شعنونة..........و حشتني أكثر..
-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*
الجزء العاشر (معركة مظلمة..)
ارتفع رنين الساعة القابعة بجوار سرير ديمه مبكراً على غير عادته..فامتدت يد ديمه في بطأ لتضغط زر الإقفال..و في كسل اعتدلت ديمه جالسة على سريرها و قد فردت ذراعيها إلى الأعلى..ثم ألقت نظرة سريعة على ساعتها و هي تتم:علي أن أسرع فأمامي الكثير من الأعمال التي يتوجب علي إنجازها..
غادرت ديمه سريرها لتنجز استعداداتها الصباحية الروتينية.. و ما أن انتهت حتى جلست أمام التسريحة تنظر للمرآة..
و من بين شفتيها ولدت ابتسامة واثقة لترى النور.. ثم تفوهت قائلة:اليوم سأفاجئ الجميع.
و على عجل التقطت ديمه مقبض شعر و رفعت به شعرها.. و من ثم أخرجت علبة تحتوي على خلطة كريمات كانت قد أعدتها مسبقاً.. و بتأني أخذت تدهن الخلطة على وجهها بأطراف أصابعها.. و ما أن انتهت حتى انطلقت إلى دولابها.. و بحذر و حرص شديدين أخرجت منه فستانها الوردي و من ثم وضعته بهدوء على سريرها و هي تنظر إليه بإعجاب و فخر.. و بسعادة جمة جلست بقربه و هي لا تفتأ تنظر إليه..و همست قائلة: بفستان كهذا سأكون حتماً سندرلا الحفلة..
ثم ضحكت بمرح و عقبت قائلة: و لكنني لن أترك حذائي.. فليس من اللياقة أن أغادر المكان حافية.. يبدو أن سندرلا كانت تفتقر لبعض الذوق..
و للحظة تنبهت و عقبت في فزع: يا إلهي حذائي!!!.
و أسرعت إلى دولابها مجدداً و بدأت تفتش فيه حتى وجدت حذائها الوردي الذي كانت قد اشترته لهذه المناسبة..و في سعادة أطلقت ديمه تنهيدة ارتياح و عقبت قائلة: الآن لم يتبقى لي سوى أن أستعير حلق مدى ذو الفص الوردي حتى أطل بدراً ساحرًا لا تملك الأبصار أمامه سوى أن تنظر إليه بإعجاب..
ثم استدركت قائلة: هذا إن لم تكن مدى تفكر في ارتداءه في حفل اليوم..
و بسرعة مضت ديمه نحو غرفة مدى و هي تتمتم قائلة: فلأسألها الآن حتى أستطيع أن أبحث عن بديل في حال قررت ارتداؤه..
طرقت ديمه باب غرفة مدى طرقات خفيفة.. و عندما لم تتلقى رداً فتحت الباب و دلفت إلى الداخل.. ثم أدارت ببصرها في أنحاء الغرفة في عجب.. فلقد كانت الغرفة مظلمة تماماً بحيث لا يُرى منها شيء.. ذلك لأن الستائر الثقيلة كانت مسدلة على كامل النوافذ و بالتالي منعت أشرعت الشمس من الولوج إلى الغرفة..
تحسست ديمه بيدها مكان مفتاح النور على الحائط.. و ما أن وجدته أن فتحته..و قد مطت شفتيها في حيرة..و بسرعة اقتربت من مدى و أخذت تهزها بيدها و هي تتطلب منا الاستيقاظ..
فتحت مدى عينيها بتثاقل فاصطدمت عيناها بنور المصباح فعادت لتقفلهما في عجل و هي تهتف: أقفلي النور بالله عليك أريد أن أنام..
و لكن ديمه أجابتها قائلة: كلا لن أقفله.. ثم ما كل هذا الظلام الذي تحوطين به غرفتك؟!.. يبدو أن الغرفة تفتقد لينا بجنون..
فركت مدى عينيها و هي تعقب في جفاف: ألم يحن لهذه الفتاة أن تعود من بيت عمي؟!
- ربما تعود اليوم..دعك من لينا الآن و استيقظي هيا..
مطت مدى شفتيها في حنق و اعتدلت جالسة على سريرها و قد بدأت عيناها تتآلف مع ضوء المصباح.. و ما أن استبانت وجه ديمه حتى صرخت في تعجب: ما هذا الذي على وجهك..!!
عقدت ديمه ذراعيها على صدرها و أمالت برأسها جانباً و هي تجيب: قناع !!
و في سخرية سألت ديمه: و ما فائدة هذا القناع؟
هزت ديمه رأسها في ازدراء و عقبت: إنه للعناية بالبشرة و لإضفاء المزيد من الجمال و الرونق و النضارة عليها..
و بسخرية أكبر عقبت مدى: حقاً!!
تنهدت ديمه في ضيق فنظرت مدى إلى ساعة يدها و في ذهول هتفت: إنها التاسعة!!
و بابتسامة عريضة أجابت ديمه:أعلم هذا..
و في استنكار عقبت مدى:ما الذي أيقظك في وقت مبكر كهذا؟!.. هل حدث مكروه؟
- الكل بخير..
-إذن ما الأمر؟
-لدي الكثير من الأعمال التي علي إنجازها..
-و أي نوع من الأعمال هذه ؟
و بخطى بطيئة اتجهت ديمه إلى المرآة لتتفقد القناع الذي وضعته على وجهها و هي تجيب في برود: ذلك النوع من الأعمال الذي لا تجيدينه..
و بلهجة صارمة ردت مدى: انتبهي لكلمات يا ديمه.
التفتت ديمه بحركة حادة نحو أختها و هي تقول:لا.. لا.. لا تغضبي أرجوك.. أعتذر لك..
- ما كل هذا الأدب..
- إنها الحاجة..
- و ما هي حاجتك..؟
-أريد حلقك ذو الفص الوردي.. هل تعيرينني إياه؟
- الآن فقط فهمت.. لابد أنك ستذهبين إلى حفلة ما..
-حفلة ما؟ ما بك يا مدى هل نسيت؟!
و باستنكار عقبت مدى: نسيت ماذا؟
عادت ديمه تنظر إلى المرآة من جديد و هي تجيب: اليوم حفل زفاف هادي..
و بحركة حادة نهضت مدى من سريرها و هي تعقب: زفاف هادي!!..اليوم..!!
التفت ديمه إليها في حيرة و أجابت و هي تتفرس ملامح أختها قائلة:نعم..
أغمضت مدى عينيها ببطأ و من أعماقها أطلقت زفرة حارة.. و من ثم سألت قائلة: و هل ستذهبين؟
و في وجل أجابت ديمه سؤال مدى بسؤال: هل أنت على ما يرام؟
فتحت مدى عينيها ببطأ و هي تكرر سؤالها بلهجة صارمة: هل ستذهبين؟
ألقت ديمه نظرة خاطفة متفرسة على أختها و أجابت: كلنا سنذهب..
و بعصبية عقبت مدى: كلكم؟
- نعم.. كلنا.. ألن تذهبين؟!
و بعصبية أكبر هتفت مدى: كيف لك أن تسألني سؤالاً كهذا؟!.. بل كيف لكم أن تذهبوا إلى حفل زفاف هادي؟!
أطلقت ديمه تنهيدة قصيرة و عقبت في ضيق: يا إلهي يا مدى.. ألم تنسي بعد؟!
و في ذهول ممزوج بغضب أجابت مدى: أنسى؟!.. كيف لكم أن تتناسوا جراحي؟!.. كيف لكم أن تطئوا على دمائي و كأن شيئاً لم يكن؟!..
و بعصبية هتفت ديمه بدورها: بربك كفى..كفى .. الموضوع مات و انتهى.. فلا تعيدي إحياء ماض قد مات..
-و من قال لك أنه مات؟!..
- حتى و إن لم يمت في أعماقك.. فلتخنقيه.. فلتدفنيه في التراب..ألقي به خلف ظهرك.. كفاك ندباً لحظك..فلقد أتعبت نفسك و أتعبتنا..
-و لذا أعلنتم خيانتكم علي..
و في ذهول ضربت ديمه بيدها على صدرها و هي تعقب: خيانة؟!
صرخت مدى مجيبة: ألستم تنون حضور حفل زفاف هادي؟!.. أليست هذه الخيانة بعينها؟!..
حركت ديمه رأسها غير مصدقة و هي تعقب: غير معقول.. إلى هذا الحد وصل بك سوء الظن.. نحن إخوتك لا أعدائك..
- كفى كذباً.. كل تصرفاتكم تثبت العكس..
- يا إلهي يا مدى.. أصبحت لا تطاقين أبداً..
مع حروف كلمتها الأخيرة دلف إياد إلى الغرفة و هو يسأل في قلق: ما الأمر؟.. لم كل هذا الصراخ؟
و في عصبية التفتت ديمه إلى إياد و هي تشير بإبهامها إلى مدى قائلة: اسألها..
و لكن ما أن وقعت عينا إياد على وجه ديمه المغطى بالكريم حتى أطلق ضحكة لم يستطع كبح جماحها فسألته تلك الأخيرة في استنكار: ما الذي يضحكك..؟
أجابها إياد بلهجة ساخرة: ما هذه الخريطة المرسومة على وجهك..؟
مطت ديمه شفتيها في حنق و أجابت: دعك من خريطتي.. فهي لن توصلك أبداً إلى ما في ذهن مدى..
استعاد إياد الجدية و هو يسأل: ما الأمر؟
عندها أجابت مدى بلهجتها الجافة: لم أنت هنا؟.. أليس لديك عمل؟
- بلى لدي.. و لكن صديقي عامر تطوع بأن يأخذ مكاني اليوم..
- ما هذا الكرم؟
- لقد ذهبت إلى العمل متأخراً حيث أنني أوصلت فستان لينا إليها في بيت عمي.. و عندما سألني عن سبب تأخري و علم بأن زفاف ابن عمي اليوم تبرع مشكوراً بتغطية مكاني..
-أتعني أنك تنوي الذهاب أنت أيضاً..؟
-بالطبع يا مدى..فهادي ابن عمي...
عندها صرخت مدى: و أنا.. ألست بأختك؟.. ألست بأقرب منه إليك؟!.. لم تصرون على إيذائي؟..لم لا تشعرون بي؟..هل فقدتم معالم الإحساس إلى الأبد؟..أم أنها أبداً ما كانت فيكم..!!
هتف إياد باستنكار: مدى!!
قاطعته ديمه معقبة: أرأيت.. إنها هكذا منذ أن علمت بأننا سنحضر حفل الزفاف..
تنهد إياد تنهيدة قصيرة ثم التفت إلى ديمه و همس لها قائلاً: ديمه.. أرجوك دعينا وحدنا..
نظرت ديمه إليه باستغراب و عقبت: لا فائدة ترجى من هذه الفتاة..
نظر إليها إياد نظرة ذات معنى.. فألقت ديمه بدورها نظرة نحو مدى ثم عادت تقول لإياد:و لكن.
قاطعها إياد قائلاً: ديمه لا تتعبني معك.. اذهبي و أزيلي تلك الخارطة من على وجهك هيا..
و في حنق أجابت ديمه: حسناً.. و لكنك ستندم إذ لم تستمع لكلامي..
و خرجت مسرعة..
أقفل إياد الباب بهدوء.. بينما جلست مدى على طرف سريرها و هي تقول بنفس لهجتها الجافة: ماذا تريد؟
و بهدوء أجابها إياد: أن أساعدك..
-لن يستطيع أي منكم مساعدتي مهما حاولتم.. أتعلم لما؟ لأنني وحيدة في قلب معركة مظلمة.. أتمركز في بؤرة المشكلة.. فكيف لكم أن تساعدونني و أنتم خارجها..مهما حاولتم فلن تستطيعوا أبداً أن تشعروا بي و لا بآلامي..
أطلق إياد زفرة حارة..ثم اقترب من مفتاح النور.. و أقفله..فأظلمت الغرفة تماماً..و هتفت مدى قائلة: لم أقفلت النور؟
أسند إياد ظهره إلى الحائط و قال: الآن.. نحن الاثنين في قلب المعركة المظلمة..
تطلعت مدى إلى حيث كان يقف إياد و إن كانت لم تستطع أن تستبين ملامحه.. و أجابت بلهجة ظهر فيها شيء من الهدوء: أتظن؟!
-مدى.. نحن معك في المشكلة منذ اللحظة الأولى.. أتعلمين لم؟..لأنك تحملين اسم عائلتنا.. لأنك أختنا.. ربينا معنا.. و كبرنا معاً.. بكينا معاً قرب جسد والدي الذي فارقته الروح.. وصلينا على فداء معاً الصلاة على الميت..و فيها توحدت دعواتنا.. و نبضات قلوبنا.. لأننا باختصار أخوة يا مدى.. جرح الواحد منا جرح لكل..
- كفاك تنميقاً للكلمات.. انظر حولك.. الكل يعاتبني و يتهمني بالجنون..
-لا تلوميهم يا مدى.. الكل حاول أن يضمد جراحك بأسلوبه.. و لن تستطيعي أن تنكري ذلك.. حتى العتاب و اللوم كان جزءاً من محاولاتهم لإعادة المياه العذبة إلى شرايينك..
-أنت قلتها.. كل حاول بأسلوبه.. لأن أحداً منكم لم يستطع فهمي أو حتى الإحساس بأشلائي المبعثرة..
- لا تنكري أنهم بذلوا كل جهدهم لكي يشعروا بما تشعرين..
- لا يشعر بحرارة النار سوى من يده فيها..
- و من كانت يده في النار سينشغل بها عن التفكير الصحيح و سيشغل باله بحروقها و ألامها..
- أتتهمني بالعجز؟!
- أنا لم أقل ذلك.. كل ما عنيته أن عليك أن تستمعي لنا.. أن تفكري فيما نقول.. أن تجربي اقتراحاتنا.. فعلى عكسك.. بالنا مشغول بك.. و بك فقط..
- و ماذا تريد مني أن أسمع؟!.. عبارات اللوم و التأنيب..؟!
-إن كنا سنلوم فنحن الملامين بالدرجة الأولى.. فنحن شئنا أو أبينا كنا قد شاركنا في إعداد فتيل القنبلة..و لن نستطيع أن ننسى أو أن نتناسى ذلك.. و إن لم نعتذر فذلك لأننا على يقين من أن عبارات الإعتذار هي آخر عبارات تودين سماعها..
- فكيف تريدون مني إذن أن أنسى.. أن ألقي بكل شيء خلف ظهري و كأن شيئاً لم يكن!!
- لن أطلب منك أن تنسي يا مدى.. لأن التجارب التي تمر بالإنسان هي التي تصنع منه شخصاً قوياً قادراً على المضي إلى الأمام.. ثم النسيان ليس بيدك.. الأيام وحدها قد تنسيك..
- كيف تنوي مساعدتي إذن..؟
- اشغلي نفسك..
-اشغل نفسي؟!!
-نعم.. الفراغ و الملل يجبرانك على حصر تفكيرك في نفس الدائرة الضيقة.. حاولي أن تشغلي نفسك يا مدى.. ما رأيك مثلاً أن تلتحق بدار تحفيظ للقرآن..؟
-لا أملك ذهناً صافياً للحفظ...
-كيف لك أن تحكمي و أنت لم تجربي!!.. اشغلي نفسك بكتاب الله تعالى و ستجدي فيه الأنيس و الونيس و المعين إن شاء الله.. ارفعي يدك بالدعاء لعله يرزقك الصبر و يجزيك عن بلواك خير الجزاء..افتحي الستائر.. زوري صديقاتك و أقاربك.. لا تدفني نفسك.. و لا تحاولي أن تعاقبيها..فهي لا تستحق منك العقاب.. أثبت للجميع أنك مدى..نعم مدى.. مدى الجديرة بأن تحمل اسم عائلتنا.. و لا تسمحي لكلام الناس أن يهجم عليك كرماح ملتهبة.. فتنغرس فيك إلى آخر رمق.
تغيرت ملامح مدى مع كلمات إياد الأخيرة و تراخت راسمة ملامح مستسلمة و هي تسأل في تردد: أتظنني سأستطيع..؟
-أعلم أن الأمر سيكون صعباً لا عليك فقط.. بل علينا جميعاً.. و لكننا سنكون معك و بقربك.. و لن نتركك أبداً..
-أتعدني يا إياد..
-بالطبع أعدك..و لكن أتعديني بأنك ستحاولين و لن تيأسين؟
- نعم أعدك و من الغد إن شاء الله سألتحق بدار لتحفيظ كتاب الله.. و سأحاول ما بوسعي ما دمتم بجواري..
-و لم لا تبدئي من اليوم؟
-أعلم إلى ما تلمح يا أخي و لكن صدقني لن أستطيع حضور حفل زفاف هادي مهما حاولت.. رويدك علي..
- ثقي بي يا مدى.. قد تكون المواجهة صعبة و مؤلمة لكنها أكثر ما يولد طمأنينة و راحة مع النفس.. أعطي نفسك حقها.. و ستعطيك دفعة قوية نحو الأفضل..
-لا يا إياد..لن أستطيع.. فلتذهبوا أنتم إلى حفل الزفاف..
-و لكن يا مدى ماذا سيقول عمي و عائلته عندما لا يروك في الحفل.. لا أظنك ترضين لنا باللوم..
- لا تحملني يا إياد فوق ما أطيق.. و عدتك أن أحاول و أن أحسن وضعي.. و لكن رفقاً بي.. فجروحي عميقة.. أرجوك يا إياد..
تنهد إياد و قال: لا بأس.. يكفيني أنك تفهمتني و استمعت لي.. و عدتني..
و مع آخر حروفه فتح إياد الستائر فغمر النور الغرفة و انتشر في كل مكان و هو يقول: و الآن..حلت المشكلة.
ابتسمت مدى و عقبت في أعماقها قائلة:
أتمنى ذلك......
من كل..
قلبي.....
***********************
ألقت لينا نظرة سريعة على تسريحة شعرها و ماكياجها.. و في رضا شكرت لينا مصففة الشعر.. ثم غادرت مقعدها إلى حيث كانت تجلس عالية في صالون التجميل و العناية بالشعر..و على عكس لينا كانت عالية.. حيث كانت توقف مصففة الشعر ما بين الفينة و الأخرى طالبة منها تعديل خصلة.. أو تغير موقع أخرى..
استدنت لينا إلى طرف الطاولة التي كانت تحوي مجفف الشعر و عدد من الربطات و الفرش.. و بابتسامة قالت محدثة عالية: رويدك يا ابنة عمي.. هذا حفل زفاف هادي.. لا حفل زفافك..
رفعت عالية أحد حاجبيها و هي تجيب: و لكنه قد يكون الطريق التي تمهد لي زفافي..
أجابتها لينا مداعبة:لا تبني أحلاماً كبيرة حتى لا تتحطمي إن لم تحدث..
- بل ستحدث يا لينا و سأذكرك..
ثم استدركت قائلة: و الآن هلا استدرت و أريتني كيف يبدو شعرك الملتف من الخلف..
استدارت لينا بحيث أصبح ظهرها مواجهاً لعالية.. و بتأني و حرص تحسست عالية أطراف شعر لينا و عقبت: ما شاء الله.. شعرك في أبهى صورة..
التفت لينا نحو عالية و هي تحمل بسمتها ذاتها قائلة: هذا لأني لا أتشرط.. بسيطة و سهلة الإقناع..
-لا تتفاخري.. سترين كيف سيبدو شعري بعض لحظات..
و مع آخر حروفها أعلنت مصففة الشعر انتهاءها من شعر عالية.. و من ثم حملت مرآة صغيرة في يدها لتري عالية شكل شعرها من الخلف..
اقتربت لينا من عالية و ألقت نظرة على شعرها و عقبت قائلة: ما شاء الله.. تسريحة شعرك متقنة و في غاية الجمال..
و في دهاء ردت عالية:ذلك لنني أشرفت عليها بنفسي..
هنا استأذنت مصففة الشعر من عالية و غادرت لتنادي خبيرة الماكياج حتى تقوم بوضع اللمسات النهائية على وجه عالية.. فاستغلت لينا مغادرتها و في تردد سألت قائلة: عالية.. كيف هي علاقتك مع فادي..؟
أجابت عالية و هي تتأكد من ثبات خصلات شعرها بأطراف أصابعها و دون أن تنظر إلى لينا قائلة:جيدة..
- أعني.. هل تتحدثين معه؟.. بمعنى آخر هل تسألينه عن أحواله..؟ هل يشكي هو لك همومه؟..هل أنتم مقربين إلى بعضكما بحيث تعرفين عنه كل أسراره؟
و في خبث نظرت عالية نحو لينا نظرة ذات مغزى و سألتها قائلة: لم كل هذه الأسئلة؟
عقدت لينا ذراعيها أمام صدرها و عقبت قائلة: لا تبحري بخيالك إلى جزر مهجورة.. فأنا لا أعني الذي خطر ببالك.. كل ما في الأمر أنني أردت أن أطمئن على ابن عمي لا غير..
أسندت عالية ذقنها إلى كفها و هي تسأل لينا بدهاء:هادي أيضاً ابن عمك.. فلم تسألين عن فادي بالذات؟
- هادي.. حفل زفافه اليوم فلا قلق عليه..أما فادي فما زال فتىً مراهقاً قد يخطأ أو قد يسلك الطرق الملتوية..
- فادي بات شاباً ناضجاً.. و لا أظنه يحبذ الطرق الملتوية..
- ألا تخشين أن يسحبه هذا النضج إلى سلك المعاكسات الهاتفية و مقابلة الفتيات..؟
و بدهاء أجابت عالية و قد عادت لترفع حاجباً فوق الآخر: ما هذه الغيرة المبكرة يا عروس المستقبل؟
و في عصبية ردت لينا قائلة: عالية.. كفاك استفزازاً لي.. ألم تتعلمي أي شيء من مشكلة مدى؟
-وضعك و وضع فادي مختلف تماماً عن وضع مدى و هادي..
-معك حق.. الاختلاف هو أنني أنا و فادي نعلم جيداً أننا لا نصلح لأن يجمعنا عش زوجية واحد..ذلك لأنه في أقصى الغرب.. و أنا في أقصى الشرق..
-لا تجعلي غيرتك الزائدة تقتلك.. صدقيني.. من المستحيل أن يفعل فادي شيئاً مما قلت.
- أولاً هذه ليست غيرة.. ثانياً كل إنسان يخطأ..
- ثقي بي يا لينا.. عندما سيخطأ فادي فلن يكون خطأه في هكذا أمر..
- ما كل هذه الثقة؟!
-أليس أخي؟..ثم لا تنسي أننا ربينا معاً.. و نعلم جيداً ما يدور بذهن كل منا..
-عندما يكبر الشخص فإن شخصيته و أفكاره و عادته تتغير و تكبر معه..
- لن تفهميني مهما قلت.. ذلك لأنك لم تعيشي مع فادي الدهر الذي عشت.. بربك يا لينا.. كيف لفادي أن يقدم على فعل مشين كهذا و هو على الدوام يحذرنا من المعاكسات الهاتفية.. و يوصينا بأن لا نلقي بأنفسنا بين أنياب الذئاب من البشر..!!
تطلعت لينا إلى عالية في عجب ثم استدركت قائلة: ماذا لو كان يفعل ذلك لكي يبعد عن نفسه الشبهة...؟
وقفت عالية في حركة حادة و عقبت بلهجة صارمة: كفاك يا لينا.. لقد بدأت تتجاوزين حدودك حيث أنه لا يحق لك أن تتهمي أخي بأوهام خرقاء تسبح بلا هدى في خيالك المريض.. أنا أثق بفادي كما أثق بنفسي..لا أعلم ما سر تحاملك الزائد عليه..
- صدقيني يا عالية.. أنا لا أتحامل عليه.. كل ما في الأمر أنني لا أريد له أن يهوي في حفرة بلا قاع..
و في لهجة بدت فيها بوادر الغضب سألت عالية: و ما سر هذا القلق و الخوف؟ هل بدر منه نحوك أي تصرف مشين..؟
- مطلقاً..
-إذن هل لاحظت عليه شيء..؟
تتطلعت لينا في وجه عالية الغاضب للحظات.. ثم أشاحت بوجهها جانباً.. و ظلت صامتة لبرهة و هي تفكر في الإجابة المناسبة و من ثم آثرت أن تخفي الحقيقة فعقبت في خفوت: كلا..
ثم عادت لتنظر إلى عالية و هي تكمل: لم ألحظ عليه شيء..
جلست عالية على مقعدها بهدوء و هي تعقب:حتى و إن كنت ما زلت غاضبة من حديث فادي معك بالأمس.. فهذا لا يسمح لك أن تشككي بنزاهة أخي..
اقتربت لينا من عالية.. فأشاحت تلك الأخيرة بوجهها جانباً.. فجلست لينا على أطراف قدميها أمام مقعد عالية و قد أمسكته بيديها و قالت: عالية.. فادي ابن عمي.. و اسمه من اسمي.. نحن فروع لعائلة واحدة.. و ما يمسه يمسني.. صدقيني لم أقصد الإساءة..
أدارت لينا بوجه عالية نحوها و قالت: بربك يا عالية أنت أقرب الناس إلي.. إن لم تصدقيني أنت فمن سيفعل..!!
ثم طأطأت رأسها و أكملت قائلة: أكل هذا الغضب فقط لأنني أردت أن اطمئن على فادي.. ماذا كنت ستفعلين بي إذن لو ادعيت بأن فادي فعلاً شاب لعوب..
و رفعت رأسها ببطأ و هي تعقب: و أنني أملك دليلاً على ذلك..
و بلهجة حادة أجابتها عالية قائلة: عندها سأمحي اسمك من أوراق حياتي تماماً.. أنا و أمي و أخوتي.. بل و حتى أبي.. لأن فادي باختصار تربية والدي و نحن نثق بتربيته تمام الثقة..و أنا لا أتحدث عن الجميع من وجهة نظري أو من مجرد توقعات.. أنا واثقة من موقف عائلتي تماماً.. و خصوصاً أبي.. لأنه لن يكذب يديه التي ربتا و يصدق شخصاً مهماً كان شخصه.. و لن تجدي أحدا ليسمعك.. أو حتى لينظر في دليلك..
تعلق بصر لينا في عيني عالية التي كانت تحرقه بالنار المتطايرة من أعماقها.. فحارت نظراتها في الأرض لبرهة ثم عادت تنظر إلى عالية و قد رسمت ابتسامة مصطنعة على شفتيها و هي تعقب في لهجة حاولت أن يظهر فيها المرح قائلة:ما بالك يا فتاة؟!.. لم أعني بالجملة مضمونها.. كل ما في الأمر أنني أردت أن أورد لك مثالاً يستحق حالة الغضب التي تعاملينني بها الآن.. فلا تسيئي فهمي.. أنا أثق بعمي و بتربيته.. لقد كنت أتجاذب معك أطراف الحديث ليس إلا.. ما كنت لأبيع فادي رخيصاً بمجرد كلمات تحوم في رأسي المريض كما قلت..
مطت عالية شفتيها و هي تنظر إلى لينا نظرة قد خمدت النار فيها.. فاستغلت لينا ذلك و أكملت قائلة: هيا يا عالية.. اليوم حفل زفاف هادي أفلن تصفحي عني..؟
ابتسمت عالية ابتسامة صغيرة و هي تقول: و ما الذي جعل فكرة مجنونة كهذه تتولد في رأسك تجاه فادي؟
و في محاولة للنجاة أجابت لينا قائلة:فلنقل أنها الغيرة..
و بابتسامة انتصار أجابت عالية قائلة: لا أملك إلا أن أسامحك إذن يا ابنة عمي..
وقفت لينا و قالت: سلم الله لي قلبك الطيب..
-و لكن الويل لك إن أعدت الكرة..
-لا.. لقد تبت و انتهى الأمر.. و بات شعاري الثقة ثم الثقة..
هنا اقتربت خبيرة الماكياج من عالية و معها اقتربت والدة عالية التي أخذت تتفحص تسريحة ابنتها ثم عقبت بحبور: رائع.. التسريحة متقنة و جميلة جداً..
غمزت عالية للينا فبادلتها تلك الأخيرة الغمزة بابتسامة عندها قالت أم عالية للينا: ما دمت قد انتهيت يا ابنتي فما رأيك أن تعودي معي إلى البيت و تكملي استعداداتك للحفل..؟
أجابتها لينا قائلة: فكرة رائعة.. فعلى ما يبدو أن عالية ستتأخر..
فسألت عالية بتعجب قائلة: و ماذا عني..؟
و بلهجة مرحة ردت أمها قائلة:لا تقلقي يا أميرتي.. سأرسل فادي لاصطحابك متى انتهيت..
و في ضيق عقبت عالية قائلة:و لم لا تنتظري معي يا لينا؟
أجابت لينا: لا أرجوك يا عالية.. فأمامي الكثير لأنجزه.. هذا بالإضافة إلى أن علي أن أرتب حاجياتي حيث أنني سأعود إلى بيتنا اليوم مع أهلي..
و في استنكار عقبت عالية: اليوم..؟!! لم العجلة؟
ابتسمت لينا و قالت: هم اشتاقوا لي و أنا اشتقت لهم..
ابتسمت أم عالية و عقبت: هناك الله بأهلك يا لينا و حفظك لهم..
ابتسمت لينا و ردت قائلة: سلمك الله يا عمتي..
نظرت أم عالية إلى ساعتها و عقبت قائلة: هيا إذن يا لينا حتى لا نتأخر على عمك فهو ينتظرنا في السيارة..
أومأت لينا برأسها إيجاباً.. و ودعت عالية التي ظلت توصيهم بأن لا ينسوها في الصالون و أن يوصوا فادي بإحضارها.. و لكن لينا لم تكن قادرة على أن تسمعها أو أن تميز ما كانت تقوله ابنة عمها.. ذلك لأن بالها كان مشغولاً بما يتوجب عليها فعله..
بعد أن أُغلقت جميع الأبواب..
في وجهها....
**********************************************
مضى هيثم يجوب غرفة المعيشة الواقعة في الطابق الأرضي ذهاباً و إياباً بينما كان إياد يراقبه ببرود جم و هو جالس على مقعد وثير.. و في عصبية جلس هيثم بجواره و هو يقول: لا أدري ما المتعة في البقاء أمام المرآة لكل هذا الوقت!!
ابتسم إياد و ربت على كتف أخيه مهدئاً إياه: قريباً ستنزلان لا تشغل بالك أنت.. ثم لم العجلة؟
و في تعجب سأل هيثم قائلاً:أتسألني لم العجلة؟!.. أنسيت أننا أبناء عم العريس و ينبغي أن نكون في مقدمة الحضور..
ثم تنهد و عقب قائلاً: خيراً فعلت أمي إذ سبقتنا إلى مكان الحفل..
عقب إياد بنفس هدوءه قائلاً: هيثم.. اهدأ أرجوك فأنت بهذا القلق و التوتر لن تؤذي إلا نفسك..
تنهد هيثم بعصبية ثم صرخ قائلاً: ديمه.. مدى.. هيا بالله عليكما لقد تأخرنا..
و مع آخر حروفه ظهرت ديمه في مرمى بصر هيثم و إياد و هي تنزل الدرج.. و ما أن وصلت إلى حيث كانا يجلسان حتى وقفت و دارت حول نفسها و هي تقول: ما رأيكما بي؟
نهض هيثم من مقعده و ألقى نظرة فاحصة على أخته ثم عقب قائلاً: لم أكن أعلم أن لدي أختاً جميلة هكذا..
و في دلال عقبت ديمه: أرأيت؟!.. حتى تعلم أن أختك جوهرة غالية لا تقدر بثمن..
و بدوره وقف إياد و عقب قائلاً: ما شاء الله تبارك الله.. أتراك الحسناء أم سندرلا..؟
و بمكر أجابت ديمه: أرأيت إلى أين أخذتني تلك الخريطة التي كانت على وجهي؟!!.. إلى عالم أميرات الحكايات..
عندها أجاب إياد و قد مط شفتيه قائلاً: و لكنها تظل خريطة على أي حال..
و في استنكار سأل هيثم: أي خريطة؟
و بسرعة قاطعته ديمه و هي ترتدي عباءتها قائلة: دعك من موضوع الخريطة الآن و دعنا نسرع فلقد تأخرنا..
عقب هيثم في ضيق: بقى مدى.. فهي لم تنزل بعد..
و في استنكار ردت ديمه قائلة: و لكن مدى لن تصحبنا إلى حفل الزفاف..
و في ذهول قال هيثم: ما هذا الهراء الذي تقولينه؟
تدخل إياد قائلاً: ما قالته ديمه صحيح.. مدى لن تصحبنا..
و في عصبية أجاب هيثم : ماذا تعني بأنها لن تصحبنا.. هل تنوي أن تجعلنا حديث الناس؟.. مستودع للوم و العتاب؟! ما الذي دهى هذه الفتاة؟!
و في محاولة لتهدئة الوضع قال إياد: إنها متعبة و مريضة.. و إن قلنا هذا لعمي و زوجة عمي فسيعذرانها بالتأكيد..
و بعصبية هتف هيثم: مستحيل.. الكل سيربط بين غيابها و بين مشكلتها مع هادي.. و هذا لن يؤذيها وحدها بل سيؤذينا جميعنا..
غيمت لحظات ثقيلة من الصمت على أنحاء المكان.. الكل يفكر بكلمات هيثم.. و التي أصابت الهدف بدقة بالغة..و إذا بعبارة تنبثق من أعماق السكون.. تلحقها موجات من الصدى.. قائلة: لذا سأذهب..
التفت الجميع إلى مصدر الصوت و الذي لم يكن سوى مدى.. و بهدوء بدأت تلك الأخيرة بنزول الدرج و هي بأبهى زينة.. و ما أن وصلت إلى الدور الأرضي حتى اقتربت من هيثم و هي تقول: ثم كيف لي أن أفوت موكب الأمراء الذي سينطلق من بيتنا دون أن أكون من أفراده!!
ابتسم هيثم و عقب قائلاً: تبدين رائعة يا مدى..
- ما دمتم إخوتي فسأظل دوماً رائعة.. لأني بكم أكون رائعة..
- ما كل هذا الرضا؟
التفت مدى إلى إياد و أجابت قائلة: لأنني قررت و أخيراً أن أفتح عيني..
ابتسم هيثم وقال: إذن فلتبقيها مفتوحة و هيا بنا فلقد تأخرنا..
ثم وجه كلامه للجميع و عقب قائلاً: سأنتظركم في السيارة..
و بابتسامة عريضة ربتت ديمه على كتف مدى و هي تهمس قائلة: أشكرك من أعماقي..
فبادلتها مدى الابتسامة و أخذت تراقبها بعينيها و هي تغادر إلى الفناء بصحبة هيثم.. عندها اقترب منها إياد و سألها قائلاً: مدى.. إن كنت لا تستطيعين الذهاب فلا..
قاطعته مدى قائلة: لقد وعدتك بالمحاولة.. و ها أنا أفي بوعدي بالرغم من أن قلبي يرتعد بين ضلوعي كعصفور خائف.. ولكن أما زلت على وعدك لي..؟
ابتسم إياد و أمسك كفي أخته بيده و ضغط عليهما و هو يقول: كلنا معك..
و إلى جوارك..
و بقربك..
يا أختي.....
*************************
أسأل الله لي و لكم العفو و الظفر بالجنة..
جعلني الله و إياكم من سكنة الفردوس..
أمين يا رب العالمين.......
-*-*-*-*-*-*-
في أمان الله............
دونا
•
0
0
احداث رائعه ..
دونا .. فتحتي للخيال باب
متابعه بحماس
اللهم امين .. جُزيتِ خيرا ..
:26:
اختك:
**المتفائلة4**
0
0
0
احداث رائعه ..
دونا .. فتحتي للخيال باب
متابعه بحماس
اللهم امين .. جُزيتِ خيرا ..
:26:
اختك:
**المتفائلة4**
0
0
الغالية: دونا
كتب جميل رائع وسطور كماء الذهب تزف المعاني والحروف سا اتابع كل حروفك ياغالية
كتب جميل رائع وسطور كماء الذهب تزف المعاني والحروف سا اتابع كل حروفك ياغالية
دونـــــــــــا ....
حبيبتي ....
أنا هنا ... بينكم بقلبي ....
المتلهف لسماع أصواتكن العذبة ...
لكن تأسرني ظروف خارجة عن إرادتي ..
وبما أنها العشر الأواخر في رمضان ....
أود التفرغ حتى أكمل ختم القرآن ........
تقبل الله منك ومنا جميعاً صالح أعمالنا ........
رعاك الله يا غالية ... أينما كنت .....
حبيبتي ....
أنا هنا ... بينكم بقلبي ....
المتلهف لسماع أصواتكن العذبة ...
لكن تأسرني ظروف خارجة عن إرادتي ..
وبما أنها العشر الأواخر في رمضان ....
أود التفرغ حتى أكمل ختم القرآن ........
تقبل الله منك ومنا جميعاً صالح أعمالنا ........
رعاك الله يا غالية ... أينما كنت .....
الصفحة الأخيرة
ننتظر الجزء التالي..:26: