تــيــمــة
تــيــمــة •
الجزء السابع عشر : عودة وقرار ..
في تلك الليلة استحضرت غادة كلمات عادل في ذهنها كلمة كلمة .. كانت تشعر بغرابتها وتميزها .. لم يسبق لأحد أن أراح قلبها بكلماته كما فعل عادل اليوم ...
تململت غادة في فراشها .. كم أصبحت تكره وقت النوم وتتمنى ألا ينتهي النهار أبدا ..
وضعت كفها أسفل خدها وأخذت تحاول جاهدة أن تنام بلا فائدة .. أغمضت عينيها فرأت هذه العبارة مكتوبة بكلمات مضيئة :
هل جربت قراءة القران في أعماق الليل ؟؟
وسرعان ما وجدت نفسها تنهض من سريرها لتتناول المصحف المغبر وتفتحه بشكل عشوائي ..
نظرت إليه بوجل ... وارتسم على محياها الحزن والشوق .. أخذت نفسا عميقا ثم قرأت :
( قال اهبطا منها جميعا بعضكم لبعض عدو فإما يأتينكم مني هدى فمن اتبع هداي فلا يضل ولا يشقى * ومن أعرض عن ذكري فان له معيشة ضنكا ونحشره يوم القيامة أعمى * قال رب لم حشرتني أعمى وقد كنت بصيرا * قال كذلك أتتك آياتنا فنسيتها وكذلك اليوم تنسى * وكذلك نجزي من أسرف ولم يؤمن بآيات ربه ولعذاب الآخرة أشد وأبقى )
واختنق صوتها بالبكاء ........ فأغلقت المصحف ووضعت يديها على وجهها تبكي أيامها .. تبكي آلامها .. وتبكي مصيرها ...
ووجدت لسانها يخاطب ربها من بين الدموع بصوت مرتجف :
- يا رب .. يا ربي اني أسرفت كثيرا .. كثيرا جدا .. يا رب .. أكنت تخاطبني بكلماتك ؟؟ أشئت أن أفتح هذه الصفحة بالذات لأتلقى رسالتك ؟؟ أجل أجل .. الهي .. اني المعنية .. اني أنا المعرضة عن ذكرك .. أنا العمياء .. لالا بل أنا البصيرة بفسقي .. كل شيء واضح أمامي .. رزقتني العقل المفكر والإرادة والعلم .. ووضعت في طريقي أناسا ينصحونني ويبصروني بما أغلق عيني عنه .. لكنني أعرضت عن كل ذلك .. فابتليت بضنك العيش .. فهل تقبل يا رب توبتي ؟؟ هل تقبل أوبتي ورجعتي ؟؟ هل تنظر إلى بعدما أغضبتك كثيرا ولم أبالي ؟؟ أم ستحشرني عمياء كما قلت لي قبل قليل ؟؟ هل ستحفظني وترعاني ؟؟ أم ستنساني ؟؟ يا رب لا تنساني .. أرجوك .. ماذا أفعل بدونك ؟؟ والى من تكلني ؟؟ رب أنت اللطيف فالطف بحالي .. أنت المنقذ فأنقذني من تخبطي .. أنقذني من عنائي وحيرتي .. ألهمني الصواب وجنبني الزلل .. بين لي طريقي .. أأختار ربيع ؟؟ أم عادل ؟؟ ربيع أم عادل يا رب ؟؟ يا رب ..
وتطاولت بها اللحظات .. ما بين تفكير ودعاء وبكاء .. ما بين ندم وعزم على اتخاذ القرار ..
تذكرت رهف ورقدتها المجهولة .. ترى لو كانت مكانها ماذا ستفعل .. وما الذي سيحدث من حولها ؟؟
من سيكون الأسبق للاطمئنان عليها ؟؟ ومن سيلازمها ويلهج لسانه بشفائها ؟؟ من يحبها أكثر ؟؟

شقشقة العصافير تتعالى بالخارج وضوء فجري خافت قد بدأ يتسرب .. يا الهي هل نامت حقا ..؟؟

رن هاتفها المحمول .. نظرت بقلق إلى شاشته .. انه ربيع .. هل تتجاهله ؟؟ إنها لم تتخذ قرارها بعد .. لكن قلبها غلبها فالتقطت الهاتف بسرعة من يخاف أن يتوقف رنينه وضغطت الزر الأخضر ..

- آلو ..
- صباح الورد الجوري ..
- ربيع ..
- هل كنت تفكرين بي ؟؟
- ربيع .. اسمعني ..
- بل أنت اسمعيني .. أشتقت اليك .. لم أعد أتحمل غيابك .. أرجوك أن توافقي على التقاءنا ثانية .. ارفقي بساكن قلبك .. أم أن ساكنه قد غادره ؟؟
- لا .. لم يغادر .. لقد تغلغلت جذوره في أعماقه حتى باتت تؤلمه وتدميه ..
- ألهذه الدرجة حبي يعذبك ؟؟
- بل انه يقتلني كل يوم ألف مرة .. لذلك .. أعتزم على ..
- لا تقولي بأنك ستتركينني .. هذا يعني نفيي إلى عالم موحش .. عالم خرب كئيب .. أنت من تضفين على حياتي الجمال والعذوبة والرقة .. أنت بمثابة الماء الذي يجري على الصحراء فيجعلها حديقة غناء .. أنت عمري يا غادة ..
ترقرقت العبرات في مقلتيها .. وقالت :
- لماذا أسأت الظن ؟؟ لم يكن هذا مقصدي يا ربيع الحياة .. أنا إن كنت ماء حياتك .. فأنت الهواء الذي أتنفسه .. لكنني لا أستطيع تجاهل نداء العقل .. صبرا يا ربيع .. لا تفهمني خطأ .. كل ما أريده منك أن تتوقف عن محادثتي حتى أتصل أنا بك .. وعندها سأشرح لك كل شيء .. والآن أرجوك أن تنهي المكالمة ..
- هل بيننا أسرار ؟؟
- لا .. قلت بأني سأخبرك .. لكن في الوقت المناسب .. رجاء ..
- حسنا .. كما تشائين .. ثقي بأنني سأنتظر مكالمتك اليوم قبل الغد ... لا تطيلي عذابي ..
- لا .. لن أرتاح طالما تتعذب أنت .. لذلك سأعجل قدر استطاعتي ..
- إلى اللقاء ..
- مع السلامة ..

وفي المساء .. اتصلت غادة بعادل وطلبت منه المجيء لأمر هام ... ثم أغلقت السماعة .. واحتوت نفسها بذراعيها بينما راحت دموعها تهمي ... كما لم تفعل من قبل ..




اختلست هذه اللحظات من بين ركام الأشغال .. لكن غيبتي لم تنتهي بعد ..
أراكم بخير أحبتي ..
دونا ....... ( توقعت أن أجد رسالة )
لك حبي ..
دونا
دونا •
الجزء الثامن عشر (اعتراف)
تعلق بصر غادة بعادل الذي كان يجلس أمامها و كأنها تراه للمرة الأولى...مما جعل عادل يسأل غادة في استنكار:
-لماذا تنظرين إلي هكذا؟..هل أنا وسيم إلى هذه الدرجة..
تنبهت غادة لحالها فأشاحت ببصرها و لم تجب..فعقب عادل قائلاً:
-أ تعلمين تبدين اليوم أفضل من البارحة بكثير..
ابتسمت غادة ابتسامة صفراء و عقبت قائلة:
-ذلك لأنني استمعت إلى نصيحتك..
-حقا.. لا أصدق..أخيراً يا غادة...الحمد لله..الحمد لله..
نظرت إليه غادة بنظرات حزينة..و تساءلت في أعماقها..هل أخبره؟..هل أحطم سعادته؟..كلا لا أستطيع..إنني لا أستطيع..علي أن أنهي الأمر..لقد اتخذت قراري .. من حقه أن يعلم..مهما كان ذلك صعباً..أو مستحيلاً..من حقه أن يعلم..لن أتراجع..نعم لن أتراجع...
جذبها صوت عادل نحو الواقع قائلاً:غادة فيم سرحت؟
-عادل..أريد أن أطلب منك طلباً...
-طلباتك أوامر ..ماذا تريدين مني يا أميرتي؟
-عادل أرجوك..كف عن تلك الكلمات فأنا لا أستحقها..
-كيف لي أن أكف؟!..أنت حبي..و زوجتي..أنت سعادتي و مستقبلي..بل حياتي بأسرها...باختصار أنت كل شيء..
تطلعت غادة إلى وجهه و أجابت بصوت مخنوق:أنت مخطئ...أنا لا شيء..
-لماذا تقولين ذلك..غادة لم أعهدك هكذا..ما الأمر؟
انطلقت دموع غادة غزيرة..لقد حاولت أن تبقيها حبيسة المقل لكن بلا جدوى..عندها اقترب منها عادل و همس لها قائلاً:غادتي..لا تبكي..أرجوك لا تبكي...غادة دموعك تهزني..
صرخت غادة من بين دموعها قائلة:بل أنا من يرجوك يا عادل...أطلق سراحي..
-أطلق سراحك؟!..
ارتفع صوت غادة أكثر و هي تقول:
-نعم يا عادل..أرجوك طلقني...
نظر إليها عادل كالمصعوق و تراجع قائلاً:أ هذا طلبك؟
شعرت غادة أن الكلمات تحتضر في جوفها فما كان منها إلا أنها أومأت برأسها إيجاباً..
وضع عادل رأسه بين كفيه و هو يتمتم:لماذا؟..ماذا فعلت حتى تطلبي مني المستحيل؟
استجمعت غادة بعض قواها..بينما ظلت دموعها تهطل في غزارة و هي تقول:العيب فيني و ليس فيك..أنت أنبل رجل عرفته في عالمي..حنانك كان يدثرني...طيبتك..معدنك..عادل..أي فتاة في العالم تحلم بفارس مثلك..لكنني لا أستحقك..
التفت إليها عادل في حركة حادة و قال:أقبلك بكل عيوبك..
صرخت غادة قائلة:عادل..ألا تفهم..أريدك أن تطلق سراحي..
صرخ عادل بدوره قائلاً:هكذا بكل سهولة..ماذا عن أحلامنا..عن خططنا..عن عائلتنا؟!
-أحلامنا لم تعد واحده يا عادل...كل منا عليه أن يمضي في سبيل..
-غادة... كنت أراك تتغيرين..تبتعدين..كنت أشعر بك تذبلين بين أناملي.. و لكن لم يخطر ببالي أن أفقدك نهائياً..أ ما عاد لي مكان في قلبك..؟
-.................................
اقترب منها عادل أكثر و كرر عليها سؤاله..لكنها لم تجبه..فأمسك كتفيها بكفيه و صرخ فيها مكرراً:
-أ ما عاد لي مكان في قلبك..هل انتهى كل شيء..؟
لكن غادة لم تجب بل مررت كفيها على و جنتيها لتمسح دموعاً أبت أن تجف..
فكرر عادل سؤاله مرة أخرى..عندها تطلعت إليه و قد استجمعت كل قوتها و أجابته في حزم:نعم يا عادل..لم يعد هناك مكان لك في قلبي..كف عن تعذيبي..أعطني حريتي..
تراجع عادل في صمت و قد اكتست ملامحه بالذهول و هو يردد:مستحيل..
عقبت غادة في أسى:إنها الأقدار يا عادل..كل شيء مكتوب قبل أن نكون في هذا العالم..أنسيت؟!..لا شيء مستحيل..
شعر عادل بنفسه يتهاوى..فتطلع إليها..و هو يتمتم:
-أنت لست غادة بالتأكيد..
-و من سأكون غيرها..للأسف ما أنا إلا هي..
أسند عادل ظهره إلى الجدار..و ظل يرمقها بنظرات مطولة..بينما أشاحت غادة بصرها بعيداً لعلها تهرب من نظراته المتسائلة..والمصدومة.. و عندما شعرت بعدم جدوى ذلك عقبت و هي تهم بمغادرة الغرفة قائلة:عادل..سأذهب الآن و أنا على يقين أنك ستعطيني ما طلبت..
لكن يده أمسكت معصمها بقوة..فالتفتت إليه في حركة حادة و هي تهتف قائلة:عادل ماذا دهاك؟
أجابها عادل بلهجة لم تعهدها:ستذهبين معي..
هتفت غادة في ذعر:إلى أين ؟
أجابها بنفس لهجته السابقة:إلى بيتنا..أ نسيت أنني زوجك..و لي حق الطاعة عليك..
حركت غادة رأسها في ذهول و هي تتمتم:أجننت..؟
لكن عادلا أجابها في حزم:أين عباءتك؟
نظرت غادة إليه...لقد بدا جاداً جداً ..و لأبعد الحدود..عندها حاولت أن تخلص يدها من قبضته و هي تصرخ قائلة:لا يحق لك أن تأخذني إلى أي مكان..
عندها صرخ فيها بدوره:أنا أنقذك من نفسك يا غادة..أنت لا تعين ما طلبته..
-بلا أعي..عادل أنا لست مجنونة..
-أعطني سبباً مقنعاً لأعطيك ما تريدين..
-أنا لأحبك يا عادل..
-أنت كاذبة..
-أنا لا أحبك..
-أنت كاذبة...
-لا أحبك ..لا أحبك..دعني فأنا أحب شخصاً آخر..
تنبهت غادة إلى كلماتها التي أفلتتها من بين شفتيها..بينما تسمر عادل في مكانه بلا حراك و هو يتمتم:هل تعنين ما قلته..؟
تلعثمت غادة...و تراجعت حتى استندت على الحائط..فاقترب منها عادل و هو يكرر سؤاله بصوت غاضب...فتسارعت أنفاسها..و همست لنفسها لن أتراجع ..نعم لن أتراجع..كفاني تعذيباً لنفسي..كفاني أرقاً.... أغمضت عينيها فهي لا تريد أن ترى تعابير وجهه و أجابت بحزم:نعم أنا أحب شخصاً آخر..
تراجع عادل بضع خطوات..عندها فتحت غادة عينيها لتراه..لقد بدا لها شخصاً آخر لا تعرفه..نظر إليها عادل نظرة نارية و سألها:منذ متى...؟
تجمدت الكلمات على أطراف لسانها فأعاد عليها سؤاله في عصبية لم تعدها :منذ متى..؟
أجابته و قد عاودت دموعها الهطول:منذ أن عدت من سفرك الأخير..
-من هو؟
-...................
-قلت لك من هو يا غادة..؟
-أتعدني أنك لن ترتكب أية حماقة...
-أتهتمين لأمري؟..لا أظن ذلك..انطقي ...من هو يا غادة..؟
-عادل أرجوك..
-أ كاد أفقد صبري...من هو..؟
-إنه....إنه خطيبي السابق..ربيع..لقد اتصل بي منذ مدة و...
بترت غادة عبارتها بسرعة...بينما مرر عادل يده على رأسه في عصبية و هو يتمتم:خونتي يا غادة..هكذا بكل بساطة..
أشاحت غادة ببصرها..بينما ابتسم عادل وسط عصبيته ساخراً و هو يقول:يا لي من مغفل؟..كان علي أن أتنبه لتلك النظرة التي بدت على وجهك عندما أخبرتك بشأن أفكاري...يا لي من مغفل إذ أحببتك يوماً..لقد خنتني يا غادة..
عقبت غادة في حزن:عادل..اســ...
صرخ فيها عادل قائلا:يكفي يا غادة..ماذا ستقولين لي..؟بماذا ستبررين موقفك؟..أنت لا تملكين عذراً واحداً..
ثم رمقها بنظرة مطولة و عقب:معك حق نحن لا نناسب بعضنا البتة..
-.................
-لم تبكين يا آنسة..يا محترمة..يا وفية..لم تبكين..يا إلهي هل آذيت مشاعرك؟..أنسيت أنك أنت من خنتني لا أنا؟
-............................
-كفي عن دموع التماسيح تلك..
-.............................
-قلت لك كف عن البكاء..ألا تسمعين..لا أريد أن أسمع صوتك
-...............................
-كف يا غادة..
و مع حروف كلماته تلك ارتفعت يده لتصفع غادة لكنها تراجعت بسرعة...
فتمتمت غادة قائلة:لك أن تضربني يا عادل..لك أن تقول ما شئت..فذنبي و ذنبك هو الحب..
-و هل تركت لي شيئاً حتى أقوله..لقد صدمتني..أطلقت علي رصاصة محكمة...دمرتني..حسبي الله و نعم الوكيل فيك..أعطيتك كل شيء..كل ما أملك..و في النهاية كان جزائي السم الذي زرعته بيدك في أحشائي..قطعت كل ما بيننا..و أحرقت كل جميل في علاقتنا...لقد انتهى كل شيء.
نظر عادل إليها نظرة الوداع...و مضى مغادراً..تجمدت غادة في مكانها للحظات..و من ثم أسرعت تركض خلفه ..حتى وصلت فناء منزلهم..صرخت باسمه لكنه لم يجبها..صرخت باسمه مرات متتالية فتوقف و لم ينظر إليها..عندها اقتربت منه ..و أخرجت من جيبها العقد الماسي الذي قدمه لها و مدت به يدها و هي تقول:أنا لا أستحقه يا عادل..خذه.
نظر عادل إلى العقد ملياً ثم أشاح بوجهه قائلاً:عندما قدمته لك لم أفكر إن كنت تستحقينه أم لا..لقد قدمته لك لأنني كنت أحبك..
-إذن خذه..فأنت لم تعد تحبني..
التفت عادل إليها بحركة حادة..و أجابها بصوت بارد:أنت طالق يا غادة..
***********************************











:26:لكن من :24:
تــيــمــة
تــيــمــة •
الجزء التاسع عشر : هذا هو الواقع ..
ظلت غادة تنظر إلى الباب حيث كان يقف عادل .. هذه هي آخر مرة تراه فيها ..
ترددت كلمة ( أنت طالق ) في أذنها فأغمضت عينيها بألم .. يا الهي لماذا تسمع هذه الكلمة البغيضة مرتين ولما تصبح زوجة حقيقية بعد ؟؟

استدارت ببطء .. وأخذت تصعد السلالم .. كاسفة البال .. منكسة الرأس .. مكسورة الخاطر .. وعند المدخل استندت بيدها إلى قائم البوابة .. ونظرت إلى موضع قدميها .. يحق لها ألا تنظر إلا إلى هناك .. كيف سيتسنى لها أن ترفع رأسها ثانية بعد كل ما فعلته ..
سقطت دمعتان .. فسارعت بمسحهما وهي تردد لنفسها :
- لماذا أبكي ؟؟ أليس هذا ما أردته ؟؟
التفتت إلى الخلف .. وقالت :
- هل أبكيه ؟؟
شعرت برغبة جامحة لكي تركض خلفه .. ترتمي في أحضانه وتقول : أنا آسفة .. عد إلى ..
عادل .. أي إنسان أنت ؟؟
خيل إليها أنها ترى طيفه .. فبدت على وجهها ملامح العطف والحنين .. مدت يدها إلى فمها تكتم شهقة خفيفة .. لماذا تشعر نحوه بهذا الانشداد ؟؟
صرخت وهي تهز رأسها بعنف ..
- الممنوع مرغوب .. هذا كل شيء .. كل شيء ..
وأخذت تركض ناحية غرفتها وهي تردد هذه الكلمات بصوت يقطعه البكاء كل حين ..
وحالما وصلت لحظتها والدتها فتبعتها بانزعاج وخوف .. ودخلت حجرتها وهي تقول :
- ما بك يا ابنتي ؟؟ أفزعتني ..
استدارت غادة وارتمت في أحضان أمها .. وأفرغت كل الشحنات المتراكمة على كتف هذه الوالدة الطيبة .. التي ما زادت على قولها وهي تربت على ظهر ابنتها :
- اهدئي يا ابنتي .. كل ما فوق التراب تراب ..
- أمي ..
- نعم يا حبيبتي ..
ابتعدت غادة عن أمها خطوات قليلة ثم قالت دون أن تنظر إليها :
- لقد انفصلت عن عادل ..
حملقت أمها فيها بذهول .. وألجمتها المفاجأة فبقيت صامتة لحظات وقد اتسعت عيناها إلى أقصى حد ..
- ماذا تقولين ؟؟ ل .. لكن .. لماذا ؟؟
- ....................
- لا حول ولا قوة إلا بالله .. كلما ظننت بأنني قد اطمأننت عليك وعلى مستقبلك تعودي فتفجعينني وترجعي الهم إلي ..
- ظننتك ستواسيني ..
- كيف أواسيك وأنا لا أعرف السبب .. أووووه يا ابنتي .. لابد أنك محسودة ..
لم تكن غادة ترغب بالمناقشة .. فكررت مستسلمة :
- أجل .. أظن ذلك ..
أمالت الأم رأسها بأسى وهي تقول :
- كيف أستطيع مساعدتك ؟؟
- لا تفعلي شيئا يا أمي .. ثقي بأن غادة ستعود إلى نضارتها في غضون أيام .. وسوف تطمئنين حينها علي ولن تسعك الدنيا من السعادة ..
نظرت الأم إليها بشك وقالت :
- ولماذا أنت واثقة ؟؟
ارتبكت غادة فقالت بسرعة :
- أشعر بذلك ..
تنهدت الأم ثم استدارت وهي تضرب كفا بكف وتحوقل وتنعي حظها .. ثم خرجت وكلماتها ما زالت ترن في أذن غادة وهي تقول :
- ما هذا الهم ؟؟ الولد تفصلني عنه آلاف الكيلومترات .. يعيش في غربة ويرفض الزواج .. والبنت الكبرى في غيبوبة ولا أحد يعلم مصيرها إلا الله .. أما الصغرى فحزينة دائما وكلما خطبت انفصلت عن خطيبها .. الجميع يذبل أمامي وأنا لا أملك شيئا .. رحمتك يا رب .. اللهم لا اعتراض .. اللهم لا اعتراض ..

احتضنت غادة وسادتها وهي تشيع أمها بنظراتها المتأسفة على هذه الانسانة البائسة الضعيفة .. كم يؤلمها أن تكون سببا في شقاء من تفانت في تدليلها وخدمتها ..
وأمام هذه الخواطر عاهدت نفسها أن تسعد أمها بأسرع وقت ممكن .. والى الأبد ..

دارت الأفكار بها حتى توقفت عند عادل مجددا .. فاسودت الدنيا أمامها ثانية .. لقد انتهى كل شيء .. أليس هذا ما سعت إليه بنفسها ؟؟ لكن أنى للقلب أن يعي منطق العقل .. انه يسير خلف عواطفه فقط ..
عواطف ؟؟ أي عواطف ؟؟ هل تكن شيئا لعادل ؟؟
أمسكت رأسها بتذمر وهي تقول بصوت مرتفع :
- أووووووووووووووووووووووه ... يكفي .. يكفي ..
ثم فتحت عينيها والتقطت جوالها .. وراحت تتحسسه بحب وهي تقول : ليس في قلبي سوى رجل واحد .. ولن يسعدني سواه ... ربيع .. الآن يمكنني أن ألقاك .. بكل حرية ..
عجلت بطلب رقمه .. لكن ما إن سمعت صوت الرنين حتى انقطع الاتصال .. وأعطاها جوالها نغمة الانشغال ..
عاودت الاتصال .. فوجدت هاتفه مغلق .. ماذا حدث ؟؟ هل انتهى الشحن ؟؟
هزت كتفيها وقالت : ربما ..

ارتمت على فراشها بإعياء .. فإذا بطيف عادل يهاجمها بشراسة .. نهضت فزعة .. وأحضرت ورقة وقلما .. وقد قررت أن تكتب له رسالة .. عل ذلك يخفف عنها .. ويكون لها عذرا عنده .. من يدري ؟؟
لكن ما إن خطت الاستفتاح حتى رن جوالها .. فقفزت إليه وخفق قلبها حين رأت رقم ربيع ..
- مرحبا ..
- أهلا ..
- هل اتصلت ؟؟
- أجل .. لكن ..
- أعرف .. أعرف .. لقد كنت مشغولا لذلك أغلقته أنا آسف ..
- ربيع ..
- ما أجمل الاسم من فمك ..
- ربيع لسوف يتحقق أملك باللقاء ..
صرخ ربيع بفرح :
- حقا ؟؟
ابتسمت غادة بدلال وقالت :
- أجل .. ألم أعدك بذلك ؟؟
- متى وأين ؟؟ اليوم ؟؟ في أي ساعة ؟؟
- ههههههههههه .. تمهل .. أنا لم أقل اليوم ..
- آآآه .. لقد أتعبتني يا غادة .. ولم أعد أطيق الانتظار لحظة واحدة ..
- حسنا يا عزيزي .. لك أن تختار تفاصيل اللقاء كما تشاء ..
- عجبا ؟؟
- ماذا ؟؟
- ثمة شيء قد تغير صحيح ؟؟
- أنت ذكي دائما .. لكنني لن أخبرك حتى نلتقي ..
- لنلتقي اليوم إذن .. في ذات المكان .. ما رأيك ؟؟
- أوووه .. ذلك لن ينفع فيجب أن أزور رهف اليوم ..
- وما أدراها عنك .. إنها نائمة ولن تعرف من زارها ومن لم يزرها ..
- ربيع كيف تقول هذا ؟؟
- حسنا حسنا .. لنلتقي غدا ..
- موافقة ..
- هه .. لحظة لحظة .. أجل سآتي الآن ..
- ماذا تقول ؟؟
- كنت أكلم صديقي .. يجب أن أذهب الآن .. سأكلمك ثانية حينما أتفرغ .. إلى اللقاء ..
- إلى اللقاء ..

أغلقت السماعة .. ونظرت أمامها .. لتجد الورقة مشرعة تدعوها لكتابة الرسالة .. فما لبثت أن تساقطت دمعاتها .. وهي تمسك بالقلم ..


هـل تـكـتـبـهـا ؟؟
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ


وداعا .. أراكم في الأسبوع القادم .. باذن الله ..
دونا
دونا •
الجزء العشرون (طعنة)

ارتدت غادة أجمل ثيابها، و وضعت بعضاً من مساحيق التجميل على وجهها، و بالطبع لم تنسى أن تهذب شعرها على نحو رائع، لقد بدت جميلة للغاية و كأنها نجمة سقطت من السماء.
ألقت غادة نظرة فاحصة على مظهرها في المرآة، و همست لنفسها قائلة:ياه يا غادة..كم أنت فاتنة و جميلة..أخيراً ستبتسم لك الحياة..ستحققين كل أحلامك..ستودعين الأحزان إلى الأبد..نعم إلى الأبــد..
اتسعت ابتسامة غادة مع حروفها الأخيرة بينما سرح فكرها في ثوب الزفاف الأبيض و القفص الذهبي...و ربيع فارس أحلامها الأزلي و الأبدي..
أطلقت غادة ضحكة جذلة و هي تسأل نفسها:أ سيفرح ربيع بالخبر؟..نعم لا بد أنه سيكون في قمة السرور..أخيراً يا غادة..
دارت غادة حول نفسها في سعادة جامحة، و هي تطلق ضحكات قصيرة، و..
<غادة..ماذا دهاك؟... هل أنت بخير يا ابنتي؟!>
توقفت غادة بغتة و التفتت إلى والدتها و قد احمرت و جنتاها خجلاً، و أجابت بصوت متلعثم:لا شيء يا أمي..أ...أنا بخير..
اقتربت والدتها و قد بدا عليها القلق و سألت باستنكار:غادة..هل أنت بخير حقاً؟!..من أنا إذاً..؟
نظرت إليها غادة في ذهول و أجابت بسرعة:أمي أنا بخير حقاً..أ ظننتي فقدت عقلي؟!..كل ما في الأمر أنني أشعر بالسعادة اليوم..
تنهدت الأم الحنون و عقبت:الحمد لله..ظننت أن طلاقك للمرة الثانية قد أصابك بـــ...الحمد لله..الحمد لله..
ابتسمت غادة و هي تطمأن أمها قائلة:لا تقلقي علي يا أمي فابنتك قوية..
غمغمت الأم قائلة في أسى:لا توجد امرأة قوية يا ابنتي و إن حاولت أن يظهر عليها ذلك..
اتسعت ابتسامة غادة و هي تقترب نحو والدتها..و من ثم قبلت كفيها و هي تقول:كلا يا أمي..المرأة قوية بجمالها..بذكائها..و بكيدها..
رمقتها والدتها بنظرة مليئة بالحنان و هي تعقب قائلة:أتظنين؟
أومأت غادة برأسها إيجاباً و هي تقول:بالتأكيد يا والدتي..انظري إلي فأنا خير مثال على هذا..
تنهدت الأم في أسى و هي تقول:ما فائدة القوة إن لم تجلب لصاحبها السعادة..عادل كان..
قاطعتها غادة في حدة:عادل...عادل..إلى متى يا أمي؟..متى ستفهمينني؟..عادل ماضي و انقضى..ما عاد له أي وجود في قاموس حياتي..و لا في طياتي مشاعري..
رمقتها الأم بنظرات غمرها الشك..لكنها آثرت أن تغادر غرفة غادة في هدوء و صمت، و أغلقت باب حجرة غادة خلفها..
أطلقت غادة زفرة حارة و هي تردد: ليتك تعلمين يا أمي؟..أنا أضعف كثيراً مم أبدو..لكنني أردت أن تطمأني علي..لعلك تنسين انفصالي عن عادل..ترى ماذا ستكون ردة فعلك لو علمت أنني أنا من طلب الانفصال..؟
حركت غادة رأسها بقوة و هي تتمتم:يا إلهي..لماذا يصر هذا الاسم على تحطيم البسمة على شفتي..عادل..كلا لن أسمح لأحد ما أن يسلبني حبي..لن أتنازل عن أحلامي و حياتي لمجرد ماضي..
انطلقت غادة إلى درج في خزانتها، و فتحت أحد أدراجه، و من ثم أخرجت صندوقاً عتيقاً، نفخت فيه فانجلى عنه الغبار و فتحته في حماس، تلمست محتوياته في بطء و قد ارتسمت على وجهها علامة الظفر، و بسرعة وضعته في حقيبتها و ارتدت عباءتها الضيقة و رمت غطاء خفيف على وجهها، و مضت مسرعة..
ركبت غادة السيارة و أمرت سائقها بأن يتوجه نحو أحد المراكز التجارية، و ما أن وصلت حتى صرفت سائقها، تماماً كما في المرة السابقة، و ظلت تنتظر دقائق، و ما أن لاحت لها سيارة ربيع من بعيد حتى اتسعت ابتسامتها و هي تغمغم:أخيراً..
وقفت سيارة ربيع أمامها، و فتح زجاج نافذتها ببطء ليطل منه ربيع و قد زين ثغره بابتسامة جذابة قائلاً:تفضلي يا أميرتي..
دارت غادة حول السيارة و من ثم دلفت داخلها، و ما أن ألقت بجسدها فوق المقعد المجاور لمقعد ربيع حتى هتف هذا الأخير قائلاً و قد أدار محرك سيارته:كيف حالك يا أميرتي..؟
ابتسمت غادة و هي تقول:أميرتك لم تكن أفضل حالاً من اليوم..
انطلق ربيع بسيارته و هي يعقب:حقاً؟...كم أنا سعيد بسماع هذا يا أميرتي..
ترددت كلمته الخيرة في ذهنها...أميرتي..و رجعت بها الذكريات نحو الوراء..نحو عادل..لطالما نادها بأميرتي..أميرتي الفاتنة...تنهدت غادة و هي تحرك رأسها بقوة لعلها تتخلص من تلك الذكريات التي باتت تزورها كثيراً، فألقى عليها ربيع نظرة جانبية و هو يعقب:ماذا بك يا غادة؟..
-......................
-أميرتي هل أنت على ما يرام؟
-ربيع هل لي أن اطلب طلباً؟
-طلباتك أوامر يا أميرتي؟
-كف عن هذا يا ربيع..
-ما الأمر؟
-فقط لا تناديني بأميرتي..لقبني بما شئت.إلا هذا اللقب..
-و لم..؟
ارتسم هذا السؤال في ذهنها..و همست لنفسها:نعم..لم ؟..لم لا أريد أن أسمع هذا الاسم..علي أن أواجه الواقع بقوة..علي أن أتجاهل ذكرى عادل و أقاومها..لن أسمح له بأن يتدخل في حياتي..و إن ذكرتني به الكلمات و المواقف..ما بيني و بين عادل انتهى..ترى هل تؤلمني ذكراه؟..
-غادة..هل تسمعينني؟
تنبهت غادة لصوت ربيع..فأطلقت ضحكة جذلة و هي تعقب قائلة:أتعلم..سمني بما شئت..حتى لو بأميرتي..
-ما بك اليوم يا سحر الشرق؟!
-أشعر بالسعادة..هذا كل شيء..
-أ ما عاد حبك لي يعذبك؟!..
-من العذاب ما هو ألذ من الشهد..
-أنت فعلاً مختلفة اليوم..يبدو أن غادتي قد عادت إلي..
-لطالما كانت بجوارك بروحها و إن سرح عقلها..
توقفت السيارة أمام ذلك المطعم الذي جمعهما قبل الفراق و في لقائهما الأول بعد العودة و الوفاق، دلفت غادة المطعم و هي تتأبط ذراع ربيع، مما جعله يردد قائلاً و هو يحمل تلك الابتسامة الجذابة:لابد أنك تخفين شيئاً ما..ماذا هناك يا درتي؟
حملت غادة ابتسامة واثقة على ثغرها و هي تجيبه:أنتم هكذا أيها الرجال..عديمو الصبر..
-ما دام الأمر كذلك هل ستعذبينني بالانتظار..؟
-سأموت حينها..ربيع أنت قلبي..فكيف لي أن أعذب قلبي؟
-إن كنت أنا قلبك..فأنت روحي ذاتها..و أروع شيء حدث في حياتي بأسرها..حبي الأول..و الأخير..
أطرقت غادة رأسها خجلاً و هي تشعر بسعادة غامرة.
استقر الاثنان في جناح خاص، و استترا بالحواجز الموجودة في المطعم، عندها أشاحت غادة ذلك الغطاء الخفيف الذي كان على وجهها فهتف ربيع قائلاً:يا إلهي..إنك تزدادين جمالاً في كل مرة..
توردت وجنتا غادة و هي تجيبه قائلاً: أنت أيضاً يا ربيع تزداد وسامة في كل مرة
-ربما لأن حبي لك يزداد مع كل ثانية ..
-لن يستطيع أحد ما مجاراتك في الحديث..
-لأن أحدهم لم يظفر بشابة رائعة مثلك..
مع حروفه الأخيرة لامست كفه يد غادة، فأغمضت تلك الأخيرة عينها و هي تهمس:قل أنه ليس حلماً..
-إنه ليس حلما يا غادة..افتحي عينيك يا أميرتي..فبنظراتك تنبض الحياة..
فتحت غادة عينيها و أدارت بصرها فيما حولها إلى أن وصلت إليه فتعلق بصرها به، عندها هتفت لنفسها:أنا لم أخطأ..ربيع يستحق التضحية..يستحق الحب..نعم هو من يقدرني..هو من يقدر غادة..
-أتوق شوقاً لسماع المفاجأة التي وعدتني بها يا غادتي..
تنبهت غادة بصوته فابتسمت، و أسرعت تفتح حقيبتها، و من ثم أخرجت تلك العلبة التي دستها فيها و فتحتها أمامه و هي تهمس في دلال:أتذكرها..؟
ابتسم ربيع و هو يخرج الخاتم من تلك العلبة و عقب قائلاً:بالطبع..إنه الخاتم الذي قدمته لك يوم أن خطبتك..
تراجعت للخلف في ثقة و هي تقول:يبدو أن التاريخ يعيد نفسه..
بدت علامات التوتر على ربيع و هو يسألها:ماذا تعنين..لم أفهم؟
-عجباً يا ربيع..و أنا التي أقول أنك أذكى الذين قابلتهم قاطبة..
-ربما..لكنني لم أستطع أن أخمن مقصدك..
-عزيزي ربيع..أخيراً سيجتمع الشمل..و سألقاك في النور..بلا خوف..و بلا شعور بالذنب..
-غادة..هلا أوضحت..؟
-سأسهل عليك..حبنا سينتهي نهاية سعيدة..
سألها ربيع بحذر: و ما هذه النهاية؟
-خمن؟
-الزواج؟!
-أحسنت..ما رأيك بهذه المفاجأة..؟
ارتفع صوت ربيع و هو يقول:أ تعنين أنك تركت عادل؟
-فعلت هذا من أجلك..و من أجل حبنا..
ضرب ربيع قضيته بسطح المنضدة و هو يهتف:لم لم تخبريني قبلاً..
-ربيع اهدأ الأمر لا يستحق هذا الانفعال..يفترض بك أن تكون مسرور جداً..
حاول ربيع أن يتمالك نفسه و هو يقول:جننت يا غادة..لابد أنك جننت دون شك..
-جننت؟..ماذا دهاك يا ربيع ؟..ألم تقل أنني حبك الأول و الأخير..
نظر إليها ربيع نظرة مطولة و من ثم أشاح بوجهه بعيداً عنها و هو يقول:عندما عدت طلبتك صديقة..لا زوجة..
-و ما الفرق دام السبب واحد..الحب..
تطلع إليها ربيع مجدداً و هو يقول:غادة لا أستطيع الزواج منك..
-لم..لم يا ربيع..؟
-.................
-أخبرني بالله عليك..
-...................
-أجبني إن كنت تحبني حقاً..
أشاح ربيع بوجهه و هو يجيبها قائلاً:غادة..أنا أب لطفلة لم تتجاوز من العمر بضعة أشهر..
أنا متزوج..متزوج يا غادة..
***********************************

تقبلن أرق تحية من :24:
تــيــمــة
تــيــمــة •
الجزء الحادي والعشرين : القشة التي قصمت ظهر البعير ..

للحظة تجمدت ملامح غادة ونظراتها ... توقف الزمن بالنسبة لها .. بينما حرك ربيع أنامله بعشوائية في توتر شديد .. وتعلقت عيناه ببقعة في الطاولة التي أمامه .. تحاشيا لأي ردة فعل من قبل غادة ..

ثم قطعت الصمت ضحكة عصبية من قبل غادة وهي تلوح بيدها وتقول :
- لا شك أنها مزحة سمجة ..
قطب ربيع حاجبيه في ألم .. وقال :
- يؤسفني أن أضعك في مثل هذا الموقف .. صدقيني يا غادة أنا لا أمزح .. هذه هي الحقيقة التي لطالما أخفيتها عنك .. آنا آسف ..
نظرت إليه في استنكار وقد تجمعت العبرات غزيرة في مقلتيها .. أخذ صدرها يعلو ويهبط بينما لم تبارح عيناها وجهه .. مما زاد من ارتباكه .. قالت بضعف :
- آسف ؟؟ على أي شيء تتأسف ؟؟ وبأي وجه حق تدفع بي إلى الهاوية ؟؟ آسف على تدمير حياتي ؟؟ آسف على استغلالي والتلاعب بي ؟؟ آسف على امتهاني وامتهان العلاقة المقدسة التي سعيت إليها رامية بكل شيء يقف في وجهها عرض الحائط ؟؟ خبرني عم تتأسف ؟؟ هل سبق أن رأيت القاتل يعتذر للمقتول ؟؟
- ولكنني كنت صريحا معك .. ولم أطلب منك الزو......
- كف عن المراوغة أيها الوقح .. أما زلت تبحث عن عذر ؟؟
نظر ربيع إليها باستعطاف وحاول أن يقترب منها وهو يقول :
- أرجوك يا غادة أن تفهميني .. ليس الأمر كما تتصورين .. لقد خلت أنني أحبها لكن عندما تزوجتها لم تفارقي مخيلتي للحظة .. أنا أتعذب معها .. ولكن ليس لي خيار .. إنها تملك ضدي الكثير ..
بكت غادة بحرقة وارتفع نشيجها وهي تغطي وجهها بكفيها .. ولم تستطع التفوه بكلمة لدقائق .. تمنت لو تصفعه .. تمنت لو تنهي حياته كما أنهى حياتها برعونته وحبه الأجوف .. تمتمت بصوت مهتز خافت :
- كيف سولت لك نفسك خداعي ؟؟
- صدقيني أنا أحبك .. لكنني لم أرد من علاقتنا سوى الصداقة البحتة ..
قاطعته صارخة وهي تتكئ على حافة المنضدة :
- هل تظن نفسك في أمريكا ؟؟ كيف تتصور أن بمقدورك إقامة علاقة مع فتاة مخطوبة ؟؟ كيف تستنكر علي سعيي لتتويج صداقتنا بالزواج ؟؟
- ............
تغشتها أمواج الحب المجنون ثانية فتوسلت :
- يحل لك يا ربيع الزواج بثانية ..
أطرق قائلا :
- لا أستطيع .. إن ذلك يعني تدمير أسرتين لا أسرة واحدة ..
أحست بنار تأكل قلبها .. لقد أذلت نفسها ثانية من أجله ولم يبالي .. أي دناءة هذه ؟؟ لماذا تتمسك به بكل هذه الحماقة ؟؟ وهل ترضى لنفسها أن تكون زوجة لشخص بهيمي التفكير ؟؟
نهضت بغتة فتشبث بها وهو يقول :
- امنحيني فرصة .. دعيني أحكي لك أي ضغط أقع تحته ..
طوحت بيده وهي تصرخ صرخة هادرة :
- لا أريد أن أسمع قصتك أيها النذل ... لقد انتهى كل شيء ...
استدارت بقوة راكضة إلى الخارج فناداها ربيع بلهفة :
- غادة انتظري .. غادة ..
ركض خلفها ... فوجدها تتصل بهاتفها على السائق خارج المطعم .. وجسمها كله يرتجف .. اقترب بخفة حتى كاد أن يلامسها .. وما إن أحست بأنفاسه حتى انتفضت بعنف فأجفل هو الآخر ثم عاود الاقتراب وهو يهمس :
- حبيبتي .. ليس عدلا .. ألن تستمعي إلى ؟؟
ضغطت على أسنانها بغيظ وتكلمت من بينها قائلة :
- انظروا من يتحدث عن العدل .. ابتعد من هنا .. قبل أن تثير الريبة ..
- غادة أ ...
صرخت صرخة خافتة محملة بالقسوة ونفاذ الصبر قائلة في حسم :
- ابتعد ...
تراجع ربيع عدة خطوات للخلف .. ثم شملها بنظرة حزينة ... أغلق عينيه بعدها وهمس :
- الوداع ...
أشاحت بوجهها ... وهي تكتم شهقة عنيفة .. ثم عاودت النظر .. فرأته يبتعد .. ويمضي .. بقوامه الرشيق .. ومشيته الرائعة التي لمحت فيها شيئا من الانكسار هذه المرة ..
يمضي وقد خلف وراءه كومة من بقايا إنسانة .. لم يبق لها من هذه الدنيا شيء سوى الألم والندم .. يمضي ببرود .. كممارس حاذق للتعذيب والتدمير ...
خطت خطوة للأمام .. التمست فيها قلبها الذي غادر مبقعا الأرض بدمائه المهدرة .. ثم ارتدت وقد اغرورقت عيناها بالدمع .. حين تذكرت أنها لن تجد قلبا .. بل مجرد أشلاء تلفظ أنفاسها الأخيرة ..
وحملتها السيارة إلى بيتها .. طريق مملوء بالجثث والمدافن .. محترق بالغش والخيانة .. مخضب بحمرة الدم وسواد المستقبل ..
دارت رأسها التي لم تعد تتحمل أكثر .. وشعرت بأنها بالكاد ترى ما أمامها .. لكنها تماسكت حتى احتوتها غرفتها .. وهناك سقطت .. قريبا من الباب ..
لم تدر كم بقيت .. لكنها حين استفاقت وجدت نفسها ما زالت وحيدة ... فعلمت أنه لم يدر عنها أحد ..
لمت قدميها إلى صدرها .. وقد أصيبت بحالة من الذهول وجف الدمع من عينيها تماما .. أجل .. يكفيك يا عيني .. فما عاد في جسدي قطرة تذرف ..

جالت ببصرها في الحجرة ... والتقت عيناها بعيني ذلك التمثال القابع فوق البيانو .. فسرت قشعريرة في كامل جسدها .. لكأنه يشمت بحالها .. تبا لهذا الحال ..
استغفرت ربها .. ثم نهضت تجاه التمثال الذي كان يمثل ولدا أشقر الشعر يمسك بحمامة تفرد جناحيها ويدفعها نحو السماء لتطير ..
همست لنفسها :
- أتذكرين من أهداك هذا التمثال يا غادة ؟؟ أتذكرين ماذا قال لك يومها ؟؟ .......
سرحت ببصرها وهي تمسك بالتمثال بكلتا يديها رغم صغره .. وتردد في أعماقها صوت ذو صدى عميق يقول :
- معا .. ننطلق إلى الحرية ... ونحلق بجناح أبيض لجنة ملونة ..
- ولن نعود من هناك أبدا .. صحيح ؟؟
- بكل تأكيد ..
تأوهت وهي تغمض عينيها .. تلمست طريقها إلى الشريط الذي يأخذها إلى تلك الجنة كلما سمعته .. فتحت جهاز .. فإذا بشريط آخر يقبع هناك .. سحبته وهي تتأمله باستغراب :
- عجيب .. لم يسبق لي أن رأيت هذا الشريط من قبل .. من وضعه هنا ؟؟
أعادته إلى مكانه .. وضغطت على زر التشغيل ..
دار بكرات الشريط قليلا بصمت .. ثم تعالى صوت هادئ .. لطالما اشتاقت غادة لسماعه ...

انه صوت رهف ..
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ


مرحبا :27:

كيف حال الجميع ؟؟
انتهت رحلتي أخيرا وعدت بشوق ..
لكنني لم أتوقع أن أستطيع المتابعة من أول يوم ..
عموما قد تجدون أن في الجزء اهتزازا .. اعذروني فبالكاد ألملم شعث نفسي .. ولا أريد أن أطيل عليكم حتى أعود الى حالتي الطبيعية ..

شكرا لك يا دونا على مجهوداتك وأجزائك المتحفة ..
ودمت لي ,,