معتقد أهل السنة والجماعة في الصحابة الكرام رضي الله عنهم أجمعين:
سنبدأ بمشيئة الله تعالى بذكر معتقد أهل السنة والجماعة في الصحابة الكرام رضي الله عنهم، وأول ما نبدأ به في ذلك موضوع الإمامة.
1- الإمامة:
يعتقد أهل السنة والجماعة أن ترتيب الخلفاء الأربعة في الإمامة كترتبيهم في الفضل: فأول الأئمة بعد النبي صلى الله عليه وسلم أبو بكر الصديق رضي الله عنه، ثم عمر بن الخطاب رضي الله عنه، ثم عثمان بن عفان رضي الله عنه، ثم علي بن أبي طالب رضي الله عنه، هذا ما يجب على المسلم أن يعتقده ويؤمن به ويدين الله به.
أما خلافة أبي بكر فقد تمت بإجماع الصحابة كلهم، وقصة بيعة أبي بكر الصديق يرويها عمر بن الخطاب رضي الله عنه في حديث طويل أخرجه البخاري وفيه: " أن الأنصار خالفوا واجتمعوا بأسرهم في سقيفة بني ساعدة وخالف عنا علي والزبير ومن معهما واجتمع المهاجرون إلى أبي بكر، فقلت لأبي بكر: يا أبا بكر انطلق بنا إلى إخواننا هؤلاء من الأنصار فانطلقنا نريدهم فلما دنونا منهم لقينا منهم رجلان صالحان فذكروا ما تمالأ عليه القوم فقالا: أين تريدون يا معشر المهاجرين؟ فقلنا: نريد إخواننا هؤلاء من الأنصار فقالا: لا عليكم أن لا تقربوهم اقضوا أمركم فقلت: والله لنأتينهم. فانطلقنا حتى أتيناهم في سقيفة بني ساعدة فإذا رجل مزمل بين ظهرانيهم فقلت من هذا فقالوا: هذا سعد بن عبادة فقلت: ماله؟ قالوا: يوعك فلما جلسنا قليلاً تشهد خطيبهم فأثنى على الله بما هو أهله، ثم قال: أما بعد فنحن أنصار الله وكتيبة الإسلام وأنتم - معشر المهاجرين - رهط وقد دفت دافة من قومكم، فإذا هم يريدون أن يختزلونا من أصلنا وأن يخضونا من الأمر، فلما سكت أردت أن أتكلم، - وكنت قد زورت مقالة أعجبتني أريد أن أقدمها بين يدي أبي بكر - وكنت أداري منه بعض الحد فلما أردت أن أتكلم قال أبو بكر: على رسلك فكرهت أن أغضبه فتكلم أبو بكر، فكان هو أحلم مني وأوقر والله ما ترك من كلمة أعجبتني في تزويري إلا قال في بديهته مثلها أو أفضل منها حتى سكت فقال: ما ذكرتم فيكم من خير فأنتم له أهل، ولن يعرف هذا الأمر إلا لهذا الحي من قريش هم أوسط العرب نسباً وداراً وقد رضيت لكم أحد هذين الرجلين فبايعوا أيهما شئتم - فأخذ بيدي ويد أبي عبيدة بن الجراح وهو جالس بيننا - فلم أكره مما قال غيرها، اللهم إلا أن تسول إلي نفسي عند الموت شيئاً لا أجده الآن فقال قائل من الأنصار: أنا جذيلها المحكك وعذيقها المرجب. منا أمير ومنكم أمير يا معشر قريش فكثر اللغط وارتفعت الأصوات حتى فرقت من الاختلاف فقلت: ابسط يدك يا أبا بكر فبسط يده فبايعته وبايعه المهاجرون ثم بايعته الأنصار ونزونا على سعد بن عبادة فقال قائل منهم: قلتم سعد بن عبادة فقلت: قتل الله سعد بن عبادة قال عمر: وإنا والله ما وجدنا فيما حضرنا من أمر أقوى من مبايعة أبي بكر خشينا إن فارقنا القوم ولم تكن بيعة أن يبايعوا رجلاً منهم بعدنا فإما بايعناهم على ما لا نرضي وإما نخالفهم فيكون فساداً فمن بايع رجلاً على غير مشورة من المسلمين فلا يتابع هو ولا الذي بايعه ثغرة أن يقتلا".
فحصلت البيعة للصديق رضي الله عنه في سقيفة بني ساعدة بيعة أولى من كبار وفضلاء الصحابة من مهاجرين وأنصار، وقد بويع رضي الله عنه بيعة عامة من الغد في مسجد رسول الله صلى الله عليه وسلم فتممت البيعة من المهاجرين والأنصار قاطبة صبيحة يوم الثلاثاء وهو اليوم الثاني من متوفى رسول الله صلى الله عليه وسلم وقبل تجهيزه عليه الصلاة والسلام.
ومن المؤكد أن النبي صلى الله عليه وسلم لم يستخلف أبا بكر تصريحا، وإنما ورد ذلك منه صلى الله عليه وسلم عن طريق التلويح والإخبار بما سيكون في المستقبل.
فمما ورد من ذلك:
1- عن جبير بن مطعم قال: أتت امرأة النبي صلى الله عليه وسلم فأمرها أن ترجع إليه قالت: أرأيت إن جئت ولم أجدك - كأنها تقول الموت - قال صلى الله عليه وسلم: "إن لم تجديني فأتي أبا بكر" أخرجه البخاري ومسلم.
2- عن ابن أبي مليكة قال: سمعت عائشة وسئلت: من كان رسول الله صلى الله عليه وسلم مستخلفاً لو استخلفه؟ قالت: أبو بكر. فقيل لها: ثم من بعد أبي بكر؟ قالت: عمر، ثم قيل لها: من بعد عمر؟ قالت: أبو عبيدة بن الجراح ثم انتهت إلى هذا". أخرجه مسلم.
3- عن أبي هريرة رضي الله عنه عن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: "بينما أنا نائم أريت أني أنزع على حوضي أسقي الناس فجاءني أبو بكر فأخذ الدلو من يدي ليروحني فنزع دلوين وفي نزعه ضعف والله يغفر له فجاء ابن الخطاب فأخذ منه فلم أر نزع رجل قط أقوى منه حتى تولى الناس والحوض ملآن يتفجر" أخرجه البخاري ومسلم.
قال الشافعي رحمه الله: " رؤيا الأنبياء وحي وقوله: "وفي نزعه ضعف" قصر مدته وعجلة موته وشغله بالحرب لأهل الردة عن الافتتاح والتزيد الذي بلغه عمر في طول مدته" (الاعتقاد للبيهقي).
4- عن عائشة قالت: قال لي رسول الله صلى الله عليه وسلم في مرضه: "ادعي لي أبا بكر، وأخاك حتى أكتب كتاباً فإني أخاف أن يتمنى متمن ويقول قائل: أنا أولى. ويأبى الله والمؤمنون إلا أبا بكر" أخرجه البخاري ومسلم.
5- عن عائشة رضي الله عنها قالت: " لما ثقل رسول الله صلى الله عليه وسلم قال لعبد الرحمن بن أبي بكر: "ائتني بكتف أو لوح حتى أكتب لأبي بكر كتاباً لا يختلف عليه" فلما ذهب عبد الرحمن ليقوم قال: "أبى الله والمؤمنون أن يختلف عليك يا أبا بكر".
6- عن أبي موسى الأشعري رضي الله عنه قال: مرض النبي صلى الله عليه وسلم فاشتد مرضه فقال: "مروا أبا بكر فليصل بالناس" فقالت عائشة: إنه رجل رقيق إذا قام مقامك لم يستطع أن يصلي بالناس قال: "مروا أبا بكر فليصل بالناس" فعادت فقال: "مري أبا بكر فليصل بالناس، فإنكن صواحب يوسف" أخرجه البخاري ومسلم.
وقال الحافظ أبو بكر البيهقي بعد أن ساق الأحاديث التي فيها تقديم أبي بكر الصديق في الصلاة: "فهذه الأخبار وما في معناها تدل على أن النبي صلى الله عليه وسلم رأى أن يكون الخليفة من بعده أبو بكر الصديق فنبه أمته بما ذكر من فضيلته وسابقته وحسن أثره، ثم بما أمرهم به من الصلاة خلفه، ثم الاقتداء به وبعمر ابن الخطاب رضي الله عنهما على ذلك وإنما لم ينص عليه نصاً لا يحتمل غيره والله أعلم لأنه علم بإعلام الله إياه أن المسلمين يجتمعون عليه وأن خلافته تنعقد بإجماعهم على بيعته". (الاعتقاد).
فهل يبقى بعد هذا كله شك في قلب رجل منصف تجاه أحقية الصديق بالخلافة بعد النبي صلى الله عليه وسلم، ولكن أقواما ممن طمس الله على قلبه، وختم على سمعه وبصره قد رأوا أنها خلافته رضي الله عنه خلافة مغصوبة، فنعوذ بالله من الضلال بعد الحق، والحمد لله الذي هدانا لهذا وما كنا لنهتدي لولا أن هدانا الله.
يتبع
الصفحة الأخيرة
مما ورد في فضائلهما:
1- عن ابن عمر وقد سأله رجل من أهل العراق عن المحرم يقتل الذباب فقال رضي الله عنه: أهل العراق يسألون عن الذباب وقد قتلوا ابن بنت رسول الله صلى الله عليه وسلم. وقال النبي صلى الله عليه وسلم: "هما ريحانتاي من الدنيا" أخرجه البخاري.
2- عن عائشة رضي الله عنها قالت: خرج النبي صلى الله عليه وسلم غداة وعليه مرط مرحل من شعر أسود فجاء الحسن بن علي فأدخله ثم جاء الحسين فدخل معه ثم جاءت فاطمة فأدخلها ثم جاء علي فأدخله ثم قال: {إِنَّمَا يُرِيدُ اللَّهُ لِيُذْهِبَ عَنْكُمُ الرِّجْسَ أَهْلَ الْبَيْتِ وَيُطَهِّرَكُمْ تَطْهِيراً}" أخرجه مسلم.
3- عن البراء بن عازب رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم أبصر حسناً وحسيناً فقال: "اللهم إني أحبهما فأحبهما" أخرجه الترمذي.
4- عن ابن عمر قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "الحسن والحسين سيدا شباب أهل الجنة وأبوهما خير منهما" أخرجه ابن ماجه.
5- عن أبي هريرة رضي الله عنه قال: خرج علينا رسول الله صلى الله عليه وسلم ومعه الحسن والحسين هذا على عاتقه وهذا على عاتقه وهو يلثم1 هذا مرة وهذا مرة حتى انتهى إلينا فقال له رجل: يا رسول الله إنك تحبهما. فقال: "نعم من أحبهما فقد أحبني ومن أبغضهما فقد أبغضني" أخرجه الحاكم.
6- عن إياس عن أبيه قال: لقد قدت بنبي الله صلى الله عليه وسلم والحسن والحسين بغلته الشهباء حتى أدخلتهم حجرة النبي صلى الله عليه وسلم هذا قدامه وهذا خلفه" أخرجه مسلم.
7- عن أبي هريرة رضي الله عنه قال: كنا نصلي مع رسول الله صلى الله عليه وسلم العشاء فكان يصلي فإذا سجد وثب الحسن والحسين على ظهره وإذا رفع رأسه أخذهما فوضعهما وضعاً رفيقاً فإذا عاد عادا فلما صلى جعل واحداً هاهنا وواحداً هاهنا فجئته فقلت: يا رسول الله ألا أذهب بهما إلى أمهما قال: "لا" فبرقت برقة فقال: "إلحقا بأمكما" فما زالا يمشيان في ضوئها حتى دخلا" أخرجه أحمد والحاكم.
8- عن عبد الله بن شداد بن الهاد عن أبيه قال: خرج علينا رسول الله صلى الله عليه وسلم في إحدى صلاتي العشي الظهر أو العصر وهو حامل أحد ابنيه الحسن أو الحسين فتقدم رسول الله صلى الله عليه وسلم فوضعه عند قدمه اليمنى فسجد رسول الله صلى الله عليه وسلم سجدة أطالها قال أبي فرفعت رأسي من بين الناس فإذا رسول الله صلى الله عليه وسلم ساجد وإذا الغلام راكب على ظهره فعدت فسجدت فلما انصرف رسول الله صلى الله عليه وسلم قال الناس: يا رسول الله لقد سجدت في صلاتك هذه سجدة ما كنت تسجدها أفشيء أمرت به أو كان يوحى إليك؟ قال: "كل ذلك لم يكن ولكن ابني ارتحلني فكرهت أن أعجله حتى يقضي حاجته" أخرجه الحاكم.
9- عن أسامة بن زيد قال طرقت النبي صلى الله عليه وسلم ذات ليلة في بعض الحاجة فخرج النبي صلى الله عليه وسلم وهو مشتمل على شيء لا أدري ما هو فلما فرغت من حاجتي قلت: ما هذا الذي أنت مشتمل عليه، قال: فكشفه فإذا حسن وحسين على وركيه فقال: "هذان ابناي وابنا ابنتي اللهم إني أحبهما فأحبهما وأحب من يحبهما" أخرجه الترمذي.
10- عن أبي بكر رضي الله عنه قال سمعت النبي صلى الله عليه وسلم على المنبر والحسن إلى جنبة ينظر إلى الناس مرة وإليه مرة ويقول: "ابني هذا سيد ولعل الله أن يصلح به بين فئتين من المسلمين" أخرجه البخاري.
11- عن عن البراء بن عازب قال: رأيت الحسن بن علي على عاتق النبي صلى الله عليه وسلم وهو يقول: "اللهم إني أحبه فأحبه" أخرجه الشيخان.
12- عن أسامة بن زيد رضي الله عنهما عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه كان يأخذه والحسن ويقول: "اللهم إني أحبهما فأحبهما" أخرجه البخاري.
13- عن أبي هريرة قال: خرجت مع رسول الله صلى الله عليه وسلم في طائفة من النهار لا يكلمني ولا أكلمه حتى جاء سوق بني قينقاع ثم انصرف حتى أتى خباء فاطمة فقال: "أثم لكع أثم لكع" يعني "حسناً" فظننا أنه إنما تحبسه أمه لأن تغسله وتلبسه سخابا5 "فلم يلبث أن جاء يسعى حتى اعتنق كل واحد منهما صاحبه" أخرجه مسلم.
14- عن أنس رضي الله عنه قال: لم يكن أحد أشبه بالنبي صلى الله عليه وسلم من الحسن بن علي" أخرجه البخاري.
15- عن عقبة بن الحارث قال: رأيت أبا بكر رضي الله عنه وحمل الحسن وهو يقول: بأبي شبيه بالنبي ليس شبيها بعلي وعلي يضحك" أخرجه البخاري.
16- عن يعلى العامري رضي الله عنه أنه خرج مع رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى طعام دعوا له قال: فاستقبل رسول الله صلى الله عليه وسلم أمام القوم وحسين مع الغلمان يلعب فأراد رسول الله صلى الله عليه وسلم أن يأخذه فطفق الصبي يفر هاهنا مرة وهاهنا مرة فجعل رسول الله يضاحكه حتى أخذه قال: فوضع إحدى يديه تحت قفاه والأخرى تحت ذقنه فوضع فاه على فيه يقبله فقال: "حسين مني وأنا من حسين أحب الله من أحب حسيناً حسين سبط من الأسباط" أخرجه الحاكم.
17- عن معاوية رضي الله عنه قال: "رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم يمص لسانه أو قال شفتيه - يعني الحسن بن علي - وإنه لن يعذب لسان أو شفتان يمصهما رسول الله صلى الله عليه وسلم" أخرجه أحمد.
18- عن أبي هريرة رضي الله عنه قال: ما رأيت الحسين بن علي إلا فاضت عيني دموعاً وذاك أن رسول الله صلى الله عليه وسلم خرج يوماً فوجدني في المسجد فأخذ بيدي واتكأ علي فانطلقت معه حتى جاء سوق بني قينقاع قال: وما كلمني فطاف ونظر ثم رجع ورجعت معه فجلس في المسجد واحتبى وقال لي: "ادع لي لكاع" فأتى حسين يشتد حتى وقع في حجرة ثم أدخل يده في لحية رسول الله صلى الله عليه وسلم، فجعل رسول الله صلى الله عليه وسلم يفتح فم الحسين فيدخل فاه في فيه ويقول: "اللهم إني أحبه فأحبه" أخرجه الحاكم.
19- ومن فضائلهما أنهما ماتا شهيدين رضي الله عنهما.
قال شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله: "ومن ذلك أن اليوم الذي هو يوم عاشوراء الذي أكرم الله فيه سبط نبيه وأحد سيدي شباب أهل الجنة بالشهادة على أيدي من قتله من الفجرة والأشقياء وكان ذلك مصيبة عظيمة من أعظم المصائب الواقعة في الإسلام ... ولا ريب أن ذلك إنما فعله الله كرامة للحسين رضي الله عنه، رفعاً لدرجته ومنزلته عند الله وتبليغاً له منازل الشهداء وإلحاقاً له بأهل بيته الذين ابتلوا بأصناف البلاء، ولم يكن الحسن والحسين حصل لهما من الابتلاء ما حصل لجدهما ولأمهما وعمهما لأنهما ولدا في عز الإسلام وتربيا في حجور المؤمنين فأتم الله نعمته عليهما بالشهادة أحدهما مسموماً والآخر مقتولاً لأن الله عنده من المنازل العالية في دار كرامته ما لا ينالهما إلا أهل البلاء".
وأهل السنة الجماعة يعتقدون أن الحسين قتل مظلوما، وأن قتله كان فيه تكريم له ورفعة لدرجته. ويعتقدون أن قتله كان من أعظم المصائب التي حلت بالمسلمين، وأما ما أحدثه أعداء الإسلام من إحياء ذلك اليوم الذي هو يوم عاشوراء بالمآتم واللطم فهو مخالف لما عليه أهل السنة والجماعة.