دونا
دونا
الجزء السادس ( أوهام...)

مضى الليل يلون السماء بفرشاته السوداء.. فعم الظلام المكان.. و بدت غرفة مدى كئيبة موحشة.. مغلفة بصمت رتيب يثقل القلوب..
على سريرها استلقت مدى تحت الغطاء.. و جسدها يعلو و يهبط ببطء شديد.. تماماً كأمواج البحر التي أرهقتها العاصفة.. و في ذلك الجسد أبحرت مئات الأفكار و التخيلات حتى رست في عمق العين فاستحالت إلى دموع حارة لهيبة..
و بينما مدى كذلك إذ دلفت ديمه إلى الغرفة و هي تحمل صحناً يحوي بعض الشطائر و كوباً من العصير..
أنارت المصابيح و من ثم اقتربت من مدى و جلست في سرير لينا الذي يقع بجوار سريرها.. فلينا و مدى كانتا تتشاركان الغرفة ذاتها..
وضعت ديمه الشطائر و العصير على منضدة صغيرة مجاورة.. و قالت بلهجة مرحة:
هيا أسرعي يا مدى و إلا بردت الشطائر..
و عندما لم تتلقى رداً عقبت بنفس اللهجة قائلة:
هيا يا عزيزتي.. لقد أعددتها بنفسي من أجلك..
أتاها صوت مدى مخنوقاً من تحت الغطاء :
لست جائعة..
- هيا بالله عليك على الأقل تذوقيها..
- ألا تسمعين؟! قلت لك بأنني لست جائعة.
- رويدك علي.. ما كل هذه العصبية.. أنا قلقة عليك يا مدى فأنت لم تأكلي شيئاً منذ الصباح..
و بإقتضاب أجابت مدى:
لا بأس.. اتركيه على المنضدة..
تنهدت ديمه في حزن و قالت: إلى متى يا مدى؟! إلى متى ستهربين؟.. الاختباء ليس الحل..
كيف رضيت لنفسك أن تكوني كالنعامة!.. تدفنين رأسك تحت هذا الغطاء و كأنك تدسينه في الطين.. لم تحملين نفسك فوق طاقتها.. كفي عن هذا يا أختي و كوني كما عهدتك.. شامخة الرأس قوية شجاعة..
عقبت مدى بصوت أقرب للهمس قائلة:
أنت لا تفهمين.. لا تشعرين بما أشعر..
أجابتها ديمه قائلة:
أنت من يضخم الأمور.. إنه النصيب..
و بحركة حادة نهضت مدى من تحت الغطاء.. و اعتدلت جالسة فوق سريرها و هي تشير بيدها في عصبية قائلة:
لقد رفضني.. رفضني يا ديمه.. هكذا و بدون مقدمات.. جعلني أشعر بأنني لا شيء..
و ارتفع صوتها أكثر و هي تكمل: لا شيء.. لا شيء..
و مع حروف كلمتها الأخيرة تساقطت الدموع من عينيها بينما همست ديمه و قد علاها القلق قائلة:
مدى .. اهدئي أرجوك..
ابتسمت مدى ابتسامة واهنة و هي تعقب بصوت مبحوح:
مدى.. نعم مدى.. كل ذلك حدث لأنني لم أضع لأحلامي و أفكاري مدى.. استمعت لكل ما كان يقال لي بدون أن أقيد هذا الكلام بمدى.. أوهمت نفسي بأنني الأميرة رابنزل التي ما عليها إلا أن تنتظر الأيام حتى يأتي أميرها على حصانه الأبيض فترمي له ضفيرتها الشقراء الطويلة.. و مضت الأيام تجر بعضها.. و طالت الضفيرة.. و بدلاً من أن تنقذني.. تحولت إلى قيد يطوقني.. كل أحلامي تحطمت و بقسوة على أرض الواقع.. و بها اصطدمت و بت أشلاء صغيرة لا ترى.. كم أشعر بالغباء.. بالأسف على نفسي إذ عرضتها لذل الرفض.. هادي لم يرفضني فقط بل حطمني تماماً.. جعلني أشعر بأنني فتاة تفتقر إلى الجمال و معالم الحسن.. مجرد قطعة شطرنج كان أهله و أهلي يحركنها كيفما شاءوا.. و عندما حان الوقت المناسب.. غادرت اللوح.. لتتحول إلى خردة كانت في يوم من الأيام تحمل لقب إنسانة..
باغتتها ديمه قائلة: هل أحببته؟!
التفتت إليها مدى بحركة حادة و قد علتها علامات التعجب.. بينما كررت ديمه سؤالها مرة أخرى:
هل أحببته؟
أشاحت مدى بوجهها جانباً و عقبت:
ما هذا السؤال؟
- سألتك إن أحببته.. ببساطة أجيبي بنعم أو لا..
- ليتني أدري..
- ما هذا الجواب؟
- كنت أعلم جيداً بأنه لا يحق لي أن أحبه لا دينياً و لا أخلاقياً.. و لكنه استولى على تفكيري.. حتى صيرته قطعة من قلبي.. أو بالأصح أوهمت نفسي بأنه قطعة من قلبي.. و سمحت لذلك الوهم أن يتحكم بخيالي و أفكاري..
- هادي كان الشخص الخطأ..
- و هذا ما فهمته متأخرة جداً..
- على كل هذا أمر و انتهى و الأيام كفيلة بأن تنسيك.. المهم أن تحافظي على القطعة الصحيحة في قلبك..
- قطعة صحيحة؟.. من تعنين؟!
- و من غير لينا؟!.. إلى متى ستظل لينا مقيمة في غرفتي..؟
- أ مللتها؟
- لا تغيري الموضوع..
- هي من أخطأت و عليها أن تعتذر..
- أنت أيضاً كنت قاسية معها..
- اسمعي يا ديمه هي المخطئة و هي التي عليها أن تعتذر.. و هذا أمر مفروغ منه..
تماماً..
*********************
وصلت العمة مها إلى بيت أخيها بصحبة لؤي الذي استقبلها في المطار.. و ما أن رأت مها شقيقها حتى أقبلت نحوه تسلم عليه و تسأل عن أحواله قائلة:
حمداً لله فأنت تبدو بصحة جيدة..
رمقتها نهى بنظرة تحدي و هي تعقب :
لا تقلقي يا عمتي فأنا أهتم بصحته جيداً..و إلا ماذا كنت تظنين؟
ابتسمت العمة و هي تقول: كيف أنت يا نهى؟.. ألن تسلمي علي..
اقتربت نهى من عمتها و سلمت عليها في عجل ثم انطلقت إلى المطبخ لتكمل تحضير الغداء.. بنما سألت العمة أخاها قائلة:
كيف أنت يا أخي..؟
- بخير يا عزيزتي.. بالمناسبة كنت أنوي استقبالك في المطار و لكن نهى فاجأتني بسيل من الطلبات.. و أصرت أن أحضرها أنا بنفسي..
- و لم لم يحضرها لؤي؟
أجابها لؤي و قد رسم ابتسامة على غره قائلاً:
لأنني و كما تقول نهى لا أفقه شيئاً في اختيار الخضر و الفاكهة..إنها سعيدة جداً بقدومك يا عمتي و تريد أن يكون أول غداء لك معنا مميزاً..
مطت العمة مها شفتيها فهي تعرف جيداً أن لؤي يحاول أن يضيق الفجوة بينها و بين نهى و عقبت: أتمنى أن لا تغير رأيها بعد الغداء..
أجابها والد لؤي قائلاً: صدقيني نهى تحبك.. كل ما في الأمر أن موت والدتها مازال مؤثراُ عليها..
-أنك تفرط في تدليلها يا أخي..
- و هي أيضاً تفرط في تدللي..
- ذلك لأنها لا تريدك أن تتزوج..
و هنا دلفت نهى مسرعة و هي تهتف قائلة:
تتزوج؟! ما الذي تقولينه يا عمتي..
- أقول الصواب يا نهى..
- أبي لا يحتاج لزوجة.. أنا سأعتني بكل شؤونه.
- قريباً ستبدأ الدراسة و ستنشغلين بها خصوصاً و أنك في الصف الثالث الثانوي.. ثم عليك أن لا تقرري عوضاً عن والدك..
- نحن أسرة واحدة تشارك بعضها البعض في اتخاذ القرارات..
- و لكن بعض الأمور لا يقدرها صغار السن أمثالك يا نهى..
-أتنعتينني بالجهل؟
-أنا لم أقل ذلك..
-ما معنى ما تقولينه إذاً..!
هنا اقترب لؤي من أخته و جذب ذراعها بهدوء و هو يقول في محاولة لتهدئة الموقف:دعينا من ذلك الآن و دعيني أساعدك في تجهيز المائدة..
و لكن نهي سحبت ذراعها بقوة دون أن تستمع لكلمة من كلمات لؤي و صرخت في عمتها قائلة: يبدو أنك يا عمتي ما جئت لتؤنسي أبي و تطمئني عليه.. بل جئت لتدميري أسرتنا ببثك السم فيها.. و لكني لن أسمح لك.. أتفهمين؟! لن أسمح لك..
و فجأة دوى صوت ارتطام..
يد قوية ضربت نهى في وجهها.. يد لطالما كانت من أحن الأيدي عليها..يد جعلتها تهوي أرضاً و قد علت وجهها ملامح الاستنكار و العجب..
يد لطالما دللتها..
يد والدها........

********************************
أخيراً أطلب منكن أن تدعوا لي أن يفرج الله كربتي التي أمر بها..
دمتن لي بخير..
تــيــمــة
تــيــمــة
فرج الله كربتنا وكربتك ..

بارك الله في قلمك .. ان شاء الله لن يخذلك .. :26:

أرأيت أني وضعت ثقتي في محلها ..
أمل الروح
أمل الروح
أختي دونا رائعة بحق

إياك أن تفكري في عدم إكمال القصة

أسال الله أن يفرج كربك ويبدلك به يسرا عاجلا غير آجل يااااااارب
فيض المحبة
فيض المحبة
بالفعل الجزء رائع وموفق..
لا بد من إكمال القصة وسننتظر كل جزء بشوق شديد..
جمانـ@
جمانـ@
قصة مزدحمة و رائعة بالفعل

ولأول مرة أقرأ قصة ذات شخصيات كثيرة

مبدعة يادونا ؛؛؛
رجاءاً
ننتظرك فلا تطيلي علينا..