رمضان

رمضان @rmdan_3

عضوة جديدة

قصة حقيقية ومؤلمة بحاجة إلى النشر والاستشارة

الأسرة والمجتمع

الجزء الأول
بسم الله الرحمن الرحيم. اسمي المستعار طيبة، ببدا لكم من أمي وأبوي وكيف كانت أيامهم. حطو حسبتكم على الستينات أو بداية السبعينات، إحنا من بلد فقير نوعاً ما والحياة جداً صعبة، الأكل والشرب مرة صعب، لازم مسافات طويلة عشان قربة ماء، والحياة جداً بدائية ما بين الزراعة والرعي والقحط اللي يجي أيام ما فيه أمطار. كانوا الناس رغم هذا عايشين ومرتاحين، أتوا للحياة وسط كل ذا التعب وكان فيهم قرابة.
أبوي كان يحب أمي لكن أمي كانت تحب واحد ثاني من نفس ديرتهم وكانت تبي تتزوجه، وتعرفون أيام زمان كان الأهل الله يهديهم يزوجون غصب أو يملكون والبنت بالمرعى ما تدري عن شيء. المهم بعدها تم الزواج له بالغصب وما حست بنفسها إلا وهي عروس له، وكان مرة تكرهه وما خلاته يقرب لها أبداً، وكان يروح دول الخليج يتغرب ويرجع يلقاها رافضته رغم الهدايا والفلوس، لكن ما تقبلته أبداً. كانت تبي تحافظ على نفسها بكر لين تتطلق وتتزوج اللي تبيه. كانت تلبس دبل ملابس وتحط زي الأحزمة على جسدها عشان إذا حاول تصحى وما تخليه، وعلى هذا الحال سنين يروح ويرجع يبيها ترعى حلاله وتنتبه لبيته وهي خالص ما سوت أي شيء، وهو كان مستحي يقول لأحد لأنه فضيحة.
رجع يوم لقاه واحد صاحبه وشافه حزين وسأله وش فيك؟ شرح له الوضع، صاحبه قام يسفل فيه وسمعه كلام جارح، وقال له: انت مو رجال إذا حرمة تغلبك وتمشي كلمتها عليك! قال له: وش أسوي؟ قاموا خططوا وعطاه شيء يخليها تنام نوم عميق، يعني زي المنوم أو بخاخ أو شيء من هذا القبيل. وفعلاً خلاها تنام وزاح عنها الأحزمة والملابس وسوى عملته ونظف كل شيء ورجع لها كل شيء زي ما كان وخلاص، وفعلاً ما حست بأي شيء.
لكن ليت الأمور وقفت على كذا، الكراهية صارت الحين من الطرفين بينهم، والمصيبة أنها حملت! ويوم اكتشفت انصدمت وكانت تعتقد أنه سوى لها سحر، وما كانت تعرف هل هي حامل منه ولا لا، ما تعرف بأي شيء. وكانت تبي تسقط لكن ما قدرت، وكانت مرة مقهورة أنه أخذ عذريتها بدون رضاها أو علمها حتى، وكانت مرة كارهة اللي ببطنها اللي هو أنا.
كانت بذيك الفترة ببيت أهلها لأن البيوت قريبة من بعض، وأمها عرفت أنها حامل قالت لها: ارجعي لبيت زوجك لا تفضحينا قدام الناس ويقولون من وين جبتيه! وفعلاً رجعت، لكن كانت مرة حاقدة على كل شيء حولها ونفسيتها مو زينة أبداً، وما زالت تتهرب منه. بمرة حاول يقرب لها وكان في شيء صلب وهي تهرب منه ضربت رأسها وسال دم وزاد الكره، ويوم خلص الحمل سوت مشاكل كبيرة لين ما طلقها.
يوم ولدت، أبوي أنكر إني بنته، لكن الناس ضغطوا عليه وقالوا له: البنت تشبهك أصلاً ومالك حق تنكر أي شيء. وفعلاً اعترف لكن أخذها فوراً وقال: بخليها عندي. ووداها لزوجة أخوه اهتمت بالبنت فترة طبعاً ما رضعت من أمها خالص. وبعدها أخذتها أخته المتزوجة وعندها فوق ست عيال وبنات وحيوانات وزراعة، مهي بفاضية للبنت خالص، وكانت مرمية عند الباب وتأكل تراب وحصى ومحد مهتم فيها، لين ما انتفخ بطن البنت وما كانت تتكلم خالص وكانوا يعتقدون أنها بكماء.
المهم بعد فترة جت جدتها وأخذتها، وكان يطلع منها دود كبيرة وطويلة، وكل من شافها كان يبكي على حالها. وأمها مو معبرتها ولا تبيها، وأبوها تزوج بعدها بفترة وشاف حياته ما سأل عنها ولو مرة. المهم عالجوها واهتموا فيها وطلعوا هالدود منها وأكلوها أكل زين ونظيف. وبعدها زوجة الأخ انتقلوا لمكان بعيد وكانوا يبون يأخذونها معهم لكن ما قدروا أبوي رفض، والدود ذا ما راح إلا بعد أدوية وكان يطلع من فمها ومن تحت الله يكرمكم مثله مثل البراز.
بعدها تعافت بعد تقريباً مدة وبدأت تتكلم وتفهم، وجلست مدة وبعدها جا أبوها يبيها ترجع عنده البيت. بالبداية كانت تروح تنام عنده وترجع عند جدتها، كانت تحبه بس ما تبي تقعد عنده بالذات إن زوجته موجودة. وبعدها رفض أنها تروح لجدتها وحلف إذا ما عطوه إنه يذبحها بالليل ويتهم إنهم قتلوا بنته، وهم خافوا وعطوها له.
قام قفل علي بغرفة مظلمة بدون شبابيك ثلاث أيام، وكانت كل يوم والثاني تهرب منهم وترجع لجدتها. طبعاً أمها بنفس البيت وما تبي تشوفها، كانت تطردها فوراً وتقول: أنا متبرية منها ليوم القيامة أبعدوها من قدامي ما أبي أشوفها! وهي مسكينة ترجع لهم وتنضرب ضرب مبرح لأنها هربت.
أنا طيبة أتذكر آخر الأحداث يوم وعيت على نفسي، أتذكر يوم كانوا يبون يروحون المحكمة وأرجع لجدتي وأبوي هددهم. يا ناس ليتهم رموني بزبيل ولا أتعذب هذا العذاب! ليتهم رموني من رأس الجبل! ليتهم ما عطوني له وخلوه يذبحني وارتحت من هالدنيا ولا خلوني أتعذب هالعذاب والتيهان! حسبي الله ونعم الوكيل فيهم وبكل من سكت على ظلمي، ما بسامحكم لين ما أموت. كل واحد دمر حياتي وحرمني من طفولتي وأماني وحرمني من السند والحب والحنان... تمنيت يوم واحد أحد يحضني ويططب علي، تمنيت أحد يمسح على رأسي بس مع الأسف، أحرمني من كل سبل الحياة وأخذوا صحتي.
نرجع للقصة... المهم قرروا بيت جدي أنهم يرجعوني له ويفتكون من شره، وكانوا يقولون: بنقدر نشوفها عادي، المهم لا يبلينا هالمجنون. أخذني وعذبوني هو وزوجته، وكانوا يرمون عيالهم عندي ويمشون. أنا نفسي طفلة ما أقدر أهتم بنفسي، كيف أهتم بعيالكم؟! لكن لا حياة لمن تنادي. نفسي يوم أطلع ألعب مع الأطفال وأعيش حياتي زيهم بس ما قدرت، حرموني من كل شيء.
اتخيلوا يجي العيد والسوق كان يبعد مسافة طويلة جداً يعني يأخذ وقت طويل، كان أبوي يروح يشتري لعياله من كل ما لذ وطاب من الحلويات والملابس طبعاً مشياً على الأقدام، وأنا أشوفه من مسافة بعيدة وأعرفه وأمشي له مدة أكثر من ساعة وحذائي مقطع وأصائعي تسيل دم، فرحانة أكيد أبوي جاب لي جزمة جديدة وفستان جديد. ويوم أوصل له أقوم أقبّل أقدامه: وش جبت لي يا بابا؟ يقوم يحط يده على رأسي ويقول: خلصت الفلوس ما عاد فيه، يلا انقلعي وارجعي البيت وش جابك هنا! وأرجع أبكي طول اليوم وما أطلع بيوم العيد أبداً، ما عندي شيء ألبسه، بطني مبينة من الفستان اللي لابسته من كثر ما تقطع، وين أروح محد حولي! كنت أروح أتخبى بالزريبة عشان محد يشوفني، وتجي زوجة أبوي تسحبني من شعري وتضربني ضرب مبرح، وجدتي بعيدة بالمرعى تسمع صياحي وتصيح وتبكي ما بيدها شيء رحمة الله عليها.
كنت أبكي عند رجلين أبوي أترجاه يخليني أقعد بالزريبة وبأكل أي شيء وبسوي له اللي يبيه بس لا يضربوني هاك الضرب. كنت أتمنى إني غلطانة حتى ولو شوي عشان أعذرهم وأقول أنا غلطت وأستاهل، بس لا.
وصلت لسن الدراسة ويفترض أدخل المدرسة وأدرس زي العيال، رفضوا رغم واحد من قرايبنا كان مستعد يتكفل بكل شيء، رفضوا رفض قاطع. وعشان ما يكون للناس عليهم حجة ويسألون وش سبب الرفض، أخذوا لي قطيع من الحلال أروح أرعاه عشان يقولوا البنت عندها حلال ومو لازم دراسة! كان نفسي أعرف أقرأ وأكتب زي باقي العيال وأقرأ قرآن، بس محد سمعني ولا رحمني.
الشح موجود وما فيه أمطار بذيك السنين وما كان فيه ماء للشرب إلا في آبار بعيدة جداً مسافة ساعتين، كنت غصب عني لازم أروح وأرجع أعبي برميل الماء للحمام والشرب، وإذا تأخرت بحدا هالأروحات أنضرب وأرجع من جديد. حملت قربة الماء أكبر من جسدي الصغير وتحملت كل شيء بس عشان أرضيهم، نفسي أشوفهم يبتسمون لي بسوي اللي يبون. تحملت الطريق الوعر وثقل الحمل على ظهري وحرارة الشمس تشويني شوي.
كانت بداية الصباح تعطيني خبزة واحدة بس، وأنا أعبي الماء تجي حيوانات أو طيور تأخذها مني وأتحمل وأشيل وأنا بعز الجوع، وأتحداني أطلب أكل يا ويلي! وفوق ذا أرعى بهالحلال لين نهاية النهار، كانت تظلم الدنيا وأنا لسا ما وصلت البيت من بعد المسافة، ولازم أرجع معي حطب عشان يطبخون به بكره. كنت الوحيدة اللي أروح لأماكن وعرة جداً عشان يلقى الحلال يرعى من الشح وألقى حطب.
كبرت مع السنين وكان كل ما جا عيد نفسي ألبس لبس جديد وأعيد على جيراني، كانوا يرفضوا وغصب عني يرجعوني للمرعى. كانوا الناس يتكلمون معهم ويقولون لهم: حرام عليكم ارحموا هالبنت كفاية عذاب! وهم ولا همهم، لا ويزيدوها أكثر من التعذيب والجوع.
كنت مرة نشيطة أحطب لهم، وإذا لقيت آخذ لأمي معهم. طبعاً بالبداية ما كنت أعرف إنها أمي إلا يوم كبرت، وكنت آخذ لها نفسي تحضني وتدعي على الأقل، وهي أبداً ما اهتز فيها شعرة، وفوق ذا تدعي علي دعاء لو عدوها ما دعت عليه بذيك الكلمات.
كنت أحب أبوي حب شديد رغم كل اللي سواه، كنت على نياتي وأقنع نفسي إني غلطانة ويمكن ما جبت حطب زين أو ماء وأزيد وأزيد. كان الحطب فوق ظهري اللي يشوف من بعيد ما يشوفني أصلاً من جسمي الصغير. كنت ذكية لكن بالحياة اللي عشتها كنت ما اعرف أغلب الأمور ولا ايش يضرني ولا ينفعني ولا حتى الدين، لا تلوموني محد علمني ولا سمح لي أشوف الحياة ولا شفت طفولتي زي الناس ولا دراستي، وما رحمني فوق كل شيء. كنت أمشي والدم يسيل من أقدامي، أنا ايش ذنبي إذا تكرهون بعض؟ أنا ما جيت على الدنيا بيدي، أنا مالي ذنب بهالحياة، مالي ذنب إن ربي ما زرع بينكم ألفة ومحبة! ليش تعقدوني من الدنيا وتكرهوني حياتي؟ حاول أنتخر أكثر من مرة لكن ربي أراد إني أعيش.
كنت أرجع للبيت نفسي أكل بعد ذا الجوع وألقى أكل ناشف وأكله من شدة جوعي، وياليت أشبع أصلاً. كبرت وأنا جسمي جداً صغير، لكن ربي عطاني قوة رغم الضرب والجوع. كانوا يخلوني أشتغل شغل حتى برمضان وتعب وما أنام زين بالليل، أجيب ماء لحالي وسط الجبال والطرق الوعرة، والصباح في المزرعة أهتم بالمكان وأروح أجيب الماء وأسقي الأشجار وإحنا بعز الصيف والحَر. وياليت تقدروا من كل هذا، لا كنت أنضرب رغم ذا كله، وصار الضرب حتى بدون عذر، أنا ماني غلطانة لكن في أعذار الحين صار حتى بدون عذر.
عيالهم كبروا دخلوا المدارس لبسوا أحسن الملابس بذاك الوقت وأحسن الكراسات والأقلام والحقائب، وأنا بين هالجبال أحطب وأرعى وأحضر الماء. مشت السنين وكبرت أكثر وبلغت على نفس الحال، وسلمني الله إني يوم سمعت بنات يتكلمون على البلوغ وكانوا يشرحون شرح مفصل صح ما فهمت، لكن يوم بلغت عرفت قصدهم. ما عندي أم تعلمني، قلبها مثل الحجارة أو أشد قسوة ما تطيقني خالص، وهذيك الثانية ألعن منها. رحت لجدتي ونظفتني وعلمتني أشياء بسيطة وعطتني ملابس مقطعة أمشي نفسي فيها أيام الحيض.
ومشت الحياة... يا ناس كانوا يبوني أخدمهم طول العمر وما يزوجوني أبداً، كلما تقدم لي شخص يقولون مخطوبة ويصرفون الناس. بعدها أبعدوني عن الحلال لأني كبرت، بس ماراح يتركوني كذا لله، لا... كانوا يرسلوني لأهل الديرة أحطب لهم وأحطب علف لحلالهم بأجر بسيط جداً، وياليت أنه لي أشتري لي بعض الحاجيات والملابس من الدواجين اللي يجون وعندهم كل أنواع حاجيات النساء وصحون وكل شيء. يا ناس والله ما دخل بيدي فلس واحد، وكله لجيوبهم هم وعيالهم. من طفولتي يشترون الفواكه والخضار والمفرحات ويأكلون مع عيالهم، ونادراً إذا عطوني قطعة صغيرة من أحد هالأشياء، وأفرح وأنبسط وأطير من الفرحة كأني ملكت الدنيا واللي فيها.
كنت أحب أتعلم ومن أول نظرة أفهم وأطبق، شفت بنات يخبزون وأمهاتهم يعلمونهن الطريقة، ويوم رجعت ترجيتها تعلمني رفضت وكانت خايفة أتعلم وأتزوج وما عاد أخدمها. كنت أصحى آخر الليل أخبز وأشغل النار، ما أنسى هذاك اليوم يوم أني أتعلم وما سويتهم بالطريقة الصحيحة، انضربت ضرب مبرح. وتقولون تبت؟ لا، أبغى أتعلم وأصير حرمة سنعة وأمشي حالي إذا تزوجت ومحد يضحك علي، وكلما أسويها أنضرب، لين ما صرت أسوي أحسن من خبزها هي أصلاً، واستغلت وكانت تخليني أخبز وهي ترتاح. وعلى نفس وضعي أخلص وأكمل كل مهامي اللي تعرفوها، ولا رحمة وخوف من الله.
وفوق كل اللي حصل ما زلت أحب أبوي وأخدم أمي باللي أقدر عليه، ودي يرضون عني يحسسوني بالأمان والطمأنينة. كل ذا ما لقيته منهم. في ناس خطبوني وانرفضوا وبكوا بكاء ما يعلم به إلا الله بسبب أنهم كانوا يبوني. أبوي راح لعمي واتفق أنه يزوجوني لولده كان يبي فلوس، عمي جا، قاموا يحرضونهم والولد قالوا لهم: وش تبون فيها هالمعفنة ما بها طب ولا سنع ما تعرف تطبخ ما راح تستفيدون منها! قالوا: نبيها باللي هي به. يوم شافوا أنهم مصرين حاولوا يختبروني وطلبوا أسوي لهم العشاء، قامت تجري وقفلوا علي الباب وقدرت أطلع، خبزت وطبخت لهم من الموجود وانصدموا من جودة خبزي وطبخي، صح متواضع لكن شافوا كلام مختلف وأصروا وقالوا له: إحنا اتفقنا ليش تخلف الوعد؟ وكان أبوي من النوع اللي يحلف كثير قام حلف أنه بشرط يتم العقد بكره، قالوا: تم. هذا بعد الواسطات والناس اللي توسطوا وأقنعوه من الشيوخ والناس العاقلة والفاهمة.
أحضروا معهم كمية من الهدايا وحلفوا أنها لي حتى لو ما تم الزواج، لكن وين اللي ما يخافون الله؟ أخذوا الأخضر واليابس. جا الليل والحرباية تحرض أبوي، وجا نص الليل وحلف أنه يملك الحين، كلمهم رفضوا قالوا: كيف وإحنا متفقين على بكره؟ قال: خلاص ما راح نملك إلا بالمدينة اللي ساكنين فيها (يعني أخوه وعياله). وفعلاً جوني وأنا أفكر بكل اللي حصل معي وهل فعلاً برتاح ولا لا، وما فيه شور أصلاً بس أفكر بكل شيء. قالوا: يلا قومي البسي بنمشي. قلت: وين؟ قالوا: على ديرة عمك. قمت ما عندي ملابس ما عندي تجهيزات، على الأقل كان بيكمل الفرحة يملك لي بديرتي ويجون صاحباتي يباركون لي هي كلها ساعات بسيطة، لكنهم رفضوا وما فيه سيارة.
فيه ديرة بعيدة عننا مسافة ساعتين بالسيارة، اتخيلوا أخذنا مشي بالليل لا تعززت ولا تكرمت ولا طلعت من بيت أبوي رافعة الراس، لا... راسي للأرض والدنيا ما تسمع حزني. أصلاً خدعنا إنه نروح عند ناس يقربون لنا بديرة قريبة نوعاً ما، ومشينا ولا وقفنا إلا عند السوق الكبير اللي أصلاً ما يمشون له إلا الناس القوية ولا الكل يروح له بالسيارة. وصلنا ريحنا نص ساعة أو أقل جت سيارة وأخذتنا على ديار عمي، انصدمت من شكل المكان يوم وصلنا البيوت أشكال وألوان وإحنا ببيت طيني قديم! شفت التطور والأماكن بس ما كنت مرتاحة، حزينة على وضعي وعلى طفولتي اللي راحت والآن بدخل حياة جديدة وماني متعلمة ولا اعرف شيء بالحياة، أنا والحيوان واحد الفرق أني أتكلم وأتحرك وأعرف من الدنيا الشيء القليل.
أيام أول كان عيب إن البنت تروح بيت خطيبها أو زوجها يعني مع ملكة بدون زواج، رماني عندهم وحاول يهرب، مسكوه وغصبوه يملك وعلى أساس بكرة الزواج. هرب وقعد أسبوعين مختفي! صح صار ولدهم زوجي ونأكل العيلة كلها، لكن كان عندهم قبو أو دور تحت الأرض فيه شبابيك مدري كيف أشرح بس المهم إن غرف البنات والجدة فيه، حطوني فيه ومتخبية عشان الجيران لا تعرف وتصير فضيحة كيف لسا ما صار الزواج وهي عندهم بالبيت؟ الحمد لله محد عرف وربي شاهد إني ما كنت أشوفه إلا أوقات الأكل، وكنت طفلة ما اعرف شيء نلعب ونجري وتحملوني وصبروا علي وعاملوني أحسن معاملة لين لقوا أبوي وغصبوه يسوون الزواج.
وففعلاً مسكوه بالبيت وأخذوني للصالون وجهزوني زي كل عروس وعملوا الواجب وزيادة، وجابوا فنانة وزفوني أحلى زفة. تمنيت أبوي يمسك بيدي ويزفني لزوجي وأسامحه على كل شيء لكن رفض خالص، الناس استغربوا وين أهلها؟ صرفوا الموضوع وزفوني أحلى زفة لين بيتهم وكأني جيته من أهلي بالظبط. تصدقون ما ارتحت وما فرحت زي أي عروس لأن ما فيه أحد من أهلي يشاركنا الفرحة لا أم ولا أب، ما قصروا الله يجزاهم خير.
نكمل... وصلت لبيت زوجي بعد الزفة والكل استقبلني ورحب فيا إلا أبوي، واللي اكتشفت أنه عاد لديرته بعد إكمال مهمة التخلص مني! وياليت انتهى الموضوع على كذا، لا لا لا... اتخيلوا أنه شوه سمعتي واتهمني بشرفي وأني مش محترمة!
لدرجة أن زوجي خاف يوم دخلنا الغرفة، أنا مستحية وخايفة مرة وواجه صعوبة وهذا عند أغلب البنات، وكان كأنه مصدق كلام أبوي، ولا تشوفون فرحته يوم تأكد إني بنت، الدنيا ما تشيله من الفرحة! وعرف أن كل شيء سمعه عني كان افتراء من الظالم اللي ما يخاف من الله. احتفلوا فيني اليوم الثاني واهتموا فيني وبديت أعتاد على التطور والدنيا ماشية.
يا ناس تمنيت ألقى اتصال واحد بس من أهلي، تمنيت هدية لو بسيطة توصلني منهم، لكن لا حياة لمن تنادي. بديت أعقل وأفهم الدنيا وأيش اللي لي واللي علي، وتعرفت على جيران أطيب منهم ما فيه، وبرضوا الطفولة اللي فيني لسا موجودة بس خفت كثير، ومشكلتي كانت الحياء المبالغ فيه. ما كنت أعرف الحياة الزوجية ولا الرومانسية ولا كلمات الغزل، كنت أموت بزوجي ومن حيائي ما بحياتي عطيتها كلمة حلوة أو عبرت عن مشاعري أو اعترفت ما أدري ليه! بس الله أعلم عن مخاوفي وقتها. طبعاً ما خلفت خلال فترة زواجي أبداً.
السعادة ما دامت، تدرون ليش؟ كانوا متفقين على مهر معين وربي ما دخل بيدي منه فلس، سلموا أبوي نصه والنص الثاني كان مؤخر. كان كل فترة يجي أبوي ويطالبهم بالباقي، زوجي وأهله انزعجوا لأنهم ما قصروا معه وكل فترة يستلم جزء لكنه ما اكتفى أبداً، وداهم للمحاكم والكبار يعني بمسى الشيوخ أو كبار القوم عندنا لهم مسمى آخر. المهم حكموا أن السداد يكون شهري ووافقوا، لكنه ما اكتفى للمرة الثانية وزاد عليهم الضغط لين طفشوا منه وقالهم يطلقوا وهم رفضوا.
زوجي كان يحبني وأحبه وأدري أنه يحبني، لكني ما تركت له فرصة يتمسك فيني بسبب جهلي وحيائي وما كان يعرف بحبي له. والصدق رغم قسوة أبوي وحقارته إلا إني ما زلت أحبه وواقفة بصفه، يوم سألني زوجي عن رأيي قلت له: فعلاً ليش ما تسلمون كل اللي عندكم من مهري؟ كنت غبية ما أفهم! قال لي: أبوك ضيق علينا الخناق ومستحيل نقدر نعيش على هالحال، وكل يوم والثاني محاكم وشرطة وبلا وكرهنا عيشتنا، والصدق أنا أشوف إنك مو واقفة معايا، فخلاص تختارين بيني وبينه، إن قلتي أنا فأنتي بين عيني وإن قلتي هو خلاص الله يستر عليكم.
ودي أقول له أبيك أنت ومالي غيرك، بس حسيت لساني انعقد والله مو بيدي! أنا إنسانة مصلية مسمية أقرأ قرآن ما في شيء كنت بقول سحر. طبعاً تعلمت شوي مع البنات الصغار الحروف والقراءة وعرفت أقرأ قرآن فقط أما الكتابة ما عرفت إلا بعض الحاجات البسيطة. المهم لقيت نفسي قلت له: اخترت أبوي! ومشيت. مرة زعل وحزن لدرجة أنه راح عند أخواه لمدة أكثر من أسبوع ومحد شافه، حتى أنا رحت عند قريبة لنا وجلست عندها وكل يوم أتذكر وأحزن وأقول: ليه سويت كذا ليييييه؟ بس خلاص... تمنيت أن أبوي ما يرجع وننسى الموضوع لكن كان لربي حكمة.
أبوي رجع وما زال على وضعه وبنفس الضغط لين جابها من الآخر وقال الحل الطلاق، وضربني ضرب مبرح وحبسني بمكان مظلم عشان أقبل بالطلاق وأسكت عن الظلم وأنا مالي حيلة. قلت: طيب برجع معك لكن أبغى أروح عند أمي أملاً مني أنها تحن علي بس مع الأسف! وفعلاً تم وسلموا كل المؤخر المتبقي وبرضوا ما شميت ولا فلس. خطيت كثير من الأحداث عشان ما نطول القصة.
المهم رجعت مع أبوي وعلى أساس برجع عند أمي بس انصدمت أنه رفض وحلف، تجاهلته ورحت لها وطردتني للم للمرة الألف! أنا نسيت جو الزراعة والحطب والطرق الوعرة، أنا خلاص تعودت على جو التحضر قاعدة بالبيت إذا بطلع آخري السوق بس، ولا شغل البيت طبخ ونفخ وتنظيف بس. توقعت أنهم بيستقبلوني وأنهم حسوا بالذنب بس لا، طلع الموضوع أسوأ من قبل! من اليوم الثاني مجهزين ليعدة الحطب والعلف وقالوا: يلا روحي جيبي حطب. بكيت وقلت لهم: أنا نسيت الطريقة وما عاد أعرف يمكن أطيح من جبل ومحد درى عني! طردوني، مشيت وأنا أحس برأسي يدور وما أعرف وين أروح خلاص مرت سنين وتعودت على حاجات ثانية بس ما فيه رحمة!
ولا تعتقدون أن أبوي ما يعرف بالضرب والإهانات لا، كل شيء حصل قدام عينه وهو يضحك فرحان بظلمي! يا ظالم عساك لا ترى فرحة وجعل اليأس يملأ قلبك وحياتك، عساه يجي اليوم تنوخذ منك صحتك وعافيتك أنت وكل من شارك بظلمي وكل من انمدت يده علي.
نكمل... وصلت لنص الطريق وحسيت بدوخة وهبت الجبال وخفت ورجعت فاضية، ضربوني ضرب وقلت خلاص عرفوا أن ما فيه فائدة، وانصدم اليوم اللي بعده بنفس الشيء الفرق إني أروح البئر أحضر ماء، وبرضوا وصلت نص الطريق ورجعت وححصل نفس الشيء ضرب! وعلى نفس الحال أيام وشهور، أخذوا صحتي وعافيتي. كنت أهرب لأمي وتطردني من عند الباب وتدعي علي وتقول لي: أنت ما تفهمين؟ كم مرة قلت لك لا أشوفك هنا مرة ثانية ما تفهمين؟
رجعت عندهم حسيت أنهم حسوا ما فيه فائدة مني، مر الوقت وكل ما طلبوا مني شيء وأرفض والضرب ما نفع، تجمعوا كل اللي بالبيت وكل واحد أخذ خشبة من النوع السميك والثقيل مرة وباغتوني وقفلوا الباب وبدأوا يضربون بكل ما عطاه ربي قوة وأبوي موجود ما تحرك له جفن! بالبداية قاومت، صرخت، استنجدت بأبوي: ياااابووووي الحقني ياااابوووي! وهو مبسوط زي كذا ويضحك. قاومت لين طحت من أرضي سويتها على نفسي من قوة الضرب وما وقفوا، الدم طلع من خشمي وفمي وأذني وبطني ومن كل جسمي، صار كله أسود اتغير لوني وغبت عن الوعي.
مدة قصيرة وزحفت لين طلعت من البيت للشارع وشافتني جدتي وحريم من جيراني وصرخوا أسعفوني للطبيب. الناس انصدمت وش ذا من سوى فيها كذا؟ طبعاً غبت عن الوعي ودخلت بغيبوبة تزيد تقل عن سنة على المغذيات والمحاليل، وكان يكلف أصلاً ولا لو فيه دفع كان مت أصلاً وياليتني مت أساساً! راحوا لهم عالبيت وأخذوا أبوي وزوجته واستجوبوهم أنكروا كل شيء وقالوا: لعب عيال، يمكن متضاربة مع إخوانها أو أحد من الجيران أو صاحباتها أو أي أحد ما سوينا لها شيء! محد كان متوقع إني أعيش ولو للحظة بس ربكم عطاني عمر جديد.
فقت انصدمت من الدنيا حولي، تعالجت وطلعوني ورفضت رفض قاطع إني أرجع بيت أبوي. أخو عمي أخذني عنده وتكفل بأكلي وشربي وكل شيء ينقصني بس ما كان محرم لي وعنده عيال، فرفضوا الكبار إني أقعد عنده، وأخذني واحد ثاني يقرب لي برضوا على أساس أقعد عنده ومستحيل أحد يسترجئ يمس شعرة مني وأنا فبيته، وقف معاي واعتبرني أحد عياله الله يجزايه الجنة يا رب، وما قصر معي وحسيت إني ارتحت وبديت أشوف الحياة.
بس خلاص أنا صحتي راحت وجسدي القوي ونشاطي القديم اختفى، أنا ما عاد أقدر أوقف نص ساعة على حيلي! لكنه اهتم فيني هو وزوجته وخلوني أكل أحسن الأكلات وأحسن الفاكهة المتوفرة وحتى المصروف ما قصروا. بديت أخالط الناس وأعمل صداقات وأروح عند صاحباتي ويجوني، وكنت رافضة فكرة الزواج أصلاً ما بي قوة له، كيف أتزوج وأنا عمودي الفقري تأثر وصدري تأثر؟ رفضت وأنهيت الموضوع.
الجزء الثاني والأخير
صرت أكبر من عمري بسنين طويلة، بدأ العالم يتطور وشفت كل شيء تطور بعيني وأنا مالي أمل بالحياة. صح ارتحت بس لا تلوموني، أنا نفسي أشوف الحنان من أمي من أبوي من إخواني، محد سأل عني ولا فكر أساساً. صح أنا عند ناس طيبة لكن ما يمنع أبداً إني أحلم إني معززة مكرمة عند أبوي. شفت الحياة وعرفت إني كنت جاهلة كثييير بحاجات لا تعد ولا تحصى، وحسيت فعلاً إني كنت بسجن طوال السنين اللي فاتت... بس فات الأوان.
تفاجأت بيوم من الأيام أنا هذا اللي عايشة عنده (خلينا نسميه أبوي بالمشاعر) مع زوجته تكلموا معاي شوي وفتحوا الموضوع، قالوا لي: اسمعي يا بنتي البنت لازم يكون معها رجال، وزي ما يقولون ظل راجل ولا ظل حيطة (أتوقع كان المثل كذا). وفي واحد متقدم لك صح أنه فقير ويعتبر بدوي لأنه من الناس اللي كانوا يمشون لمسافات ويعرفون كل الديار على بُعد مئات الكيلومترات ماهو من البدو الرحل لا، عنده بيت بسيط وأهله فيه بس هو يتنقل، والان كبر شوي ويحتاج حرمة تنتبه له وتخدمه وما بيتعبك.
أنا انصدمت وخفت وحسيت إني ثقلت عليهم وقلت: فعلاً كل مرة أرفض خلاص. وكانوا يبون يسوون حفلة زواج بس ما حصلت فرصة، طلبوا من أبوي يجي يملك ورفض لين ما جابوه بالقوة بعد ما أغروه بالفلوس، وفعلاً جا وملك ومشي.
وأخذني زوجي الجديد لبيته، كان إنسان بدائي جداً صح ذكي وفاهم وقوي وشديد وشهم لكن عايش حياة بسيطة مع عياله وكان متعذب أن محد يهتم فيه مع كبر سنه. اهتميت فيه وكنا عايشين وبدأ يعلمني الحاجات اللي ما كنت أعرفها من كل النواحي، تأقلم معي وتأقلمت معه. وما ودي أذكر عن حياته السابقة إلا أنه كان إنسان محترم بشبابه وإنسان يعتمد عليه وإنسان مرة طيب ومتدين وخلوق وعلى نياته، إنسان تتمناه كل بنت، لو فيه شباب اليوم مثله ما يتردد أي أب يزوجهم بنته لو ببلاش، إنسان ينشرى بماء الذهب!
بالبداية صراحة ما حبيته وكنت خايفة منه بس شوي شوي بديت أتعود عليه وشوي شوي حبيته لين صرت أموت فيه وأتمنى يومي قبل يومه. كان فيه معاناة مرة صعبة من الناس اللي جنبنا يعني أهله وعيال وقروشة، بس كان حاط يده بيدي وواقف معي وجربني أكثر من مرة وعرف إني إنسانة نظيفة وقلبي طيب، حبني أكثر من نفسه ووثق فيني واعتمد علي بكثير أشياء. خلفت منه ثلاث بنات وكان مرة فرحان ويقول: إذا أحسنا تربيتهن بيدخلونا للجنة! وجبت له عيال ذكور.
بكل ولادة وتعب أتذكر أيامي الصعبة والكلام اللي كنت أسمعه وأني ما راح أخلف بحياتي وأحمد الله على النعمة، صح كنت أتعب وصح كنت أعاني لكني تجاوزتها، وبعض عيالي ماتوا واحتسبتهم طيور الجنة عند ربي وهم من سيمسكون بيدي إليها بإذن الله.
ولا تبتسمون أن الأحداث زانت وأن معاناتي انتهت لا لا لا... بحياتهم والديني ما زاروني ولا سألوا عني وأنا بكل مرة أروح لهم رغم بعد ديرتهم عني وأتعب بالشمس والحر علّ وعسى أسمع كلمة حلوة، يمكن يشوفوا عيالي تلين قلوبهم. كلهم خلفوا وحبوا عيالهم ما قصروا معهم بشيء والكره كان لي أنا وبس، أنا اللي جيت غصب عنهم، أنا الشي اللي محد كان يبيه! عشت لكن عاشت آلامي معي ومعاناتي.
كان البعض يجيني ويقولوا لي: خلاص كفاية ذل لا تروحين لهم، ذولي عذبوك أهانوك أخذوا منك كل شيء! وأنا ما كنت أعرف أنهم يكرهوني، عرفت متأخر مررره مرة متأخر عن أسباب كرههم لي وعرفت الحقيقة المرة... عرفت بعد ما أفنيت شبابي بخدمتهم وكرامتي بالتوسل لهم. صح عرفت وقسى قلبي لكنه نفذ صبري، ايش تتوقعون من امرأة عاشت كل هذا كيف تكون مشاعرها؟ تعتقدون سويت بعيالي نفس الشيء؟ لا، أتمنى يومي قبل يومهم وأخشى عليهم من نسمة هواء!
لكن... أنا إنسانة ما عندي صبر ولا قوة والحياة صعبة، أتفه غلطة أضربهم عليه قسيت عليهم كثير بالذات بكرهم أو أكبرهم. صح ظلمتهم بس حباً فيهم ما قصرت معهم بشيء، ودي أحس بالحنان ودي أحدهم يمسك يدي يقول لي: إحنا معك ونحبك وبنعوضك عن كل شيء.
عشنا معاناة شديدة أبوهم كبر أكثر وكانوا يحتاجون مصاريف، وأولاده الكبار متزوجين ويلا يتذكرونه، عانينا معهم أشد المعاناة. كانوا يحسون أن إحنا جينا وأخذنا مكانهم وبنأخذ ميراثهم، وعاملونا أقصى معاملة وقدام الناس يتكلمون: والله إحنا جبنا وعطينا وسوينا وصرفنا! ويسوون عشرة بالمية من الكلام اللي قالوه. كانوا ساكنين معنا بجزء ثاني من البيت، ولا أحكيكم عن أفعالهم وأفعال عيالهم، كانوا يرمون التراب والقاذورات على الجزء حقنا ويسرقون أغراض المطبخ يوم كان مطبخنا بصالة البيت، كانوا يحطون أوساخ بخزان الماء عشان ما نقدر نشرب أو نستحم منه. وبعدها مشيوا وجا الثاني جاب حرمته بعد ما مشي الأول، جت إنسانة متحكمة ومتسلطة وتبي بس رأيها يمشي، كانت تمنع زوجها يصرف عالبيت، أبوه يقول لها: يا بنتي أنا أحتاج أدوية وعيالي يحتاجون مصاريف، وأول ما توصل الفلوس تأخذها وتعطينا مبلغ ما يسوى وكان مسكين ما يتكلم يقول ما بيخرب حياة ولده.
كان عندي بنت تدرس وكان أخوها يتحرض أشد التحريض عليها، يوم يجي من شغله أسمع بأذني تقول له: أختك ذي وقحة وما تحترمني وما تسمع كلامي! تبيها تخدمها وتسوي لها كل شيء، وبنتي كانت متفوقة وأبيها تنتبه لدراستها ما بي عيالي يعيشون نفس معاناتي وهو مصدق كلامها. يجي ينادي أخته تطلع ودفترها بيدها، يقوم يسحبها من شعرها ويقول لها: أنت ما تفهمين ومحد عرف يربيك، وأي شيء تقوله زوجتي لك تقولين حاضر هذه أمك الثانية فاااهمة! ويرميها عالأرض ويمشي. أبوهم مسكين تعب وهو يشوف عياله يتعذبون وطاح علينا وأسعفناه وقالوا لازم نهتم فيه بس ما فيه فائدة. المشاكل زادت والمدام تبي تنام وإحنا نخدمها، وكل ما رفضنا زادت الخلافات وزاد تعب الأب. البعض منهم حبنا وتقبلنا وعرفنا على حقيقتنا، والبعض مصدقين أن إحنا ناس مالنا قيمة وما نستاهل، والبعض مجرد مجاملات.
الأب مسكين ماله حيل ولا قوة وأنا عندي أهل استغفر الله، أصلاً أعتبر نفسي ما عندي أهل أساساً. كنت أكبر مع أوجاعي وأشوف عيالي يكبرون قدامي وأتحسر وأخاف يموت أبوهم ويسيبنا قدام غابة مليئة ببوحوش مالهم رحمة. في ناس طيبة ما قصرت معنا وكانوا يشوفونا الدنيا وما فيها، لكن وأعيدها: ما في حلو يكمل، إن ارتحنا يوم اتعذبنا عام!
بنتي الكبيرة بدأت تعاني من التنمر، كانوا كثير عيال يستهزؤون بها وأنها مو حلوة. يا ناس والله إنها جميلة جمال ما تتخيلوه، لكن غطاه التعب والشقى والمعاناة وكانت سوداء من الشمس. أحط يدها جنب يد طفل ثاني، فرق! أي فرق! هذاك مرتاح يهتمون فيها وهاذي مشغلينها كل يوم والثاني بمكان. تحملت الكثير وكانت متعقدة، بدأت تكبر وكنا خائفين يجي عمر الزواج وتتزوج شخص سيء وتستمر معاناتنا جيلاً بعد جيل. كان أبوها يحبها ويحاول ما يقصر معها، لكنه كبر أكثر وتعبه زاد مع قلة الإمكانيات ونقص أدوية ما قدر يأخذها أسعارها ارتفعت، والدنيا كان أصلاً حروب بكل العالم. كنا ننتظر ماء الأمطار يجي بفارغ بفارغ الصبر، وإذا مرة خلص الماء نروح لأبار بعيدة بس عشان نشرب، ما استمر الوضع نفسه لكن المعاناة استمرت.
مستحيل أنسى هذاك اليوم يوم تعب زوجي وطاح من طوله وكان يردد: "قرب قرب". وأنا وعيالي جنبه نبكي وبنتي تحضنه وتقول: يا بابا لا تتركني يا بابا، أنا ما راح أعيش من بعدك! قال لها: يا بنيتي خلاص وقته جا وأخذت من الدنيا اللي قدرت عليه. ومسح على رأسها قال لها: دعواتي تحرسك وإن شاء الله أشوفك أنت وإخوانك بـ أفضل مكان وأفضل حياة، انتبهوا لنفسكم ولا تقصروا مع أمكم. أسعفناه ودخل العناية المركزة وقعد مدة، طبعاً وصى عياله الكبار علينا وبدأ يتعافى ورجعنا. ماتوا كثير من أصحابه وكان أول ما يسمع بخبر وفاتهم ينزل رأسه ويقول: "أنتم السابقون ونحن اللاحقون". وعشان ينسى كان يحكينا عن أيام أول ويضحكنا بسواليفه اللي ما تمل، وكان يقول لي على السنين اللي عشتها قبلك ما حبيت أحد كثر ما حبيتك، أسأل الله أن تكوني زوجتي في الجنة! كان مرة يدعي لنا أنا وعياله، حتى الكبار اللي همشوه ونسوه أو نقول أهملوهم ما نساهم ودعا لكل بناته الكبار والصغار. ما كان غني ولا حتى متوسط الحال، كل اللي عنده بيت ومزرعة صغيرة ما كان عنده حلال زي باقي الناس، بس كنا عايشين معاه ومبسوطين عليه، كان نور البيت. رغم المعاناة والتعب أسعدنا وكان معنا بالحلوة والمرة، وصبر معنا على ثقل السنين. كنت أدعي أن ربنا يديمه لنا حتى يكبرون أطفاله وما يتعذبون من أحد وما يثقلون على أحد، بس لربي حكمة دائماً وأبداً.
تعب للمرة الأخيرة وأسعفناه وقعد حوالي شهر وبعدها للاسف... أي راح القلب الحنون، راح السند والأمان، راح نور البيت! أظلمت الحياة بعيوني وعيون أولادي. بنتي كانت بالبيت كان نفسها تودع أبوها الوداع الأخير وتسلم عليه بس صعب إحنا بعيد عنهم، الخبر نزل على قلبي زي الطعنة وأشد. حزنت حزن شديد ورجعت البيت وانعزلت عن العالم، بنتي اكتأبت وبدأت تهمل دراستها، حاولت أشجعها وأصبرها وأن هاذي الحياة وفعلاً رجعت بس بقلب منكسر، قلب عاش كل حياته بخوف من أنه يفقد سنده وأمانه وفقد فعلاً، قلب ما عاد عنده شيء يخسره. خفت عليها من كل شيء ومنعتها من أبسط الأمور، خوفاً عليها من مجتمع سيء والبقاء للأقوى وإحنا ضعوف وما عندنا سند حقيقي. كانت تحب أبوها أكثر مني وكانت صدمتها قوية لدرجة أنها تتخيل أنه لسا موجود وتقول: أنا ما شفته وهو ميت يمكن ما مات يمكن يعود! صبرتها وذكرتها بالله وقلت لها: أنا معكم مهما صار للموت.
أهلي على نفس الوضع، صح تعدلت علاقتي مع إخواني لكن قلبي منكسر منهم، مالقيت الوقفة أيام الشدة، أكلنا خبز ناشف بالليل محد يدري عنا وما طلبنا أحد من عفتنا. عياله بالبداية كانوا يطمنونا ويقولوا: إحنا معكم لا تخافوا ما راح نقصر معكم. صدقنا وتطمنا بس ما طولوا، واحد سحب نفسه ومشي، والثاني أذنه مفتوحة للجميع ومقفلة عندنا، إن اشتكينا له الوضع تجاهل واستكبر، وإن أحد قال عنا شيء صدق بدون نقاش. بدأ الوضع يسوء وبدأ يضرب إخوانه على أتفه الأمور ونسى وصية أبوه،طلعنا من بيتنا وعطانا البيت القديم وبدأ يقصر معنا، وكان راح يمنع إخوانه من الدراسة عشان ما تزيد عليه المصاريف لكن ما قدر.
عيالي كانوا يجوني يبكون من المدرسة يبون مصروف وأنا ما عندي أصرف عليهم ولا بي طب ولا صحة عشان أشتغل وأطلع لي فلسين أصرف عليهم. جات علينا أيام صعيبة يوم تصيب ويوم تعوج. بدأوا الخطاب يدقون بابنا طالبين يد بنتي، كنا نرفض عشان صغر سنها لكنها بالأخير وافقت على آخر واحد خطبها وقالت: هذا نصيبي وبتزوج عشان أخفف عنكم وإن شاء الله أعوضكم عن كل شيء. توقعت إخوانها يوقفون معها أو أهلي ويعزونها، صح ما عاشت اللي عشته بس أنها عانت مقارنة بجيلها، وكان خلوقة وجميلة وهذا السبب اللي خلا أغلب الأمهات يتمنونها لعيالهم وجا حظ اللي أخذها.
مع الأسف حرضوا زوجها وأهله من الطرفين أهلي وأهلها، وحاولوا أنهم يخلونهم يتراجعون، ومثل ما فعلوا معاي حاولوا تشويه سمعتها وكان السيناريو يعيد نفسه! لكنهم تمسكوا، وصيت زوجها وبكيت بين إيدينه وترجيته أنه يحافظ عليها، هذه وصية أبوها وأحب عياله قبل ما يموت، وحلفته يهتم فيها وما يقصر معها وما يهينها ويعزها ويرزها، ما بيها تعيش نفس معاناتي. كان عند أهله وتعذبت معهم وتوصلني أخبارها وقلبي يتقطع مليون مرة، هذه طفلتي وحبيبتي حافظت عليها وحاولت أعوضها لكن لربي حكمة.
زوجها ما تحمل، أخذها وسكنوا ببيت مستقل وكما كان وضعها مشابه لـ وضعي، وأنا زوجها وانبسط وفرح لما تأكد أنها شريفة وكل كلمة سمعها كان كذب، لكنه كان متخوف وشاك أنه فيه شيء ودايم يسألها عن حياتها السابقة ورفض أنه يخليها تزورنا، خائف يطلع الكلام اللي سمعه صدق! وربنا يعلم إني ربيتها أحسن تربية، لكن أنا ما أدري مين مسلط كل هالعالم علي أنا وعيالي! مالي حظ بهالدنيا من يوم انخلقت وأنا منبوذة، وش ذنبي بالحياة؟ وش ذنبي أن ربي خلقني وقدر لي إني أعيش بينكم؟ ويش ذنبي يا ناس، وين الرحمة؟
بنتي أخذت من الدنيا نصيب من إهانات ومعاناة، وقلبي ما نساك يا بنتي من دعاي آخر كل ليل وفي السجود وبكل لحظة، قال ربي إن الدعاء مستجاب. بنتي خلفت وربي عليم بمعاناتها وقلبي حاس أنها تعاني وساكتة عشان ما تزيد الثقل علي. كلمتها: يا بنتي إذا الحياة صعبة الرزق بيد الله لا تصبري إذا أنت مش مرتاحة أو أحد حاول يهز كرامتك أنا معك وبصفك، وإذا جت تشكي لي همها أقول لها: اصبري يا بنتي إنما يوفى الصابرون أجورهم! تناقض صح؟ أنا أدري لكن مالي حيلة أكسر قلب بنتي خلها بين عيالها وتصبر وعسى الله يهدي زوجها ويحنن قلبه عليها إن ربي سميع بصير بما في القلوب. بيني وبينها مسافات لكن قلبي بالدعاء يرعاك يا ابنتي.
حاولت ما تقصر معي على اللي تقدر تسويه وأنا مقدرة ذلك وأطلب منها الدعاء. واليوم بعد كل السنين أطلب من ابنتي الدعاء لي، فقد اشتد تعبي وزاد همي وزادت أمراضي، أحتاج للكثير من الأدوية والاحتياجات ولا أجد إلا ما أكله وأشربه، أشعر أن موتي قد اقترب وأن الحياة على وشك أن تنتهي. لم أجد العلاج لم أجد سوى الدعاء لنفسي ولكم يا أولادي، وأخشى أن يأتي الموت وأنتم لم تصلوا للعمر الذي يمكن أحدكم أن يعتمد على نفسه فيه، وأطلب من الله أن يطيل عمري حتى يشتد عودكم ويصبح كل واحد منكم مستقر بالحياة، لن يبقى ما أعيش لأجله.
أتمنى أن يأخذ الله أمانته وأنا مازلت أستطيع أن أُعين نفسي، أن لا أهرم بيد أحد ولا يضطر أحد على الاهتمام أو الوقوف بجانبي، أن لا أثقل على أحد، أن أموت كما جئت للدنيا كعابر سبيل أخذت ما كتب لي بالحياة، وأدعوا أن أكون مظلومة ولا ظالمة.
صدق في أشياء حصلت لأبوي وزوجته وعياله من انتقام ربي لكن ما برد قلبي:
أول شيء الرزق عندهم ماشي، كل ما اشتغلوا بشيء ربحه كويس ما يدرون وين راح، ما فيه بركة أبداً.
الشيء الثاني، مثل ما كانوا يحاولون يمنعوني من الزواج وحاولوا أخذ صحتي وعافيتي عشان ما أتزوج ولا أخلف، أكبر بناتهم يمكن وصل عمرها الأربعين تزيد أو تنقص وإلى الآن ما تزوجت ومحد طلب يدها، من سواد قلبها وقلب أمها محد يبيهم، وأصلاً قاعدة تخدم فيهم وتوديهم للحمام.
أمها فجأة تعبت قبل كم سنة وانتفخت أقدامها واحتاجت عملية وتبرعوا لها وفعلاً سوتها، لكن صارت حركة جداً صعبة.
والأب اللي بعمره اليوم يقدرون يروحون للمزارع ويمشون مسافة محترمة ويتحركون، أما هو من بعد زواجي الثاني والأخير ما طب بيتي ولا سأل عن عيالي. كنا نروح لهم وعندهم قلوب كالحجارة أو أشد قسوة، وتحجرت معها أقدامه يمكن بأقل من سنة، ومن يومها ما يقوى يتحرك، كل شيء تحته الله يكرمكم، ويغسلون له بنته وزوجته ويستحم مرة بالسنة يتعاونون عليه وهم يدعون عليه: الله يأخذك ونفتك منك ما منك فائدة! وليته عرف مين يحبه ومين يكرهه. كل ما أروح آخذ له شيء معي وقلبي عليه وأطلب الدعاء وأشوفه يقلب وجهه ومستغربة.
آخ يا ناس لو عرفت الحقيقة من أول ما طبيت عليهم ببيت لا هو ولا الثانية أمي بالاسم، من الحين يوزعون فلوسهم عالغريب، قال لك عشان ما أورثهم! بقريح هم وأموالهم ما شفت منهم خير ولا أبغى أورثهم، ولو بيدي لأتبرأ منهم زي ما اتبرأوا مني بطفولتي. وأسأل من الله أن يقسي قلبي عليهم لو يموتون، مثل هؤلاء لا يستحقون العفو حتى، وأسأل من الله أن يعذبهم أشد من ما عذبوني، وبيني وبينكم يوم القيامة يا أردى الخلق!
لا تنتظرون النهاية السعيدة كـ أغلب القصص، فقد لا يأخذ الله حقك في الدنيا ويخبئ لك من الخير الكثير يوم تلقاه، قد لا ترى من ظلمك بنفس ما فعل بك، قد يؤخرهم الله ليوم لا ينفع فيه مال ولا بنون. لو أن أحدهم اعتذر بقلب صادق لسامحهم قلبي الصغير الحنون الذي لا يحتمل أن يرى أحداً متعباً، ولا أعلم إن كان سيأتي ذلك اليوم لكنه إن جاء فقد تأخروا كثيراً، ولا أظن أن هذا القلب الذي كان ينتظرهم ما زال ينتظر!
انتهت قصة ولم تنتهي معاناتي، وأتمنى من كل أحد يعاني لو أن لديه فرصة بنسبة واحد بالمئة أن يتخلص ممن كانوا سبباً لمعاناته أن لا يتردد حتى وإن كانوا والديك! نعم يوجد بر بالوالدين ولكنه بر الأبناء أعظم، ما فائدة أن تفني عمرك لبشر لا يملكون قلباً ولا مشاعر ولا إحساس أو مسؤولية؟ إن الصحة لا تعود والأيام الجميلة والصعبة تمر على المتعب والسعيد، إن ابتعدت إن البر بـ أبيك رسالة، كلمة طيبة، مال إن استطعت، وطبقوا ما أمركم دينكم لا يزيد عنه شيء: {وَإِن جَاهَدَاكَ عَلَىٰ أَن تُشْرِكَ بِي مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ فَلَا تُطِعْهُمَا ۖ وَصَاحِبْهُمَا فِي الدُّنْيَا مَعْرُوفًا}.
وبالنهاية... أسأل الله العظيم رب العرش الكريم أن لا يأخذ أرواحنا إلا وهو راضٍ عنا، وأن لا نموت إلا وقد كتبنا من أهل الجنة وحرم علينا عذاب القبر، اللهم أمين وللسامعين. لا تنسونا من دعائكم.
0
26

يلزم عليك تسجيل الدخول أولًا لكتابة تعليق.

تسجيل دخول

خليك أول من تشارك برأيها   💁🏻‍♀️