سأضع جزءاً طويلاً هذا اليوم..لعله يشفع لي تأخري..
و تحسباً من الظروف..
فلست أدري إن كانت ستاخرني مجدداً..
لا تنسوني من دعائكن..
بالمناسبة..
أتظر أرءكن و نقدكن بصبر..
دمتن بخير..
دونا
•
دونا
•
الجزء التاسع (ابن عمي..)
(( تدريـب!!!))
جلس عامر بجوار إياد و هو يعقب على كلمة صديقه قائلاً: لقد قرأت اسمي و اسمك اليوم في كشف المدرجين تحت لائحة التدريب العسكري..
تنهد إياد في ضيق و من ثم أسند رأسه إلى كفه و هو يسأل عامراً: هل أنت متأكد مما تقول..؟
و بلهجة ساخرة أجاب عامر: اسمي و اسمك كانا يتصدران القائمة يا فتى.. أرأيت كم نحن مميزان؟!
تراخى إياد في مقعده و قد أغمض عينيه في هدوء..مما جعل عامراً يسأله في قلق: ما الأمر؟
و بصوت منهك أجابه إياد:أهلي لا يعلمون بعد بأمر انضمامي إلى سلك الجيش..
- و متى تنوي أن تخبرهم؟
- هذا السؤال الذي لا أعرف إجابته..
- و إلى متى ستظل هكذا يا إياد..أعتقد أننا قد نلتحق بالحدود بعد هذه الدورة التدريبية..
- بل أنا واثق..
- بربك إذاً إلى متى ستظل صامتاً..؟
-إلى أن يحين الوقت المناسب..
- و متى الوقت المناسب برأيك؟.. أتنوي أن تخبرهم قبل ترحيلنا إلى الحدود بيوم أو يومين؟!!.. أتريد أن تفجر قنبلة موقوتة و تمضي تاركاً خلفك أجساداً تحترق لا تعلم إن كانت ستنجو أم لا؟!!
هز إياد رأسه في عصبية و عقب في حنق: يكفي يا عامر بالله عليك.. لا تكن أنت و ضغط العمل و البيت علي..
- لم تتحسن الأمور في بيتكم بعد!!
أطلق إياد زفرة حارة و هو يحرك رأسه نفياً..فعقب عامر في عتاب: دعني أحزر.. لم تخطو خطوة واحدة لحل المشكلة.. صحيح؟
و في عصبية أجاب إياد: و هل تجدني أسبح في بحر من الدقائق و الساعات..!!
ثم تمالك أعصابه و قد أخفض صوته و إن كانت معالم وجهه العصبية لم تتغير...معقباً: لا تؤنبني يا رفيقي.. دوريات..و عمليات هجوم.. و مطاردات.. أنا لا أجد الوقت حتى لأراهم.. أعود للبيت لألقي بجسدي و همومي على فراشي و أرحل إلى عالم النوم لبضع ساعات فقط..
-أنا قلق عليك يا صديقي..
أجبر إياد ابتسامة صفراء لترتسم على ثغره.. و التفت إلى عامر و هو يعقب قائلاً:لا تقلق علي يا صاحبي فأنا بخير..
-أنت تطلب مني المستحيل..
-كم أنت رقيق القلب.. لا أردي ماذا ستفعل في الدورة التدريبية العسكرية..
-سأكون سبعاً مقداماً لا يهاب الصعاب.. فلتحذر مني..
-بالمناسبة.. كم سنقضي هناك..؟
-من أسبوعين إلى ثلاثة أسابيع..
-يا إلهي.. هذا وقت طويل.. المشكلة أنني لست بحالة جسدية و لا نفسية جيدة لانضم إلى كهكذا دورة..
-و ما دام الوقت طويلاً.. فماذا ستقول لعائلتك..؟
التفت إياد إلى عامر..و قال و هو يرفع حاجبيه:دورة تدريبية مكتبية..
و في تعجب ممزوج باستياء هتف عامر:مكتبية؟!!..لا فائدة ترجى منك..
عض إياد على شفتيه و عقب و هو يفرك كفيه بقوة: حالة أمي الصحية ليست على ما يرام.. و لا أريد أكون سبباً في زيادة همومها و قلقها و مخاوفها..
تنهد عامر و هو يعقب بلهجة تدل على عدم الرضا:يا إلهي ما أقسى رأسك!!.. فلتفعل ما تشاء.. و إن كنت لا أوافقك.. و لكن عليك أن تنهي أمورك و تستعد جيداً قبل نهاية هذا الأسبوع..
-نهاية الأسبوع!!.. لم كل هذه العجلة..؟
-إنهم بحاجة إلى المزيد من الجنود على الحدود..
تلفت إياد ليسترق نظرات في أنحاء مكتبه و الحزن باد في قسمات وجهه.. و من ثم تلمس مقعده بأطراف أصابعه و هو يقول: من نهاية الأسبوع القادم سيتم نقلنا إلى الجيش بشكل رسمي.. و ستنعدم صلتنا بأي شيء يتصل بهذا المكان..
ابتسم عامر ابتسامة صغيرة و هو يدير بصره في أنحاء المكتب بدوره.. و أجاب في حزن انتقل إليه من صاحبه: لقد بدأت أشعر بالحنين إلى هذا المكان منذ الآن...أتظننا سنعود إلى هنا يوماً..
عاد إياد ليتراخى في مقعده و همس قائلاً: أتمنى ذلك......
من كل..
قلبي...
*********************
تطلعت عالية إلى ساعة يدها في ملل..و هي تردد في حنق:إنها الثانية بعد الظهر و لم يأت بعد..
ابتسمت لينا التي كانت تجلس في مقعد بجوارها في قاعة الانتظار بالجامعة و هي تعقب: سيصل قريباً جداً.. فقط اهدئي أنت..
نظرت عالية إلى لينا في تعجب و هي تقول: يا إلهي كم أنت باردة الأعصاب..
اتسعت ابتسامة لينا و هي ترد قائلة:ذلك لأنني معتادة على التأخير.. فمحاضرات هيثم و محاضراتي لا تتوافق أبداً مع بعضها..
مطت عالية شفتيها في استياء و هي تعقب: يبدو أن علي أن أعتاد على التأخير..فمنذ اليوم فصاعداً سيقلني فادي من و إلى الجامعة..
ثم التفتت إليها بحركة حادة و هي تكمل:أتصدقين؟! هادي لم يكن ليتركني أنتظره و لا لدقيقة واحدة..هنيئاً لزوجته به..
انتشلت لينا حقيبتها من على الأرض و وضعتها على حجرها و هي تقول:كيف هي؟
سألتها عالية باستنكار: من تعنين؟
ربتت لينا على سطح حقبتها الجلدي و هي تجيب: زوجة هادي..
ابتسمت عالية و عقبت قائلة: إنها فتاة رائعة..جميلة و خلوقة.. مثقفة و ذات دين..سترينها قريباً بإذن الله..و أنا على ثقة من أنها ستروق لك كثيراً.. و قد تصبحا صديقتين حميمتين..
ردت لينا:فليوفق الله هادي و زوجته في حياتهما الجديدة..
- أتتمنين لهما التوفيق من قلبك حقاً..؟
- و لم لا أفعل؟!
-أنت تعلمين أن مدى..
قاطعتها لينا و هي تقول:هذا أمر و انتهى.. فلتطويه صفحات النسيان.. ثم إن الزواج قسمة و نصيب..
-و هل تؤمن مدى بذلك..؟
-لا تقلقي على مدى فالأيام كفيلة بأن تداوي جراحها..
-هل يعني هذا أنها ستحضر حفل زفاف هادي..
احتضنت لينا حقيبتها بقوة و هي تجيب قائلة: لست أدري..
-ما معنى هذا؟
نظرت لينا إلى مرمى قدميها و عقبت في خفوت: أنا و مدى لا نحدث بعضنا منذ تلك الحادثة..
- لم؟ ما الذي حدث..؟
- لا أريد التحدث في هذا الموضوع..
- و لكن يا لينا..
بترت عالية جملتها بغتة حيث ارتفع رنين هاتفها الخلوي.. فأخرجته من حقيبتها و قرأت اسم المتصل على الشاشة.. و بسرعة ضغطت زر الرد و قالت: أين كنت بربك؟..ساعتان!!..ساعتان يا فادي..!!
أتاها صوت فادي قائلاً:اعذريني يا أختي فلقد تعطلت سيارتي في الطريق و قد اضطررت لأخذها إلى الورشة..
-و كيف هي الآن؟
-إنها بخير..هيا أسرعي و لا تجعليني أطيل الانتظار..
-إن لم أسأل اتهمتني بعدم الاهتمام..و إن سألت قلت لي لا تجعلني أطيل الانتظار..لم أعد أفهمك..
-كفي عن هذه السخافات و عجلي.. فلقد تأخرنا على أمي و أبي خصوصاً و أنهما ينتظراننا على الغداء..
-رويدك علي..حسناً..سأنزل..
أقفلت عالية هاتفها و أشارت للينا و هي تقول: هيا يا لينا فلقد وصل فادي..
وقفت لينا و بدأت تلبس عباءتها و هي تسأل عالية عن سبب تأخر فادي.. فأخبرتها تلك الأخيرة بموضوع السيارة..
و ما هي إلا بضع دقائق حتى وصلت لينا و عالية إلى سيارة فادي لتجلسا في مقاعد السيارة الخلفية..و ما أن اعتدلت عالية في مقعدها حتى قالت لفادي: كان عليك أن تتصل و تخبرني بشأن سيارتك لكنت اتصلت بأمي لترسل لنا هادي أو أبي حتى يصطحبنا.. بالمناسبة لقد أحرجتني مع كثيراً لينا.
التفت فادي إلى حيث كانت تجلس لينا و عقب على كلام أخته قائلاً بلهجة منمقة: أعذريني يا ابنة عمي.. لو كنت أعلم بأنك ستعودين مع عالية اليوم لأتيتك على بساط الريح.. و لما تأخرت عليك ثانية واحدة..لأوقفت عقارب الزمن و أتيتك طائراً لأحملك فوق جناحي إلى أي مكان شئت..
تصلبت لينا في مقعدها للحظات.. فتصرف ابن عمها و كلماته لم ترق لها مطلقاً.. بل إنها فاجأتها..فردت بلهجة جافة: أشكر لك اهتمامك.. و لكني سأقدر مجاملتك اللطيفة في حال لو غيرت صيغة الفرد إلى المثنى..
امتقع وجه فادي و استدار إلى حيث المقود و انطلق بسيارته..بينما وكزت عالية لينا بمرفقها و هي تهمس لها:ماذا فعلت؟
لم تنطق لينا بحرف واحد.. و في محاولة من عالية لتلطيف الجو قالت: أتعلم يا فادي؟.. ستبيت لينا عندي بضعة أيام..
و باقتضاب أجاب فادي: حياها المولى..فبيت عمها كبيتها..
التزمت لينا بالصمت بينما تعلق بصرها بالنافذة .. تراقب السيارات و المارة..و تقرأ لوحات المحلات..
و بعد بضع دقائق أوقف فادي سيارته أمام أحد المحال و قال مخاطباً عالية:أوصتني أمي أن أجلب خبزاً معي.. لن تأخر..
و ترجل من سيارته دون أن ينتظر أن يسمع رداً من أخته..
التفتت عالية نحو لينا و قالت لها بعصبية: ماذا فعلت؟.. ها قد غضب منك..
التفتت إليها لينا و أجابتها بحنق: ألم تري كيف كان يحدثني..؟
- لا تصنعي عقداً من لا شيء..فادي ابن عمك..
- أنت قلتها.. ابن عمي فقط.. أي أن عليه أن يحترم الحواجز التي تفصلنا عن بعضنا..
- أي حواجز؟..أنت تبالغين.. الفتى أحب أن يعتذر لك بطريقته الخاصة..
- و أنا شكرته و انتهى الأمر..
- لن تتغيري أبداً..
- لأنني على صواب..
في هذه الأثناء ارتفع رنين الهاتف الخلوي فقالت عالية: يبدو أنه هاتفك الخلوي..
فتحت لينا حقيبتها و بدأت بالبحث عن هاتفها و هي تردد: يا إلهي.. الحقيبة ممتلئة.. إني لا أراه...
انحنت عالية إلى حيث موقع قدم لينا .. و انتشلت من هناك هاتفاً خلوياً و أعطته للينا و هي تقول: أ هذه هو؟.. يبدو أنه قد و قع منك عندما دخلت السيارة..
أمسكت لينا بالهاتف في عجل و قلبته بين كفيها و عقبت: نعم إنه هو..
و لكن مع حروف كلمتها الأخيرة توقف رنين الهاتف..
فألقت به لينا في حقيبتها بينما سألتها عالية: من كان المتصل؟
-لم أرى الاسم..
-و لم لا ترينه الآن..؟
-سأراه عندما نصل منزلكم..
-ماذا لو كان شخص ما يريدك لأمر مهم..
-عندها سيعاود الاتصال بي ثانية..
- يا إلهي ما أبردك..!!
-شكراً على ثناءك..
عاد فادي إلى السيارة.. و وضع أكياس الخبز على المقعد المجاور و انطلق إلى منزله بسرعة..بينما غيمت على السيارة ساحبة هدوء و صمت ثقيلتين.. لم يقطعها سوى أصوات أبواب سيارة فادي التي فتحت أمام منزلهم لتخرج منها لينا و عالية..يعقبهم فادي..
دخل الثلاثة إلى بيت العم صالح..فتوجه فادي إلى غرفته.. بينما مضت لينا بصحبة ابنة عمها إلى حيث كان يجلس عمها و زوجته.. فسلمت علية و سألت عن أحواله..و من ثم انطلقت الاثنتان نحو غرفة عالية.. و هناك ارتمت لينا على سرير عالية و هي تقول: يا إلهي كم أرغب بالنوم..
أشارت عالية للينا بسبابتها و هي تقول: لا نوم قبل أن نتناول الغداء.. و إلا ستغضب أمي كثيراً..
- و من يستطيع التأخر عن طبخ والدتك الشهي..!
- جيد إذن.. فلتبدلي ثيابك إلى أن أنتهي من الاستحمام..
-حسناً.. و لكن لا تتأخري علي..
أخرجت عالية ملابسها من خزانتها و أجابت و هي تدخل الحمام: لا تقلقي لن أتأخر..
استرخت لينا على سرير عالية الوثير..و قد سمحت لأطرافها بالتراخي..فقد كان يومها الجامعي حافلاً و متعباً..و فجأة ارتفع صوت الهاتف الخلوي.. فمطت لينا شفتيها في حنق و هي تردد: من هو هادم الراحات هذا؟
و اعتدلت جالسة على السرير..و من ثم أمسكت حقيبتها و أدخلت يدها لتخرج الهاتف الخلوي..و لكنها شعر ت بشيء غريب..فدنت نحو حقيبتها و نظرت فيها..ليصطدم بصرها بهاتفين خلويين لهما نفس الشكل تماماً.. و في دهشة عارمة أخرجت لينا الهاتفين.. و دققت النظر فيهما و هي تردد:مستحيل..أحدهما لي بالتأكيد.. و لكن لمن الآخر؟
دققت لينا في شاشتي الهاتفين لتقرأ على أحدها اسم فادي..عندها وضعت الهاتفين بجوارها على السرير.. و أسندت رأسها إلى كفها و هي تقول:يالـ الإحراج..
ثم التفتت إلى هاتف فادي الخلوي و هي تقول: ماذا سيظن بي الآن..!! ما هذا الحظ العاثر..
أمسكت لينا بهاتف فادي.. و ألقت عليه نظرة مطولة.. و من ثم وقفت و هي تقول: علي أن أعيده على أي حال.. سأعطيه عمي و هو سيتكفل بإعادته إليه..
مضت لينا بخطى سريعة نحو الباب و ما أن أمسكت بمقبض الباب حتى ارتفع صوت رنين هاتف فادي ثانية..فتمتمت لينا قائلة: ماذا الآن؟..
و رفعت الهاتف إلى مرمى بصرها.. لتقرأ اسم المتصل..و هتفت في استنكار: سلمى؟.. من سلمى؟
قربت لينا الهاتف أكثر من عينيها و هي تؤكد قائلة: أنا لم أخطئ.. إنها سلمى.. و لكن من سلمى..أتكون؟!
تراجعت لينا بضع خطوات للوراء و كأن الفكرة قد صعقتها.. و استرجعت كلام هيثم لها هذا الصباح..ثم عادت لتنظر إلى الهاتف في قلق حتى توقف عن الرنين..عضت لينا شفتيها في توتر و هي تعقب: و ما دخلي أنا فلأعيد له هاتفه و أرتاح.. هذه ليست مشكلتي..
و عادت تمضي نحو الباب.. و لكنها ما أن لامست مقبضه حتى شعرت ببرودته تنتقل إليها فانتفضت.. و عادت تنظر إلى الهاتف من جديد..و من ثم ضغطت زراً فتح لها قائمة بأسماء الأشخاص المسجلة أرقامهم في هاتف فادي الخلوي..و ما أن رأتها حتى وضعت كفها على فمها لتطلق شهقة مكتومة..
ذلك لأن معظم تلك الأسماء........
كانت...
لفتيات..
*****************************
جلست نهى بجوار لؤي و هي تحتضن و سادة صغيرة.. و دققت النظر في وجه أخيها..و سألت في قلق: ما بك يا لؤي..؟
و لكن لؤي لم يجبها..
ربتت نهى على كتف أخيها و هي تكرر اسمه.. فانتبه لها هذا الأخير و قال:آه.. أنا آسف لقد سرحت قليلاً..
ابتسمت نهى و هي تسأل: ما الذي يشغل بالك؟
رسم لؤي على شفتيه ابتسامة صغيرة و عقب قائلاً: لا شيء لا تقلقي بالك أنت بي..
- حتى لو أخفيت عن العالم كله.. فلن تستطيع أن تخفي عني شيئاً مهما كان صغيراً..و الآن ما الأمر..؟
- صدقيني.. لا شيء يذكر.
-أنسيت أنني أختك حبيبتك..هيا أخبرني يا لؤي ما الأمر..؟
صمت لؤي للحظة فعقبت نهى قائلة بصوت متهدج: أعلم بأنني لست كأمي و لكن.. أعطني فرصة و أفرغ همومك في مسامعي..
نظر إليها لؤي في حنان و قال: أنا لم أقصد ذلك.. كل ما في الأمر أنني لم أرد إزعاجك..
-إزعاجي!!.. أنا من يزعجك على الدوام..حتى أنني أدين لك بالكثير.. أفلا تسمح لي بتسديد بعض ديوني..!!
- لا ديون بين الأخ و أخته..
-و لا أسرار..هيا أخبرني فلقد تعبت من الجدال..
تنهد لؤي في عمق و عقب قائلاً:خالي هيثم..
- ما به؟
- علم أنني لم ألتحق بكلية الطب..
و في انفعال أجابت نهى: هل أخبرته؟.. ألم نتفق على أن نبقي الأمر سراً في الوقت الحالي..
- لقد اكتشف ذلك بالصدفة..
-ما كانت رد فعله؟
-ماذا تتوقعين؟
تنهدت نهى و عقبت قائلة:عليك أن تشتري رضاه حتى لا يخبر أحداً..فيصل الخبر إلى أبي..
- و إلى متى سأظل أعيش في هذا الكابوس.. إلى متى سأظل حبيس الخوف..أنا لم أرتكب ذنباً بتركي كلية الطب..
- و لكنك حطمت أحلام والدنا تماماً.. أحلتها إلى قاع صفصفاً..
-حاولت أن أقنعه أكثر من مرة و لكن بلا جدوى.. لقد كان متمسكاً برأيه..
-و ماذا ستفعل الآن؟
-سأحل قيودي.. و سأدافع عن حريتي.. سأنتظر أبي لأخبره بكل شيء..
-أنت لا تقدر العواقب يا فتى..رغم أنك تعلم جيداً أن هذا الموضوع الوحيد الذي لو فاتحت والدي به فستنهال عليك المصائب تترا..
-مللت من مكوثي في الظل..
-على كل والدي لن يعود اليوم..
-لم؟.. ألديه اجتماع طارئ..
-كلا مطلقاً..و لكن عمتك الشمطاء أصرت أن يصطحبها لأداء العمرة..
-ألن يتعدل هذا اللسان؟.. كفي عن ترديد تلك الكلمة..
-دعك من ذلك..المهم أنني أخشى أن تكون عمتك تخطط لمصيبة ما..
-عمتي طيبة يا نهى.. لكنك لم تستطيعي فهمها..
-اسمع يا لؤي.. إياك أن تدافع عن عمتي مها ثانية.. و إلا لن تجدني إلى صفك أبداً..
-أين ذهبت الأخوة..؟
-إلا أمي يا لؤي..
-و ما دخل أمي..؟
-لا تتظاهر بالبلاهة.. إن تزوج والدي فهذا يعني أن أمي ستمحى تماماً من أركان هذا البيت..
-أمي موجودة في قلوبنا و أرواحنا..و لن يستطيع كائن من كان أن ينزعها من حياتنا..
-كلا.. هناك من يقدر.. زوجة ثانية ستنسي أبي كل ما يتصل بوالدتي.
-إذاً فأنت لا تعرفين والدي جيداً..
-بلى أعرفه..و أعرفه جيداً..لذا انتهز أول فرصة و ارضي خالك.. فلم يأت بعد الوقت المناسب لإشعال الشرارة..
-و لكن..
-خذ برأي و لو لمرة في حياتك و لن تندم..
-لطالما كنت آخذ برأيك..حتى أنني لم أرفض لك طلباً فهل أرفض لك أمراً..!!
سأفعل يا أختي..
سأفعل..
**************************************
هجر النوم عيني لينا إلى حيث لا تدري..بينما حامت الأفكار تختلط بصوت هيثم و كلماته..و بالأسماء التي رأتها لينا في هاتف فادي..فتقلبت في سريرها بحثاً عن النوم و هرباً من تلك الأفكار دون جدوى..
اعتدلت لينا جالسة على السرير و ألقت نظرة على عالية التي كانت تغط في نوم عميق..ثم ألقت نظرة على عقارب الساعة التي كانت تشير إلى الساعة الثانية إلى ربع ليلاً..
تنهدت لينا من أعمق أعماق صدرها.. فعادت الأفكار تشن حروباً في عقلها..فما كان من لينا إلا أن أمسكت رأسها بكفيها و حركته بقوة..لعل تلك الخيالات أن تطير بلا رجعة من عقلها..
مضت لينا بخطوات وئيدة نحو النافذة.. و أخذت تنظر من خلالها و هي تسأل نفسها: ترى ماذا علي أن أفعل؟.. هل أخبر عمي بالأمر؟.. أم التزم الصمت؟ و إن تحدثت.. فهل سيصدقونني؟..أم سيتهمونني بأني أفعل ذلك انتقاماً لمدى؟..و لم لا يفكروا بذلك؟.. إن كانت عالية الأقرب لي قد فكرت بأمر مشابه.. يا إلهي ماذا أفعل؟
و مع آخر حروفها.. رأت لينا فادي عبر النافذة و هو يركب سيارته و ينطلق بها مغادراً المنزل..هنا استجمعت لينا شجاعتها و هي تتمتم:علي أن أتأكد إن كان الأمر يقتصر على جهازه الخلوي فقط أم لا حتى أستطيع أن أحدد المشكلة بشكل دقيق..
و بخطوات خفيفة خرجت لينا من الغرفة..و اقتربت بترقب و وجل نحو غرفة فادي..أمسكت مقبض الباب..و لكنها تراجعت بضع خطوات و هي تتمتم: ما الذي دهاني؟..ما أفعله خطأ.. لا يحق لي أن أفتش غرفته..
ثم ازدرت ريقها و هي تكمل: ما لي أنا و مال المشاكل.. أنا مجرد ضيفة هنا لا أكثر و لا أقل...
جرت لينا قدميها إلى غرفة عالية.. و قبل أن تصلها ببضع خطوات.. عادت و استدارت نحو غرفة فادي..و فجأة ركضت بسرعة عبر الممر و دخلت غرفة فادي و أغلقت الباب خلفها بهدوء..و من ثم أسندت ظهرها إلى الباب و صدرها يعلو و يهبط بشدة.. لدرجة أقلقت لينا فجعلتها تضع يدها على قلبها لبرهة حتى هدأ روعها.. ثم همست لنفسها قائلة: علي أن أجد حلاً لمشكلة الفضول التي لدي..
ثم استدركت: لم أخدع نفسي؟.. إنه الإحساس بالمسؤولية و الاهتمام أكثر منه فضولاً..ففادي ابن عمي.. و سمعته من سمعتي..
جالت لينا في أنحاء الغرفة.. ثم اقتربت من منضدة قرب سرير فادي.. و أخذت تبحث في أدراجها.. و عندما لم تجد فيها شيئاً اقتربت من مكتبه و بدأت تفتش في أدراجه..أخيراً وقفت و هي تنظر إلى الخزانة الكبيرة التي تستند إلى أحد جدران الغرفة.. و قالت:هذه الخزانة تحتاج إلى وقت طويل حتى أفتشها و لست أملك الوقت..فلأخرج من هنا.. و لأطرد من ذهني وساوس الشيطان..
استدارت لينا لتغادر الغرفة..و لكن صوت دقات الساعة التي كانت معلقة على الحائط أفزعتها فتحركت إحدى يديها إلى سطح المكتب لتصطدم ببعض الكتب و تلقي بها أرضاً.. بينما تحركت الثانية إلى حيث قلبها الذي خيل إليها أنه سقط من بين ضلوعها..
توقفت دقات الساعة عند الثانية مساءاً..و لكن لينا ظلت جامدة في مكانها بلا حراك..و ما كان يفرقها عن الأموات إلا صوت أنفاسها المتسارعة..
مضت لحظات ثقيلة على لينا حتى استجمعت قوتها و عقبت في وجل: علي أن أغادر بأسرع وقت..
ألقت لينا نظرة على الكتب الملقية..و انحنت لتلتقطها..و بينما هي كذلك لاحظت صورة فوتوغرافية قد ظهر جزء ضئيل منها من طرف أحد الكتب..فسحبتها.. و نظرت إليها..و إذا بعينها تجحظان على نحو عجيب..
عادت لينا لتقلب صفحات الكتب الملقية على الأرض.. و في كل منها وجدت مجموعة لصور فوتوغرافية أخرى مماثلة..
وقفت لينا و بدأت تبحث في الكتب القابعة على المكتب لتجد في أعماقها المزيد..
فمسحت على شعرها في توتر..و رمت ببصرها إلى حيث الصور المبعثرة على الأرض قرب قدميها..
تلك الصور التي لم تكن سوى..
صوراً..
لفتيات........
****************************
في أمان الله....
(( تدريـب!!!))
جلس عامر بجوار إياد و هو يعقب على كلمة صديقه قائلاً: لقد قرأت اسمي و اسمك اليوم في كشف المدرجين تحت لائحة التدريب العسكري..
تنهد إياد في ضيق و من ثم أسند رأسه إلى كفه و هو يسأل عامراً: هل أنت متأكد مما تقول..؟
و بلهجة ساخرة أجاب عامر: اسمي و اسمك كانا يتصدران القائمة يا فتى.. أرأيت كم نحن مميزان؟!
تراخى إياد في مقعده و قد أغمض عينيه في هدوء..مما جعل عامراً يسأله في قلق: ما الأمر؟
و بصوت منهك أجابه إياد:أهلي لا يعلمون بعد بأمر انضمامي إلى سلك الجيش..
- و متى تنوي أن تخبرهم؟
- هذا السؤال الذي لا أعرف إجابته..
- و إلى متى ستظل هكذا يا إياد..أعتقد أننا قد نلتحق بالحدود بعد هذه الدورة التدريبية..
- بل أنا واثق..
- بربك إذاً إلى متى ستظل صامتاً..؟
-إلى أن يحين الوقت المناسب..
- و متى الوقت المناسب برأيك؟.. أتنوي أن تخبرهم قبل ترحيلنا إلى الحدود بيوم أو يومين؟!!.. أتريد أن تفجر قنبلة موقوتة و تمضي تاركاً خلفك أجساداً تحترق لا تعلم إن كانت ستنجو أم لا؟!!
هز إياد رأسه في عصبية و عقب في حنق: يكفي يا عامر بالله عليك.. لا تكن أنت و ضغط العمل و البيت علي..
- لم تتحسن الأمور في بيتكم بعد!!
أطلق إياد زفرة حارة و هو يحرك رأسه نفياً..فعقب عامر في عتاب: دعني أحزر.. لم تخطو خطوة واحدة لحل المشكلة.. صحيح؟
و في عصبية أجاب إياد: و هل تجدني أسبح في بحر من الدقائق و الساعات..!!
ثم تمالك أعصابه و قد أخفض صوته و إن كانت معالم وجهه العصبية لم تتغير...معقباً: لا تؤنبني يا رفيقي.. دوريات..و عمليات هجوم.. و مطاردات.. أنا لا أجد الوقت حتى لأراهم.. أعود للبيت لألقي بجسدي و همومي على فراشي و أرحل إلى عالم النوم لبضع ساعات فقط..
-أنا قلق عليك يا صديقي..
أجبر إياد ابتسامة صفراء لترتسم على ثغره.. و التفت إلى عامر و هو يعقب قائلاً:لا تقلق علي يا صاحبي فأنا بخير..
-أنت تطلب مني المستحيل..
-كم أنت رقيق القلب.. لا أردي ماذا ستفعل في الدورة التدريبية العسكرية..
-سأكون سبعاً مقداماً لا يهاب الصعاب.. فلتحذر مني..
-بالمناسبة.. كم سنقضي هناك..؟
-من أسبوعين إلى ثلاثة أسابيع..
-يا إلهي.. هذا وقت طويل.. المشكلة أنني لست بحالة جسدية و لا نفسية جيدة لانضم إلى كهكذا دورة..
-و ما دام الوقت طويلاً.. فماذا ستقول لعائلتك..؟
التفت إياد إلى عامر..و قال و هو يرفع حاجبيه:دورة تدريبية مكتبية..
و في تعجب ممزوج باستياء هتف عامر:مكتبية؟!!..لا فائدة ترجى منك..
عض إياد على شفتيه و عقب و هو يفرك كفيه بقوة: حالة أمي الصحية ليست على ما يرام.. و لا أريد أكون سبباً في زيادة همومها و قلقها و مخاوفها..
تنهد عامر و هو يعقب بلهجة تدل على عدم الرضا:يا إلهي ما أقسى رأسك!!.. فلتفعل ما تشاء.. و إن كنت لا أوافقك.. و لكن عليك أن تنهي أمورك و تستعد جيداً قبل نهاية هذا الأسبوع..
-نهاية الأسبوع!!.. لم كل هذه العجلة..؟
-إنهم بحاجة إلى المزيد من الجنود على الحدود..
تلفت إياد ليسترق نظرات في أنحاء مكتبه و الحزن باد في قسمات وجهه.. و من ثم تلمس مقعده بأطراف أصابعه و هو يقول: من نهاية الأسبوع القادم سيتم نقلنا إلى الجيش بشكل رسمي.. و ستنعدم صلتنا بأي شيء يتصل بهذا المكان..
ابتسم عامر ابتسامة صغيرة و هو يدير بصره في أنحاء المكتب بدوره.. و أجاب في حزن انتقل إليه من صاحبه: لقد بدأت أشعر بالحنين إلى هذا المكان منذ الآن...أتظننا سنعود إلى هنا يوماً..
عاد إياد ليتراخى في مقعده و همس قائلاً: أتمنى ذلك......
من كل..
قلبي...
*********************
تطلعت عالية إلى ساعة يدها في ملل..و هي تردد في حنق:إنها الثانية بعد الظهر و لم يأت بعد..
ابتسمت لينا التي كانت تجلس في مقعد بجوارها في قاعة الانتظار بالجامعة و هي تعقب: سيصل قريباً جداً.. فقط اهدئي أنت..
نظرت عالية إلى لينا في تعجب و هي تقول: يا إلهي كم أنت باردة الأعصاب..
اتسعت ابتسامة لينا و هي ترد قائلة:ذلك لأنني معتادة على التأخير.. فمحاضرات هيثم و محاضراتي لا تتوافق أبداً مع بعضها..
مطت عالية شفتيها في استياء و هي تعقب: يبدو أن علي أن أعتاد على التأخير..فمنذ اليوم فصاعداً سيقلني فادي من و إلى الجامعة..
ثم التفتت إليها بحركة حادة و هي تكمل:أتصدقين؟! هادي لم يكن ليتركني أنتظره و لا لدقيقة واحدة..هنيئاً لزوجته به..
انتشلت لينا حقيبتها من على الأرض و وضعتها على حجرها و هي تقول:كيف هي؟
سألتها عالية باستنكار: من تعنين؟
ربتت لينا على سطح حقبتها الجلدي و هي تجيب: زوجة هادي..
ابتسمت عالية و عقبت قائلة: إنها فتاة رائعة..جميلة و خلوقة.. مثقفة و ذات دين..سترينها قريباً بإذن الله..و أنا على ثقة من أنها ستروق لك كثيراً.. و قد تصبحا صديقتين حميمتين..
ردت لينا:فليوفق الله هادي و زوجته في حياتهما الجديدة..
- أتتمنين لهما التوفيق من قلبك حقاً..؟
- و لم لا أفعل؟!
-أنت تعلمين أن مدى..
قاطعتها لينا و هي تقول:هذا أمر و انتهى.. فلتطويه صفحات النسيان.. ثم إن الزواج قسمة و نصيب..
-و هل تؤمن مدى بذلك..؟
-لا تقلقي على مدى فالأيام كفيلة بأن تداوي جراحها..
-هل يعني هذا أنها ستحضر حفل زفاف هادي..
احتضنت لينا حقيبتها بقوة و هي تجيب قائلة: لست أدري..
-ما معنى هذا؟
نظرت لينا إلى مرمى قدميها و عقبت في خفوت: أنا و مدى لا نحدث بعضنا منذ تلك الحادثة..
- لم؟ ما الذي حدث..؟
- لا أريد التحدث في هذا الموضوع..
- و لكن يا لينا..
بترت عالية جملتها بغتة حيث ارتفع رنين هاتفها الخلوي.. فأخرجته من حقيبتها و قرأت اسم المتصل على الشاشة.. و بسرعة ضغطت زر الرد و قالت: أين كنت بربك؟..ساعتان!!..ساعتان يا فادي..!!
أتاها صوت فادي قائلاً:اعذريني يا أختي فلقد تعطلت سيارتي في الطريق و قد اضطررت لأخذها إلى الورشة..
-و كيف هي الآن؟
-إنها بخير..هيا أسرعي و لا تجعليني أطيل الانتظار..
-إن لم أسأل اتهمتني بعدم الاهتمام..و إن سألت قلت لي لا تجعلني أطيل الانتظار..لم أعد أفهمك..
-كفي عن هذه السخافات و عجلي.. فلقد تأخرنا على أمي و أبي خصوصاً و أنهما ينتظراننا على الغداء..
-رويدك علي..حسناً..سأنزل..
أقفلت عالية هاتفها و أشارت للينا و هي تقول: هيا يا لينا فلقد وصل فادي..
وقفت لينا و بدأت تلبس عباءتها و هي تسأل عالية عن سبب تأخر فادي.. فأخبرتها تلك الأخيرة بموضوع السيارة..
و ما هي إلا بضع دقائق حتى وصلت لينا و عالية إلى سيارة فادي لتجلسا في مقاعد السيارة الخلفية..و ما أن اعتدلت عالية في مقعدها حتى قالت لفادي: كان عليك أن تتصل و تخبرني بشأن سيارتك لكنت اتصلت بأمي لترسل لنا هادي أو أبي حتى يصطحبنا.. بالمناسبة لقد أحرجتني مع كثيراً لينا.
التفت فادي إلى حيث كانت تجلس لينا و عقب على كلام أخته قائلاً بلهجة منمقة: أعذريني يا ابنة عمي.. لو كنت أعلم بأنك ستعودين مع عالية اليوم لأتيتك على بساط الريح.. و لما تأخرت عليك ثانية واحدة..لأوقفت عقارب الزمن و أتيتك طائراً لأحملك فوق جناحي إلى أي مكان شئت..
تصلبت لينا في مقعدها للحظات.. فتصرف ابن عمها و كلماته لم ترق لها مطلقاً.. بل إنها فاجأتها..فردت بلهجة جافة: أشكر لك اهتمامك.. و لكني سأقدر مجاملتك اللطيفة في حال لو غيرت صيغة الفرد إلى المثنى..
امتقع وجه فادي و استدار إلى حيث المقود و انطلق بسيارته..بينما وكزت عالية لينا بمرفقها و هي تهمس لها:ماذا فعلت؟
لم تنطق لينا بحرف واحد.. و في محاولة من عالية لتلطيف الجو قالت: أتعلم يا فادي؟.. ستبيت لينا عندي بضعة أيام..
و باقتضاب أجاب فادي: حياها المولى..فبيت عمها كبيتها..
التزمت لينا بالصمت بينما تعلق بصرها بالنافذة .. تراقب السيارات و المارة..و تقرأ لوحات المحلات..
و بعد بضع دقائق أوقف فادي سيارته أمام أحد المحال و قال مخاطباً عالية:أوصتني أمي أن أجلب خبزاً معي.. لن تأخر..
و ترجل من سيارته دون أن ينتظر أن يسمع رداً من أخته..
التفتت عالية نحو لينا و قالت لها بعصبية: ماذا فعلت؟.. ها قد غضب منك..
التفتت إليها لينا و أجابتها بحنق: ألم تري كيف كان يحدثني..؟
- لا تصنعي عقداً من لا شيء..فادي ابن عمك..
- أنت قلتها.. ابن عمي فقط.. أي أن عليه أن يحترم الحواجز التي تفصلنا عن بعضنا..
- أي حواجز؟..أنت تبالغين.. الفتى أحب أن يعتذر لك بطريقته الخاصة..
- و أنا شكرته و انتهى الأمر..
- لن تتغيري أبداً..
- لأنني على صواب..
في هذه الأثناء ارتفع رنين الهاتف الخلوي فقالت عالية: يبدو أنه هاتفك الخلوي..
فتحت لينا حقيبتها و بدأت بالبحث عن هاتفها و هي تردد: يا إلهي.. الحقيبة ممتلئة.. إني لا أراه...
انحنت عالية إلى حيث موقع قدم لينا .. و انتشلت من هناك هاتفاً خلوياً و أعطته للينا و هي تقول: أ هذه هو؟.. يبدو أنه قد و قع منك عندما دخلت السيارة..
أمسكت لينا بالهاتف في عجل و قلبته بين كفيها و عقبت: نعم إنه هو..
و لكن مع حروف كلمتها الأخيرة توقف رنين الهاتف..
فألقت به لينا في حقيبتها بينما سألتها عالية: من كان المتصل؟
-لم أرى الاسم..
-و لم لا ترينه الآن..؟
-سأراه عندما نصل منزلكم..
-ماذا لو كان شخص ما يريدك لأمر مهم..
-عندها سيعاود الاتصال بي ثانية..
- يا إلهي ما أبردك..!!
-شكراً على ثناءك..
عاد فادي إلى السيارة.. و وضع أكياس الخبز على المقعد المجاور و انطلق إلى منزله بسرعة..بينما غيمت على السيارة ساحبة هدوء و صمت ثقيلتين.. لم يقطعها سوى أصوات أبواب سيارة فادي التي فتحت أمام منزلهم لتخرج منها لينا و عالية..يعقبهم فادي..
دخل الثلاثة إلى بيت العم صالح..فتوجه فادي إلى غرفته.. بينما مضت لينا بصحبة ابنة عمها إلى حيث كان يجلس عمها و زوجته.. فسلمت علية و سألت عن أحواله..و من ثم انطلقت الاثنتان نحو غرفة عالية.. و هناك ارتمت لينا على سرير عالية و هي تقول: يا إلهي كم أرغب بالنوم..
أشارت عالية للينا بسبابتها و هي تقول: لا نوم قبل أن نتناول الغداء.. و إلا ستغضب أمي كثيراً..
- و من يستطيع التأخر عن طبخ والدتك الشهي..!
- جيد إذن.. فلتبدلي ثيابك إلى أن أنتهي من الاستحمام..
-حسناً.. و لكن لا تتأخري علي..
أخرجت عالية ملابسها من خزانتها و أجابت و هي تدخل الحمام: لا تقلقي لن أتأخر..
استرخت لينا على سرير عالية الوثير..و قد سمحت لأطرافها بالتراخي..فقد كان يومها الجامعي حافلاً و متعباً..و فجأة ارتفع صوت الهاتف الخلوي.. فمطت لينا شفتيها في حنق و هي تردد: من هو هادم الراحات هذا؟
و اعتدلت جالسة على السرير..و من ثم أمسكت حقيبتها و أدخلت يدها لتخرج الهاتف الخلوي..و لكنها شعر ت بشيء غريب..فدنت نحو حقيبتها و نظرت فيها..ليصطدم بصرها بهاتفين خلويين لهما نفس الشكل تماماً.. و في دهشة عارمة أخرجت لينا الهاتفين.. و دققت النظر فيهما و هي تردد:مستحيل..أحدهما لي بالتأكيد.. و لكن لمن الآخر؟
دققت لينا في شاشتي الهاتفين لتقرأ على أحدها اسم فادي..عندها وضعت الهاتفين بجوارها على السرير.. و أسندت رأسها إلى كفها و هي تقول:يالـ الإحراج..
ثم التفتت إلى هاتف فادي الخلوي و هي تقول: ماذا سيظن بي الآن..!! ما هذا الحظ العاثر..
أمسكت لينا بهاتف فادي.. و ألقت عليه نظرة مطولة.. و من ثم وقفت و هي تقول: علي أن أعيده على أي حال.. سأعطيه عمي و هو سيتكفل بإعادته إليه..
مضت لينا بخطى سريعة نحو الباب و ما أن أمسكت بمقبض الباب حتى ارتفع صوت رنين هاتف فادي ثانية..فتمتمت لينا قائلة: ماذا الآن؟..
و رفعت الهاتف إلى مرمى بصرها.. لتقرأ اسم المتصل..و هتفت في استنكار: سلمى؟.. من سلمى؟
قربت لينا الهاتف أكثر من عينيها و هي تؤكد قائلة: أنا لم أخطئ.. إنها سلمى.. و لكن من سلمى..أتكون؟!
تراجعت لينا بضع خطوات للوراء و كأن الفكرة قد صعقتها.. و استرجعت كلام هيثم لها هذا الصباح..ثم عادت لتنظر إلى الهاتف في قلق حتى توقف عن الرنين..عضت لينا شفتيها في توتر و هي تعقب: و ما دخلي أنا فلأعيد له هاتفه و أرتاح.. هذه ليست مشكلتي..
و عادت تمضي نحو الباب.. و لكنها ما أن لامست مقبضه حتى شعرت ببرودته تنتقل إليها فانتفضت.. و عادت تنظر إلى الهاتف من جديد..و من ثم ضغطت زراً فتح لها قائمة بأسماء الأشخاص المسجلة أرقامهم في هاتف فادي الخلوي..و ما أن رأتها حتى وضعت كفها على فمها لتطلق شهقة مكتومة..
ذلك لأن معظم تلك الأسماء........
كانت...
لفتيات..
*****************************
جلست نهى بجوار لؤي و هي تحتضن و سادة صغيرة.. و دققت النظر في وجه أخيها..و سألت في قلق: ما بك يا لؤي..؟
و لكن لؤي لم يجبها..
ربتت نهى على كتف أخيها و هي تكرر اسمه.. فانتبه لها هذا الأخير و قال:آه.. أنا آسف لقد سرحت قليلاً..
ابتسمت نهى و هي تسأل: ما الذي يشغل بالك؟
رسم لؤي على شفتيه ابتسامة صغيرة و عقب قائلاً: لا شيء لا تقلقي بالك أنت بي..
- حتى لو أخفيت عن العالم كله.. فلن تستطيع أن تخفي عني شيئاً مهما كان صغيراً..و الآن ما الأمر..؟
- صدقيني.. لا شيء يذكر.
-أنسيت أنني أختك حبيبتك..هيا أخبرني يا لؤي ما الأمر..؟
صمت لؤي للحظة فعقبت نهى قائلة بصوت متهدج: أعلم بأنني لست كأمي و لكن.. أعطني فرصة و أفرغ همومك في مسامعي..
نظر إليها لؤي في حنان و قال: أنا لم أقصد ذلك.. كل ما في الأمر أنني لم أرد إزعاجك..
-إزعاجي!!.. أنا من يزعجك على الدوام..حتى أنني أدين لك بالكثير.. أفلا تسمح لي بتسديد بعض ديوني..!!
- لا ديون بين الأخ و أخته..
-و لا أسرار..هيا أخبرني فلقد تعبت من الجدال..
تنهد لؤي في عمق و عقب قائلاً:خالي هيثم..
- ما به؟
- علم أنني لم ألتحق بكلية الطب..
و في انفعال أجابت نهى: هل أخبرته؟.. ألم نتفق على أن نبقي الأمر سراً في الوقت الحالي..
- لقد اكتشف ذلك بالصدفة..
-ما كانت رد فعله؟
-ماذا تتوقعين؟
تنهدت نهى و عقبت قائلة:عليك أن تشتري رضاه حتى لا يخبر أحداً..فيصل الخبر إلى أبي..
- و إلى متى سأظل أعيش في هذا الكابوس.. إلى متى سأظل حبيس الخوف..أنا لم أرتكب ذنباً بتركي كلية الطب..
- و لكنك حطمت أحلام والدنا تماماً.. أحلتها إلى قاع صفصفاً..
-حاولت أن أقنعه أكثر من مرة و لكن بلا جدوى.. لقد كان متمسكاً برأيه..
-و ماذا ستفعل الآن؟
-سأحل قيودي.. و سأدافع عن حريتي.. سأنتظر أبي لأخبره بكل شيء..
-أنت لا تقدر العواقب يا فتى..رغم أنك تعلم جيداً أن هذا الموضوع الوحيد الذي لو فاتحت والدي به فستنهال عليك المصائب تترا..
-مللت من مكوثي في الظل..
-على كل والدي لن يعود اليوم..
-لم؟.. ألديه اجتماع طارئ..
-كلا مطلقاً..و لكن عمتك الشمطاء أصرت أن يصطحبها لأداء العمرة..
-ألن يتعدل هذا اللسان؟.. كفي عن ترديد تلك الكلمة..
-دعك من ذلك..المهم أنني أخشى أن تكون عمتك تخطط لمصيبة ما..
-عمتي طيبة يا نهى.. لكنك لم تستطيعي فهمها..
-اسمع يا لؤي.. إياك أن تدافع عن عمتي مها ثانية.. و إلا لن تجدني إلى صفك أبداً..
-أين ذهبت الأخوة..؟
-إلا أمي يا لؤي..
-و ما دخل أمي..؟
-لا تتظاهر بالبلاهة.. إن تزوج والدي فهذا يعني أن أمي ستمحى تماماً من أركان هذا البيت..
-أمي موجودة في قلوبنا و أرواحنا..و لن يستطيع كائن من كان أن ينزعها من حياتنا..
-كلا.. هناك من يقدر.. زوجة ثانية ستنسي أبي كل ما يتصل بوالدتي.
-إذاً فأنت لا تعرفين والدي جيداً..
-بلى أعرفه..و أعرفه جيداً..لذا انتهز أول فرصة و ارضي خالك.. فلم يأت بعد الوقت المناسب لإشعال الشرارة..
-و لكن..
-خذ برأي و لو لمرة في حياتك و لن تندم..
-لطالما كنت آخذ برأيك..حتى أنني لم أرفض لك طلباً فهل أرفض لك أمراً..!!
سأفعل يا أختي..
سأفعل..
**************************************
هجر النوم عيني لينا إلى حيث لا تدري..بينما حامت الأفكار تختلط بصوت هيثم و كلماته..و بالأسماء التي رأتها لينا في هاتف فادي..فتقلبت في سريرها بحثاً عن النوم و هرباً من تلك الأفكار دون جدوى..
اعتدلت لينا جالسة على السرير و ألقت نظرة على عالية التي كانت تغط في نوم عميق..ثم ألقت نظرة على عقارب الساعة التي كانت تشير إلى الساعة الثانية إلى ربع ليلاً..
تنهدت لينا من أعمق أعماق صدرها.. فعادت الأفكار تشن حروباً في عقلها..فما كان من لينا إلا أن أمسكت رأسها بكفيها و حركته بقوة..لعل تلك الخيالات أن تطير بلا رجعة من عقلها..
مضت لينا بخطوات وئيدة نحو النافذة.. و أخذت تنظر من خلالها و هي تسأل نفسها: ترى ماذا علي أن أفعل؟.. هل أخبر عمي بالأمر؟.. أم التزم الصمت؟ و إن تحدثت.. فهل سيصدقونني؟..أم سيتهمونني بأني أفعل ذلك انتقاماً لمدى؟..و لم لا يفكروا بذلك؟.. إن كانت عالية الأقرب لي قد فكرت بأمر مشابه.. يا إلهي ماذا أفعل؟
و مع آخر حروفها.. رأت لينا فادي عبر النافذة و هو يركب سيارته و ينطلق بها مغادراً المنزل..هنا استجمعت لينا شجاعتها و هي تتمتم:علي أن أتأكد إن كان الأمر يقتصر على جهازه الخلوي فقط أم لا حتى أستطيع أن أحدد المشكلة بشكل دقيق..
و بخطوات خفيفة خرجت لينا من الغرفة..و اقتربت بترقب و وجل نحو غرفة فادي..أمسكت مقبض الباب..و لكنها تراجعت بضع خطوات و هي تتمتم: ما الذي دهاني؟..ما أفعله خطأ.. لا يحق لي أن أفتش غرفته..
ثم ازدرت ريقها و هي تكمل: ما لي أنا و مال المشاكل.. أنا مجرد ضيفة هنا لا أكثر و لا أقل...
جرت لينا قدميها إلى غرفة عالية.. و قبل أن تصلها ببضع خطوات.. عادت و استدارت نحو غرفة فادي..و فجأة ركضت بسرعة عبر الممر و دخلت غرفة فادي و أغلقت الباب خلفها بهدوء..و من ثم أسندت ظهرها إلى الباب و صدرها يعلو و يهبط بشدة.. لدرجة أقلقت لينا فجعلتها تضع يدها على قلبها لبرهة حتى هدأ روعها.. ثم همست لنفسها قائلة: علي أن أجد حلاً لمشكلة الفضول التي لدي..
ثم استدركت: لم أخدع نفسي؟.. إنه الإحساس بالمسؤولية و الاهتمام أكثر منه فضولاً..ففادي ابن عمي.. و سمعته من سمعتي..
جالت لينا في أنحاء الغرفة.. ثم اقتربت من منضدة قرب سرير فادي.. و أخذت تبحث في أدراجها.. و عندما لم تجد فيها شيئاً اقتربت من مكتبه و بدأت تفتش في أدراجه..أخيراً وقفت و هي تنظر إلى الخزانة الكبيرة التي تستند إلى أحد جدران الغرفة.. و قالت:هذه الخزانة تحتاج إلى وقت طويل حتى أفتشها و لست أملك الوقت..فلأخرج من هنا.. و لأطرد من ذهني وساوس الشيطان..
استدارت لينا لتغادر الغرفة..و لكن صوت دقات الساعة التي كانت معلقة على الحائط أفزعتها فتحركت إحدى يديها إلى سطح المكتب لتصطدم ببعض الكتب و تلقي بها أرضاً.. بينما تحركت الثانية إلى حيث قلبها الذي خيل إليها أنه سقط من بين ضلوعها..
توقفت دقات الساعة عند الثانية مساءاً..و لكن لينا ظلت جامدة في مكانها بلا حراك..و ما كان يفرقها عن الأموات إلا صوت أنفاسها المتسارعة..
مضت لحظات ثقيلة على لينا حتى استجمعت قوتها و عقبت في وجل: علي أن أغادر بأسرع وقت..
ألقت لينا نظرة على الكتب الملقية..و انحنت لتلتقطها..و بينما هي كذلك لاحظت صورة فوتوغرافية قد ظهر جزء ضئيل منها من طرف أحد الكتب..فسحبتها.. و نظرت إليها..و إذا بعينها تجحظان على نحو عجيب..
عادت لينا لتقلب صفحات الكتب الملقية على الأرض.. و في كل منها وجدت مجموعة لصور فوتوغرافية أخرى مماثلة..
وقفت لينا و بدأت تبحث في الكتب القابعة على المكتب لتجد في أعماقها المزيد..
فمسحت على شعرها في توتر..و رمت ببصرها إلى حيث الصور المبعثرة على الأرض قرب قدميها..
تلك الصور التي لم تكن سوى..
صوراً..
لفتيات........
****************************
في أمان الله....
shanona
•
أهلا بأنسه دونا الكاتبه البارعه
أرجوكي أكملي القصه فهيا رائعه
أرجوكي أكمليها لنا
وحشتتيني كتير دونا
أرجوكي أكملي القصه فهيا رائعه
أرجوكي أكمليها لنا
وحشتتيني كتير دونا
جزء رائع وموفق وتنوع مثير في الأحداث..
بورك قلمك يادونا ..
وننتظرك ونتابعك..
ولكني لاحظت على غير مااعتدت منك أن هناك بعض الأخطاء الإملائية البسيطة وهناك بعض الكلمات التي أسقط منها حرفا سهوا وعزيت ذلك إلى سرعة الكتابة وطول الجزء..
وفقك الله وأعانك:26:
بورك قلمك يادونا ..
وننتظرك ونتابعك..
ولكني لاحظت على غير مااعتدت منك أن هناك بعض الأخطاء الإملائية البسيطة وهناك بعض الكلمات التي أسقط منها حرفا سهوا وعزيت ذلك إلى سرعة الكتابة وطول الجزء..
وفقك الله وأعانك:26:
الصفحة الأخيرة
أعتذر إن حملتك همومي..
أفضت علي حباً و حناناً..
لا حرمني الله من عطائك أخيتي..
----------------------
عصفورة الربيع...
من بعض ما عندكم..
أحرجتني بحلو كلامك..
عزيزتي..
كلما عدت وجدت شمعة من ماس..
تتوج باسمك يا عصفورة..
بحق..
أنت شموع لا تنطفئ ...
أبداً..