلات شعري في رقة .. ولمس وجنتي كلمسة طفل لخد أمه الحنون ..

الليل أليل ما يكون .. والسكون يعم المكان بأكمله ..
بحركة غريزية رفعت وجهي إلى السماء ..
إنه الثلث الأخير من الليل .. الآن ينزل الله سبحانه وتعالى إلى السماء الدنيا .. ليجزل بمغفرته على التائبين .. وبعطاياه على الداعين والمستغفرين ..
رفعت يدي أدعو .. وإذ بقلبي الواجف الفزع يستكين .. وتغشاه السكينة من حيث لا أدري .. فتملؤني تفاؤلاً وحبوراً ...

***************

قالت لي ( هدى ) وهي تشير لي إلى لوحة الإعلانات المعلقة بجانب باب حجرة الناظرة :
ـ تعالي معي .. أريد أن أرى شيئاً ..
لم أسألها ماالذي تريد رؤيته بالضبط .. بل تبعتها صامتة كخادم مطيع ..
فلما بلغنا اللوحة أخذت تتاملها لدقائق .. ثم إنها نظرت إلى ورقة في أقصى يمين اللوحة وهتفت بي :
ـ انظري إلى هذا .. اجتماع لمدرسات اللغة العربية هذا اليوم ..
توجهت ببصري إلى ما أشارت إليه لكني لم أتبين ما كتب في الورقة ..
ـ ماذا هناك ؟ أنا لا أستطيع القراءة من هنا !..
ارتفع حاجباها في دهشة وقالت :
ـ لا يمكنك القراءة من هذا البعد ؟!!..
وما لبثت أن اجتاح القلق ملامحها بغتة .. ودنت مني تتفــرس وجهي .. ثم صاحت :
ـ ( حنان ) .. أأنت بخير ؟
أدركت بأنها تذكرت حديث أمي .. فخفق قلبي متألماً .. لكني تظاهرت باللامبالاة .. قائلة وأنا انزع نظارتي في هدوء :
ـ أعتقد أنه علي تغيير عدسات النظارة .. لقد ضعف بصري أكثر على ما يبدو ..
لزمت ( هدى ) الصمت وإن كان القلق لم يبرح محياها بعد ..
ابتسمت في سرور مصطنع وأنا أقول :
ـ هيا دعينا من هذا الآن .. طابور الصباح سيبدأ بعد قليل .. فلنذهب ..
تنهدت ( هدى ) بعمق .. بعدها تبعتني في استسلام ..

*************
انتهى الاجتماع عند بدء الحصة الرابعة .. نظرت إلى ساعتي وقمت متعجلة لألحق بحصتي ..
ذهني مشوش إلى أبعد حد لدرجة أنني لا أتذكر شيئاً مما قيل ..
لقد طلبوا أن نكتب تقريراً ..
عن ماذا ؟ لا تسألوني .. إنه تقرير ما وحسب ..

قضيت وقتاً عصيباً في شرح الدروس ..
أخطأت مراراً في إعراب الجمل .. وقرأت الكلمات بصورة غير صحيحة والطالبات يصححن لي غير فاهمات ما حدث لمعلمتهن ..
كلما مشيت شعرت بالدوار يعتريني ..
رأتني ( هدى ) واقفة وقد استندت على الجدار .. فهرعت إلي تسألني :
ـ ( حنان ) ماذا هناك ؟؟
أجبتها دون أفتح عيني :
ـ أشعر .. بالدوار ..
قادتني إلى غرفة المدرسات في رفق .. وهناك عادت تلقي علي السؤال ذاته :
ـ ما بك يا ( حنان ) ؟ .. ألم تتناولي الإفطار هذا الصباح ؟
قلت باسمة وأنا أريح رأسي على يدي :
ـ تتحدثين مثل أمي تماماً .. كل مرض عندها تعزوه إلى قلة الأكل !..
ـ لكني لا أمزح .. أتظنينني لا ألاحظ نحولك الملفت للانتباه ؟ لا بد انك لا تأكلين جيداً ..!
صارحتها بأني لا آكل هذه الأيام شيئاً تقريباً .. كلما وضعت طعاماً في فمي وجدت معدتي لا ترحب به ..
ثم إن الوحدة تؤلمني .. تعذبني .. تقتلني ببطء ..!!
فبالأمس لم يعد ( سعد ) إلى المنزل إلا عند أذان الفجر ..
لم يعطني فرصة للسؤال ، بل غادر بعد الصلاة مرة أخرى ..

ـ أخبريني ماذا أفعل ؟؟
هكذا صحت لأنهي حديثي وألوذ بالصمت .. ولاذت ( هدى ) بالصمت بدورها ..
نظرت لي في تردد وكأنها تبحث عن كلمة مناسبة تبدأ بها حديثها .. فسألتها في نفاد صبر :
ـ ( حنان ) .. أود أن أقول لك شيئاً .. صدقيني لا أريد أن أفزعك .. ولكن ....
ـ ولكن ماذا ؟!
وفاجأتني بقولها :
ـ ( سعد ) بحاجة إلى مساعدتك .. نعم .. إنه بحاجتك ....
ـ وكيف ذلك ؟..
بصوت خافت قالت لي شأن أم رؤوم تنصح ابنتها :
ـ ( سعد ) ضحية لشياطين الإنس .. لقد وقع في شراكهم .. وعليك أنت تخليصه منها قبل فوات الأوان ...!!!

******************