@@@الجوووري@@@
@@@الجوووري@@@
تفسير سورة الصافات

وهي مكية
‏‏ بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ ‏{‏وَالصَّافَّاتِ صَفًّا * فَالزَّاجِرَاتِ زَجْرًا * فَالتَّالِيَاتِ ذِكْرًا * إِنَّ إِلَهَكُمْ لَوَاحِدٌ * رَبُّ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَمَا بَيْنَهُمَا وَرَبُّ الْمَشَارِقِ * إِنَّا زَيَّنَّا السَّمَاءَ الدُّنْيَا بِزِينَةٍ الْكَوَاكِبِ * وَحِفْظًا مِنْ كُلِّ شَيْطَانٍ مَارِدٍ * لَا يَسَّمَّعُونَ إِلَى الْمَلَإِ الْأَعْلَى وَيُقْذَفُونَ مِنْ كُلِّ جَانِبٍ * دُحُورًا وَلَهُمْ عَذَابٌ وَاصِبٌ * إِلَّا مَنْ خَطِفَ الْخَطْفَةَ فَأَتْبَعَهُ شِهَابٌ ثَاقِبٌ * فَاسْتَفْتِهِمْ أَهُمْ أَشَدُّ خَلْقًا أَمْ مَنْ خَلَقْنَا إِنَّا خَلَقْنَاهُمْ مِنْ طِينٍ لَازِبٍ‏}‏
هذا قسم منه تعالى بالملائكة الكرام، في حال عبادتها وتدبيرها ما تدبره بإذن ربها، على ألوهيته تعالى وربوبيته، فقال‏:‏ ‏{‏وَالصَّافَّاتِ صَفًّا‏}‏ أي‏:‏ صفوفا في خدمة ربهم، وهم الملائكة‏.‏
‏{‏فَالزَّاجِرَاتِ زَجْرًا‏}‏ وهم الملائكة، يزجرون السحاب وغيره بأمر اللّه‏.‏
‏{‏فَالتَّالِيَاتِ ذِكْرًا‏}‏ وهم الملائكة الذين يتلون كلام اللّه تعالى‏.‏
فلما كانوا متألهين لربهم، ومتعبدين في خدمته، ولا يعصونه طرفة عين، أقسم بهم على ألوهيته فقال‏:‏ ‏{‏إِنَّ إِلَهَكُمْ لَوَاحِدٌ‏}‏ ليس له شريك في الإلهية، فأخلصوا له الحب والخوف والرجاء، وسائر أنواع العبادة‏.‏
{‏رَبُّ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَمَا بَيْنَهُمَا وَرَبُّ الْمَشَارِقِ‏}‏ أي‏:‏ هو الخالق لهذه المخلوقات، والرازق لها، المدبر لها،‏.‏فكما أنه لا شريك له في ربوبيته إياها، فكذلك لا شريك له في ألوهيته،‏.‏ وكثيرا ما يقرر تعالى توحيد الإلهية بتوحيد الربوبية، لأنه دال عليه‏.‏ وقد أقر به أيضا المشركون في العبادة، فيلزمهم بما أقروا به على ما أنكروه‏.‏
وخص اللّه المشارق بالذكر، لدلالتها على المغارب، أو لأنها مشارق النجوم التي سيذكرها، فلهذا قال‏:‏ ‏{‏إِنَّا زَيَّنَّا السَّمَاءَ الدُّنْيَا بِزِينَةٍ الْكَوَاكِبِ وَحِفْظًا مِنْ كُلِّ شَيْطَانٍ مَارِدٍ لَا يَسَّمَّعُونَ إِلَى الْمَلَإِ الْأَعْلَى‏}
ذكر اللّه في الكواكب هاتين الفائدتين العظيمتين‏:‏
إحداهما‏:‏ كونها زينة للسماء، إذ لولاها، لكانت السماء جرما مظلما لا ضوء فيها، ولكن زينها فيها لتستنير أرجاؤها، وتحسن صورتها، ويهتدى بها في ظلمات البر والبحر، ويحصل فيها من المصالح ما يحصل‏.‏
والثانية‏:‏ حراسة السماء عن كل شيطان مارد، يصل بتمرده إلى استماع الملأ الأعلى، وهم الملائكة، فإذا استمعت قذفتها بالشهب الثواقب ‏{‏مِنْ كُلِّ جَانِبٍ‏}‏ طردا لهم، وإبعادا عن استماع ما يقول الملأ الأعلى‏.‏
{‏وَلَهُمْ عَذَابٌ وَاصِبٌ‏}‏ أي‏:‏ دائم، معد لهم، لتمردهم عن طاعة ربهم‏.‏
ولولا أنه ‏‏ استثنى، لكان ذلك دليلا على أنهم لا يستمعون شيئا أصلا، ولكن قال‏:‏ ‏{‏إِلَّا مَنْ خَطِفَ الْخَطْفَةَ‏}‏ أي‏:‏ إلا من تلقف من الشياطين المردة، الكلمة الواحدة على وجه الخفية والسرقة ‏{‏فَأَتْبَعَهُ شِهَابٌ ثَاقِبٌ‏}‏ تارة يدركه قبل أن يوصلها إلى أوليائه، فينقطع خبر السماء، وتارة يخبر بها قبل أن يدركه الشهاب، فيكذبون معها مائة كذبة يروجونها بسبب الكلمة التي سمعت من السماء‏.‏
ولما بين هذه المخلوقات العظيمة قال‏:‏ ‏{‏فَاسْتَفْتِهِم‏}‏ أي‏:‏ اسأل منكري خلقهم بعد موتهم‏.‏ ‏{‏أَهُمْ أَشَدُّ خَلْقًا‏}‏ أي‏:‏ إيجادهم بعد موتهم، أشد خلقا وأشق‏؟‏‏.‏ ‏{‏أَمْ مَنْ خَلَقْنَا‏}‏ من ‏‏ المخلوقات‏؟‏ فلا بد أن يقروا أن خلق السماوات والأرض أكبر من خلق الناس‏.‏
فيلزمهم إذا الإقرار بالبعث، بل لو رجعوا إلى أنفسهم وفكروا فيها، لعلموا أن ابتداء خلقهم من طين لازب، أصعب عند الفكر من ****ئهم بعد موتهم، ولهذا قال‏:‏ ‏{‏إِنَّا خَلَقْنَاهُمْ مِنْ طِينٍ لَازِبٍ‏}‏ أي‏:‏ قوي شديد كقوله تعالى‏:‏ ‏{‏وَلَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنْسَانَ مِنْ صَلْصَالٍ مِنْ حَمَإٍ مَسْنُونٍ‏}
‏‏ ‏{‏بَلْ عَجِبْتَ وَيَسْخَرُونَ * وَإِذَا ذُكِّرُوا لَا يَذْكُرُونَ * وَإِذَا رَأَوْا آيَةً يَسْتَسْخِرُونَ * وَقَالُوا إِنْ هَذَا إِلَّا سِحْرٌ مُبِينٌ * أَئِذَا مِتْنَا وَكُنَّا تُرَابًا وَعِظَامًا أَئِنَّا لَمَبْعُوثُونَ * أَوَآبَاؤُنَا الْأَوَّلُونَ * قُلْ نَعَمْ وَأَنْتُمْ دَاخِرُونَ * فَإِنَّمَا هِيَ زَجْرَةٌ وَاحِدَةٌ فَإِذَا هُمْ يَنْظُرُونَ * وَقَالُوا يَا وَيْلَنَا هَذَا يَوْمُ الدِّينِ * هَذَا يَوْمُ الْفَصْلِ الَّذِي كُنْتُمْ بِهِ تُكَذِّبُونَ‏}‏
‏{‏بَلْ عَجِبْتَ‏}‏ يا أيها الرسول وأيها الإنسان، من تكذيب من كذب بالبعث، بعد أن أريتهم من الآيات العظيمة والأدلة المستقيمة، وهو حقيقة محل عجب واستغراب، لأنه مما لا يقبل الإنكار، ‏{‏و‏}‏ أعجب من إنكارهم وأبلغ منه، أنهم ‏{‏يَسْخَرُونَ‏}‏ ممن جاء بالخبر عن البعث، فلم يكفهم مجرد الإنكار، حتى زادوا السخرية بالقول الحق‏.‏
‏{‏و‏}‏ من العجب أيضا أنهم ‏{‏إِذَا ذُكِّرُوا‏}‏ ما يعرفون في فطرهم وعقولهم، وفطنوا له، وألفت نظرهم إليه ‏{‏لَا يَذْكُرُونَ‏}‏ ذلك، فإن كان جهلا، فهو من أدل الدلائل على شدة بلادتهم العظيمة، حيث ذكروا ما هو مستقر في الفطر، معلوم بالعقل، لا يقبل الإشكال، وإن كان تجاهلا وعنادا، فهو أعجب وأغرب‏.‏
ومن العجب ‏‏ أنهم إذا أقيمت عليهم الأدلة، وذكروا الآيات التي يخضع لهل فحول الرجال وألباب الألباء، يسخرون منها ويعجبون‏.‏
ومن العجب أيضا، قولهم للحق لما جاءهم‏:‏ ‏{‏إِنْ هَذَا إِلَّا سِحْرٌ مُبِينٌ‏}‏ فجعلوا أعلى الأشياء وأجلها، وهو الحق، في رتبة أخس الأشياء وأحقرها‏.‏
ومن العجب أيضا، قياسهم قدرة رب الأرض والسماوات، على قدرة الآدمي الناقص من جميع الوجوه، فقالوا استبعادا وإنكارا‏:‏ ‏{‏أَئِذَا مِتْنَا وَكُنَّا تُرَابًا وَعِظَامًا أَئِنَّا لَمَبْعُوثُونَ أَوَآبَاؤُنَا الْأَوَّلُونَ‏}‏
ولما كان هذا منتهى ما عندهم، وغاية ما لديهم، أمر اللّه رسوله أن يجيبهم بجواب مشتمل على ترهيبهم فقال‏:‏ ‏{‏قُلْ نَعَم‏}‏ ستبعثون، أنتم وآباؤكم الأولون ‏{‏وَأَنْتُمْ دَاخِرُونَ‏}‏ ذليلون صاغرون، لا تمتنعون، ولا تستعصون على قدرة اللّه‏.‏
{‏فَإِنَّمَا هِيَ زَجْرَةٌ وَاحِدَةٌ‏}‏ ينفخ إسرافيل فيها في الصور ‏{‏فَإِذَا هُم‏}‏ مبعوثون من قبورهم ‏{‏يَنْظَرُونَ‏}‏ كما ابتدئ خلقهم، بعثوا بجميع أجزائهم، حفاة عراة غرلًا، وفي تلك الحال، يظهرون الندم والخزي والخسار، ويدعون بالويل والثبور‏.‏
{‏وَقَالُوا يَا وَيْلَنَا هَذَا يَوْمُ الدِّينِ‏}‏ فقد أقروا بما كانوا في الدنيا به يستهزءون‏.‏
فيقال لهم‏:‏ ‏{‏هَذَا يَوْمُ الْفَصْلِ‏}‏ بين العباد فيما بينهم وبين ربهم من الحقوق، وفيما بينهم وبين غيرهم من الخلق‏.‏
‏‏ ‏{‏احْشُرُوا الَّذِينَ ظَلَمُوا وَأَزْوَاجَهُمْ وَمَا كَانُوا يَعْبُدُونَ * مِنْ دُونِ اللَّهِ فَاهْدُوهُمْ إِلَى صِرَاطِ الْجَحِيمِ * وَقِفُوهُمْ إِنَّهُمْ مَسْئُولُونَ * مَا لَكُمْ لَا تَنَاصَرُونَ * بَلْ هُمُ الْيَوْمَ مُسْتَسْلِمُونَ‏}
أي إذا أحضروا يوم القيامة، وعاينوا ما به يكذبون، ورأوا ما به يستسخرون، يؤمر بهم إلى النار، التي بها كانوا يكذبون، فيقال‏:‏ ‏{‏احْشُرُوا الَّذِينَ ظَلَمُوا‏}‏ أنفسهم بالكفر والشرك والمعاصي ‏{‏وَأَزْوَاجَهُم‏}‏ الذين من جنس عملهم، كل يضم إلى من يجانسه في العمل‏.‏
{‏وَمَا كَانُوا يَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ‏}‏ من الأصنام والأنداد التي زعموها،‏.‏ فاجمعوهم جميعا ‏{‏فَاهْدُوهُمْ إِلَى صِرَاطِ الْجَحِيمِ‏}‏ أي‏:‏ سوقوهم سوقا عنيفا إلى جهنم‏.‏
وبعد ما يتعين أمرهم إلى النار، ويعرفون أنهم من أهل دار البوار، يقال‏:‏ ‏{‏وَقِفُوهُم‏}‏ قبل أن توصلوهم إلى جهنم ‏{‏إِنَّهُمْ مَسْئُولُونَ‏}‏ عما كانوا يفترونه في الدنيا، ليظهر على رءوس الأشهاد كذبهم وفضيحتهم‏.‏
فيقال لهم‏:‏ ‏{‏مَا لَكُمْ لَا تَنَاصَرُونَ‏}‏ أي‏:‏ ما الذي جرى عليكم اليوم‏؟‏ وما الذي طرقكم لا ينصر بعضكم بعضا، ولا يغيث بعضكم بعضا، بعدما كنتم تزعمون في الدنيا، أن آلهتكم ستدفع عنكم العذاب، وتغيثكم وتشفع لكم عند اللّه، فكأنهم لا يجيبون هذا السؤال، لأنهم قد علاهم الذل والصغار، واستسلموا لعذاب النار، وخشعوا وخضعوا وأبلسوا، فلم ينطقوا‏.‏
ولهذا قال‏:‏ ‏{‏بَلْ هُمُ الْيَوْمَ مُسْتَسْلِمُونَ‏}

‏‏ ‏{‏وَأَقْبَلَ بَعْضُهُمْ عَلَى بَعْضٍ يَتَسَاءَلُونَ * قَالُوا إِنَّكُمْ كُنْتُمْ تَأْتُونَنَا عَنِ الْيَمِينِ * قَالُوا بَلْ لَمْ تَكُونُوا مُؤْمِنِينَ * وَمَا كَانَ لَنَا عَلَيْكُمْ مِنْ سُلْطَانٍ بَلْ كُنْتُمْ قَوْمًا طَاغِينَ * فَحَقَّ عَلَيْنَا قَوْلُ رَبِّنَا إِنَّا لَذَائِقُونَ * فَأَغْوَيْنَاكُمْ إِنَّا كُنَّا غَاوِينَ * فَإِنَّهُمْ يَوْمَئِذٍ فِي الْعَذَابِ مُشْتَرِكُونَ * إِنَّا كَذَلِكَ نَفْعَلُ بِالْمُجْرِمِينَ * إِنَّهُمْ كَانُوا إِذَا قِيلَ لَهُمْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ يَسْتَكْبِرُونَ * وَيَقُولُونَ أَئِنَّا لَتَارِكُو آلِهَتِنَا لِشَاعِرٍ مَجْنُونٍ * بَلْ جَاءَ بِالْحَقِّ وَصَدَّقَ الْمُرْسَلِينَ * إِنَّكُمْ لَذَائِقُو الْعَذَابِ الْأَلِيمِ * وَمَا تُجْزَوْنَ إِلَّا مَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ‏}‏
لما جمعوا هم وأزواجهم وآلهتهم، وهدوا إلى صراط الجحيم، ووقفوا، فسئلوا، فلم يجيبوا، وأقبلوا فيما بينهم، يلوم بعضهم بعضا على إضلالهم وضلالهم‏.‏
فقال الأتباع للمتبوعين الرؤساء‏:‏ ‏{‏إِنَّكُمْ كُنْتُمْ تَأْتُونَنَا عَنِ الْيَمِينِ‏}‏ أي‏:‏ بالقوة والغلبة، فتضلونا، ولولا أنتم لكنا مؤمنين‏.‏
‏{‏قَالُوا‏}‏ لهم ‏{‏بَلْ لَمْ تَكُونُوا مُؤْمِنِينَ‏}‏ أي‏:‏ ما زلتم مشركين، كما نحن مشركون، فأي‏:‏ شيء فضلكم علينا‏؟‏ وأي‏:‏ شيء يوجب لومنا‏؟‏
‏{‏و‏}‏ الحال أنه ‏{‏مَا كَانَ لنا عليكم مِنْ سُلْطَانٍ‏}‏ أي‏:‏ قهر لكم على اختيار الكفر ‏{‏بَلْ كُنْتُمْ قَوْمًا طَاغِينَ‏}‏ متجاوزين للحد
‏{‏فَحَقَّ عَلَيْنَا‏}‏ نحن وإياكم ‏{‏إِنَّا لَذَائِقُونَ‏}‏ العذاب،‏.‏أي‏:‏ حق علينا قدر ربنا وقضاؤه، أنا وإياكم سنذوق العذاب، ونشترك في العقاب‏.‏
‏{‏فـ‏}‏ لذلك ‏{‏أَغْوَيْنَاكُمْ إِنَّا كُنَّا غَاوِينَ‏}‏ أي‏:‏ دعوناكم إلى طريقتنا التي نحن عليها، وهي الغواية، فاستجبتم لنا، فلا تلومونا ولوموا أنفسكم‏.‏
قال تعالى‏:‏ ‏{‏فَإِنَّهُمْ يَوْمَئِذٍ‏}‏ أي‏:‏ يوم القيامة ‏{‏فِي الْعَذَابِ مُشْتَرِكُونَ‏}‏ وإن تفاوتت مقادير عذابهم بحسب جرمهم‏.‏
كما اشتركوا في الدنيا على الكفر، اشتركوا في الآخرة بجزائه، ولهذا قال‏:‏ ‏{‏إِنَّا كَذَلِكَ نَفْعَلُ بِالْمُجْرِمِينَ‏}
ثم ذكر أن إجرامهم، قد بلغ الغاية وجاوز النهاية فقال‏:‏ ‏{‏إِنَّهُمْ كَانُوا إِذَا قِيلَ لَهُمْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ‏}‏ فدعوا إليها، وأمروا بترك إلهية ما سواه ‏{‏يَسْتَكْبِرُونَ‏}‏ عنها وعلى من جاء بها‏.‏
‏{‏وَيَقُولُونَ‏}‏ معارضة لها ‏{‏أَئِنَّا لَتَارِكُوا آلِهَتِنَا‏}‏ التي لم نزل نعبدها نحن وآباؤنا ‏{‏لـ‏}‏ قول ‏{‏شَاعِرٍ مَجْنُونٍ‏}‏ يعنون محمدا ـ صلى الله عليه وسلم ـ‏.‏ فلم يكفهم ـ قبحهم اللّه ـ الإعراض عنه، ولا مجرد تكذيبه، حتى حكموا عليه بأظلم الأحكام، وجعلوه شاعرا مجنونا، وهم يعلمون أنه لا يعرف الشعر والشعراء، ولا وصفه وصفهم، وأنه أعقل خلق اللّه، وأعظمهم رأيا‏.‏
ولهذا قال تعالى، ناقضا لقولهم‏:‏ ‏{‏بَلْ جَاءَ‏}‏ محمد ‏{‏بِالْحَقِّ‏}‏ أي‏:‏ مجيئه حق، وما جاء به من الشرع والكتاب حق‏.‏ ‏{‏وَصَدَّقَ الْمُرْسَلِينَ‏}‏ ‏‏ فلولا مجيئه وإرساله لم يكن الرسل صادقين، فهو آية ومعجزة لكل رسول قبله، لأنهم أخبروا به وبشروا، وأخذ اللّه عليهم العهد والميثاق، لئن جاءهم، ليؤمنن به ولينصرنه، وأخذوا ذلك على أممهم، فلما جاء ظهر صدق الرسل الذين قبله، وتبين كذب من خالفهم، ‏.‏فلو قدر عدم مجيئه، وهم قد أخبروا به، لكان ذلك قادحًا في صدقهم‏.‏
وصدق أيضا المرسلين، بأن جاء بما جاءوا به، ودعا إلى ما دعوا إليه، وآمن بهم، وأخبر بصحة رسالتهم ونبوتهم وشرعهم‏.‏
ولما كان قولهم السابق‏:‏ ‏{‏إِنَّا لَذَائِقُونَ‏}‏ قولا صادرا منهم، يحتمل أن يكون صدقا أو غيره، أخبر تعالى بالقول الفصل الذي لا يحتمل غير الصدق واليقين، وهو الخبر الصادر منه تعالى، فقال‏:‏ ‏{‏إِنَّكُمْ لَذَائِقُوا الْعَذَابِ الْأَلِيمِ‏}‏ أي‏:‏ المؤلم الموجع‏.‏
‏{‏وَمَا تُجْزَوْنَ‏}‏ في إذاقة العذاب الأليم ‏{‏إِلَّا مَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ‏}‏ فلم نظلمكم، وإنما عدلنا فيكم‏؟‏
ولما كان هذا الخطاب لفظه عاما، والمراد به المشركون، استثنى تعالى المؤمنين فقال‏:‏
‏‏ ‏{‏إِلَّا عِبَادَ اللَّهِ الْمُخْلَصِينَ * أُولَئِكَ لَهُمْ رِزْقٌ مَعْلُومٌ * فَوَاكِهُ وَهُمْ مُكْرَمُونَ * فِي جَنَّاتِ النَّعِيمِ * عَلَى سُرُرٍ مُتَقَابِلِينَ * يُطَافُ عَلَيْهِمْ بِكَأْسٍ مِنْ مَعِينٍ * بَيْضَاءَ لَذَّةٍ لِلشَّارِبِينَ * لَا فِيهَا غَوْلٌ وَلَا هُمْ عَنْهَا يُنْزَفُونَ * وَعِنْدَهُمْ قَاصِرَاتُ الطَّرْفِ عِينٌ * كَأَنَّهُنَّ بَيْضٌ مَكْنُونٌ‏}
يقول تعالى‏:‏ ‏{‏إِلَّا عِبَادَ اللَّهِ الْمُخْلَصِينَ‏}‏ فإنهم غير ذائقي العذاب الأليم، لأنهم أخلصوا للّه الأعمال، فأخلصهم، واختصهم برحمته، وجاد عليهم بلطفه‏.‏
{‏أُولَئِكَ لَهُمْ رِزْقٌ مَعْلُومٌ‏}‏ أي‏:‏ غير مجهول، وإنما هو رزق عظيم جليل، لا يجهل أمره، ولا يبلغ كنهه‏.‏
فسره بقوله‏:‏ ‏{‏فَوَاكِهُ‏}‏ من جميع أنواع الفواكه التي تتفكه بها النفس، للذتها في لونها وطعمها‏.‏ ‏{‏وَهُمْ مُكْرَمُونَ‏}‏ لا مهانون محتقرون، بل معظمون مجلون موقرون‏.‏ قد أكرم بعضهم بعضا، وأكرمتهم الملائكة الكرام، وصاروا يدخلون عليهم من كل باب، ويهنئونهم ببلوغ أهنأ الثواب،‏.‏وأكرمهم أكرم الأكرمين، وجاد عليهم بأنواع الكرامات، من نعيم القلوب والأرواح والأبدان‏.‏
{‏فِي جَنَّاتِ النَّعِيمِ‏}‏ أي‏:‏ الجنات التي النعيم وصفها، والسرور نعتها، وذلك لما جمعته، مما لا عين رأت، ولا أذن سمعت، ولا خطر على قلب بشر،‏.‏ وسلمت من كل مخل بنعيمها، من جميع المكدرات والمنغصات‏.‏
ومن كرامتهم عند ربهم، وإكرام بعضهم بعضا، أنهم على ‏{‏سُرُرٍ‏}‏ وهي المجالس المرتفعة، المزينة بأنواع الأكسية الفاخرة، المزخرفة المجملة، فهم متكئون عليها، على وجه الراحة والطمأنينة، والفرح‏.‏
‏{‏مُتَقَابِلِينَ‏}‏ فيما بينهم قد صفت قلوبهم، ومحبتهم فيما بينهم، ونعموا باجتماع بعضهم مع بعض، فإن مقابلة وجوههم، تدل على تقابل قلوبهم، وتأدب بعضهم مع بعض فلم يستدبره، أو يجعله إلى جانبه، بل من كمال السرور والأدب، ما دل عليه ذلك التقابل‏.‏
{‏يُطَافُ عَلَيْهِمْ بِكَأْسٍ مِنْ مَعِينٍ‏}‏ أي‏:‏ يتردد الولدان المستعدون لخدمتهم بالأشربة اللذيذة، بالكاسات الجميلة المنظر، المترعة من الرحيق المختوم بالمسك، وهي كاسات الخمر‏.‏
وتلك الخمر، تخالف خمر الدنيا من كل وجه، فإنها في لونها ‏{‏بَيْضَاءَ‏}‏ من أحسن الألوان، وفي طعمها ‏{‏لَذَّةٍ لِلشَّارِبِينَ‏}‏ يتلذذ شاربها بها وقت شربها وبعده، وأنها سالمة من غول العقل وذهابه، ونزفه، ونزف مال صاحبها، وليس فيها صداع ولا كدر، فلما ذكر طعامهم وشرابهم ومجالسهم، وعموم النعيم وتفاصيله داخلة في قوله‏:‏ ‏{‏جَنَّاتِ النَّعِيمِ‏}‏
لكن فصل هذه الأشياء لتعلم فتشتاق النفوس إليها، ذكر أزواجهم فقال‏:‏ ‏{‏وَعِنْدَهُمْ قَاصِرَاتُ الطَّرْفِ عِينٌ‏}‏ أي‏:‏ وعند أهل دار النعيم، في محلاتهم القريبة، حور حسان، كاملات الأوصاف، قاصرات الطرف، إما أنها قصرت طرفها على زوجها، لعفتها وعدم مجاوزته لغيره، ولجمال زوجها وكماله، بحيث لا تطلب في الجنة سواه، ولا ترغب إلا به، وإما لأنها قصرت طرف زوجها عليها، وذلك يدل على كمالها وجمالها الفائق، الذي أوجب لزوجها، أن يقصر طرفه عليها، وقصر الطرف أيضا، يدل على قصر النفس والمحبة عليها، وكلا المعنيين محتمل، وكلاهما صحيح، و ‏‏ هذا يدل على جمال الرجال والنساء في الجنة، ومحبة بعضهم بعضا، محبة لا يطمح إلى غيره، وشدة عفتهم كلهم، وأنه لا حسد فيها ولا تباغض، ولا تشاحن، وذلك لانتفاء أسبابه‏.‏
‏{‏عِينٌ‏}‏ أي‏:‏ حسان الأعين جميلاتها، ملاح الحدق‏.‏
‏{‏كَأَنَّهُنَّ‏}‏ أي‏:‏ الحور ‏{‏بَيْضٌ مَكْنُونٌ‏}‏ أي‏:‏ مستور، وذلك من حسنهن وصفائهن وكون ألوانهن أحسن الألوان وأبهاها، ليس فيه كدر ولا شين‏.‏
‏‏ ‏{‏فَأَقْبَلَ بَعْضُهُمْ عَلَى بَعْضٍ يَتَسَاءَلُونَ * قَالَ قَائِلٌ مِنْهُمْ إِنِّي كَانَ لِي قَرِينٌ * يَقُولُ أَئِنَّكَ لَمِنَ الْمُصَدِّقِينَ * أَئِذَا مِتْنَا وَكُنَّا تُرَابًا وَعِظَامًا أَئِنَّا لَمَدِينُونَ * قَالَ هَلْ أَنْتُمْ مُطَّلِعُونَ * فَاطَّلَعَ فَرَآهُ فِي سَوَاءِ الْجَحِيمِ * قَالَ تَاللَّهِ إِنْ كِدْتَ لَتُرْدِينِ * وَلَوْلَا نِعْمَةُ رَبِّي لَكُنْتُ مِنَ الْمُحْضَرِينَ * أَفَمَا نَحْنُ بِمَيِّتِينَ * إِلَّا مَوْتَتَنَا الْأُولَى وَمَا نَحْنُ بِمُعَذَّبِينَ * إِنَّ هَذَا لَهُوَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ * لِمِثْلِ هَذَا فَلْيَعْمَلِ الْعَامِلُونَ‏}‏
لما ذكر تعالى نعيمهم، وتمام سرورهم، بالمآكل والمشارب، والأزواج الحسان، والمجالس الحسنة، ذكر تذاكرهم فيما بينهم، ومطارحتهم للأحاديث، عن الأمور الماضية، وأنهم ما زالوا في المحادثة والتساؤل، حتى أفضى ذلك بهم، إلى أن قال قائل منهم‏:‏ ‏{‏إِنِّي كَانَ لِي قَرِينٌ‏}‏ في الدنيا، ينكر البعث، ويلومني على تصديقي به‏.‏
و‏{‏يَقُولُ‏}‏ لي ‏{‏أَئِنَّكَ لَمِنَ الْمُصَدِّقِينَ أَئِذَا مِتْنَا وَكُنَّا تُرَابًا وَعِظَامًا أَئِنَّا لَمَدِينُونَ‏}‏ أي‏:‏ مجازون بأعمالنا‏؟‏ أي‏:‏ كيف تصدق بهذا الأمر البعيد، الذي في غاية الاستغراب، وهو أننا إذا تمزقنا، فصرنا ترابا وعظاما، أننا نبعث ونعاد، ثم نحاسب ونجازى بأعمالنا‏؟‏‏"‏‏.‏
أي‏:‏ يقول صاحب الجنة لإخوانه‏:‏ هذه قصتي، وهذا خبري، أنا وقريني، ما زلت أنا مؤمنا مصدقا، وهو ما زال مكذبا منكرا للبعث، حتى متنا، ثم بعثنا، فوصلت أنا إلى ما ترون، من النعيم، الذي أخبرتنا به الرسل، وهو لا شك، أنه قد وصل إلى العذاب‏.‏
فـ ‏{‏هَلْ أَنْتُمْ مُطَّلِعُونَ‏}‏ لننظر إليه، فنزداد غبطة وسرورا بما نحن فيه، ويكون ذلك رَأْيَ عين‏؟‏ والظاهر من حال أهل الجنة، وسرور بعضهم ببعض، وموافقة بعضهم بعضا، أنهم أجابوه لما قال، وذهبوا تبعا له، للاطلاع على قرينه‏.‏
‏{‏فَاطَّلَعَ‏}‏ فرأى قرينه ‏{‏فِي سَوَاءِ الْجَحِيمِ‏}‏ أي‏:‏ في وسط العذاب وغمراته، والعذاب قد أحاط به‏.‏
فـ ‏{‏قَالَ‏}‏ له لائما على حاله، وشاكرا للّه على نعمته أن نجاه من كيده‏:‏ ‏{‏تَاللَّهِ إِنْ كِدْتَ لَتُرْدِينِ‏}‏ أي‏:‏ تهلكني بسبب ما أدخلت عليَّ من الشُّبَه بزعمك‏.‏
{‏وَلَوْلَا نِعْمَةُ رَبِّي‏}‏ على أن ثبتني على الإسلام ‏{‏لَكُنْتُ مِنَ الْمُحْضَرِينَ‏}‏ في العذاب معك‏.‏
{‏أَفَمَا نَحْنُ بِمَيِّتِينَ إِلَّا مَوْتَتَنَا الْأُولَى وَمَا نَحْنُ بِمُعَذَّبِينَ‏}‏ ‏‏ أي‏:‏ يقول لقرينه المعذب‏:‏ أفتزعم أننا لسنا نموت سوى الموتة الأولى، ولا بعث بعدها ولا عذاب
وقوله‏:‏ ‏{‏فَأَقْبَلَ بَعْضُهُمْ عَلَى بَعْضٍ يَتَسَاءَلُونَ‏}‏ وحذف المعمول، والمقام مقام لذة وسرور، فدل ذلك على أنهم يتساءلون بكل ما يلتذون بالتحدث به، والمسائل التي وقع فيها النزاع والإشكال‏.‏
ومن المعلوم أن لذة أهل العلم بالتساؤل عن العلم، والبحث عنه، فوق اللذات الجارية في أحاديث الدنيا، فلهم من هذا النوع النصيب الوافر، ويحصل لهم من انكشاف الحقائق العلمية في الجنة ما لا يمكن التعبير عنه‏.‏
فلما ذكر تعالى نعيم الجنة، ووصفه بهذه الأوصاف الجميلة، مدحه، وشوَّق العاملين، وحثَّهم على العمل فقال‏:‏ ‏{‏إِنَّ هَذَا لَهُوَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ‏}‏ الذي حصل لهم به كل خير، وكل ما تهوى النفوس وتشتهي، واندفع عنهم به كل محذور ومكروه، فهل فوز يطلب فوقه‏؟‏ أم هو غاية الغايات، ونهاية النهايات، حيث حل عليهم رضا رب الأرض والسماوات، وفرحوا بقربه، وتنعموا بمعرفته واستروا برؤيته، وطربوا لكلامه‏؟‏
{‏لِمِثْلِ هَذَا فَلْيَعْمَلِ الْعَامِلُونَ‏}‏ فهو أحق ما أنفقت فيه نفائس الأنفاس وأولى ما شمر إليه العارفون الأكياس، والحسرة كل الحسرة، أن يمضي على الحازم، وقت من أوقاته، وهو غير مشتغل بالعمل، الذي يقرب لهذه الدار، فكيف إذا كان يسير بخطاياه إلى دار البوار‏؟‏‏"‏
‏‏ ‏{‏أَذَلِكَ خَيْرٌ نُزُلًا أَمْ شَجَرَةُ الزَّقُّومِ * إِنَّا جَعَلْنَاهَا فِتْنَةً لِلظَّالِمِينَ * إِنَّهَا شَجَرَةٌ تَخْرُجُ فِي أَصْلِ الْجَحِيمِ * طَلْعُهَا كَأَنَّهُ رُءُوسُ الشَّيَاطِينِ * فَإِنَّهُمْ لَآكِلُونَ مِنْهَا فَمَالِئُونَ مِنْهَا الْبُطُونَ * ثُمَّ إِنَّ لَهُمْ عَلَيْهَا لَشَوْبًا مِنْ حَمِيمٍ * ثُمَّ إِنَّ مَرْجِعَهُمْ لَإِلَى الْجَحِيمِ * إِنَّهُمْ أَلْفَوْا آبَاءَهُمْ ضَالِّينَ * فَهُمْ عَلَى آثَارِهِمْ يُهْرَعُونَ * وَلَقَدْ ضَلَّ قَبْلَهُمْ أَكْثَرُ الْأَوَّلِينَ * وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا فِيهِمْ مُنْذِرِينَ * فَانْظُرْ كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الْمُنْذَرِينَ * إِلَّا عِبَادَ اللَّهِ الْمُخْلَصِينَ‏}‏
{‏أَذَلِكَ خَيْرٌ نُزُلًا‏}‏ أي‏:‏ ذلك النعيم الذي وصفناه لأهل الجنة خير، أم العذاب الذي يكون في الجحيم من جميع أصناف العذاب‏؟‏ فأي الطعامين أولى‏؟‏ الذي وصف في الجنة ‏{‏أَم‏}‏ طعام أهل النار‏؟‏ وهو ‏{‏شَجَرَةُ الزَّقُّومِ إِنَّا جَعَلْنَاهَا فِتْنَةً‏}‏ أي عذابا ونكالا ‏{‏لِلظَّالِمِينَ‏}‏ أنفسهم بالكفر والمعاصي‏.‏
{‏إِنَّهَا شَجَرَةٌ تَخْرُجُ فِي أَصْلِ الْجَحِيمِ‏}‏ أي‏:‏ وسطه فهذا مخرجها، ومعدنها أشر المعادن وأسوؤها، وشر المغرس، يدل على شر الغراس وخسته، ولهذا نبهنا اللّه على شرها بما ذكر أين تنبت به، وبما ذكر من صفة ثمرتها‏.‏
وأنها كـ ‏{‏رُءُوسُ الشَّيَاطِينِ‏}‏ فلا تسأل بعد هذا عن طعمها، وما تفعل في أجوافهم وبطونهم، وليس لهم عنها مندوحة ولا معدل
ولهذا قال‏:‏ ‏{‏فَإِنَّهُمْ لَآكِلُونَ مِنْهَا فَمَالِئُونَ مِنْهَا الْبُطُونَ‏}‏ فهذا طعام أهل النار، فبئس الطعام طعامهم، ثم ذكر شرابهم فقال‏:‏ ‏{‏ثُمَّ إِنَّ لَهُمْ عَلَيْهَا‏}‏ أي‏:‏ على أثر هذا الطعام ‏{‏لَشَوْبًا مِنْ حَمِيمٍ‏}‏ أي‏:‏ ماء حارا، قد انتهى، كما قال تعالى‏:‏ ‏{‏وَإِنْ يَسْتَغِيثُوا يُغَاثُوا بِمَاءٍ كَالْمُهْلِ يَشْوِي الْوُجُوهَ بِئْسَ الشَّرَابُ وَسَاءَتْ مُرْتَفَقًا‏}‏ وكما قال تعالى‏:‏ ‏{‏وَسُقُوا مَاءً حَمِيمًا فَقَطَّعَ أَمْعَاءَهُم‏}
{‏ثُمَّ إِنَّ مَرْجِعَهُم‏}‏ أي‏:‏ مآلهم ومقرهم ‏‏ ‏{‏لَإِلَى الْجَحِيمِ‏}‏ ليذوقوا من عذابه الشديد، وحره العظيم، ما ليس عليه مزيد من الشقاء‏.‏
وكأنه قيل‏:‏ ما الذي أوصلهم إلى هذه الدار‏؟‏ فقال‏:‏ ‏{‏إِنَّهُمْ أَلْفَوْا‏}‏ أي‏:‏ وجدوا ‏{‏آبَاءَهُمْ ضَالِّينَ فَهُمْ عَلَى آثَارِهِمْ يُهْرَعُونَ‏}‏ أي‏:‏ يسرعون في الضلال، فلم يلتفتوا إلى ما دعتهم إليه الرسل، ولا إلى ما حذرتهم عنه الكتب، ولا إلى أقوال الناصحين، بل عارضوهم بأن قالوا‏:‏ ‏{‏إِنَّا وَجَدْنَا آبَاءَنَا عَلَى أُمَّةٍ وَإِنَّا عَلَى آثَارِهِمْ مُقْتَدُونَ‏}
{‏وَلَقَدْ ضَلَّ قَبْلَهُم‏}‏ أي‏:‏ قبل هؤلاء المخاطبين ‏{‏أَكْثَرُ الْأَوَّلِينَ‏}‏ وقليل منهم آمن واهتدى‏.‏
{‏وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا فِيهِمْ مُنْذِرِينَ‏}‏ ينذرونهم عن غيهم وضلالهم‏.‏
{‏فَانْظُرْ كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الْمُنْذَرِينَ‏}‏ كانت عاقبتهم الهلاك، والخزي، والفضيحة، فليحذر هؤلاء أن يستمروا على ضلالهم، فيصيبهم مثل ما أصابهم‏.‏
ولما كان المنذرون ليسوا كلهم ضالين، بل منهم من آمن وأخلص الدين للّه، استثناه اللّه من الهلاك فقال‏:‏ ‏{‏إِلَّا عِبَادَ اللَّهِ الْمُخْلَصِينَ‏}‏ أي‏:‏ الذين أخلصهم اللّه، وخصهم برحمته لإخلاصهم، فإن عواقبهم صارت حميدة‏.‏
ثم ذكر أنموذجا من عواقب الأمم المكذبين فقال‏:‏
‏‏ ‏{‏وَلَقَدْ نَادَانَا نُوحٌ فَلَنِعْمَ الْمُجِيبُونَ * وَنَجَّيْنَاهُ وَأَهْلَهُ مِنَ الْكَرْبِ الْعَظِيمِ * وَجَعَلْنَا ذُرِّيَّتَهُ هُمُ الْبَاقِينَ * وَتَرَكْنَا عَلَيْهِ فِي الْآخِرِينَ * سَلَامٌ عَلَى نُوحٍ فِي الْعَالَمِينَ * إِنَّا كَذَلِكَ نَجْزِي الْمُحْسِنِينَ * إِنَّهُ مِنْ عِبَادِنَا الْمُؤْمِنِينَ * ثُمَّ أَغْرَقْنَا الْآخَرِينَ‏}
يخبر تعالى عن عبده ورسوله نوح عليه السلام، أول الرسل، أنه لما دعا قومه إلى اللّه، تلك المدة الطويلة فلم يزدهم دعاؤه، إلا فرارا، أنه نادى ربه فقال‏:‏ ‏{‏رَبِّ لَا تَذَرْ عَلَى الْأَرْضِ مِنَ الْكَافِرِينَ دَيَّارًا‏}‏ الآية‏.‏
وقال‏:‏ ‏{‏رَبِّ انْصُرْنِي عَلَى الْقَوْمِ الْمُفْسِدِينَ‏}‏ فاستجاب اللّه له، ومدح تعالى نفسه فقال‏:‏ ‏{‏فَلَنِعْمَ الْمُجِيبُونَ‏}‏ لدعاء الداعين، وسماع تبتلهم وتضرعهم، أجابه إجابة طابق ما سأل، نجاه وأهله من الكرب العظيم، وأغرق جميع الكافرين، وأبقى نسله وذريته متسلسلين، فجميع الناس من ذرية نوح عليه السلام، وجعل له ثناء حسنا مستمرا إلى وقت الآخرين، وذلك لأنه محسن في عبادة الخالق، محسن إلى الخلق، وهذه سنته تعالى في المحسنين، أن ينشر لهم من الثناء على حسب إحسانهم‏.‏
ودل قوله‏:‏ ‏{‏إِنَّهُ مِنْ عِبَادِنَا الْمُؤْمِنِينَ‏}‏ أن الإيمان أرفع منازل العباد وأنه مشتمل على جميع شرائع الدين وأصوله وفروعه، لأن اللّه مدح به خواص خلقه‏.‏
‏‏ ‏{‏وَإِنَّ مِنْ شِيعَتِهِ لَإِبْرَاهِيمَ‏}‏ إلى آخر القصة، أي‏:‏ وإن من شيعة نوح عليه السلام، ومن هو على طريقته في النبوة والرسالة، ودعوة الخلق إلى اللّه، وإجابة الدعاء، إبراهيم الخليل عليه السلام‏.‏
{‏إِذْ جَاءَ رَبَّهُ بِقَلْبٍ سَلِيمٍ‏}‏ من الشرك والشبه، والشهوات المانعة من تصور الحق، والعمل به، وإذا كان قلب العبد سليما، سلم من كل شر، وحصل له كل خير، ومن سلامته أنه سليم من غش الخلق وحسدهم، وغير ذلك من مساوئ الأخلاق، ولهذا نصح الخلق في اللّه، وبدأ بأبيه وقومه فقال‏:‏ ‏{‏إِذْ قَالَ لِأَبِيهِ وَقَوْمِهِ مَاذَا تَعْبُدُونَ‏}‏ هذا استفهام بمعنى الإنكار، وإلزام لهم بالحجة‏.‏
{‏أَئِفْكًا آلِهَةً دُونَ اللَّهِ تُرِيدُونَ‏}‏ أي‏:‏ أتعبدون ‏‏ آلهة كذبا، ليست بآلهة، ولا تصلح للعبادة، فما ظنكم برب العالمين، أن يفعل بكم وقد عبدتم معه غيره‏؟‏ وهذا ترهيب لهم بالجزاء بالعقاب على الإقامة على شركهم‏.‏
وما الذي ظننتم برب العالمين، من النقص حتى جعلتم له أندادا وشركاء‏.‏
فأراد عليه السلام، أن يكسر أصنامهم، ويتمكن من ذلك، فانتهز الفرصة في حين غفلة منهم، لما ذهبوا إلى عيد من أعيادهم، فخرج معهم‏.‏
{‏فَنَظَرَ نَظْرَةً فِي النُّجُومِ فَقَالَ إِنِّي سَقِيمٌ‏}‏ في الحديث الصحيح‏:‏ ‏"‏لم يكذب إبراهيم عليه السلام إلا ثلاث كذبات‏:‏ قوله ‏{‏إِنِّي سَقِيمٌ‏}‏ وقوله ‏{‏بَلْ فَعَلَهُ كَبِيرُهُمْ هَذَا‏}‏ وقوله عن زوجته ‏"‏إنها أختي‏"‏ والقصد أنه تخلف عنهم، ليتم له الكيد بآلهتهم‏.‏
‏{‏فَـ‏}‏ لهذا ‏{‏تَوَلَّوْا عَنْهُ مُدْبِرِينَ‏}‏ فلما وجد الفرصة‏.‏
{‏فَرَاغَ إِلَى آلِهَتِهِم‏}‏ أي‏:‏ أسرع إليها على وجه الخفية والمراوغة، ‏{‏فَقَالَ‏}‏ متهكما بها ‏{‏أَلَا تَأْكُلُونَ مَا لَكُمْ لَا تَنْطِقُونَ‏}‏ أي‏:‏ فكيف يليق أن تعبد، وهي أنقص من الحيوانات، التي تأكل أو تكلم‏؟‏ فهذه جماد لا تأكل ولا تكلم‏.‏
{‏فَرَاغَ عَلَيْهِمْ ضَرْبًا بِالْيَمِينِ‏}‏ أي‏:‏ جعل يضربها بقوته ونشاطه، حتى جعلها جذاذا، إلا كبيرا لهم، لعلهم إليه يرجعون‏.‏
{‏فَأَقْبَلُوا إِلَيْهِ يَزِفُّونَ‏}‏ أي‏:‏ يسرعون ويهرعون، أي‏:‏ يريدون أن يوقعوا به، بعدما بحثوا وقالوا‏:‏ ‏{‏مَنْ فَعَلَ هَذَا بِآلِهَتِنَا إِنَّهُ لَمِنَ الظَّالِمِينَ‏}
وقيل لهم ‏{‏سَمِعْنَا فَتًى يَذْكُرُهُمْ يُقَالُ لَهُ إِبْرَاهِيمُ‏}‏ يقول‏:‏ ‏{‏تَاللَّهِ لَأَكِيدَنَّ أَصْنَامَكُمْ بَعْدَ أَنْ تُوَلُّوا مُدْبِرِينَ‏}‏ فوبخوه ولاموه، فقال‏:‏ ‏{‏بَلْ فَعَلَهُ كَبِيرُهُمْ هَذَا فَسْئَلُوهُمْ إِنْ كَانُوا يَنطِقُونَ فَرَجَعُوا إِلَى أَنفُسِهِمْ فَقَالُوا إِنَّكُمْ أَنْتُمْ الظَّالِمُونَ ثُمَّ نُكِسُوا عَلَى رُءُوسِهِمْ لَقَدْ عَلِمْتَ مَا هَؤُلَاءِ يَنطِقُونَ قَالَ أَفَتَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ مَا لَا يَنفَعُكُمْ شَيْئًا وَلَا يَضُرُّكُم‏}‏ الآية‏.‏
و‏{‏قَالَ‏}‏ هنا‏:‏ ‏{‏أَتَعْبُدُونَ مَا تَنْحِتُونَ‏}‏ أي‏:‏ تنحتونه بأيديكم وتصنعونه‏؟‏ فكيف تعبدونهم، وأنتم الذين صنعتموهم، وتتركون الإخلاص للّه‏؟‏ الذي ‏{‏خَلَقَكُمْ وَمَا تَعْمَلُونَ قَالُوا ابْنُوا لَهُ بُنْيَانًا‏}‏ أي‏:‏ عاليا مرتفعا، وأوقدوا فيها النار ‏{‏فَأَلْقُوهُ فِي الْجَحِيمِ‏}‏ جزاء على ما فعل، من تكسير آلهتهم‏.‏
{‏فَأَرَادُوا بِهِ كَيْدًا‏}‏ ليقتلوه أشنع قتلة ‏{‏فَجَعَلْنَاهُمُ الْأَسْفَلِينَ‏}‏ رد اللّه كيدهم في نحورهم، وجعل النار على إبراهيم بردا وسلاما‏.‏
‏{‏وَ‏}‏ لما فعلوا فيه هذا الفعل، وأقام عليهم الحجة، وأعذر منهم، ‏{‏قال إِنِّي ذَاهِبٌ إِلَى رَبِّي‏}‏ أي‏:‏ مهاجر إليه، قاصد إلى الأرض المباركة أرض الشام‏.‏ ‏{‏سَيَهْدِينِ‏}‏ يدلني إلى ما فيه الخير لي، من أمر ديني ودنياي، وقال في الآية الأخرى‏:‏ ‏{‏وَأَعْتَزِلُكُمْ وَمَا تَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ وَأَدْعُو رَبِّي عَسَى أَلَّا أَكُونَ بِدُعَاءِ رَبِّي شَقِيًّا‏}
{‏رَبِّ هَبْ لِي‏}‏ ولدا يكون ‏{‏مِنَ الصَّالِحِينَ‏}‏ وذلك عند ما أيس من قومه، ولم ير فيهم خيرا، دعا اللّه أن يهب له غلاما صالحا، ينفع اللّه به في حياته، وبعد مماته، فاستجاب اللّه له وقال‏:‏ ‏{‏فَبَشَّرْنَاهُ بِغُلَامٍ حَلِيمٍ‏}‏ وهذا إسماعيل عليه السلام بلا شك، فإنه ذكر بعده البشارة ‏{‏فَبَشَّرْنَاهَا‏]‏ بِإِسْحَاقَ وَمِنْ وَرَاءِ إِسْحَاقَ يَعْقُوبَ‏}‏ فدل على أن إسحاق غير الذبيح، ووصف اللّه إسماعيل، عليه السلام بالحلم ، وهو يتضمن الصبر، وحسن الخلق، وسعة الصدر والعفو عمن جنى‏.‏
‏{‏فَلَمَّا بَلَغَ‏}‏ الغلام ‏{‏مَعَهُ السَّعْيَ‏}‏ أي‏:‏ أدرك أن يسعى معه، وبلغ سنا يكون في الغالب، أحب ما يكون لوالديه، قد ذهبت مشقته، وأقبلت منفعته، فقال له إبراهيم عليه السلام‏:‏ ‏{‏إِنِّي أَرَى فِي الْمَنَامِ أَنِّي أَذْبَحُكَ‏}‏ أي‏:‏ قد رأيت في النوم والرؤيا، أن اللّه يأمرني بذبحك، ورؤيا الأنبياء وحي ‏{‏فَانْظُرْ مَاذَا تَرَى‏}‏ فإن أمر اللّه تعالى، لا بد من تنفيذه، ‏{‏قَالَ‏}‏ إسماعيل صابرا محتسبا، مرضيا لربه، وبارا بوالده‏:‏ ‏{‏يَا أَبَتِ افْعَلْ مَا تُؤْمَرُ‏}‏ أي‏:‏ ‏‏ لما أمرك اللّه ‏{‏سَتَجِدُنِي إِنْ شَاءَ اللَّهُ مِنَ الصَّابِرِينَ‏}‏ أخبر أباه أنه موطن نفسه على الصبر، وقرن ذلك بمشيئة اللّه تعالى، لأنه لا يكون شيء بدون مشيئة اللّه تعالى‏.‏
‏{‏فَلَمَّا أَسْلَمَا‏}‏ أي‏:‏ إبراهيم وابنه إسماعيل، جازما بقتل ابنه وثمرة فؤاده، امتثالا لأمر ربه، وخوفا من عقابه، والابن قد وطَّن نفسه على الصبر، وهانت عليه في طاعة ربه، ورضا والده، ‏{‏وَتَلَّهُ لِلْجَبِينِ‏}‏ أي‏:‏ تل إبراهيم إسماعيل على جبينه، ليضجعه فيذبحه، وقد انكب لوجهه، لئلا ينظر وقت الذبح إلى وجهه‏.‏
‏{‏وَنَادَيْنَاهُ‏}‏ في تلك الحال المزعجة، والأمر المدهش‏:‏ ‏{‏أَنْ يَا إِبْرَاهِيمُ قَدْ صَدَّقْتَ‏}‏ أي‏:‏ قد فعلت ما أمرت به، فإنك وطَّنت نفسك على ذلك، وفعلت كل سبب، ولم يبق إلا إمرار السكين على حلقه ‏{‏إِنَّا كَذَلِكَ نَجْزِي الْمُحْسِنِينَ‏}‏ في عبادتنا، المقدمين رضانا على شهوات أنفسهم‏.‏
‏{‏إِنَّ هَذَا‏}‏ الذي امتحنا به إبراهيم عليه السلام ‏{‏لَهُوَ الْبَلَاءُ الْمُبِينُ‏}‏ أي‏:‏ الواضح، الذي تبين به صفاء إبراهيم، وكمال محبته لربه وخلته، فإن إسماعيل عليه السلام لما وهبه اللّه لإبراهيم، أحبه حبا شديدًا، وهو خليل الرحمن، والخلة أعلى أنواع المحبة، وهو منصب لا يقبل المشاركة ويقتضي أن تكون جميع أجزاء القلب متعلقة بالمحبوب، فلما تعلقت شعبة من شعب قلبه بابنه إسماعيل، أراد تعالى أن يصفي وُدَّه ويختبر خلته، فأمره أن يذبح من زاحم حبه حب ربه، فلما قدّم حب اللّه، وآثره على هواه، وعزم على ذبحه، وزال ما في القلب من المزاحم، بقي الذبح لا فائدة فيه، فلهذا قال‏:‏ ‏{‏إِنَّ هَذَا لَهُوَ الْبَلَاءُ الْمُبِينُ وَفَدَيْنَاهُ بِذِبْحٍ عَظِيمٍ‏}‏ أي‏:‏ صار بدله ذبح من الغنم عظيم، ذبحه إبراهيم، فكان عظيما من جهة أنه كان فداء لإسماعيل، ومن جهة أنه من جملة العبادات الجليلة، ومن جهة أنه كان قربانا وسنة إلى يوم القيامة‏.‏
{‏وَتَرَكْنَا عَلَيْهِ فِي الْآخِرِينَ سَلَامٌ عَلَى إِبْرَاهِيمَ‏}‏ أي‏:‏ وأبقينا عليه ثناء صادقا في الآخرين، كما كان في الأولين، فكل وقت بعد إبراهيم عليه السلام، فإنه ‏‏ محبوب معظم مثني عليه‏.‏
{‏سَلَامٌ عَلَى إِبْرَاهِيمَ‏}‏ أي‏:‏ تحيته عليه كقوله‏:‏ ‏{‏قُلِ الْحَمْدُ لِلَّهِ وَسَلَامٌ عَلَى عِبَادِهِ الَّذِينَ اصْطَفَى‏}
{‏إِنَّا كَذَلِكَ نَجْزِي الْمُحْسِنِينَ‏}‏ في عبادة اللّه، ومعاملة خلقه، أن نفرج عنهم الشدائد، ونجعل لهم العاقبة، والثناء الحسن‏.‏
{‏إِنَّهُ مِنْ عِبَادِنَا الْمُؤْمِنِينَ‏}‏ بما أمر اللّه بالإيمان به، الذين بلغ بهم الإيمان إلى درجة اليقين، كما قال تعالى‏:‏ ‏{‏وَكَذَلِكَ نُرِي إِبْرَاهِيمَ مَلَكُوتَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَلِيَكُونَ مِنَ الْمُوقِنِينَ‏}
{‏وَبَشَّرْنَاهُ بِإِسْحَاقَ نَبِيًّا مِنَ الصَّالِحِينَ‏}‏ هذه البشارة الثانية بإسحاق، الذي من ورائه يعقوب، فبشر بوجوده وبقائه، ووجود ذريته، وكونه نبيا من الصالحين، فهي بشارات متعددة‏.‏
{‏وَبَارَكْنَا عَلَيْهِ وَعَلَى إِسْحَاقَ‏}‏ أي‏:‏ أنزلنا عليهما البركة، التي هي النمو والزيادة في علمهما وعملهما وذريتهما، فنشر اللّه من ذريتهما ثلاث أمم عظيمة‏:‏ أمة العرب من ذرية إسماعيل، وأمة بني إسرائيل، وأمة الروم من ذرية إسحاق‏.‏ ‏{‏وَمِنْ ذُرِّيَّتِهِمَا مُحْسِنٌ وَظَالِمٌ لِنَفْسِهِ مُبِينٌ‏}‏ أي‏:‏ منهم الصالح والطالح، والعادل والظالم الذي تبين ظلمه، بكفره وشركه، ولعل هذا من باب دفع الإيهام، فإنه لما قال‏:‏ ‏{‏وَبَارَكْنَا عَلَيْهِ وعلى إسحاق‏}‏ اقتضى ذلك البركة في ذريتهما، وأن من تمام البركة، أن تكون الذرية كلهم محسنين، فأخبر اللّه تعالى أن منهم محسنا وظالما، واللّه أعلم‏.‏
‏‏ ‏{‏وَلَقَدْ مَنَنَّا عَلَى مُوسَى وَهَارُونَ‏}‏ إلى آخر القصة‏.‏
يذكر تعالى مِنَّتهُ على عبديه ورسوليه، موسى، وهارون ابني عمران، بالنبوة والرسالة، والدعوة إلى اللّه تعالى، ونجاتهما وقومهما من عدوهما فرعون، ونصرهما عليه، حتى أغرقه اللّه وهم ينظرون، وإنزال اللّه عليهما الكتاب المستبين، وهو التوراة التي فيها الأحكام والمواعظ وتفصيل كل شيء، وأن اللّه هداهما الصراط المستقيم، بأن شرع لهما دينا ذا أحكام وشرائع مستقيمة موصلة إلى اللّه، ومَنَّ عليهما بسلوكه‏.‏
{‏وَتَرَكْنَا عَلَيْهِمَا فِي الْآخِرِينَ سَلَامٌ عَلَى مُوسَى وَهَارُونَ‏}‏ أي‏:‏ أبقى عليهما ثناء حسنا، وتحية في الآخرين، ومن باب أولى وأحرى في الأولين ‏{‏إِنَّا كَذَلِكَ نَجْزِي الْمُحْسِنِينَ إِنَّهُمَا مِنْ عِبَادِنَا الْمُؤْمِنِينَ‏}
‏‏ ‏{‏وَإِنَّ إِلْيَاسَ لَمِنَ الْمُرْسَلِينَ * إِذْ قَالَ لِقَوْمِهِ أَلَا تَتَّقُونَ * أَتَدْعُونَ بَعْلًا وَتَذَرُونَ أَحْسَنَ الْخَالِقِينَ * اللَّهَ رَبَّكُمْ وَرَبَّ آبَائِكُمُ الْأَوَّلِينَ * فَكَذَّبُوهُ فَإِنَّهُمْ لَمُحْضَرُونَ * إِلَّا عِبَادَ اللَّهِ الْمُخْلَصِينَ * وَتَرَكْنَا عَلَيْهِ فِي الْآخِرِينَ * سَلَامٌ عَلَى إِلْ يَاسِينَ * إِنَّا كَذَلِكَ نَجْزِي الْمُحْسِنِينَ * إِنَّهُ مِنْ عِبَادِنَا الْمُؤْمِنِينَ‏}‏
يمدح تعالى عبده ورسوله، إلياس عليه الصلاة والسلام، بالنبوة والرسالة، والدعوة إلى اللّه، وأنه أمر قومه بالتقوى، وعبادة اللّه وحده، ونهاهم عن عبادتهم، صنما لهم يقال له ‏"‏بعل‏"‏ وتركهم عبادة اللّه، الذي خلق الخلق، وأحسن خلقهم، ورباهم فأحسن تربيتهم، وأدرَّ عليهم النعم الظاهرة والباطنة، وأنكم كيف تركتم عبادة من هذا شأنه، إلى عبادة صنم، لا يضر، ولا ينفع، ولا يخلق، ولا يرزق، بل لا يأكل ولا يتكلم‏؟‏‏"‏ وهل هذا إلا من أعظم الضلال والسفه والغي‏؟‏‏"‏
‏{‏‏"‏فَكَذَّبُوهُ‏"‏‏}‏ فيما دعاهم إليه، فلم ينقادوا له، قال اللّه متوعدا لهم‏:‏ ‏{‏فَإِنَّهُمْ لَمُحْضَرُونَ‏}‏ أي يوم القيامة في العذاب، ولم يذكر لهم عقوبة دنيوية‏.‏
{‏إِلَّا عِبَادَ اللَّهِ الْمُخْلَصِينَ‏}‏ أي‏:‏ الذين أخلصهم اللّه، ومنَّ عليهم باتباع نبيهم، فإنهم غير محضرين في العذاب، وإنما لهم من اللّه جزيل الثواب‏.‏
‏{‏وَتَرَكْنَا عَلَيْهِ‏}‏ أي‏:‏ على إلياس ‏{‏فِي الْآخِرِينَ‏}‏ ثناء حسنا‏.‏
{‏سَلَامٌ عَلَى إِلْ يَاسِينَ‏}‏ أي‏:‏ تحية من اللّه، ومن عباده عليه‏.‏
{‏إِنَّا كَذَلِكَ نَجْزِي الْمُحْسِنِينَ إِنَّهُ مِنْ عِبَادِنَا الْمُؤْمِنِينَ‏}‏ فأثنى اللّه عليه كما أثنى على إخوانه صلوات اللّه وسلامه عليهم أجمعين‏.‏
‏‏ ‏{‏وَإِنَّ لُوطًا لَمِنَ الْمُرْسَلِينَ * إِذْ نَجَّيْنَاهُ وَأَهْلَهُ أَجْمَعِينَ * إِلَّا عَجُوزًا فِي الْغَابِرِينَ * ثُمَّ دَمَّرْنَا الْآخَرِينَ * وَإِنَّكُمْ لَتَمُرُّونَ عَلَيْهِمْ مُصْبِحِينَ * وَبِاللَّيْلِ أَفَلَا تَعْقِلُونَ‏}
وهذا ثناء منه تعالى على عبده ورسوله، لوط بالنبوة والرسالة، ودعوته إلى اللّه قومه، ونهيهم عن الشرك، وفعل الفاحشة‏.‏
فلما لم ينتهوا، نجاه اللّه وأهله أجمعين، فسروا ليلا فنجوا‏.‏
{‏إِلَّا عَجُوزًا فِي الْغَابِرِينَ‏}‏ أي‏:‏ الباقين المعذبين، وهي زوجة لوط لم تكن على دينه‏.‏
{‏ثُمَّ دَمَّرْنَا الْآخَرِينَ‏}‏ بأن قلبنا عليهم ديارهم ‏{‏فَجَعَلْنَا عَالِيَهَا سَافِلَهَا وَأَمْطَرْنَا عَلَيْهَا حِجَارَةً مِنْ سِجِّيلٍ مَنْضُودٍ‏}‏ حتى همدوا وخمدوا‏.‏
{‏وَإِنَّكُمْ لَتَمُرُّونَ عَلَيْهِم‏}‏ أي‏:‏ على ديار قوم لوط ‏{‏مُصْبِحِينَ وَبِاللَّيْلِ‏}‏ أي‏:‏ في هذه الأوقات، يكثر ترددكم إليها ومروركم بها، فلم تقبل الشك والمرية ‏{‏أَفَلَا تَعْقِلُونَ‏}‏ الآيات والعبر، وتنزجرون عما يوجب الهلاك‏؟‏
‏‏ ‏{‏وَإِنَّ يُونُسَ لَمِنَ الْمُرْسَلِينَ‏}‏ إلى آخر القصة‏.‏
وهذا ثناء منه تعالى، على عبده ورسوله، يونس بن متى، كما أثنى على إخوانه المرسلين، بالنبوة والرسالة، والدعوة إلى اللّه، وذكر تعالى عنه، أنه عاقبه عقوبة دنيوية، أنجاه منها بسبب إيمانه وأعماله الصالحة، فقال‏:‏ ‏{‏إِذْ أَبَقَ‏}‏
أي‏:‏ من ربه مغاضبا له، ظانا أنه لا يقدر عليه، ويحبسه في بطن الحوت، ولم يذكر اللّه ما غاضب عليه، ولا ذنبه الذي ارتكبه، لعدم فائدتنا بذكره، وإنما فائدتنا بما ذُكِّرنا عنه أنه أذنب، وعاقبه اللّه مع كونه من الرسل الكرام، وأنه نجاه بعد ذلك، وأزال عنه الملام، وقيض له ما هو سبب صلاحه‏.‏
فلما أبق لجأ ‏{‏إِلَى الْفُلْكِ الْمَشْحُونِ‏}‏ بالركاب والأمتعة، فلما ركب مع غيره، والفلك شاحن، ثقلت السفينة، فاحتاجوا إلى إلقاء بعض الركبان، وكأنهم لم يجدوا لأحد مزية في ذلك، فاقترعوا على أن من قرع وغلب، ألقي في البحر عدلا من أهل السفينة، وإذا أراد اللّه أمرا هيأ أسبابه‏.‏
فلما ‏‏ أصابت القرعة يونس ‏{‏فَكَانَ مِنَ الْمُدْحَضِينَ‏}‏ أي‏:‏ المغلوبين‏.‏
فألقي في البحر ‏{‏فَالْتَقَمَهُ الْحُوتُ وَهُوَ‏}‏ وقت التقامه ‏{‏مُلِيمٌ‏}‏ أي‏:‏ فاعل ما يلام عليه، وهو مغاضبته لربه‏.‏
{‏فَلَوْلَا أَنَّهُ كَانَ مِنَ الْمُسَبِّحِينَ‏}‏ أي‏:‏ في وقته السابق بكثرة عبادته لربه، وتسبيحه، وتحميده، وفي بطن الحوت حيث قال‏:‏ ‏{‏لَا إِلَهَ إِلَّا أَنْتَ سُبْحَانَكَ إِنِّي كُنْتُ مِنَ الظَّالِمِينَ‏}
{‏لَلَبِثَ فِي بَطْنِهِ إِلَى يَوْمِ يُبْعَثُونَ‏}‏ أي‏:‏ لكانت مقبرته، ولكن بسبب تسبيحه وعبادته للّه، نجاه اللّه تعالى، وكذلك ينجي اللّه المؤمنين، عند وقوعهم في الشدائد‏.‏
‏{‏فَنَبَذْنَاهُ بِالْعَرَاءِ‏}‏ بأن قذفه الحوت من بطنه بالعراء، وهي الأرض الخالية العارية من كل أحد، بل ربما كانت عارية من الأشجار والظلال‏.‏ ‏{‏وَهُوَ سَقِيمٌ‏}‏ أي‏:‏ قد سقم ومرض، بسبب حبسه في بطن الحوت، حتى صار مثل الفرخ الممعوط من البيضة‏.‏
{‏وَأَنْبَتْنَا عَلَيْهِ شَجَرَةً مِنْ يَقْطِينٍ‏}‏ تظله بظلها الظليل، لأنها بادرة باردة الظلال، ولا يسقط عليها ذباب، وهذا من لطفه به، وبره‏.‏
ثم لطف به لطفا آخر، وامْتَنَّ عليه مِنّة عظمى، وهو أنه أرسله ‏{‏إِلَى مِائَةِ أَلْفٍ‏}‏ من الناس ‏{‏أَوْ يَزِيدُونَ‏}‏ عنها، والمعنى أنهم إن ما زادوا لم ينقصوا، فدعاهم إلى اللّه تعالى‏.‏
‏{‏فَآمَنُوا‏}‏ فصاروا في موازينه، لأنه الداعي لهم‏.‏
{‏فَمَتَّعْنَاهُمْ إِلَى حِينٍ‏}‏ بأن صرف اللّه عنهم العذاب بعدما انعقدت أسبابه، قال تعالى‏:‏ ‏{‏فَلَوْلَا كَانَتْ قَرْيَةٌ آمَنَتْ فَنَفَعَهَا إِيمَانُهَا إِلَّا قَوْمَ يُونُسَ لَمَّا آمَنُوا كَشَفْنَا عَنْهُمْ عَذَابَ الْخِزْيِ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَمَتَّعْنَاهُمْ إِلَى حِينٍ‏}
‏‏ ‏{‏فَاسْتَفْتِهِمْ أَلِرَبِّكَ الْبَنَاتُ وَلَهُمُ الْبَنُونَ * أَمْ خَلَقْنَا الْمَلَائِكَةَ إِنَاثًا وَهُمْ شَاهِدُونَ * أَلَا إِنَّهُمْ مِنْ إِفْكِهِمْ لَيَقُولُونَ * وَلَدَ اللَّهُ وَإِنَّهُمْ لَكَاذِبُونَ * أَصْطَفَى الْبَنَاتِ عَلَى الْبَنِينَ * مَا لَكُمْ كَيْفَ تَحْكُمُونَ * أَفَلَا تَذَكَّرُونَ * أَمْ لَكُمْ سُلْطَانٌ مُبِينٌ * فَأْتُوا بِكِتَابِكُمْ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ‏}
يقول تعالى لنبيه محمد ـ صلى الله عليه وسلم ـ‏:‏ ‏{‏فَاسْتَفْتِهِم‏}‏ أي‏:‏ اسأل المشركين باللّه غيره، الذين عبدوا الملائكة، وزعموا أنها بنات اللّه، فجمعوا بين الشرك باللّه، ووصفه بما لا يليق بجلاله، ‏{‏أَلِرَبِّكَ الْبَنَاتُ وَلَهُمُ الْبَنُونَ‏}‏ أي‏:‏ هذه قسمة ضيزى، وقول جائر، من جهة جعلهم الولد للّه تعالى، ومن جهة جعلهم أردأ القسمين وأخسهما له وهو البنات التي لا يرضونهن لأنفسهم، كما قال في الآية الأخرى ‏{‏وَيَجْعَلُونَ لِلَّهِ الْبَنَاتِ سُبْحَانَهُ وَلَهُمْ مَا يَشْتَهُونَ‏}‏ ومن جهة جعلهم الملائكة بنات اللّه، وحكمهم بذلك‏.‏
قال تعالى في بيان كذبهم‏:‏ ‏{‏أَمْ خَلَقْنَا الْمَلَائِكَةَ إِنَاثًا وَهُمْ شَاهِدُونَ‏}‏ خلقهم‏؟‏ أي‏:‏ ليس الأمر كذلك، فإنهم ما شهدوا خلقهم، فدل على أنهم قالوا هذا القول، بلا علم، بل افتراء على اللّه، ولهذا قال‏:‏ ‏{‏أَلَا إِنَّهُمْ مِنْ إِفْكِهِم‏}‏ أي‏:‏ كذبهم الواضح ‏{‏لَيَقُولُونَ وَلَدَ اللَّهُ وَإِنَّهُمْ لَكَاذِبُونَ‏}
‏{‏أَصْطَفَى‏}‏ أي‏:‏ اختار ‏{‏الْبَنَاتِ عَلَى الْبَنِينَ مَا لَكُمْ كَيْفَ تَحْكُمُونَ‏}‏ هذا الحكم الجائر‏.‏
‏{‏أَفَلَا تَذَكَّرُونَ‏}‏ وتميزون هذا القول الباطل الجائر، فإنكم لو تذكرتم لم تقولوا هذا القول‏.‏
{‏أَمْ لَكُمْ سُلْطَانٌ مُبِينٌ‏}‏ أي‏:‏ حجة ظاهرة على قولكم، من كتاب أو رسول‏.‏
وكل هذا غير واقع، ولهذا قال‏:‏ ‏{‏فَأْتُوا بِكِتَابِكُمْ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ‏}‏ فإن من يقول قولا لا يقيم عليه حجة شرعية، فإنه كاذب متعمد، أو قائل على اللّه بلا علم‏.‏
‏‏ ‏{‏وَجَعَلُوا بَيْنَهُ وَبَيْنَ الْجِنَّةِ نَسَبًا وَلَقَدْ عَلِمَتِ الْجِنَّةُ إِنَّهُمْ لَمُحْضَرُونَ * سُبْحَانَ اللَّهِ عَمَّا يَصِفُونَ * إِلَّا عِبَادَ اللَّهِ الْمُخْلَصِينَ‏}
أي‏:‏ جعل هؤلاء المشركون باللّه بين اللّه وبين الجنة نسبا، حيث زعموا أن الملائكة بنات اللّه، وأن أمهاتهم سروات الجن، والحال أن الجنة قد علمت أنهم محضرون بين يدي اللّه، ‏‏ عبادا أذلاء، فلو كان بينهم وبينه نسب، لم يكونوا كذلك‏.‏
‏{‏سُبْحَانَ اللَّهِ‏}‏ الملك العظيم، الكامل الحليم، عما يصفه به المشركون من كل وصف أوجبه كفرهم وشركهم‏.‏
{‏إِلَّا عِبَادَ اللَّهِ الْمُخْلَصِينَ‏}‏ فإنه لم ينزه نفسه عما وصفوه به، لأنهم لم يصفوه إلا بما يليق بجلاله، وبذلك كانوا مخلصين‏.‏
‏‏ ‏{‏فَإِنَّكُمْ وَمَا تَعْبُدُونَ * مَا أَنْتُمْ عَلَيْهِ بِفَاتِنِينَ * إِلَّا مَنْ هُوَ صَالِي الْجَحِيمِ‏}‏
أي‏:‏ إنكم أيها المشركون ومن عبدتموه مع اللّه، لا تقدرون أن تفتنوا وتضلوا أحدا إلا من قضى اللّه أنه من أهل الجحيم، فينفذ فيه القضاء الإلهي، والمقصود من هذا، بيان عجزهم وعجز آلهتهم عن إضلال أحد، وبيان كمال قدرة اللّه تعالى، أي‏:‏ فلا تطمعوا بإضلال عباد اللّه المخلصين وحزبه المفلحين‏.‏
‏‏ ‏{‏وَمَا مِنَّا إِلَّا لَهُ مَقَامٌ مَعْلُومٌ * وَإِنَّا لَنَحْنُ الصَّافُّونَ * وَإِنَّا لَنَحْنُ الْمُسَبِّحُونَ‏}
هذا ‏‏ بيان براءة الملائكة عليهم السلام، عما قاله فيهم المشركون، وأنهم عباد اللّه، لا يعصونه طرفة عين، فما منهم من أحد إلا له مقام وتدبير قد أمره اللّه به لا يتعداه ولا يتجاوزه، وليس لهم من الأمر شيء‏.‏
{‏وَإِنَّا لَنَحْنُ الصَّافُّونَ‏}‏ في طاعة اللّه وخدمته‏.‏
{‏وَإِنَّا لَنَحْنُ الْمُسَبِّحُونَ‏}‏ لله عما لا يليق به‏.‏ فكيف ـ مع هذا ـ يصلحون أن يكونوا شركاء للّه‏؟‏‏!‏ تعالى الله‏.‏
‏‏ ‏{‏وَإِنْ كَانُوا لَيَقُولُونَ * لَوْ أَنَّ عِنْدَنَا ذِكْرًا مِنَ الْأَوَّلِينَ * لَكُنَّا عِبَادَ اللَّهِ الْمُخْلَصِينَ * فَكَفَرُوا بِهِ فَسَوْفَ يَعْلَمُونَ * وَلَقَدْ سَبَقَتْ كَلِمَتُنَا لِعِبَادِنَا الْمُرْسَلِينَ * إِنَّهُمْ لَهُمُ الْمَنْصُورُونَ * وَإِنَّ جُنْدَنَا لَهُمُ الْغَالِبُونَ * فَتَوَلَّ عَنْهُمْ حَتَّى حِينٍ‏}‏ إلى آخر السورة‏.‏
يخبر تعالى أن هؤلاء المشركين، يظهرون التمني، ويقولون‏:‏ لو جاءنا من الذكر والكتب، ما جاء الأولين، لأخلصنا للّه العبادة، بل لكنا المخلصين على الحقيقة‏.‏
وهم كَذَبَة في ذلك، فقد جاءهم أفضل الكتب فكفروا به، فعلم أنهم متمردون على الحق ‏{‏فَسَوْفَ يَعْلَمُونَ‏}‏ العذاب حين يقع بهم، ولا يحسبوا أيضا أنهم في الدنيا غالبون، بل قد سبقت كلمة اللّه التي لا مرد لها ولا مخالف لها لعباده المرسلين وجنده المفلحين، أنهم الغالبون لغيرهم، المنصورون من ربهم، نصرا عزيزا، يتمكنون فيه من إقامة دينهم، وهذه بشارة عظيمة لمن اتصف بأنه من جند اللّه، بأن كانت أحواله مستقيمة، وقاتل من أمر بقتالهم، أنه غالب منصور‏.‏
ثم أمر رسوله بالإعراض عمن عاندوا، ولم يقبلوا الحق، وأنه ما بقي إلا انتظار ما يحل بهم من العذاب، ولهذا قال‏:‏ ‏{‏وَأَبْصِرْهُمْ فَسَوْفَ يُبْصِرُونَ‏}[FONT=Comic Sans M
@@@الجوووري@@@
@@@الجوووري@@@
تفسير سورة يس وهي مكية

‏‏ ‏‏بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ {يس * وَالْقُرْآنِ الْحَكِيمِ * إِنَّكَ لَمِنَ الْمُرْسَلِينَ * عَلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ * تَنْزِيلَ الْعَزِيزِ الرَّحِيمِ * لِتُنْذِرَ قَوْمًا مَا أُنْذِرَ آبَاؤُهُمْ فَهُمْ غَافِلُونَ * لَقَدْ حَقَّ الْقَوْلُ عَلَى أَكْثَرِهِمْ فَهُمْ لَا يُؤْمِنُونَ * إِنَّا جَعَلْنَا فِي أَعْنَاقِهِمْ أَغْلَالًا فَهِيَ إِلَى الْأَذْقَانِ فَهُمْ مُقْمَحُونَ * وَجَعَلْنَا مِنْ بَيْنِ أَيْدِيهِمْ سَدًّا وَمِنْ خَلْفِهِمْ سَدًّا فَأَغْشَيْنَاهُمْ فَهُمْ لَا يُبْصِرُونَ * وَسَوَاءٌ عَلَيْهِمْ أَأَنْذَرْتَهُمْ أَمْ لَمْ تُنْذِرْهُمْ لَا يُؤْمِنُونَ * إِنَّمَا تُنْذِرُ مَنِ اتَّبَعَ الذِّكْرَ وَخَشِيَ الرَّحْمَنَ بِالْغَيْبِ فَبَشِّرْهُ بِمَغْفِرَةٍ وَأَجْرٍ كَرِيمٍ * إِنَّا نَحْنُ نُحْيِي الْمَوْتَى وَنَكْتُبُ مَا قَدَّمُوا وَآثَارَهُمْ وَكُلَّ شَيْءٍ أحْصَيْنَاهُ فِي إِمَامٍ مُبِينٍ‏}‏
هذا قسم من اللّه تعالى بالقرآن الحكيم، الذي وصفه الحكمة، وهي وضع كل شيء موضعه، وضع الأمر والنهي في الموضع اللائق بهما، ووضع الجزاء بالخير والشر في محلهما اللائق بهما، فأحكامه الشرعية والجزائية كلها مشتملة على غاية الحكمة‏.‏
ومن حكمة هذا القرآن، أنه يجمع بين ذكر الحكم وحكمته، فينبه العقول على المناسبات والأوصاف المقتضية لترتيب الحكم عليها‏.‏
{‏إِنَّكَ لَمِنَ الْمُرْسَلِينَ‏}‏ هذا المقسم عليه، وهو رسالة محمد ـ صلى الله عليه وسلم ـ وإنك من جملة المرسلين، فلست ببدع من الرسل، وأيضا فجئت بما جاء به الرسل من الأصول الدينية، وأيضا فمن تأمل أحوال المرسلين وأوصافهم، وعرف الفرق بينهم وبين غيرهم، عرف أنك من خيار المرسلين، بما فيك من الصفات الكاملة، والأخلاق الفاضلة‏.‏
ولا يخفى ما بين المقسم به، وهو القرآن الحكيم، وبين المقسم عليه، ‏‏ رسالة الرسول محمد ـ صلى الله عليه وسلم ـ من الاتصال، وأنه لو لم يكن لرسالته دليل ولا شاهد إلا هذا القرآن الحكيم، لكفى به دليلا وشاهدا على رسالة محمد ـ صلى الله عليه وسلم ـ بل القرآن العظيم أقوى الأدلة المتصلة المستمرة على رسالة الرسول، فأدلة القرآن كلها أدلة لرسالة محمد ـ صلى الله عليه وسلم ـ‏.‏
ثم أخبر بأعظم أوصاف الرسول ـ صلى الله عليه وسلم ـ الدالة على رسالته، وهو أنه ‏{‏عَلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ‏}‏ معتدل، موصل إلى اللّه وإلى دار كرامته، وذلك الصراط المستقيم، مشتمل على أعمال، وهي الأعمال الصالحة، المصلحة للقلب والبدن، والدنيا والآخرة، والأخلاق الفاضلة، المزكية للنفس، المطهرة للقلب، المنمية للأجر، فهذا الصراط المستقيم، الذي هو وصف الرسول ـ صلى الله عليه وسلم ـ ووصف دينه الذي جاء به، فتأمل جلالة هذا القرآن الكريم، كيف جمع بين القسم بأشرف الأقسام، على أجل مقسم عليه، وخبر اللّه وحده كاف، ولكنه تعالى أقام من الأدلة الواضحة والبراهين الساطعة في هذا الموضع على صحة ما أقسم عليه، من رسالة رسوله ما نبهنا عليه، وأشرنا إشارة لطيفة لسلوك طريقه، وهذا الصراط المستقيم ‏{‏تَنْزِيلَ الْعَزِيزِ الرَّحِيمِ‏}‏ فهو الذي أنزل به كتابه، وأنزله طريقا لعباده، موصلا لهم إليه، فحماه بعزته عن التغيير والتبديل، ورحم به عباده رحمة اتصلت بهم، حتى أوصلتهم إلى دار رحمته، ولهذا ختم الآية بهذين الاسمين الكريمين‏:‏ العزيز‏.‏ الرحيم‏.‏
فلما أقسم تعالى على رسالته وأقام الأدلة عليها، ذكر شدة الحاجة إليها واقتضاء الضرورة لها فقال‏:‏ ‏{‏لِتُنْذِرَ قَوْمًا مَا أُنْذِرَ آبَاؤُهُمْ فَهُمْ غَافِلُونَ‏}‏ وهم العرب الأميون، الذين لم يزالوا خالين من الكتب، عادمين الرسل، قد عمتهم الجهالة، وغمرتهم الضلالة، وأضحكوا عليهم وعلى سفههم عقول العالمين، فأرسل اللّه إليهم رسولا من أنفسهم، يزكيهم ويعلمهم الكتاب والحكمة، وإن كانوا من قبل لفي ضلال مبين، فينذر العرب الأميين، ومن لحق بهم من كل أمي، ويذكر أهل الكتب بما عندهم من الكتب، فنعمة اللّه به على العرب خصوصا، وعلى غيرهم عموما‏.‏ ولكن هؤلاء الذين بعثت فيهم لإنذارهم بعدما أنذرتهم، انقسموا قسمين‏:‏ قسم رد لما جئت به، ولم يقبل النذارة، وهم الذين قال اللّه فيهم ‏{‏لَقَدْ حَقَّ الْقَوْلُ عَلَى أَكْثَرِهِمْ فَهُمْ لَا يُؤْمِنُونَ‏}‏ أي‏:‏ نفذ فيهم القضاء والمشيئة، أنهم لا يزالون في كفرهم وشركهم، وإنما حق عليهم القول بعد أن عرض عليهم الحق فرفضوه، فحينئذ عوقبوا بالطبع على قلوبهم‏.‏
وذكر الموانع من وصول الإيمان لقلوبهم، فقال‏:‏ ‏{‏إِنَّا جَعَلْنَا فِي أَعْنَاقِهِمْ أَغْلَالًا‏}‏ وهي جمع ‏"‏غل‏"‏ و ‏"‏الغل‏"‏ ما يغل به العنق، فهو للعنق بمنزلة القيد للرجل، وهذه الأغلال التي في الأعناق عظيمة قد وصلت إلى أذقانهم ورفعت رءوسهم إلى فوق، ‏{‏فَهُمْ مُقْمَحُونَ‏}‏ أي‏:‏ رافعو رءوسهم من شدة الغل الذي في أعناقهم، فلا يستطيعون أن يخفضوها‏.‏
{‏وَجَعَلْنَا مِنْ بَيْنِ أَيْدِيهِمْ سَدًّا وَمِنْ خَلْفِهِمْ سَدًّا‏}‏ أي‏:‏ حاجزا يحجزهم عن الإيمان، ‏{‏فَهُمْ لَا يُبْصِرُونَ‏}‏ قد غمرهم الجهل والشقاء من جميع جوانبهم، فلم تفد فيهم النذارة‏.‏ ‏{‏وَسَوَاءٌ عَلَيْهِمْ أَأَنْذَرْتَهُمْ أَمْ لَمْ تُنْذِرْهُمْ لَا يُؤْمِنُونَ‏}‏ وكيف يؤمن من طبع على قلبه، ورأى الحق باطلا والباطل حقا‏؟‏‏!‏
والقسم الثاني‏:‏ الذين قبلوا النذارة، وقد ذكرهم بقوله‏:‏ ‏{‏إِنَّمَا تُنْذِرُ‏}‏ أي‏:‏ إنما تنفع نذارتك، ويتعظ بنصحك ‏{‏مَنِ اتَّبَعَ الذِّكْرَ‏}‏ ‏‏ من قصده اتباع الحق وما ذكر به، ‏{‏وَخَشِيَ الرَّحْمَنَ بِالْغَيْبِ‏}‏ أي‏:‏ من اتصف بهذين الأمرين، القصد الحسن في طلب الحق، وخشية اللّه تعالى، فهم الذين ينتفعون برسالتك، ويزكون بتعليمك، وهذا الذي وفق لهذين الأمرين ‏{‏فَبَشِّرْهُ بِمَغْفِرَةٍ‏}‏ لذنوبه، ‏{‏وَأَجْرٍ كَرِيمٍ‏}‏ لأعماله الصالحة، ونيته الحسنة‏.‏
{‏إِنَّا نَحْنُ نُحْيِي الْمَوْتَى‏}‏ أي‏:‏ نبعثهم بعد موتهم لنجازيهم على الأعمال، ‏{‏وَنَكْتُبُ مَا قَدَّمُوا‏}‏ من الخير والشر، وهو أعمالهم التي عملوها وباشروها في حال حياتهم، ‏{‏وَآثَارَهُم‏}‏ وهي آثار الخير وآثار الشر، التي كانوا هم السبب في إيجادها في حال حياتهم وبعد وفاتهم، وتلك الأعمال التي نشأت من أقوالهم وأفعالهم وأحوالهم، فكل خير عمل به أحد من الناس، بسبب علم العبد وتعليمه ونصحه، أو أمره بالمعروف، أو نهيه عن المنكر، أو علم أودعه عند المتعلمين، أو في كتب ينتفع بها في حياته وبعد موته، أو عمل خيرا، من صلاة أو زكاة أو صدقة أو إحسان، فاقتدى به غيره، أو عمل مسجدا، أو محلا من المحال التي يرتفق بها الناس، وما أشبه ذلك، فإنها من آثاره التي تكتب له، وكذلك عمل الشر‏.‏
ولهذا‏:‏ ‏(‏من سن سنة حسنة فله أجرها وأجر من عمل بها إلى يوم القيامة، ومن سن سنة سيئة فعليه وزرها ووزر من عمل بها إلى يوم القيامة‏)‏ وهذا الموضع، يبين لك علو مرتبة الدعوة إلى اللّه والهداية إلى سبيله بكل وسيلة وطريق موصل إلى ذلك، ونزول درجة الداعي إلى الشر الإمام فيه، وأنه أسفل الخليقة، وأشدهم جرما، وأعظمهم إثما‏.‏
‏{‏وَكُلَّ شَيْءٍ‏}‏ من الأعمال والنيات وغيرها ‏{‏أحْصَيْنَاهُ فِي إِمَامٍ مُبِينٍ‏}‏ أي‏:‏ كتاب هو أم الكتب وإليه مرجع الكتب، التي تكون بأيدي الملائكة، وهو اللوح المحفوظ‏.‏
‏‏ ‏{‏وَاضْرِبْ لَهُمْ مَثَلًا أَصْحَابَ الْقَرْيَةِ إِذْ جَاءَهَا الْمُرْسَلُونَ‏}‏ إلى آخر القصة‏.‏
أي‏:‏ واضرب لهؤلاء المكذبين برسالتك، الرادين لدعوتك، مثلا يعتبرون به، ويكون لهم موعظة إن وفقوا للخير، وذلك المثل‏:‏ أصحاب القرية، وما جرى منهم من التكذيب لرسل اللّه، وما جرى عليهم من عقوبته ونكاله‏.‏
وتعيين تلك القرية، لو كان فيه فائدة، لعينها اللّه، فالتعرض لذلك وما أشبهه من باب التكلف والتكلم بلا علم، ولهذا إذا تكلم أحد في مثل هذا تجد عنده من الخبط والخلط والاختلاف الذي لا يستقر له قرار، ما تعرف به أن طريق العلم الصحيح، الوقوف مع الحقائق، وترك التعرض لما لا فائدة فيه، وبذلك تزكو النفس، ويزيد العلم، من حيث يظن الجاهل أن زيادته بذكر الأقوال التي لا دليل عليها، ولا حجة عليها ولا يحصل منها من الفائدة إلا تشويش الذهن واعتياد الأمور المشكوك فيها‏.‏
والشاهد أن هذه القرية جعلها اللّه مثلا للمخاطبين‏.‏ ‏{‏إِذْ جَاءَهَا الْمُرْسَلُونَ‏}‏ من اللّه تعالى يأمرونهم بعبادة اللّه وحده، وإخلاص الدين له، وينهونهم عن الشرك والمعاصي‏.‏
{‏إِذْ أَرْسَلْنَا إِلَيْهِمُ اثْنَيْنِ فَكَذَّبُوهُمَا فَعَزَّزْنَا بِثَالِثٍ‏}‏ أي‏:‏ قويناهما بثالث، فصاروا ثلاثة رسل، اعتناء من اللّه بهم، وإقامة للحجة بتوالي الرسل إليهم، ‏{‏فَقَالُوا‏}‏ لهم‏:‏ ‏{‏إِنَّا إِلَيْكُمْ مُرْسَلُونَ‏}‏ فأجابوهم بالجواب الذي ما زال مشهورا عند من رد دعوة الرسل‏:‏ فـ ‏{‏قَالُوا مَا أَنْتُمْ إِلَّا بَشَرٌ مِثْلُنَا‏}‏ أي‏:‏ فما الذي فضلكم علينا وخصكم من دوننا‏؟‏ قالت الرسل لأممهم‏:‏ ‏{‏إِنْ نَحْنُ إِلَّا بَشَرٌ مِثْلُكُمْ وَلَكِنَّ اللَّهَ يَمُنُّ عَلَى مَنْ يَشَاءُ مِنْ عِبَادِهِ‏}
{‏وَمَا أَنْزَلَ الرَّحْمَنُ مِنْ شَيْءٍ‏}‏ أي‏:‏ أنكروا عموم الرسالة، ثم أنكروا أيضا المخاطبين لهم، فقالوا‏:‏ ‏{‏إِنْ أَنْتُمْ إِلَّا تَكْذِبُونَ‏}
فقالت هؤلاء الرسل الثلاثة‏:‏ ‏{‏رَبُّنَا يَعْلَمُ إِنَّا إِلَيْكُمْ لَمُرْسَلُونَ‏}‏ فلو كنا كاذبين، لأظهر اللّه خزينا، ولبادرنا بالعقوبة‏.‏
{‏وَمَا عَلَيْنَا إِلَّا الْبَلَاغُ الْمُبِينُ‏}‏ أي‏:‏ البلاغ المبين الذي يحصل به توضيح الأمور المطلوب بيانها، وما عدا هذا من آيات الاقتراح، ومن سرعة العذاب، فليس إلينا، وإنما وظيفتنا ـ التي هي البلاغ المبينـ قمنا بها، وبيناها لكم، فإن اهتديتم، فهو حظكم وتوفيقكم، وإن ضللتم، فليس لنا من الأمر شيء‏.‏
فقال أصحاب القرية لرسلهم‏:‏ ‏{‏إِنَّا تَطَيَّرْنَا بِكُم‏}‏ أي‏:‏ لم نر على قدومكم علينا واتصالكم بنا إلا الشر، وهذا من أعجب العجائب، أن يجعل من قدم عليهم بأجل نعمة ينعم اللّه بها على العباد، وأجل كرامة يكرمهم بها، وضرورتهم إليها فوق كل ضرورة، قد قدم بحالة شر، زادت على الشر الذي هم عليه، واستشأموا بها، ولكن الخذلان وعدم التوفيق، يصنع بصاحبه أعظم مما يصنع به عدوه‏.‏
ثم توعدوهم فقالوا‏:‏ ‏{‏لَئِنْ لَمْ تَنْتَهُوا لَنَرْجُمَنَّكُم‏}‏ أي‏:‏ نقتلنكم رجما بالحجارة أشنع القتلات ‏{‏وَلَيَمَسَّنَّكُمْ مِنَّا عَذَابٌ أَلِيمٌ‏}
فقالت لهم رسلهم‏:‏ ‏{‏طَائِرُكُمْ مَعَكُم‏}‏ وهو ما معهم من الشرك والشر، المقتضي لوقوع المكروه والنقمة، وارتفاع المحبوب والنعمة‏.‏ ‏{‏أَئِنْ ذُكِّرْتُم‏}‏ أي‏:‏ بسبب أنا ذكرناكم ما فيه صلاحكم وحظكم، قلتم لنا ما قلتم‏.‏
{‏بَلْ أَنْتُمْ قَوْمٌ مُسْرِفُونَ‏}‏ متجاوزون للحد، متجرهمون في قولكم، فلم يزدهم ‏‏ إلا نفورا واستكبارا‏.‏
{‏وَجَاءَ مِنْ أَقْصَى الْمَدِينَةِ رَجُلٌ يَسْعَى‏}‏ حرصا على نصح قومه حين سمع ما دعت إليه الرسل وآمن به، وعلم ما رد به قومه عليهم فقال ‏‏‏:‏ ‏{‏يَا قَوْمِ اتَّبِعُوا الْمُرْسَلِينَ‏}‏ فأمرهم باتباعهم ونصحهم على ذلك، وشهد لهم بالرسالة، ثم ذكر تأييدا لما شهد به ودعا إليه، فقال‏:‏ ‏{‏اتَّبِعُوا مَنْ لَا يَسْأَلُكُمْ أَجْرًا‏}‏ أي‏:‏ اتبعوا من نصحكم نصحا يعود إليكم بالخير، وليس ‏
بقي‏]‏ أن يقال‏:‏ فلعله يدعو ولا يأخذ أجرة، ولكنه ليس على الحق، فدفع هذا الاحتراز بقوله‏:‏ ‏{‏وَهُمْ مُهْتَدُونَ‏}‏ لأنهم لا يدعون إلا لما يشهد العقل الصحيح بحسنه، ولا ينهون إلا بما يشهد العقل الصحيح بقبحه‏.‏
فكأن قومه لم يقبلوا نصحه، بل عادوا لائمين له على اتباع الرسل، وإخلاص الدين للّه وحده، فقال‏:‏ ‏{‏وَمَا لِيَ لَا أَعْبُدُ الَّذِي فَطَرَنِي وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ‏}‏ أي‏:‏ وما المانع لي من عبادة من هو المستحق للعبادة، لأنه الذي فطرني، وخلقني، ورزقني، وإليه مآل جميع الخلق، فيجازيهم بأعمالهم، فالذي بيده الخلق والرزق، والحكم بين العباد، في الدنيا والآخرة، هو الذي يستحق أن يعبد، ويثنى عليه ويمجد، دون من لا يملك نفعا ولا ضرا، ولا عطاء ولا منعا، ولا حياة ولا موتا ولا نشورا، ولهذا قال‏:‏ ‏{‏أَأَتَّخِذُ مِنْ دُونِهِ آلِهَةً إِنْ يُرِدْنِ الرَّحْمَنُ بِضُرٍّ لَا تُغْنِ عَنِّي شَفَاعَتُهُم‏}‏ لأنه لا أحد يشفع عند الله إلا بإذنه، فلا تغني شفاعتهم عني شيئا، وَلَا هُمْ يُنْقذون من الضر الذي أراده اللّه بي‏.‏
‏{‏إِنِّي إِذًا‏}‏ أي‏:‏ إن عبدت آلهة هذا وصفها ‏{‏لَفِي ضَلَالٍ مُبِينٍ‏}‏ فجمع في هذا الكلام، بين نصحهم، والشهادة للرسل بالرسالة، والاهتداء والإخبار بِتعيُّن عبادة اللّه وحده، وذكر الأدلة عليها، وأن عبادة غيره باطلة، وذكر البراهين عليها، والإخبار بضلال من عبدها، والإعلان بإيمانه جهرا، مع خوفه الشديد من قتلهم، فقال‏:‏ ‏{‏إِنِّي آمَنْتُ بِرَبِّكُمْ فَاسْمَعُونِ‏}‏ فقتله قومه، لما سمعوا منه وراجعهم بما راجعهم به‏.‏
فـ ‏{‏قِيلَ‏}‏ له في الحال‏:‏ ‏{‏ادْخُلِ الْجَنَّةَ‏}‏ فقال مخبرا بما وصل إليه من الكرامة على توحيده وإخلاصه، وناصحا لقومه بعد وفاته، كما نصح لهم في حياته‏:‏ ‏{‏يَا لَيْتَ قَوْمِي يَعْلَمُونَ بِمَا غَفَرَ لِي رَبِّي‏}‏ أي‏:‏ بأي‏:‏ شيء غفر لي، فأزال عني أنواع العقوبات، ‏{‏وَجَعَلَنِي مِنَ الْمُكْرَمِينَ‏}‏ بأنواع المثوبات والمسرات، أي‏:‏ لو وصل علم ذلك إلى قلوبهم، لم يقيموا على شركهم‏.‏
قال اللّه في عقوبة قومه‏:‏ ‏{‏وَمَا أَنْزَلْنَا عَلَى قَوْمِهِ‏]‏ مِنْ بَعْدِهِ مِنْ جُنْدٍ مِنَ السَّمَاءِ‏}‏ أي‏:‏ ما احتجنا أن نتكلف في عقوبتهم، فننزل جندا من السماء لإتلافهم، ‏{‏وَمَا كُنَّا مُنْزِلِينَ‏}‏ لعدم الحاجة إلى ذلك، وعظمة اقتدار اللّه تعالى، وشدة ضعف بني آدم، وأنهم أدنى شيء يصيبهم من عذاب اللّه يكفيهم ‏{‏إِنْ كَانَت‏}‏ أي‏:‏ كانت عقوبتهم ‏{‏إِلَّا صَيْحَةً وَاحِدَةً‏}‏ أي‏:‏ صوتا واحدا، تكلم به بعض ملائكة اللّه، ‏{‏فَإِذَا هُمْ خَامِدُونَ‏}‏ قد تقطعت قلوبهم في أجوافهم، وانزعجوا لتلك الصيحة، فأصبحوا خامدين، لا صوت ولا حركة، ولا حياة بعد ذلك العتو والاستكبار، ومقابلة أشرف الخلق بذلك الكلام القبيح، وتجبرهم عليهم‏.‏
قال اللّه متوجعا للعباد‏:‏ ‏{‏يَا حَسْرَةً عَلَى الْعِبَادِ مَا يَأْتِيهِمْ مِنْ رَسُولٍ إِلَّا كَانُوا بِهِ يَسْتَهْزِئُونَ‏}‏ أي‏:‏ ما أعظم شقاءهم، وأطول عناءهم، وأشد جهلهم، حيث كانوا بهذه الصفة القبيحة، التي هي سبب لكل شقاء وعذاب ونكال‏"‏
‏‏ ‏{‏أَلَمْ يَرَوْا كَمْ أَهْلَكْنَا قَبْلَهُمْ مِنَ الْقُرُونِ أَنَّهُمْ إِلَيْهِمْ لَا يَرْجِعُونَ * وَإِنْ كُلٌّ لَمَّا جَمِيعٌ لَدَيْنَا مُحْضَرُونَ‏}
يقول تعالى‏:‏ ألم ير هؤلاء ويعتبروا بمن قبلهم من القرون المكذبة، التي أهلكها الله تعالى وأوقع بها عقابها، وأن جميعهم قد باد وهلك، فلم يرجع إلى الدنيا، ولن يرجع إليها، وسيعيد اللّه الجميع خلقا جديدا، ويبعثهم بعد موتهم، ويحضرون بين يديه تعالى، ليحكم بينهم بحكمه العدل الذي لا يظلم مثقال ذرة ‏{‏وَإِنْ تَكُ حَسَنَةً يُضَاعِفْهَا وَيُؤْتِ مِنْ لَدُنْهُ أَجْرًا عَظِيمًا‏}
‏‏ ‏{‏وَآيَةٌ لَهُمُ الْأَرْضُ الْمَيْتَةُ أَحْيَيْنَاهَا وَأَخْرَجْنَا مِنْهَا حَبًّا فَمِنْهُ يَأْكُلُونَ * وَجَعَلْنَا فِيهَا جَنَّاتٍ مِنْ نَخِيلٍ وَأَعْنَابٍ وَفَجَّرْنَا فِيهَا مِنَ الْعُيُونِ * لِيَأْكُلُوا مِنْ ثَمَرِهِ وَمَا عَمِلَتْهُ أَيْدِيهِمْ أَفَلَا يَشْكُرُونَ * سُبْحَانَ الَّذِي خَلَقَ الْأَزْوَاجَ كُلَّهَا مِمَّا تُنْبِتُ الْأَرْضُ وَمِنْ أَنْفُسِهِمْ وَمِمَّا لَا يَعْلَمُونَ‏}
أي‏:‏ ‏{‏وَآيَةٌ لَهُمُ‏}‏ على البعث والنشور، والقيام بين يدي اللّه تعالى للجزاء على الأعمال، هذه ‏{‏الْأَرْضُ الْمَيْتَةُ‏}‏ أنزل اللّه عليها المطر، فأحياها بعد موتها، ‏{‏وَأَخْرَجْنَا مِنْهَا حَبًّا فَمِنْهُ يَأْكُلُونَ‏}‏ من جميع أصناف الزروع، ومن جميع أصناف النبات، التي تأكله أنعامهم، ‏{‏وَجَعَلْنَا فِيهَا‏}‏ أي‏:‏ في تلك الأرض الميتة ‏{‏جَنَّاتٍ‏}‏ أي‏:‏ بساتين، فيها أشجار كثيرة، وخصوصا النخيل والأعناب، اللذان هما أشرف الأشجار، ‏{‏وَفَجَّرْنَا فِيهَا‏}‏ أي‏:‏ في الأرض ‏{‏مِنَ الْعُيُونِ‏}‏
جعلنا في الأرض تلك الأشجار، والنخيل والأعناب، ‏{‏لِيَأْكُلُوا مِنْ ثَمَرِهِ‏}‏ قوتا وفاكهة، وأدْمًا ولذة، ‏{‏و‏}‏ الحال أن تلك الثمار ‏{‏مَا عَمِلَتْهُ أَيْدِيهِم‏}‏ ‏‏ بطبخ ولا غيره، بل أوجد اللّه هذه الثمار، غير محتاجة لطبخ ولا شيّ، تؤخذ من أشجارها، فتؤكل في الحال‏.‏ ‏{‏أَفَلَا يَشْكُرُونَ‏}‏ من ساق لهم هذه النعم، وأسبغ عليهم من جوده وإحسانه، ما به تصلح أمور دينهم ودنياهم، أليس الذي أحيا الأرض بعد موتها، فأنبت فيها الزروع والأشجار، وأودع فيها لذيذ الثمار، وأظهر ذلك الجنى من تلك الغصون، وفجر الأرض اليابسة الميتة بالعيون، بقادر على أن يحيي الموتى‏؟‏ بل، إنه على كل شيء قدير‏.‏
{‏سُبْحَانَ الَّذِي خَلَقَ الْأَزْوَاجَ كُلَّهَا‏}‏ أي‏:‏ الأصناف كلها، ‏{‏مِمَّا تُنْبِتُ الْأَرْضُ‏}‏ فنوع فيها من الأصناف ما يعسر تعداده‏.‏ ‏{‏وَمِنْ أَنْفُسِهِم‏}‏ فنوعهم إلى ذكر وأنثى، وفاوت بين خلقهم وخُلُقِهمْ، وأوصافهم الظاهرة والباطنة‏.‏ ‏{‏وَمِمَّا لَا يَعْلَمُونَ‏}‏ من المخلوقات التي قد خلقت وغابت عن علمنا، والتي لم تخلق بعد، فسبحانه وتعالى أن يكون له شريك، أو ظهير، أو عوين، أو وزير، أو صاحبة، أو ولد، أو سَمِيٌّ، أو شبيه، أو مثيل في صفات كماله ونعوت جلاله، أو يعجزه شيء يريده‏.‏
‏‏ ‏{‏وَآيَةٌ لَهُمُ اللَّيْلُ نَسْلَخُ مِنْهُ النَّهَارَ فَإِذَا هُمْ مُظْلِمُونَ * وَالشَّمْسُ تَجْرِي لِمُسْتَقَرٍّ لَهَا ذَلِكَ تَقْدِيرُ الْعَزِيزِ الْعَلِيمِ * وَالْقَمَرَ قَدَّرْنَاهُ مَنَازِلَ حَتَّى عَادَ كَالْعُرْجُونِ الْقَدِيمِ * لَا الشَّمْسُ يَنْبَغِي لَهَا أَنْ تُدْرِكَ الْقَمَرَ وَلَا اللَّيْلُ سَابِقُ النَّهَارِ وَكُلٌّ فِي فَلَكٍ يَسْبَحُونَ‏}
أي‏:‏ ‏{‏وَآيَةٌ لَهُمُ‏}‏ على نفوذ مشيئة اللّه، وكمال قدرته، وإحيائه الموتى بعد موتهم‏.‏ ‏{‏اللَّيْلُ نَسْلَخُ مِنْهُ النَّهَارَ‏}‏ أي‏:‏ نزيل الضياء العظيم الذي طبق الأرض، فنبدله بالظلمة، ونحلها محله ‏{‏فَإِذَا هُمْ مُظْلِمُونَ‏}‏ وكذلك نزيل هذه الظلمة، التي عمتهم وشملتهم، فتطلع الشمس، فتضيء الأقطار، وينتشر الخلق لمعاشهم ومصالحهم، ولهذا قال‏:‏ ‏{‏وَالشَّمْسُ تَجْرِي لِمُسْتَقَرٍّ لَهَا‏}‏ ‏‏ قدره اللّه لها، لا تتعداه، ولا تقصر عنه، وليس لها تصرف في نفسها، ولا استعصاء على قدرة اللّه تعالى‏.‏ ‏{‏ذَلِكَ تَقْدِيرُ الْعَزِيزِ‏}‏ الذي بعزته دبر هذه المخلوقات العظيمة، بأكمل تدبير، وأحسن نظام‏.‏ ‏{‏الْعَلِيمُ‏}‏ الذي بعلمه، جعلها مصالح لعباده، ومنافع في دينهم ودنياهم‏.‏
{‏وَالْقَمَرَ قَدَّرْنَاهُ مَنَازِلَ‏}‏ ينزل بها، كل ليلة ينزل منها واحدة، ‏{‏حَتَّى‏}‏ يصغر جدا، فيعود ‏{‏كَالْعُرْجُونِ الْقَدِيمِ‏}‏ أي‏:‏ عرجون النخلة، الذي من قدمه نش وصغر حجمه وانحنى، ثم بعد ذلك، ما زال يزيد شيئا فشيئا، حتى يتم ‏‏ ويتسق ضياؤه‏.‏
‏{‏وَكُلٌّ‏}‏ من الشمس والقمر، والليل والنهار، قدره ‏‏ تقديرا لا يتعداه، وكل له سلطان ووقت، إذا وجد عدم الآخر، ولهذا قال‏:‏ ‏{‏لَا الشَّمْسُ يَنْبَغِي لَهَا أَنْ تُدْرِكَ الْقَمَرَ‏}‏ أي‏:‏ في سلطانه الذي هو الليل، فلا يمكن أن توجد الشمس في الليل، ‏{‏وَلَا اللَّيْلُ سَابِقُ النَّهَارِ‏}‏ فيدخل عليه قبل انقضاء سلطانه، ‏{‏وَكُلٌّ‏}‏ من الشمس والقمر والنجوم ‏{‏فِي فَلَكٍ يَسْبَحُونَ‏}‏ أي‏:‏ يترددون على الدوام، فكل هذا دليل ظاهر، وبرهان باهر، على عظمة الخالق، وعظمة أوصافه، خصوصا وصف القدرة والحكمة والعلم في هذا الموضع‏.‏
‏‏ ‏{‏وَآيَةٌ لَهُمْ أَنَّا حَمَلْنَا ذُرِّيَّتَهُمْ فِي الْفُلْكِ الْمَشْحُونِ * وَخَلَقْنَا لَهُمْ مِنْ مِثْلِهِ مَا يَرْكَبُونَ * وَإِنْ نَشَأْ نُغْرِقْهُمْ فَلَا صَرِيخَ لَهُمْ وَلَا هُمْ يُنْقَذُونَ * إِلَّا رَحْمَةً مِنَّا وَمَتَاعًا إِلَى حِينٍ * وَإِذَا قِيلَ لَهُمُ اتَّقُوا مَا بَيْنَ أَيْدِيكُمْ وَمَا خَلْفَكُمْ لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ * وَمَا تَأْتِيهِمْ مِنْ آيَةٍ مِنْ آيَاتِ رَبِّهِمْ إِلَّا كَانُوا عَنْهَا مُعْرِضِينَ * وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ أَنْفِقُوا مِمَّا رَزَقَكُمُ اللَّهُ قَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لِلَّذِينَ آمَنُوا أَنُطْعِمُ مَنْ لَوْ يَشَاءُ اللَّهُ أَطْعَمَهُ إِنْ أَنْتُمْ إِلَّا فِي ضَلَالٍ مُبِينٍ * وَيَقُولُونَ مَتَى هَذَا الْوَعْدُ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ * مَا يَنْظُرُونَ إِلَّا صَيْحَةً وَاحِدَةً تَأْخُذُهُمْ وَهُمْ يَخِصِّمُونَ * فَلَا يَسْتَطِيعُونَ تَوْصِيَةً وَلَا إِلَى أَهْلِهِمْ يَرْجِعُونَ‏}
أي‏:‏ ودليل لهم وبرهان، على أن اللّه وحده المعبود، لأنه المنعم بالنعم، الصارف للنقم، الذي من جملة نعمه ‏{‏أَنَّا حَمَلْنَا ذُرِّيَّتَهُم‏}‏ قال كثير من المفسرين‏:‏ المراد بذلك‏:‏ آباؤهم‏.‏
‏{‏وَخَلَقْنَا لَهُم‏}‏ أي‏:‏ للموجودين من بعدهم ‏{‏مِنْ مِثْلِهِ‏}‏ أي‏:‏ من مثل ذلك الفلك، أي‏:‏ جنسه ‏{‏مَا يَرْكَبُونَ‏}‏ به، فذكر نعمته على الآباء بحملهم في السفن، لأن النعمة عليهم، نعمة على الذرية‏.‏ وهذا الموضع من أشكل المواضع عليَّ في التفسير، فإن ما ذكره كثير من المفسرين، من أن المراد بالذرية الآباء، مما لا يعهد في القرآن إطلاق الذرية على الآباء، بل فيها من الإيهام، وإخراج الكلام عن موضوعه، ما يأباه كلام رب العالمين، وإرادته البيان والتوضيح لعباده‏.‏
وثَمَّ احتمال أحسن من هذا، وهو أن المراد بالذرية الجنس، وأنهم هم بأنفسهم، لأنهم هم من ذرية ‏‏ آدم، ولكن ينقض هذا المعنى قوله‏:‏ ‏{‏وَخَلَقْنَا لَهُمْ مِنْ مِثْلِهِ مَا يَرْكَبُونَ‏}‏ إن أريد‏:‏ وخلقنا من مثل ذلك الفلك، أي‏:‏ لهؤلاء المخاطبين، ما يركبون من أنواع الفلك، فيكون ذلك تكريرا للمعنى، تأباه فصاحة القرآن‏.‏ فإن أريد بقوله‏:‏ ‏{‏وَخَلَقْنَا لَهُمْ مِنْ مِثْلِهِ مَا يَرْكَبُونَ‏}‏ الإبل، التي هي سفن البر، استقام المعنى واتضح، إلا أنه يبقى أيضا، أن يكون الكلام فيه تشويش، فإنه لو أريد هذا المعنى، لقال‏:‏ وَآيَةٌ لَهُمْ أَنَّا حَمَلْنَاهم فِي الْفُلْكِ الْمَشْحُون،ِ وَخَلَقْنَا لَهُمْ مِنْ مِثْلِهِ مَا يَرْكَبُونَ ، فأما أن يقول في الأول‏:‏ وحملنا ذريتهم، وفي الثاني‏:‏ حملناهم، فإنه لا يظهر المعنى، إلا أن يقال‏:‏ الضمير عائد إلى الذرية، واللّه أعلم بحقيقة الحال‏.‏
فلما وصلت في الكتابة إلى هذا الموضع، ظهر لي معنى ليس ببعيد من مراد اللّه تعالى، وذلك أن من عرف جلالة كتاب اللّه وبيانه التام من كل وجه، للأمور الحاضرة والماضية والمستقبلة، وأنه يذكر من كل معنى أعلاه وأكمل ما يكون من أحواله، وكانت الفلك من آياته تعالى ونعمه على عباده، من حين أنعم عليهم بتعلمها إلى يوم القيامة، ولم تزل موجودة في كل زمان، إلى زمان المواجهين بالقرآن‏.‏
فلما خاطبهم اللّه تعالى بالقرآن، وذكر حالة الفلك، وعلم تعالى أنه سيكون أعظم آيات الفلك في غير وقتهم، وفي غير زمانهم، حين يعلمهم ‏‏ الفلك ‏‏ الشراعية منها والنارية، والجوية السابحة في الجو، كالطيور ونحوها، ‏‏ مما كانت الآية العظمى فيه لم توجد إلا في الذرية، نبَّه في الكتاب على أعلى نوع من أنواع آياتها فقال‏:‏
{‏وَآيَةٌ لَهُمْ أَنَّا حَمَلْنَا ذُرِّيَّتَهُمْ فِي الْفُلْكِ الْمَشْحُونِ‏}‏ أي‏:‏ المملوء ركبانا وأمتعة‏.‏ فحملهم اللّه تعالى، ونجاهم بالأسباب التي علمهم اللّه بها، من الغرق، و‏‏ نبههم على نعمته عليهم حيث أنجاهم مع قدرته على ذلك، فقال‏:‏ ‏{‏وَإِنْ نَشَأْ نُغْرِقْهُمْ فَلَا صَرِيخَ لَهُم‏}‏ أي‏:‏ لا أحد يصرخ لهم فيعاونهم على الشدة، ولا يزيل عنهم المشقة، ‏{‏وَلَا هُمْ يُنْقَذُونَ‏}‏ مما هم فيه ‏{‏إِلَّا رَحْمَةً مِنَّا وَمَتَاعًا إِلَى حِينٍ‏}‏ حيث لم نغرقهم، لطفا بهم، وتمتيعا لهم إلى حين، لعلهم يرجعون، أو يستدركون ما فرط منهم‏.‏
{‏وَإِذَا قِيلَ لَهُمُ اتَّقُوا مَا بَيْنَ أَيْدِيكُمْ وَمَا خَلْفَكُم‏}‏ أي‏:‏ من أحوال البرزخ والقيامة، وما في الدنيا من العقوبات ‏{‏لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ‏}‏ أعرضوا عن ذلك، فلم يرفعوا به رأسا، ولو جاءتهم كل آية، ولهذا قال‏:‏ ‏{‏وَمَا تَأْتِيهِمْ مِنْ آيَةٍ مِنْ آيَاتِ رَبِّهِمْ إِلَّا كَانُوا عَنْهَا مُعْرِضِينَ‏}‏ وفي إضافة الآيات إلى ربهم، دليل على كمالها ووضوحها، لأنه ما أبين من آية من آيات اللّه، ولا أعظم بيانا‏.‏
وإن من جملة تربية اللّه لعباده، أن أوصل إليهم الآيات التي يستدلون بها على ما ينفعهم، في دينهم ودنياهم‏.‏
{‏وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ أَنْفِقُوا مِمَّا رَزَقَكُمُ اللَّهُ‏}‏ أي‏:‏ من الرزق الذي منَّ به اللّه عليكم، ولو شاء لسلبكم إياه، ‏{‏قَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لِلَّذِينَ آمَنُوا‏}‏ معارضين للحق، محتجين بالمشيئة‏:‏ ‏{‏أَنُطْعِمُ مَنْ لَوْ يَشَاءُ اللَّهُ أَطْعَمَهُ إِنْ أَنْتُم‏}‏ أيها المؤمنون ‏{‏إِلَّا فِي ضَلَالٍ مُبِينٍ‏}‏ حيث تأمروننا بذلك‏.‏
وهذا مما يدل على جهلهم العظيم، أو تجاهلهم الوخيم، فإن المشيئة، ليست حجة لعاص أبدا، فإنه وإن كان ما شاء اللّه كان، وما لم يشأ لم يكن، فإنه تعالى مكَّن العباد، وأعطاهم من القوة ما يقدرون على فعل الأمر واجتناب النهي، فإذا تركوا ما أمروا به، كان ذلك اختيارا منهم، لا جبرا لهم ولا قهرا‏.‏
‏{‏وَيَقُولُونَ‏}‏ على وجه التكذيب والاستعجال‏:‏ ‏{‏مَتَى هَذَا الْوَعْدُ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ‏}‏ قال اللّه تعالى‏:‏ لا يستبعدوا ذلك، فإنه ‏‏ قريب ‏{‏مَا يَنْظُرُونَ إِلَّا صَيْحَةً وَاحِدَةً‏}‏ وهي نفخة الصور ‏{‏تَأْخُذُهُم‏}‏ أي‏:‏ تصيبهم ‏{‏وَهُمْ يَخِصِّمُونَ‏}‏ أي‏:‏ وهم لا هون عنها، لم تخطر على قلوبهم في حال خصومتهم، وتشاجرهم بينهم، الذي لا يوجد في الغالب إلا وقت الغفلة‏.‏
وإذا أخذتهم وقت غفلتهم، فإنهم لا ينظرون ولا يمهلون ‏{‏فَلَا يَسْتَطِيعُونَ تَوْصِيَةً‏}‏ أي‏:‏ لا قليلة ولا كثيرة ‏{‏وَلَا إِلَى أَهْلِهِمْ يَرْجِعُونَ‏}
‏‏ ‏{‏وَنُفِخَ فِي الصُّورِ فَإِذَا هُمْ مِنَ الْأَجْدَاثِ إِلَى رَبِّهِمْ يَنْسِلُونَ * قَالُوا يَا وَيْلَنَا مَنْ بَعَثَنَا مِنْ مَرْقَدِنَا هَذَا مَا وَعَدَ الرَّحْمَنُ وَصَدَقَ الْمُرْسَلُونَ * إِنْ كَانَتْ إِلَّا صَيْحَةً وَاحِدَةً فَإِذَا هُمْ جَمِيعٌ لَدَيْنَا مُحْضَرُونَ * فَالْيَوْمَ لَا تُظْلَمُ نَفْسٌ شَيْئًا وَلَا تُجْزَوْنَ إِلَّا مَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ‏}
النفخة الأولى، هي نفخة الفزع والموت، وهذه نفخة البعث والنشور، فإذا نفخ في الصور، خرجوا من الأجداث والقبور، ينسلون إلى ربهم، أي‏:‏ يسرعون للحضور بين يديه، لا يتمكنون من التأنِّي والتأخر، وفي تلك الحال، يحزن المكذبون، ويظهرون الحسرة والندم، ويقولون‏:‏ ‏{‏يَا وَيْلَنَا مَنْ بَعَثَنَا مِنْ مَرْقَدِنَا‏}‏ أي‏:‏ من رقدتنا في القبور، لأنه ورد في بعض الأحاديث، أن لأهل القبور رقدة قبيل النفخ في الصور، فيجابون، فيقال ‏‏ ‏{‏هَذَا مَا وَعَدَ الرَّحْمَنُ وَصَدَقَ الْمُرْسَلُونَ‏}‏ أي‏:‏ هذا الذي وعدكم اللّه به، ووعدتكم به الرسل، فظهر صدقهم رَأْيَ عين‏.‏
ولا تحسب أن ذكر الرحمن في هذا الموضع، لمجرد الخبر عن وعده، وإنما ذلك للإخبار بأنه في ذلك اليوم العظيم، سيرون من رحمته ما لا يخطر على الظنون، ولا حسب به الحاسبون، كقوله‏:‏ ‏{‏الْمُلْكُ يَوْمَئِذٍ الْحَقُّ لِلرَّحْمَنِ‏}‏ ‏{‏وَخَشَعَتِ الْأَصْوَاتُ لِلرَّحْمَنِ‏}‏ ونحو ذلك، مما يذكر اسمه الرحمن، في هذا‏.‏
‏{‏إِنْ كَانَت‏}‏ البعثة من القبور ‏{‏إِلَّا صَيْحَةً وَاحِدَةً‏}‏ ينفخ فيها إسرافيل في الصور، فتحيا الأجساد، ‏{‏فَإِذَا هُمْ جَمِيعٌ لَدَيْنَا مُحْضَرُونَ‏}‏ الأولون والآخرون، والإنس والجن، ليحاسبوا على أعمالهم‏.‏
{‏فَالْيَوْمَ لَا تُظْلَمُ نَفْسٌ شَيْئًا‏}‏ لا ينقص من حسناتها، ولا يزاد في سيئاتها، ‏{‏وَلَا تُجْزَوْنَ إِلَّا مَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ‏}‏ من خير أو شر، فمن وجد خيرا فليحمد اللّه على ذلك، ومن وجد غير ذلك فلا يلومن إلا نفسه‏.‏
‏‏ ‏{‏إِنَّ أَصْحَابَ الْجَنَّةِ الْيَوْمَ فِي شُغُلٍ فَاكِهُونَ * هُمْ وَأَزْوَاجُهُمْ فِي ظِلَالٍ عَلَى الْأَرَائِكِ مُتَّكِئُونَ * لَهُمْ فِيهَا فَاكِهَةٌ وَلَهُمْ مَا يَدَّعُونَ * سَلَامٌ قَوْلًا مِنْ رَبٍّ رَحِيمٍ‏}
‏‏ أن كل أحد لا يجازى إلا ما عمله، ذكر جزاء الفريقين، فبدأ بجزاء أهل الجنة، وأخبر أنهم في ذلك اليوم ‏{‏فِي شُغُلٍ فَاكِهُونَ‏}‏ أي‏:‏ في شغل مفكه للنفس، مُلِذِّ لها، من كل ما تهواه النفوس، وتلذه العيون، ويتمناه المتمنون‏.‏
ومن ذلك افتضاض العذارى الجميلات، كما قال‏:‏ ‏{‏هُمْ وَأَزْوَاجُهُم‏}‏ من الحور العين، اللاتي قد جمعن حسن الوجوه والأبدان وحسن الأخلاق‏.‏ ‏{‏فِي ظِلَالٍ عَلَى الْأَرَائِكِ‏}‏ أي‏:‏ على السرر المزينة باللباس المزخرف الحسن‏.‏ ‏{‏مُتَّكِئُونَ‏}‏ عليها، اتكاء على كمال الراحة والطمأنينة واللذة‏.‏
{‏لَهُمْ فِيهَا فَاكِهَةٌ‏}‏ كثيرة، من جميع أنواع الثمار اللذيذة، من عنب وتين ورمان، وغيرها، ‏{‏وَلَهُمْ مَا يَدَّعُونَ‏}‏ أي‏:‏ يطلبون، فمهما طلبوه وتمنوه أدركوه‏.‏
ولهم أيضا ‏{‏سَلَامٌ‏}‏ حاصل لهم ‏{‏مِنْ رَبٍّ رَحِيمٍ‏}‏ ففي هذا كلام الرب تعالى لأهل الجنة وسلامه عليهم، وأكده بقوله‏:‏ ‏{‏قَوْلًا‏}‏ وإذا سلم عليهم الرب الرحيم، حصلت لهم السلامة التامة من جميع الوجوه، وحصلت لهم التحية، التي لا تحية أعلى منها، ولا نعيم مثلها، فما ظنك بتحية ملك الملوك، الرب العظيم، الرءوف الرحيم، لأهل دار كرامته، الذي أحل عليهم رضوانه، فلا يسخط عليهم أبدا، فلولا أن اللّه تعالى قدر أن لا يموتوا، أو تزول قلوبهم عن أماكنها من الفرح والبهجة والسرور، لحصل ذلك‏.‏
فنرجو ربنا أن لا يحرمنا ذلك النعيم، وأن يمتعنا بالنظر إلى وجهه الكريم‏.‏

‏‏ ‏{‏وَامْتَازُوا الْيَوْمَ أَيُّهَا الْمُجْرِمُونَ * أَلَمْ أَعْهَدْ إِلَيْكُمْ يَا بَنِي آدَمَ أَنْ لَا تَعْبُدُوا الشَّيْطَانَ إِنَّهُ لَكُمْ عَدُوٌّ مُبِينٌ * وَأَنِ اعْبُدُونِي هَذَا صِرَاطٌ مُسْتَقِيمٌ * وَلَقَدْ أَضَلَّ مِنْكُمْ جِبِلًّا كَثِيرًا أَفَلَمْ تَكُونُوا تَعْقِلُونَ * هَذِهِ جَهَنَّمُ الَّتِي كُنْتُمْ تُوعَدُونَ * اصْلَوْهَا الْيَوْمَ بِمَا كُنْتُمْ تَكْفُرُونَ * الْيَوْمَ نَخْتِمُ عَلَى أَفْوَاهِهِمْ وَتُكَلِّمُنَا أَيْدِيهِمْ وَتَشْهَدُ أَرْجُلُهُمْ بِمَا كَانُوا يَكْسِبُونَ * وَلَوْ نَشَاءُ لَطَمَسْنَا عَلَى أَعْيُنِهِمْ فَاسْتَبَقُوا الصِّرَاطَ فَأَنَّى يُبْصِرُونَ * وَلَوْ نَشَاءُ لَمَسَخْنَاهُمْ عَلَى مَكَانَتِهِمْ فَمَا اسْتَطَاعُوا مُضِيًّا وَلَا يَرْجِعُونَ‏}
لما ذكر تعالى جزاء المتقين، ذكر جزاء المجرمين ‏{‏و‏}‏ أنهم يقال لهم يوم القيامة ‏{‏امْتَازُوا الْيَوْمَ أَيُّهَا الْمُجْرِمُونَ‏}‏ أي‏:‏ تميزوا عن المؤمنين، وكونوا على حدة، ليوبخهم ويقرعهم على رءوس الأشهاد قبل أن يدخلهم النار، فيقول لهم‏:‏ ‏{‏أَلَمْ أَعْهَدْ إِلَيْكُم‏}‏ أي‏:‏ آمركم وأوصيكم، على ألسنة رسلي، ‏‏ ‏{‏يَا بَنِي آدَمَ أَنْ لَا تَعْبُدُوا الشَّيْطَانَ‏}‏ أي‏:‏ لا تطيعوه‏؟‏ وهذا التوبيخ، يدخل فيه التوبيخ عن جميع أنواع الكفر والمعاصي، لأنها كلها طاعة للشيطان وعبادة له، ‏{‏إِنَّهُ لَكُمْ عَدُوٌّ مُبِينٌ‏}‏ فحذرتكم منه غاية التحذير، وأنذرتكم عن طاعته، وأخبرتكم بما يدعوكم إليه، ‏{‏و‏}‏ أمرتكم ‏{‏أَنِ اعْبُدُونِي‏}‏ بامتثال أوامري وترك زواجري، ‏{‏هَذَا‏}‏ أي‏:‏ عبادتي وطاعتي، ومعصية الشيطان ‏{‏صِرَاطٌ مُسْتَقِيمٌ‏}‏ فعلوم الصراط المستقيم وأعماله ترجع إلى هذين الأمرين، أي‏:‏ فلم تحفظوا عهدي، ولم تعملوا بوصيتي، فواليتم عدوكم، فـ ‏{‏أَضَلَّ مِنْكُمْ جِبِلًّا كَثِيرًا‏}‏ أي‏:‏ خلقا كثيرا‏.‏
{‏أَفَلَمْ تَكُونُوا تَعْقِلُونَ‏}‏ أي‏:‏ فلا كان لكم عقل يأمركم بموالاة ربكم ووليكم الحق، ويزجركم عن اتخاذ أعدى الأعداء لكم وليا، فلو كان لكم عقل صحيح لما فعلتم ذلك، فإذا أطعتم الشيطان، وعاديتم الرحمن، وكذبتم بلقائه، ووردتم القيامة دار الجزاء، وحق عليكم القول بالعذاب فـ ‏{‏هَذِهِ جَهَنَّمُ الَّتِي كُنْتُمْ تُوعَدُونَ‏}‏ وتكذبون بها، فانظروا إليها عيانا، فهناك تنزعج منهم القلوب، وتزوغ الأبصار، ويحصل الفزع الأكبر‏.‏
ثم يكمل ذلك، بأن يؤمر بهم إلى النار، ويقال لهم‏:‏ ‏{‏اصْلَوْهَا الْيَوْمَ بِمَا كُنْتُمْ تَكْفُرُونَ‏}‏ أي‏:‏ ادخلوها على وجه تصلاكم، ويحيط بكم حرها، ويبلغ منكم كل مبلغ، بسبب كفركم بآيات اللّه، وتكذيبكم لرسل اللّه‏.‏
قال الله تعالى في بيان وصفهم الفظيع في دار الشقاء‏:‏ ‏{‏الْيَوْمَ نَخْتِمُ عَلَى أَفْوَاهِهِم‏}‏ بأن نجعلهم خرسا فلا يتكلمون، فلا يقدرون على إنكار ما عملوه من الكفر والتكذيب‏.‏ ‏{‏وَتُكَلِّمُنَا أَيْدِيهِمْ وَتَشْهَدُ أَرْجُلُهُمْ بِمَا كَانُوا يَكْسِبُونَ‏}‏ أي‏:‏ تشهد عليهم أعضاؤهم بما عملوه، وينطقها الذي أنطق كل شيء‏.‏
{‏وَلَوْ نَشَاءُ لَطَمَسْنَا عَلَى أَعْيُنِهِم‏}‏ بأن نُذْهِبَ أبصارهم، كما طمسنا على نطقهم‏.‏ ‏{‏فَاسْتَبَقُوا الصِّرَاطَ‏}‏ أي‏:‏ فبادروا إليه، لأنه الطريق إلى الوصول إلى الجنة، ‏{‏فَأَنَّى يُبْصِرُونَ‏}‏ وقد طمست أبصارهم‏.‏
{‏وَلَوْ نَشَاءُ لَمَسَخْنَاهُمْ عَلَى مَكَانَتِهِم‏}‏ أي‏:‏ لأذهبنا حركتهم ‏{‏فَمَا اسْتَطَاعُوا مُضِيًّا‏}‏ إلى الأمام ‏{‏وَلَا يَرْجِعُونَ‏}‏ إلى ورائهم ليبعدوا عن النار‏.‏ والمعنى‏:‏ أن هؤلاء الكفار، حقت عليهم كلمة العذاب، ولم يكن بُدٌّ من عقابهم‏.‏
وفي ذلك الموطن، ما ثَمَّ إلا النار قد برزت، وليس لأحد نجاة إلا بالعبور على الصراط، وهذا لا يستطيعه إلا أهل الإيمان، الذين يمشون في نورهم، وأما هؤلاء، فليس لهم عند اللّه عهد في النجاة من النار؛ فإن شاء طمس أعينهم وأبقى حركتهم، فلم يهتدوا إلى الصراط لو استبقوا إليه وبادروه، وإن شاء أذهب حراكهم فلم يستطيعوا التقدم ولا التأخر‏.‏ المقصود‏:‏ أنهم لا يعبرونه، فلا تحصل لهم النجاة‏.‏
‏‏ ‏{‏وَمَنْ نُعَمِّرْهُ نُنَكِّسْهُ فِي الْخَلْقِ أَفَلَا يَعْقِلُونَ‏}
يقول تعالى‏:‏ ‏{‏وَمَنْ نُعَمِّرْهُ‏}‏ من بني آدم ‏{‏نُنَكِّسْهُ فِي الْخَلْقِ‏}‏ أي‏:‏ يعود إلى الحالة التي ابتدأ حالة الضعف، ضعف العقل، وضعف القوة‏.‏ ‏{‏أَفَلَا يَعْقِلُونَ‏}‏ أن الآدمي ناقص من كل وجه، فيتداركوا قوتهم وعقولهم، فيستعملونها في طاعة ربهم‏.‏
‏‏ ‏{‏وَمَا عَلَّمْنَاهُ الشِّعْرَ وَمَا يَنْبَغِي لَهُ إِنْ هُوَ إِلَّا ذِكْرٌ وَقُرْآنٌ مُبِينٌ * لِيُنْذِرَ مَنْ كَانَ حَيًّا وَيَحِقَّ الْقَوْلُ عَلَى الْكَافِرِينَ‏}
ينزه تعالى نبيه محمدا ـ صلى الله عليه وسلم ـ عما رماه به المشركون، من أنه شاعر، وأن الذي جاء به شعر فقال‏:‏ ‏{‏وَمَا عَلَّمْنَاهُ الشِّعْرَ وَمَا يَنْبَغِي لَهُ‏}‏ أن يكون شاعرا، أي‏:‏ هذا من جنس المحال أن يكون شاعرا، لأنه رشيد مهتد، والشعراء غاوون، يتبعهم الغاوون، ولأن اللّه تعالى حسم جميع الشبه التي يتعلق بها الضالون على رسوله، فحسم أن يكون يكتب أو يقرأ، وأخبر أنه ما علمه الشعر وما ينبغي له، ‏{‏إِنْ هُوَ إِلَّا ذِكْرٌ وَقُرْآنٌ مُبِينٌ‏}‏ أي‏:‏ ما هذا الذي جاء به إلا ذكر يتذكر به أولو الألباب، جميع المطالب الدينية، فهو مشتمل عليها أتم اشتمال، وهو يذكر العقول، ما ركز اللّه في فطرها من الأمر بكل حسن، والنهي عن كل قبيح‏.‏
‏{‏وَقُرْآنٍ مُبِينٍ‏}‏ أي‏:‏ مبين لما يطلب بيانه‏.‏ ولهذا حذف المعمول، ليدل على أنه مبين لجميع الحق، بأدلته التفصيلية والإجمالية، والباطل وأدلة بطلانه، أنزله اللّه كذلك على رسوله‏.‏
{‏لِيُنْذِرَ مَنْ كَانَ حَيًّا‏}‏ أي‏:‏ حي القلب واعيه، فهو الذي يزكو على هذا القرآن، وهو الذي يزداد من العلم منه والعمل، ويكون القرآن لقلبه بمنزلة المطر للأرض الطيبة الزاكية‏.‏ ‏{‏وَيَحِقَّ الْقَوْلُ عَلَى الْكَافِرِينَ‏}‏ لأنهم قامت عليهم به حجة اللّه، وانقطع احتجاجهم، فلم يبق لهم أدنى عذر وشبهة يُدْلُونَ بها‏.‏
‏‏ ‏{‏أَوَلَمْ يَرَوْا أَنَّا خَلَقْنَا لَهُمْ مِمَّا عَمِلَتْ أَيْدِينَا أَنْعَامًا فَهُمْ لَهَا مَالِكُونَ * وَذَلَّلْنَاهَا لَهُمْ فَمِنْهَا رَكُوبُهُمْ وَمِنْهَا يَأْكُلُونَ * وَلَهُمْ فِيهَا مَنَافِعُ وَمَشَارِبُ أَفَلَا يَشْكُرُونَ‏}
يأمر تعالى العباد بالنظر إلى ما سخر لهم من الأنعام وذللها، وجعلهم مالكين لها، مطاوعة لهم في كل أمر يريدونه منها، وأنه جعل لهم فيها منافع كثيرة من حملهم وحمل أثقالهم ومحاملهم وأمتعتهم من محل إلى محل، ومن أكلهم منها، وفيها دفء، ومن أوبارها وأشعارها وأصوافها أثاثا ومتاعا إلى حين، وفيها زينة وجمال، وغير ذلك من المنافع المشاهدة منها، ‏{‏أَفَلَا يَشْكُرُونَ‏}‏ اللّه تعالى الذي أنعم بهذه النعم، ويخلصون له العبادة ولا يتمتعون بها تمتعا خاليا من العبرة والفكرة‏.‏
‏‏ ‏{‏وَاتَّخَذُوا مِنْ دُونِ اللَّهِ آلِهَةً لَعَلَّهُمْ يُنْصَرُونَ * لَا يَسْتَطِيعُونَ نَصْرَهُمْ وَهُمْ لَهُمْ جُنْدٌ مُحْضَرُونَ‏}
هذا بيان لبطلان آلهة المشركين، التي اتخذوها مع اللّه تعالى، ورجوا نصرها وشفعها، فإنها في غاية العجز ‏{‏لَا يَسْتَطِيعُونَ نَصْرَهُم‏}‏ ولا أنفسهم ينصرون، فإذا كانوا لا يستطيعون نصرهم، فكيف ينصرونهم‏؟‏ والنصر له شرطان‏:‏ الاستطاعة ‏‏ فإذا استطاع، يبقى‏:‏ هل يريد نصرة من عبده أم لا‏؟‏ فَنَفْيُ الاستطاعة، ينفي الأمرين كليهما‏.‏
{‏وَهُمْ لَهُمْ جُنْدٌ مُحْضَرُونَ‏}‏ أي‏:‏ محضرون هم وهم في العذاب، ومتبرئ بعضهم من بعض، أفلا تبرأوا في الدنيا من عبادة هؤلاء، وأخلصوا العبادة للذي بيده الملك والنفع والضر، والعطاء والمنع، وهو الولي النصير‏؟‏
‏‏ ‏{‏فَلَا يَحْزُنْكَ قَوْلُهُمْ إِنَّا نَعْلَمُ مَا يُسِرُّونَ وَمَا يُعْلِنُونَ‏}
أي‏:‏ فلا يحزنك يا أيها الرسول، قول المكذبين، والمراد بالقول‏:‏ ما دل عليه السياق، كل قول يقدحون فيه في الرسول، أو فيما جاء به‏.‏
أي‏:‏ فلا تشغل قلبك بالحزن عليهم ‏{‏إِنَّا نَعْلَمُ مَا يُسِرُّونَ وَمَا يُعْلِنُونَ‏}
فنجازيهم على حسب علمنا بهم، وإلا فقولهم لا يضرك شيئا‏.‏
‏‏ ‏{‏أَوَ لَمْ يَرَ الْإِنْسَانُ أَنَّا خَلَقْنَاهُ مِنْ نُطْفَةٍ فَإِذَا هُوَ خَصِيمٌ مُبِينٌ * وَضَرَبَ لَنَا مَثَلًا وَنَسِيَ خَلْقَهُ قَالَ مَنْ يُحْيِي الْعِظَامَ وَهِيَ رَمِيمٌ * قُلْ يُحْيِيهَا الَّذِي أَنْشَأَهَا أَوَّلَ مَرَّةٍ وَهُوَ بِكُلِّ خَلْقٍ عَلِيمٌ * الَّذِي جَعَلَ لَكُمْ مِنَ الشَّجَرِ الْأَخْضَرِ نَارًا فَإِذَا أَنْتُمْ مِنْهُ تُوقِدُونَ * أَوَلَيْسَ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ بِقَادِرٍ عَلَى أَنْ يَخْلُقَ مِثْلَهُمْ بَلَى وَهُوَ الْخَلَّاقُ الْعَلِيمُ * إِنَّمَا أَمْرُهُ إِذَا أَرَادَ شَيْئًا أَنْ يَقُولَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ * فَسُبْحَانَ الَّذِي بِيَدِهِ مَلَكُوتُ كُلِّ شَيْءٍ وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ‏}‏
هذه الآيات الكريمات، فيها ‏‏ شبهة منكري البعث، والجواب عنها بأتم جواب وأحسنه وأوضحه، فقال تعالى‏:‏ ‏{‏أَوَ لَمْ يَرَ الْإِنْسَانُ‏}‏ المنكر للبعث و الشاك فيه، أمرا يفيده اليقين التام بوقوعه، وهو ابتداء خلقه ‏{‏مِنْ نُطْفَةٍ‏}‏ ثم تنقله في الأطوار شيئا فشيئا، حتى كبر وشب، وتم عقله واستتب، ‏{‏فَإِذَا هُوَ خَصِيمٌ مُبِينٌ‏}‏ بعد أن كان ابتداء خلقه من نطفة، فلينظر التفاوت بين هاتين الحالتين، وليعلم أن الذي أنشأه من العدم، قادر على أن يعيده بعد ما تفرق وتمزق، من باب أولى‏.‏
{‏وَضَرَبَ لَنَا مَثَلًا‏}‏ لا ينبغي لأحد أن يضربه، وهو قياس قدرة الخالق بقدرة المخلوق، وأن الأمر المستبعد على قدرة المخلوق مستبعد على قدرة الخالق‏.‏ فسر هذا المثل ‏‏‏:‏ ‏{‏قَالَ‏}‏ ذلك الإنسان ‏{‏مَنْ يُحْيِي الْعِظَامَ وَهِيَ رَمِيمٌ‏}‏ أي‏:‏ هل أحد يحييها‏؟‏ استفهام إنكار، أي‏:‏ لا أحد يحييها بعد ما بليت وتلاشت‏.‏
هذا وجه الشبهة والمثل، وهو أن هذا أمر في غاية البعد على ما يعهد من قدرة البشر، وهذا القول الذي صدر من هذا الإنسان غفلة منه، ونسيان لابتداء خلقه، فلو فطن لخلقه بعد أن لم يكن شيئا مذكورًا فوجد عيانا، لم يضرب هذا المثل‏.‏
فأجاب تعالى عن هذا الاستبعاد بجواب شاف كاف، فقال‏:‏ ‏{‏قُلْ يُحْيِيهَا الَّذِي أَنْشَأَهَا أَوَّلَ مَرَّةٍ‏}‏ وهذا بمجرد تصوره، يعلم به علما يقينا لا شبهة فيه، أن الذي أنشأها أول مرة قادر على الإعادة ثاني مرة، وهو أهون على القدرة إذا تصوره المتصور، ‏{‏وَهُوَ بِكُلِّ خَلْقٍ عَلِيمٌ‏}
هذا أيضا دليل ثان من صفات اللّه تعالى، وهو أن علمه تعالى محيط بجميع مخلوقاته في جميع أحوالها، في جميع الأوقات، ويعلم ما تنقص الأرض من أجساد الأموات وما يبقى، ويعلم الغيب والشهادة، فإذا أقر العبد بهذا العلم العظيم، علم أنه أعظم وأجل من إحياء اللّه الموتى من قبورهم‏.‏
ثم ذكر دليلا ثالثا ‏{‏الَّذِي جَعَلَ لَكُمْ مِنَ الشَّجَرِ الْأَخْضَرِ نَارًا فَإِذَا أَنْتُمْ مِنْهُ تُوقِدُونَ‏}‏ فإذا أخرج ‏‏ اليابسة من الشجر الأخضر، الذي هو في غاية الرطوبة، مع تضادهما وشدة تخالفهما، فإخراجه الموتى من قبورهم مثل ذلك‏.‏
ثم ذكر دليلًا رابعًا فقال‏:‏ ‏{‏أَوَلَيْسَ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ‏}‏ على سعتهما وعظمهما ‏{‏بِقَادِرٍ عَلَى أَنْ يَخْلُقَ مِثْلَهُم‏}‏ أي‏:‏ ‏‏ يعيدهم ‏‏‏.‏ ‏{‏بَلَى‏}‏ قادر على ذلك، فإن خلق السماوات والأرض أكبر من خلق الناس‏.‏ ‏{‏وَهُوَ الْخَلَّاقُ الْعَلِيمُ‏}‏ وهذا دليل خامس، فإنه تعالى الخلاق، الذي جميع المخلوقات، متقدمها ومتأخرها، صغيرها وكبيرها، كلها أثر من آثار خلقه وقدرته، وأنه لا يستعصي عليه مخلوق أراد خلقه‏.‏
فإعادته للأموات، فرد من أفراد ‏‏ خلقه، ولهذا قال‏:‏ ‏{‏إِنَّمَا أَمْرُهُ إِذَا أَرَادَ شَيْئًا‏}‏ نكرة في سياق الشرط، فتعم كل شيء‏.‏ ‏{‏أَنْ يَقُولَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ‏}‏ أي‏:‏ في الحال من غير تمانع‏.‏
{‏فَسُبْحَانَ الَّذِي بِيَدِهِ مَلَكُوتُ كُلِّ شَيْءٍ‏}‏ وهذا دليل سادس، فإنه تعالى هو الملك المالك لكل شيء، الذي جميع ما سكن في العالم العلوي والسفلي ملك له، وعبيد مسخرون ومدبرون، يتصرف فيهم بأقداره الحكمية، وأحكامه الشرعية، وأحكامه الجزائية‏.‏
فإعادته إياهم بعد موتهم، لينفذ فيهم حكم الجزاء، من تمام ملكه، ولهذا قال‏:‏ ‏{‏وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ‏}‏ من غير امتراء ولا شك، لتواتر البراهين القاطعة والأدلة الساطعة على ذلك‏.‏ فتبارك الذي جعل في كلامه الهدى والشفاء والنور‏.‏ تم تفسير سورة يس، فللّه ‏‏ الحمد كما ينبغي لجلاله، وله الثناء كما يليق بكماله، وله المجد كما تستدعيه عظمته وكبرياؤه، وصلى اللّه على محمد وآله وسلم‏.‏
@@@الجوووري@@@
@@@الجوووري@@@
تفسير سورة فاطر وهي مكية

‏‏ ‏‏بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ {الْحَمْدُ لِلَّهِ فَاطِرِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ جَاعِلِ الْمَلَائِكَةِ رُسُلًا أُولِي أَجْنِحَةٍ مَثْنَى وَثُلَاثَ وَرُبَاعَ يَزِيدُ فِي الْخَلْقِ مَا يَشَاءُ إِنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ * مَا يَفْتَحِ اللَّهُ لِلنَّاسِ مِنْ رَحْمَةٍ فَلَا مُمْسِكَ لَهَا وَمَا يُمْسِكْ فَلَا مُرْسِلَ لَهُ مِنْ بَعْدِهِ وَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ‏}‏
يمدح الله تعالى نفسه الكريمة المقدسة، على خلقه السماوات والأرض، وما اشتملتا عليه من المخلوقات، لأن ذلك دليل على كمال قدرته، وسعة ملكه، وعموم رحمته، وبديع حكمته، وإحاطة علمه‏.‏
ولما ذكر الخلق، ذكر بعده ما يتضمن الأمر، وهو‏:‏ أنه ‏{‏جَاعِلِ الْمَلَائِكَةِ رُسُلًا‏}‏ في تدبير أوامره القدرية، ووسائط بينه وبين خلقه، في تبليغ أوامره الدينية‏.‏
وفي ذكره أنه جعل الملائكة رسلاً، ولم يستثن منهم أحدا، دليل على كمال طاعتهم لربهم وانقيادهم لأمره، كما قال تعالى‏:‏ ‏{‏لَا يَعْصُونَ اللَّهَ مَا أَمَرَهُمْ وَيَفْعَلُونَ مَا يُؤْمَرُونَ‏}
ولما كانت الملائكة مدبرات بإذن اللّه، ما جعلهم اللّه موكلين فيه، ذكر قوتهم على ذلك وسرعة سيرهم، بأن جعلهم ‏{‏أُولِي أَجْنِحَةٍ‏}‏ تطير بها، فتسرع بتنفيذ ما أمرت به‏.‏ ‏{‏مَثْنَى وَثُلَاثَ وَرُبَاعَ‏}‏ أي‏:‏ منهم من له جناحان وثلاثة وأربعة، بحسب ما اقتضته حكمته‏.‏
{‏يَزِيدُ فِي الْخَلْقِ مَا يَشَاءُ‏}‏ أي‏:‏ يزيد بعض مخلوقاته على بعض، في صفة خلقها، وفي القوة، وفي الحسن، وفي زيادة الأعضاء المعهودة، وفي حسن الأصوات، ولذة النغمات‏.‏
{‏إِنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ‏}‏ فقدرته تعالى تأتي على ما يشاؤه، ولا يستعصي عليها شيء، ومن ذلك، زيادة مخلوقاته بعضها على بعض‏.‏
ثم ذكر انفراده تعالى بالتدبير والعطاء والمنع فقال‏:‏ ‏{‏مَا يَفْتَحِ اللَّهُ لِلنَّاسِ مِنْ رَحْمَةٍ فَلَا مُمْسِكَ لَهَا وَمَا يُمْسِك‏}‏ من رحمته عنهم ‏{‏فَلَا مُرْسِلَ لَهُ مِنْ بَعْدِهِ‏}‏ فهذا يوجب التعلق باللّه تعالى، والافتقار إليه من جميع الوجوه، وأن لا يدعى إلا هو، ولا يخاف ويرجى، إلا هو‏.‏ ‏{‏وَهُوَ الْعَزِيزُ‏}‏ الذي قهر الأشياء كلها ‏{‏الْحَكِيمُ‏}‏ الذي يضع الأشياء مواضعها وينزلها منازلها‏.‏
‏‏ ‏{‏يَا أَيُّهَا النَّاسُ اذْكُرُوا نِعْمَةَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ هَلْ مِنْ خَالِقٍ غَيْرُ اللَّهِ يَرْزُقُكُمْ مِنَ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ فَأَنَّى تُؤْفَكُونَ * وَإِنْ يُكَذِّبُوكَ فَقَدْ كُذِّبَتْ رُسُلٌ مِنْ قَبْلِكَ وَإِلَى اللَّهِ تُرْجَعُ الْأُمُورُ‏}
يأمر تعالى، جميع الناس أن يذكروا نعمته عليهم، وهذا شامل لذكرها بالقلب اعترافا، وباللسان ثناء، وبالجوارح انقيادا، فإن ذكر نعمه تعالى داع لشكره، ثم نبههم على أصول النعم، وهي الخلق والرزق، فقال‏:‏ ‏{‏هَلْ مِنْ خَالِقٍ غَيْرُ اللَّهِ يَرْزُقُكُمْ مِنَ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ‏}
ولما كان من المعلوم أنه ليس أحد يخلق ويرزق إلا اللّه، نتج من ذلك، أن كان ذلك دليلا على ألوهيته وعبوديته، ولهذا قال‏:‏ ‏{‏لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ فَأَنَّى تُؤْفَكُونَ‏}‏ أي‏:‏ تصرفون عن عبادة الخالق الرازق لعبادة المخلوق المرزوق‏.‏
‏{‏وَإِنْ يُكَذِّبُوكَ‏}‏ يا أيها الرسول، فلك أسوة بمن قبلك من المرسلين، ‏{‏فَقَدْ كُذِّبَتْ رُسُلٌ مِنْ قَبْلِكَ‏}‏ فأهلك المكذبون، ونجى اللّه الرسل وأتباعهم‏.‏ ‏{‏وَإِلَى اللَّهِ تُرْجَعُ الْأُمُورُ‏}
‏‏ ‏{‏يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّ وَعْدَ اللَّهِ حَقٌّ فَلَا تَغُرَّنَّكُمُ الْحَيَاةُ الدُّنْيَا وَلَا يَغُرَّنَّكُمْ بِاللَّهِ الْغَرُورُ * إِنَّ الشَّيْطَانَ لَكُمْ عَدُوٌّ فَاتَّخِذُوهُ عَدُوًّا إِنَّمَا يَدْعُو حِزْبَهُ لِيَكُونُوا مِنْ أَصْحَابِ السَّعِيرِ * الَّذِينَ كَفَرُوا لَهُمْ عَذَابٌ شَدِيدٌ وَالَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَهُمْ مَغْفِرَةٌ وَأَجْرٌ كَبِيرٌ‏}
يقول تعالى‏:‏ ‏{‏يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّ وَعْدَ اللَّهِ‏}‏ بالبعث والجزاء على الأعمال، ‏{‏حَقٌّ‏}‏ أي‏:‏ لا شك فيه، ولا مرية، ولا تردد، قد دلت على ذلك الأدلة السمعية والبراهين العقلية، فإذا كان وعده حقا، فتهيئوا له، وبادروا أوقاتكم الشريفة بالأعمال الصالحة، ولا يقطعكم عن ذلك قاطع، ‏{‏فَلَا تَغُرَّنَّكُمُ الْحَيَاةُ الدُّنْيَا‏}‏ بلذاتها وشهواتها ومطالبها النفسية، فتلهيكم عما خلقتم له، ‏{‏وَلَا يَغُرَّنَّكُمْ بِاللَّهِ الْغَرُورُ‏}‏ الذي هو ‏{‏الشَّيْطَانُ‏}‏ الذي هو عدوكم في الحقيقة ‏{‏فَاتَّخِذُوهُ عَدُوًّا‏}‏ أي‏:‏ لتكن منكم عداوته على بال، ولا تهملوا محاربته كل وقت، فإنه يراكم وأنتم لا ترونه، وهو دائما لكم بالمرصاد‏.‏
{‏إِنَّمَا يَدْعُو حِزْبَهُ لِيَكُونُوا مِنْ أَصْحَابِ السَّعِيرِ‏}‏ هذا غايته ومقصوده ممن تبعه، أن يهان غاية الإهانة بالعذاب الشديد‏.‏
ثم ذكر أن الناس انقسموا بحسب طاعة الشيطان وعدمها إلى قسمين، وذكر جزاء كل منهما، فقال‏:‏ ‏{‏الَّذِينَ كَفَرُوا‏}‏ أي‏:‏ جحدوا ما جاءت به الرسل، ودلت عليه الكتب ‏{‏لَهُمْ عَذَابٌ شَدِيدٌ‏}‏ في نار جهنم، شديد في ذاته ووصفه، وأنهم خالدون فيها أبدا‏.‏
‏{‏وَالَّذِينَ آمَنُوا‏}‏ بقلوبهم، بما دعا اللّه إلى الإيمان به ‏{‏وَعَمِلُوا‏}‏ بمقتضى ذلك الإيمان، بجوارحهم، الأعمال ‏{‏الصَّالِحَاتِ لَهُمْ مَغْفِرَةٌ‏}‏ لذنوبهم، يزول بها عنهم الشر والمكروه ‏{‏وَأَجْرٌ كَبِيرٌ‏}‏ يحصل به المطلوب‏.‏
‏‏ ‏{‏أَفَمَنْ زُيِّنَ لَهُ سُوءُ عَمَلِهِ فَرَآهُ حَسَنًا فَإِنَّ اللَّهَ يُضِلُّ مَنْ يَشَاءُ وَيَهْدِي مَنْ يَشَاءُ فَلَا تَذْهَبْ نَفْسُكَ عَلَيْهِمْ حَسَرَاتٍ إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ بِمَا يَصْنَعُونَ‏}
يقول تعالى‏:‏ ‏{‏أَفَمَنْ زُيِّنَ لَهُ‏}‏ عمله السيئ، القبيح، زينه له الشيطان، وحسنه في عينه‏.‏
‏{‏فَرَآهُ حَسَنًا‏}‏ أي‏:‏ كمن هداه اللّه إلى الصراط المستقيم والدين القويم، فهل يستوي هذا وهذا‏؟‏
فالأول‏:‏ عمل السيئ، ورأى الحق باطلا، والباطل حقا‏.‏
والثاني‏:‏ عمل الحسن، ورأى الحق حقا، والباطل باطلا، ولكن الهداية والإضلال بيد اللّه تعالى، ‏{‏فَإِنَّ اللَّهَ يُضِلُّ مَنْ يَشَاءُ وَيَهْدِي مَنْ يَشَاءُ فَلَا تَذْهَبْ نَفْسُكَ عَلَيْهِم‏}‏ أي‏:‏ على الضالين الذين زين لهم سوء أعمالهم، وصدهم الشيطان عن الحق ‏{‏حَسَرَاتٍ‏}‏ فليس عليك إلا البلاغ، وليس عليك من هداهم شيء، والله ‏‏ الذي يجازيهم بأعمالهم‏.‏ ‏{‏إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ بِمَا يَصْنَعُونَ‏}
‏‏ ‏{‏وَاللَّهُ الَّذِي أَرْسَلَ الرِّيَاحَ فَتُثِيرُ سَحَابًا فَسُقْنَاهُ إِلَى بَلَدٍ مَيِّتٍ فَأَحْيَيْنَا بِهِ الْأَرْضَ بَعْدَ مَوْتِهَا كَذَلِكَ النُّشُورُ‏}
يخبر تعالى عن كمال اقتداره، وسعة جوده، وأنه ‏{‏أَرْسَلَ الرِّيَاحَ فَتُثِيرُ سَحَابًا فَسُقْنَاهُ إِلَى بَلَدٍ مَيِّتٍ‏}‏ فأنزله اللّه عليها ‏{‏فَأَحْيَيْنَا بِهِ الْأَرْضَ بَعْدَ مَوْتِهَا‏}
فحييت البلاد والعباد، وارتزقت الحيوانات، ورتعت في تلك الخيرات، ‏{‏كَذَلِكَ‏}‏ الذي أحيا الأرض بعد موتها، ينشر الله الأموات من قبورهم، بعدما مزقهم البلى، فيسوق إليهم مطرا، كما ساقه إلى الأرض الميتة، فينزله عليهم فتحيا الأجساد والأرواح من القبور، ويأتون للقيام بين يدي الله ليحكم بينهم، ويفصل بحكمه العدل‏.‏
‏‏ ‏{‏مَنْ كَانَ يُرِيدُ الْعِزَّةَ فَلِلَّهِ الْعِزَّةُ جَمِيعًا إِلَيْهِ يَصْعَدُ الْكَلِمُ الطَّيِّبُ وَالْعَمَلُ الصَّالِحُ يَرْفَعُهُ وَالَّذِينَ يَمْكُرُونَ السَّيِّئَاتِ لَهُمْ عَذَابٌ شَدِيدٌ وَمَكْرُ أُولَئِكَ هُوَ يَبُورُ‏}
أي‏:‏ يا من يريد العزة، اطلبها ممن هي بيده، فإن العزة بيد اللّه، ولا تنال إلا بطاعته، وقد ذكرها بقوله‏:‏ ‏{‏إِلَيْهِ يَصْعَدُ الْكَلِمُ الطَّيِّبُ‏}‏ من قراءة وتسبيح وتحميد وتهليل وكل كلام حسن طيب، فيرفع إلى اللّه ويعرض عليه ويثني اللّه على صاحبه بين الملأ الأعلى ‏{‏وَالْعَمَلُ الصَّالِحُ‏}‏ من أعمال القلوب وأعمال الجوارح ‏{‏يَرْفَعُهُ‏}‏ اللّه تعالى إليه أيضا، كالكلم الطيب‏.‏
وقيل‏:‏ والعمل الصالح يرفع الكلم الطيب، فيكون رفع الكلم الطيب بحسب أعمال العبد الصالحة، فهي التي ترفع كلمه الطيب، فإذا لم يكن له عمل صالح، لم يرفع له قول إلى اللّه تعالى، فهذه الأعمال التي ترفع إلى اللّه تعالى، ويرفع اللّه صاحبها ويعزه‏.‏
وأما السيئات فإنها بالعكس، يريد صاحبها الرفعة بها، ويمكر ويكيد ويعود ذلك عليه، ولا يزداد إلا إهانة ونزولا، ولهذا قال‏:‏ ‏{‏والعمل الصالح يرفعه وَالَّذِينَ يَمْكُرُونَ السَّيِّئَاتِ لَهُمْ عَذَابٌ شَدِيدٌ‏}‏ يهانون فيه غاية الإهانة‏.‏ ‏{‏وَمَكْرُ أُولَئِكَ هُوَ يَبُورُ‏}‏ أي‏:‏ يهلك ويضمحل، ولا يفيدهم شيئا، لأنه مكر بالباطل، لأجل الباطل‏.‏
‏‏ ‏{‏وَاللَّهُ خَلَقَكُمْ مِنْ تُرَابٍ ثُمَّ مِنْ نُطْفَةٍ ثُمَّ جَعَلَكُمْ أَزْوَاجًا وَمَا تَحْمِلُ مِنْ أُنْثَى وَلَا تَضَعُ إِلَّا بِعِلْمِهِ وَمَا يُعَمَّرُ مِنْ مُعَمَّرٍ وَلَا يُنْقَصُ مِنْ عُمُرِهِ إِلَّا فِي كِتَابٍ إِنَّ ذَلِكَ عَلَى اللَّهِ يَسِيرٌ‏}
يذكر تعالى خلقه الآدمي، وتنقله في هذه الأطوار، من تراب إلى نطفة وما بعدها‏.‏
{‏ثُمَّ جَعَلَكُمْ أَزْوَاجًا‏}‏ أي‏:‏ لم يزل ينقلكم، طورا بعد طور، حتى أوصلكم إلى أن كنتم أزواجا، ذكرا يتزوج أنثى، ويراد بالزواج، الذرية والأولاد، فهو وإن كان النكاح من الأسباب فيه، فإنه مقترن بقضاء اللّه وقدره، وعلمه، ‏{‏وَمَا تَحْمِلُ مِنْ أُنْثَى وَلَا تَضَعُ إِلَّا بِعِلْمِهِ‏}‏ وكذلك أطوار الآدمي، كلها بعلمه وقضائه‏.‏
{‏وَمَا يُعَمَّرُ مِنْ مُعَمَّرٍ وَلَا يُنْقَصُ مِنْ عُمُرِهِ‏}‏ أي‏:‏ عمر الذي كان معمرا عمرا طويلا ‏{‏إِلَّا‏}‏ بعلمه تعالى، أو ما ينقص من عمر الإنسان الذي هو بصدد أن يصل إليه، لولا ما سلكه من أسباب قصر العمر، كالزنا، وعقوق الوالدين، وقطيعة الأرحام، ونحو ذلك مما ذكر أنها من أسباب قصر العمر‏.‏
والمعنى‏:‏ أن طول العمر وقصره، بسبب وبغير سبب كله بعلمه تعالى، وقد أثبت ذلك ‏{‏فِي كِتَابٍ‏}‏ حوى ما يجري على العبد، في جميع أوقاته وأيام حياته‏.‏
{‏إِنَّ ذَلِكَ عَلَى اللَّهِ يَسِيرٌ‏}‏ أي‏:‏ إحاطة علمه بتلك المعلومات الكثيرة، وإحاطة كتابه فيها، فهذه ثلاثة أدلة من أدلة البعث والنشور، كلها عقلية، نبه اللّه عليها في هذه الآيات‏:‏ إحياء الأرض بعد موتها، وأن الذي أحياها سيحيي الموتى، وتنقل الآدمي في تلك الأطوار‏.‏
فالذي أوجده ونقله، طبقا بعد طبق، وحالا بعد حال، حتى بلغ ما قدر له، فهو على إعادته و****ئه النشأة الأخرى أقدر، وهو أهون عليه، وإحاطة علمه بجميع أجزاء العالم، العلوي والسفلي، دقيقها وجليلها، الذي في القلوب، والأجنة التي في البطون، وزيادة الأعمار ونقصها، وإثبات ذلك كله في كتاب‏.‏ فالذي كان هذا ‏‏ يسيرا عليه، فإعادته للأموات أيسر وأيسر‏.‏ فتبارك من كثر خيره، ونبه عباده على ما فيه صلاحهم، في معاشهم ومعادهم‏.‏
‏‏ ‏{‏وَمَا يَسْتَوِي الْبَحْرَانِ هَذَا عَذْبٌ فُرَاتٌ سَائِغٌ شَرَابُهُ وَهَذَا مِلْحٌ أُجَاجٌ وَمِنْ كُلٍّ تَأْكُلُونَ لَحْمًا طَرِيًّا وَتَسْتَخْرِجُونَ حِلْيَةً تَلْبَسُونَهَا وَتَرَى الْفُلْكَ فِيهِ مَوَاخِرَ لِتَبْتَغُوا مِنْ فَضْلِهِ وَلَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ * يُولِجُ اللَّيْلَ فِي النَّهَارِ وَيُولِجُ النَّهَارَ فِي اللَّيْلِ وَسَخَّرَ الشَّمْسَ وَالْقَمَرَ كُلٌّ يَجْرِي لِأَجَلٍ مُسَمًّى ذَلِكُمُ اللَّهُ رَبُّكُمْ لَهُ الْمُلْكُ وَالَّذِينَ تَدْعُونَ مِنْ دُونِهِ مَا يَمْلِكُونَ مِنْ قِطْمِيرٍ * إِنْ تَدْعُوهُمْ لَا يَسْمَعُوا دُعَاءَكُمْ وَلَوْ سَمِعُوا مَا اسْتَجَابُوا لَكُمْ وَيَوْمَ الْقِيَامَةِ يَكْفُرُونَ بِشِرْكِكُمْ وَلَا يُنَبِّئُكَ مِثْلُ خَبِيرٍ‏}
هذا إخبار عن قدرته وحكمته ورحمته، أنه جعل البحرين لمصالح العالم الأرضي كلهم، وأنه لم يسوِّ بينهما، لأن المصلحة تقتضي أن تكون الأنهار عذبة فراتا، سائغا شرابها، لينتفع بها الشاربون والغارسون والزارعون، وأن يكون البحر ملحا أجاجا، لئلا يفسد الهواء المحيط بالأرض بروائح ما يموت في البحر من الحيوانات ولأنه ساكن لا يجري، فملوحته تمنعه من التغير، ولتكون حيواناته أحسن وألذ، ولهذا قال‏:‏ ‏{‏وَمِنْ كُلٍ‏}‏ من البحر الملح والعذب ‏{‏تَأْكُلُونَ لَحْمًا طَرِيًّا‏}‏ وهو السمك المتيسر صيده في البحر، ‏{‏وَتَسْتَخْرِجُونَ حِلْيَةً تَلْبَسُونَهَا‏}‏ من لؤلؤ ومرجان وغيرهما، مما يوجد في البحر، فهذه مصالح عظيمة للعباد‏.‏
ومن المصالح أيضا والمنافع في البحر، أن سخره اللّه تعالى يحمل الفلك من السفن والمراكب، فتراها تمخر البحر وتشقه، فتسلك من إقليم إلى إقليم آخر، ومن محل إلى محل، فتحمل السائرين وأثقالهم وتجاراتهم، فيحصل بذلك من فضل اللّه وإحسانه شيء كثير، ولهذا قال‏:‏ ‏{‏وَلِتَبْتَغُوا مِنْ فَضْلِهِ وَلَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ‏}
ومن ذلك أيضا، إيلاجه تعالى الليل بالنهار والنهار بالليل، يدخل هذا على هذا، وهذا على هذا، كلما أتى أحدهما ذهب الآخر، ويزيد أحدهما وينقص الآخر، ويتساويان، فيقوم بذلك ما يقوم من مصالح العباد في أبدانهم وحيواناتهم وأشجارهم وزروعهم‏.‏
وكذلك ما جعل اللّه في تسخير الشمس والقمر، الضياء والنور، والحركة والسكون، وانتشار العباد في طلب فضله، وما فيهما من تنضيج الثمار وتجفيف ما يجفف وغير ذلك مما هو من الضروريات، التي لو فقدت لَلَحِقَ الناس الضرر‏.‏
وقوله‏:‏ ‏{‏كُلٌّ يَجْرِي لِأَجَلٍ مُسَمًّى‏}‏ أي‏:‏ كل من الشمس والقمر، يسيران في فلكهما ما شاء اللّه أن يسيرا، فإذا جاء الأجل، وقرب انقضاء الدنيا، انقطع سيرهما، وتعطل سلطانهما، وخسف القمر، وكورت الشمس، وانتثرت النجوم‏.‏
فلما بين تعالى ما بيَّن من هذه المخلوقات العظيمة، وما فيها من العبر الدالة على كماله وإحسانه، قال‏:‏ ‏{‏ذَلِكُمُ اللَّهُ رَبُّكُمْ لَهُ الْمُلْكُ‏}‏ أي‏:‏ الذي انفرد بخلق هذه المذكورات وتسخيرها، هو الرب المألوه المعبود، الذي له الملك كله‏.‏
{‏وَالَّذِينَ تَدْعُونَ مِنْ دُونِهِ‏}‏ من الأوثان والأصنام ‏{‏مَا يَمْلِكُونَ مِنْ قِطْمِيرٍ‏}‏ أي‏:‏ لا يملكون شيئا، لا قليلا ولا كثيرا، حتى ولا القطمير الذي هو أحقر الأشياء، وهذا من تنصيص النفي وعمومه، فكيف يُدْعَوْنَ، وهم غير مالكين لشيء من ملك السماوات والأرض‏؟‏
ومع هذا ‏{‏إِنْ تَدْعُوهُم‏}‏ لا يسمعوكم لأنهم ما بين جماد وأموات وملائكة مشغولين بطاعة ربهم‏.‏ ‏{‏وَلَوْ سَمِعُوا‏}‏ على وجه الفرض والتقدير ‏{‏مَا اسْتَجَابُوا لَكُم‏}‏ لأنهم لا يملكون شيئا، ولا يرضى أكثرهم بعبادة من عبده، ولهذا قال‏:‏ ‏{‏وَيَوْمَ الْقِيَامَةِ يَكْفُرُونَ بِشِرْكِكُم‏}‏ أي‏:‏ يتبرأون منكم، ويقولون‏:‏ ‏{‏سُبْحَانَكَ أَنْتَ وَلِيُّنَا مِنْ دُونِهِم‏}
{‏وَلَا يُنَبِّئُكَ مِثْلُ خَبِيرٍ‏}‏ أي‏:‏ لا أحد ينبئك، أصدق من الله العليم الخبير، فاجزم بأن هذا الأمر، الذي نبأ به كأنه رَأْيُ عين، فلا تشك فيه ولا تمتر‏.‏ فتضمنت هذه الآيات، الأدلة والبراهين الساطعة، الدالة على أنه تعالى المألوه المعبود، الذي لا يستحق شيئا من العبادة سواه، وأن عبادة ما سواه باطلة متعلقة بباطل، لا تفيد عابده شيئا‏.‏
‏‏ ‏{‏يَا أَيُّهَا النَّاسُ أَنْتُمُ الْفُقَرَاءُ إِلَى اللَّهِ وَاللَّهُ هُوَ الْغَنِيُّ الْحَمِيدُ * إِنْ يَشَأْ يُذْهِبْكُمْ وَيَأْتِ بِخَلْقٍ جَدِيدٍ * وَمَا ذَلِكَ عَلَى اللَّهِ بِعَزِيزٍ * وَلَا تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَى وَإِنْ تَدْعُ مُثْقَلَةٌ إِلَى حِمْلِهَا لَا يُحْمَلْ مِنْهُ شَيْءٌ وَلَوْ كَانَ ذَا قُرْبَى إِنَّمَا تُنْذِرُ الَّذِينَ يَخْشَوْنَ رَبَّهُمْ بِالْغَيْبِ وَأَقَامُوا الصَّلَاةَ وَمَنْ تَزَكَّى فَإِنَّمَا يَتَزَكَّى لِنَفْسِهِ وَإِلَى اللَّهِ الْمَصِيرُ‏}
يخاطب تعالى جميع الناس، ويخبرهم بحالهم ووصفهم، وأنهم فقراء إلى اللّه من جميع الوجوه‏:‏
فقراء في إيجادهم، فلولا إيجاده إياهم، لم يوجدوا‏.‏
فقراء في إعدادهم بالقوى والأعضاء والجوارح، التي لولا إعداده إياهم ‏‏، لما استعدوا لأي عمل كان‏.‏
فقراء في إمدادهم بالأقوات والأرزاق والنعم الظاهرة والباطنة، فلولا فضله وإحسانه وتيسيره الأمور، لما حصل ‏‏ من الرزق والنعم شيء‏.‏
فقراء في صرف النقم عنهم، ودفع المكاره، وإزالة الكروب والشدائد‏.‏ فلولا دفعه عنهم، وتفريجه لكرباتهم، وإزالته لعسرهم، لاستمرت عليهم المكاره والشدائد‏.‏
فقراء إليه في تربيتهم بأنواع التربية، وأجناس التدبير‏.‏
فقراء إليه، في تألههم له، وحبهم له، وتعبدهم، وإخلاص العبادة له تعالى، فلو لم يوفقهم لذلك، لهلكوا، وفسدت أرواحهم، وقلوبهم وأحوالهم‏.‏
فقراء إليه، في تعليمهم ما لا يعلمون، وعملهم بما يصلحهم، فلولا تعليمه، لم يتعلموا، ولولا توفيقه، لم يصلحوا‏.‏
فهم فقراء بالذات إليه، بكل معنى، وبكل اعتبار، سواء شعروا ببعض أنواع الفقر أم لم يشعروا، ولكن الموفق منهم، الذي لا يزال يشاهد فقره في كل حال من أمور دينه ودنياه، ويتضرع له، ويسأله أن لا يكله إلى نفسه طرفة عين، وأن يعينه على جميع أموره، ويستصحب هذا المعنى في كل وقت، فهذا أحرى بالإعانة التامة من ربه وإلهه، الذي هو أرحم به من الوالدة بولدها‏.‏
{‏وَاللَّهُ هُوَ الْغَنِيُّ الْحَمِيدُ‏}‏ أي‏:‏ الذي له الغنى التام من جميع الوجوه، فلا يحتاج إلى ما يحتاج إليه خلقه، ولا يفتقر إلى شيء مما يفتقر إليه الخلق، وذلك لكمال صفاته، وكونها كلها، صفات كمال، ونعوت وجلال‏.‏
ومن غناه تعالى، أن أغنى الخلق في الدنيا والآخرة، الحميد في ذاته، وأسمائه، لأنها حسنى، وأوصافه، لكونها عليا، وأفعاله لأنها فضل وإحسان وعدل وحكمة ورحمة، وفي أوامره ونواهيه، فهو الحميد على ما فيه، وعلى ما منه، وهو الحميد في غناه ‏‏‏.‏
{‏إِنْ يَشَأْ يُذْهِبْكُمْ وَيَأْتِ بِخَلْقٍ جَدِيدٍ‏}‏ يحتمل أن المراد‏:‏ إن يشأ يذهبكم أيها الناس ويأت بغيركم من الناس، أطوع للّه منكم، ويكون في هذا تهديد لهم بالهلاك والإبادة، وأن مشيئته غير قاصرة عن ذلك‏.‏
ويحتمل أن المراد بذلك، إثبات البعث والنشور، وأن مشيئة اللّه تعالى نافذة في كل شيء، وفي إعادتكم بعد موتكم خلقا جديدا، ولكن لذلك الوقت أجل قدره اللّه، لا يتقدم عنه ولا يتأخر‏.‏
{‏وَمَا ذَلِكَ عَلَى اللَّهِ بِعَزِيزٍ‏}‏ أي‏:‏ بممتنع، ولا معجز له‏.‏
ويدل على المعنى الأخير، ما ذكره بعده في قوله‏:‏ ‏{‏وَلَا تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَى‏}‏ أي‏:‏ في يوم القيامة كل أحد يجازى بعمله، ولا يحمل أحد ذنب أحد‏.‏ ‏{‏وَإِنْ تَدْعُ مُثْقَلَةٌ‏}‏ أي‏:‏ نفس مثقلة بالخطايا والذنوب، تستغيث بمن يحمل عنها بعض أوزارها ‏{‏لَا يُحْمَلْ مِنْهُ شَيْءٌ وَلَوْ كَانَ ذَا قُرْبَى‏}‏ فإنه لا يحمل عن قريب، فليست حال الآخرة بمنزلة حال الدنيا، يساعد الحميم حميمه، والصديق صديقه، بل يوم القيامة، يتمنى العبد أن يكون له حق على أحد، ولو على والديه وأقاربه‏.‏
{‏إِنَّمَا تُنْذِرُ الَّذِينَ يَخْشَوْنَ رَبَّهُمْ بِالْغَيْبِ وَأَقَامُوا الصَّلَاةَ‏}‏ أي‏:‏ هؤلاء الذين يقبلون النذارة وينتفعون بها، أهل الخشية للّه بالغيب، أي‏:‏ الذين يخشونه في حال السر والعلانية، والمشهد والمغيب، وأهل إقامة الصلاة، بحدودها وشروطها وأركانها وواجباتها وخشوعها، لأن الخشية للّه تستدعي من العبد العمل بما يخشى من تضييعه العقاب، والهرب مما يخشى من ارتكابه العذاب، والصلاة تدعو إلى الخير، وتنهى عن الفحشاء والمنكر‏.‏
{‏وَمَنْ تَزَكَّى فَإِنَّمَا يَتَزَكَّى لِنَفْسِهِ‏}‏ أي‏:‏ ومن زكى نفسه بالتنقِّي من العيوب، كالرياء والكبر، والكذب والغش، والمكر والخداع والنفاق، ونحو ذلك من الأخلاق الرذيلة، وتحلَّى بالأخلاق الجميلة، من الصدق، والإخلاص، والتواضع، ولين الجانب، والنصح للعباد، وسلامة الصدر من الحقد والحسد وغيرهما من مساوئ الأخلاق، فإن تزكيته يعود نفعها إليه، ويصل مقصودها إليه، ليس يضيع من عمله شيء‏.‏
{‏وَإِلَى اللَّهِ الْمَصِيرُ‏}‏ فيجازي الخلائق على ما أسلفوه، ويحاسبهم على ما قدموه وعملوه، ولا يغادر صغيرة ولا كبيرة إلا أحصاها‏.‏
‏‏ ‏{‏وَمَا يَسْتَوِي الْأَعْمَى وَالْبَصِيرُ * وَلَا الظُّلُمَاتُ وَلَا النُّورُ * وَلَا الظِّلُّ وَلَا الْحَرُورُ * وَمَا يَسْتَوِي الْأَحْيَاءُ وَلَا الْأَمْوَاتُ إِنَّ اللَّهَ يُسْمِعُ مَنْ يَشَاءُ وَمَا أَنْتَ بِمُسْمِعٍ مَنْ فِي الْقُبُورِ * إِنْ أَنْتَ إِلَّا نَذِيرٌ * إِنَّا أَرْسَلْنَاكَ بِالْحَقِّ بَشِيرًا وَنَذِيرًا وَإِنْ مِنْ أُمَّةٍ إِلَّا خَلَا فِيهَا نَذِيرٌ‏}
يخبر تعالى أنه لا يتساوى الأضداد في حكمة اللّه، وفيما أودعه في فطر عباده‏.‏ ‏{‏وَمَا يَسْتَوِي الْأَعْمَى‏}‏ فاقد البصر ‏{‏وَالْبَصِيرُ وَلَا الظُّلُمَاتُ وَلَا النُّورُ وَلَا الظِّلُّ وَلَا الْحَرُورُ وَمَا يَسْتَوِي الْأَحْيَاءُ وَلَا الْأَمْوَاتُ‏}‏ فكما أنه من المتقرر عندكم، الذي لا يقبل الشك، أن هذه المذكورات لا تتساوى، فكذلك فلتعلموا أن عدم تساوي المتضادات المعنوية أولى وأولى‏.‏
فلا يستوي المؤمن والكافر، ولا المهتدي والضال، ولا العالم والجاهل، ولا أصحاب الجنة وأصحاب النار، ولا أحياء القلوب وأمواتها، فبين هذه الأشياء من التفاوت والفرق ما لا يعلمه إلا اللّه تعالى، فإذا علمت المراتب، وميزت الأشياء، وبان الذي ينبغي أن يتنافس في تحصيله من ضده، فليختر الحازم لنفسه، ما هو أولى به وأحقها بالإيثار‏.‏
{‏إِنَّ اللَّهَ يُسْمِعُ مَنْ يَشَاءُ‏}‏ سماع فهم وقبول، لأنه تعالى هو الهادي الموفق ‏{‏وَمَا أَنْتَ بِمُسْمِعٍ مَنْ فِي الْقُبُورِ‏}‏ أي‏:‏ أموات القلوب، أو كما أن دعاءك لا يفيد سكان القبور شيئا، كذلك لا يفيد المعرض المعاند شيئا، ولكن وظيفتك النذارة، وإبلاغ ما أرسلت به، قبل منك أم لا‏.‏
ولهذا قال‏:‏ ‏{‏إِنْ أَنْتَ إِلَّا نَذِيرٌ * إِنَّا أَرْسَلْنَاكَ بِالْحَقِّ‏}‏ أي‏:‏ مجرد إرسالنا إياك بالحق، لأن اللّه تعالى بعثك على حين فترة من الرسل، وطموس من السبل، واندراس من العلم، وضرورة عظيمة إلى بعثك، فبعثك اللّه رحمة للعالمين‏.‏
وكذلك ما بعثناك به من الدين القويم، والصراط المستقيم، حق لا باطل، وكذلك ما أرسلناك به، من هذا القرآن العظيم، وما اشتمل عليه من الذكر الحكيم، حق وصدق‏.‏ ‏{‏بَشِيرًا‏}‏ لمن أطاعك، بثواب اللّه العاجل والآجل، ‏{‏وَنَذِيرًا‏}‏ لمن عصاك، بعقاب اللّه العاجل والآجل، ولست ببدع من الرسل‏.‏
فما ‏{‏مِنْ أُمَّةٍ‏}‏ من الأمم الماضية والقرون الخالية ‏{‏إِلَّا خَلَا فِيهَا نَذِيرٌ‏}‏ يقيم عليهم حجة اللّه ‏{‏لِيَهْلِكَ مَنْ هَلَكَ عَنْ بَيِّنَةٍ وَيَحْيَا مَنْ حَيَّ عَنْ بَيِّنَةٍ‏}‏
‏‏ ‏{‏وَإِنْ يُكَذِّبُوكَ فَقَدْ كَذَّبَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ جَاءَتْهُمْ رُسُلُهُمْ بِالْبَيِّنَاتِ وَبِالزُّبُرِ وَبِالْكِتَابِ الْمُنِيرِ * ثُمَّ أَخَذْتُ الَّذِينَ كَفَرُوا فَكَيْفَ كَانَ نَكِيرِ‏}
أي‏:‏ وإن يكذبك أيها الرسول، هؤلاء المشركون، فلست أول رسول كذب، ‏{‏فَقَدْ كَذَّبَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ جَاءَتْهُمْ رُسُلُهُمْ بِالْبَيِّنَاتِ‏}‏ الدالات على الحق، وعلى صدقهم فيما أخبروهم به، ‏{‏وَبالزُّبُرِ‏}‏ أي‏:‏ الكتب المكتوبة، المجموع فيها كثير من الأحكام، ‏{‏وَالْكِتَابِ الْمُنِيرِ‏}‏ أي‏:‏ المضيء في أخباره الصادقة، وأحكامه العادلة، فلم يكن تكذيبهم إياهم ناشئا عن اشتباه، أو قصور بما جاءتهم به الرسل، بل بسبب ظلمهم وعنادهم‏.‏
‏ بأنواع العقوبات ‏{‏فَكَيْفَ كَانَ نَكِيرِ‏}‏ عليهم‏؟‏ كان أشد النكير وأعظم التنكيل، فإياكم وتكذيب هذا الرسول الكريم، فيصيبكم كما أصاب أولئك، من العذاب الأليم والخزي الوخيم‏.‏
‏‏ ‏{‏أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللَّهَ أَنْزَلَ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً فَأَخْرَجْنَا بِهِ ثَمَرَاتٍ مُخْتَلِفًا أَلْوَانُهَا وَمِنَ الْجِبَالِ جُدَدٌ بِيضٌ وَحُمْرٌ مُخْتَلِفٌ أَلْوَانُهَا وَغَرَابِيبُ سُودٌ * وَمِنَ النَّاسِ وَالدَّوَابِّ وَالْأَنْعَامِ مُخْتَلِفٌ أَلْوَانُهُ كَذَلِكَ إِنَّمَا يَخْشَى اللَّهَ مِنْ عِبَادِهِ الْعُلَمَاءُ إِنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ غَفُورٌ‏}
يذكر تعالى خلقه للأشياء المتضادات، التي أصلها واحد، ومادتها واحدة، وفيها من التفاوت والفرق ما هو مشاهد معروف، ليدل العباد على كمال قدرته وبديع حكمته‏.‏
فمن ذلك‏:‏ أن اللّه تعالى أنزل من السماء ماء، فأخرج به من الثمرات المختلفات، والنباتات المتنوعات، ما هو مشاهد للناظرين، والماء واحد، والأرض واحدة‏.‏
ومن ذلك‏:‏ الجبال التي جعلها اللّه أوتادا للأرض، تجدها جبالا مشتبكة، بل جبلا واحدا، وفيها ألوان متعددة، فيها جدد بيض، أي‏:‏ طرائق بيض، وفيها طرائق صفر وحمر، وفيها غرابيب سود، أي‏:‏ شديدة السواد جدا‏.‏
ومن ذلك‏:‏ الناس والدواب، والأنعام، فيها من اختلاف الألوان والأوصاف والأصوات والهيئات، ما هو مرئي بالأبصار، مشهود للنظار، والكل من أصل واحد ومادة واحدة‏.‏
فتفاوتها دليل عقلي على مشيئة اللّه تعالى، التي خصصت ما خصصت منها، بلونه، ووصفه، وقدرة اللّه تعالى حيث أوجدها كذلك، وحكمته ورحمته، حيث كان ذلك الاختلاف، وذلك التفاوت، فيه من المصالح والمنافع، ومعرفة الطرق، ومعرفة الناس بعضهم بعضا، ما هو معلوم‏.‏
وذلك أيضا، دليل على سعة علم اللّه تعالى، وأنه يبعث من في القبور، ولكن الغافل ينظر في هذه الأشياء وغيرها نظر غفلة لا تحدث له التذكر، وإنما ينتفع بها من يخشى اللّه تعالى، ويعلم بفكره الصائب وجه الحكمة فيها‏.‏
ولهذا قال‏:‏ ‏{‏إِنَّمَا يَخْشَى اللَّهَ مِنْ عِبَادِهِ الْعُلَمَاءُ‏}‏ فكل من كان باللّه أعلم، كان أكثر له خشية، وأوجبت له خشية اللّه، الانكفاف عن المعاصي، والاستعداد للقاء من يخشاه، وهذا دليل على فضيلة العلم، فإنه داع إلى خشية اللّه، وأهل خشيته هم أهل كرامته، كما قال تعالى‏:‏ ‏{‏رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ وَرَضُوا عَنْهُ ذَلِكَ لِمَنْ خَشِيَ رَبَّهُ‏}
{‏إِنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ‏}‏ كامل العزة، ومن عزته خلق هذه المخلوقات المتضادات‏.‏
‏{‏غَفُورٌ‏}‏ لذنوب التائبين‏.‏
‏‏ ‏{‏إِنَّ الَّذِينَ يَتْلُونَ كِتَابَ اللَّهِ وَأَقَامُوا الصَّلَاةَ وَأَنْفَقُوا مِمَّا رَزَقْنَاهُمْ سِرًّا وَعَلَانِيَةً يَرْجُونَ تِجَارَةً لَنْ تَبُورَ * لِيُوَفِّيَهُمْ أُجُورَهُمْ وَيَزِيدَهُمْ مِنْ فَضْلِهِ إِنَّهُ غَفُورٌ شَكُورٌ‏}
{‏إِنَّ الَّذِينَ يَتْلُونَ كِتَابَ اللَّهِ‏}‏ أي‏:‏ يتبعونه في أوامره فيمتثلونها، وفي نواهيه فيتركونها، وفي أخباره، فيصدقونها ويعتقدونها، ولا يقدمون عليه ما خالفه من الأقوال، ويتلون أيضا ألفاظه، بدراسته، ومعانيه، بتتبعها واستخراجها‏.‏
ثم خص من التلاوة بعد ما عم، الصلاة التي هي عماد الدين، ونور المسلمين، وميزان الإيمان، وعلامة صدق الإسلام، والنفقة على الأقارب والمساكين واليتامى وغيرهم، من الزكاة والكفارات والنذور والصدقات‏.‏ ‏{‏سِرًّا وَعَلَانِيَةً‏}‏ في جميع الأوقات‏.‏
‏{‏يَرْجُونَ‏}‏ ‏‏ ‏{‏تِجَارَةً لَنْ تَبُورَ‏}‏ أي‏:‏ لن تكسد وتفسد، بل تجارة، هي أجل التجارات وأعلاها وأفضلها، ألا وهي رضا ربهم، والفوز بجزيل ثوابه، والنجاة من سخطه وعقابه، وهذا فيه أنهم يخلصون بأعمالهم، وأنهم لا يرجون بها من المقاصد السيئة والنيات الفاسدة شيئًا‏.‏
وذكر أنهم حصل لهم ما رجوه فقال‏:‏ ‏{‏لِيُوَفِّيَهُمْ أُجُورَهُم‏}‏ أي‏:‏ أجور أعمالهم، على حسب قلتها وكثرتها، وحسنها وعدمه، ‏{‏وَيَزِيدَهُمْ مِنْ فَضْلِهِ‏}‏ زيادة عن أجورهم‏.‏ ‏{‏إِنَّهُ غَفُورٌ شَكُورٌ‏}‏ غفر لهم السيئات، وقبل منهم القليل من الحسنات‏.‏
‏‏ ‏{‏وَالَّذِي أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ مِنَ الْكِتَابِ هُوَ الْحَقُّ مُصَدِّقًا لِمَا بَيْنَ يَدَيْهِ إِنَّ اللَّهَ بِعِبَادِهِ لَخَبِيرٌ بَصِيرٌ * ثُمَّ أَوْرَثْنَا الْكِتَابَ الَّذِينَ اصْطَفَيْنَا مِنْ عِبَادِنَا فَمِنْهُمْ ظَالِمٌ لِنَفْسِهِ وَمِنْهُمْ مُقْتَصِدٌ وَمِنْهُمْ سَابِقٌ بِالْخَيْرَاتِ بِإِذْنِ اللَّهِ ذَلِكَ هُوَ الْفَضْلُ الْكَبِيرُ * جَنَّاتُ عَدْنٍ يَدْخُلُونَهَا يُحَلَّوْنَ فِيهَا مِنْ أَسَاوِرَ مِنْ ذَهَبٍ وَلُؤْلُؤًا وَلِبَاسُهُمْ فِيهَا حَرِيرٌ * وَقَالُوا الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي أَذْهَبَ عَنَّا الْحَزَنَ إِنَّ رَبَّنَا لَغَفُورٌ شَكُورٌ * الَّذِي أَحَلَّنَا دَارَ الْمُقَامَةِ مِنْ فَضْلِهِ لَا يَمَسُّنَا فِيهَا نَصَبٌ وَلَا يَمَسُّنَا فِيهَا لُغُوبٌ‏}
يذكر تعالى أن الكتاب الذي أوحاه إلى رسوله ‏{‏هُوَ الْحَقُّ‏}‏ من كثرة ما اشتمل عليه من الحق، كأن الحق منحصر فيه، فلا يكن في قلوبكم حرج منه، ولا تتبرموا منه، ولا تستهينوا به، فإذا كان هو الحق، لزم أن كل ما دل عليه من المسائل الإلهية والغيبية وغيرها، مطابق لما في الواقع، فلا يجوز أن يراد به ما يخالف ظاهره وما دل عليه‏.‏
{‏مُصَدِّقًا لِمَا بَيْنَ يَدَيْهِ‏}‏ من الكتب والرسل، لأنها أخبرت به، فلما وجد وظهر، ظهر به صدقها‏.‏ فهي بشرت به وأخبرت، وهو صدقها، ولهذا لا يمكن أحدا أن يؤمن بالكتب السابقة، وهو كافر بالقرآن أبدا، لأن كفره به، ينقض إيمانه بها، لأن من جملة أخبارها الخبر عن القرآن، ولأن أخبارها مطابقة لأخبار القرآن‏.‏
{‏إِنَّ اللَّهَ بِعِبَادِهِ لَخَبِيرٌ بَصِيرٌ‏}‏ فيعطي كل أمة وكل شخص، ما هو اللائق بحاله‏.‏ ومن ذلك، أن الشرائع السابقة لا تليق إلا بوقتها وزمانها، ولهذا، ما زال اللّه يرسل الرسل رسولا بعد رسول، حتى ختمهم بمحمد ـ صلى الله عليه وسلم ـ فجاء بهذا الشرع، الذي يصلح لمصالح الخلق إلى يوم القيامة، ويتكفل بما هو الخير في كل وقت‏.‏
ولهذا، لما كانت هذه الأمة أكمل الأمم عقولا، وأحسنهم أفكارا، وأرقهم قلوبا، وأزكاهم أنفسا، اصطفاهم الله تعالى، واصطفى لهم دين الإسلام، وأورثهم الكتاب المهيمن على سائر الكتب، ولهذا قال‏:‏ ‏{‏ثُمَّ أَوْرَثْنَا الْكِتَابَ الَّذِينَ اصْطَفَيْنَا مِنْ عِبَادِنَا‏}‏ وهم هذه الأمة‏.‏ ‏{‏فَمِنْهُمْ ظَالِمٌ لِنَفْسِهِ‏}‏ بالمعاصي، ‏‏ هي دون الكفر‏.‏ ‏{‏وَمِنْهُمْ مُقْتَصِدٌ‏}‏ مقتصر على ما يجب عليه، تارك للمحرم‏.‏ ‏{‏وَمِنْهُمْ سَابِقٌ بِالْخَيْرَاتِ‏}‏ أي‏:‏ سارع فيها واجتهد، فسبق غيره، وهو المؤدي للفرائض، المكثر من النوافل، التارك للمحرم والمكروه‏.‏
فكلهم اصطفاه اللّه تعالى، لوراثة هذا الكتاب، وإن تفاوتت مراتبهم، وتميزت أحوالهم، فلكل منهم قسط من وراثته، حتى الظالم لنفسه، فإن ما معه من أصل الإيمان، وعلوم الإيمان، وأعمال الإيمان، من وراثة الكتاب، لأن المراد بوراثة الكتاب، وراثة علمه وعمله، ودراسة ألفاظه، واستخراج معانيه‏.‏
وقوله ‏{‏بِإِذْنِ اللَّهِ‏}‏ راجع إلى السابق إلى الخيرات، لئلا يغتر بعمله، بل ما سبق إلى الخيرات إلا بتوفيق اللّه تعالى ومعونته، فينبغي له أن يشتغل بشكر اللّه تعالى على ما أنعم به عليه‏.‏
{‏ذَلِكَ هُوَ الْفَضْلُ الْكَبِيرُ‏}‏ أي‏:‏ وراثة الكتاب الجليل، لمن اصطفى تعالى من عباده، هو الفضل الكبير، الذي جميع النعم بالنسبة إليه، كالعدم، فأجل النعم على الإطلاق، وأكبر الفضل، وراثة هذا الكتاب‏.‏
ثم ذكر جزاء الذين أورثهم كتابه فقال‏:‏ ‏{‏جَنَّاتُ عَدْنٍ يَدْخُلُونَهَا‏}‏ أي‏:‏ جنات مشتملات على الأشجار، والظل، والظليل، والحدائق الحسنة، والأنهار المتدفقة، والقصور العالية، والمنازل المزخرفة، في أبد لا يزول، وعيش لا ينفد‏.‏
والعدن ‏"‏الإقامة‏"‏ فجنات عدن أي‏:‏ جنات إقامة، أضافها للإقامة، لأن الإقامة والخلود وصفها ووصف أهلها‏.‏
{‏يُحَلَّوْنَ فِيهَا مِنْ أَسَاوِرَ مِنْ ذَهَبٍ‏}‏ وهو الحلي الذي يجعل في اليدين، على ما يحبون، ويرون أنه أحسن من غيره، الرجال والنساء في الحلية في الجنة سواء‏.‏
‏{‏و‏}‏ يحلون فيها ‏{‏لُؤْلُؤًا‏}‏ ينظم في ثيابهم وأجسادهم‏.‏ ‏{‏وَلِبَاسُهُمْ فِيهَا حَرِيرٌ‏}‏ من سندس، ومن إستبرق أخضر‏.‏
‏{‏و‏}‏ لما تم نعيمهم، وكملت لذتهم ‏{‏قَالُوا الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي أَذْهَبَ عَنَّا الْحَزَنَ‏}‏ وهذا يشمل كل حزن، فلا حزن يعرض لهم بسبب نقص في جمالهم، ولا في طعامهم وشرابهم، ولا في لذاتهم ولا في أجسادهم، ولا في دوام لبثهم، فهم في نعيم ما يرون عليه مزيدا، وهو في تزايد أبد الآباد‏.‏
{‏إِنَّ رَبَّنَا لَغَفُورٌ‏}‏ حيث غفر لنا الزلات ‏{‏شَكُورٌ‏}‏ حيث قبل منا الحسنات وضاعفها، وأعطانا من فضله ما لم تبلغه أعمالنا ولا أمانينا، فبمغفرته نجوا من كل مكروه ومرهوب، وبشكره وفضله حصل لهم كل مرغوب محبوب‏.‏
‏{‏الَّذِي أَحَلَّنَا‏}‏ أي‏:‏ أنزلنا نزول حلول واستقرار، لا نزول معبر واعتبار‏.‏ ‏{‏دَارَ الْمُقَامَةِ‏}‏ أي‏:‏ الدار التي تدوم فيها الإقامة، والدار التي يرغب في المقام فيها، لكثرة خيراتها، وتوالي مسراتها، وزوال كدوراتها، وذلك الإحلال ‏{‏مِنْ فَضْلِهِ‏}‏ علينا وكرمه، لا بأعمالنا، فلولا فضله، لما وصلنا إلى ما وصلنا إليه‏.‏
{‏لَا يَمَسُّنَا فِيهَا نَصَبٌ وَلَا يَمَسُّنَا فِيهَا لُغُوبٌ‏}‏ أي‏:‏ لا تعب في الأبدان ولا في القلب والقوى، ولا في كثرة التمتع، وهذا يدل على أن اللّه تعالى يجعل أبدانهم في نشأة كاملة، ويهيئ لهم من أسباب الراحة على الدوام، ما يكونون بهذه الصفة، بحيث لا يمسهم نصب ولا لغوب، ولا هم ولا حزن‏.‏
ويدل على أنهم لا ينامون في الجنة، لأن النوم فائدته زوال التعب، وحصول الراحة به، وأهل الجنة بخلاف ذلك، ولأنه موت أصغر، وأهل الجنة لا يموتون، جعلنا اللّه منهم، بمنه وكرمه‏.‏
‏‏ ‏{‏وَالَّذِينَ كَفَرُوا لَهُمْ نَارُ جَهَنَّمَ لَا يُقْضَى عَلَيْهِمْ فَيَمُوتُوا وَلَا يُخَفَّفُ عَنْهُمْ مِنْ عَذَابِهَا كَذَلِكَ نَجْزِي كُلَّ كَفُورٍ * وَهُمْ يَصْطَرِخُونَ فِيهَا رَبَّنَا أَخْرِجْنَا نَعْمَلْ صَالِحًا غَيْرَ الَّذِي كُنَّا نَعْمَلُ أَوَلَمْ نُعَمِّرْكُمْ مَا يَتَذَكَّرُ فِيهِ مَنْ تَذَكَّرَ وَجَاءَكُمُ النَّذِيرُ فَذُوقُوا فَمَا لِلظَّالِمِينَ مِنْ نَصِيرٍ‏}‏
لما ذكر تعالى حال أهل الجنة ونعيمهم، ذكر حال أهل النار وعذابهم فقال‏:‏ ‏{‏وَالَّذِينَ كَفَرُوا‏}‏ أي‏:‏ جحدوا ما جاءتهم به رسلهم من الآيات، وأنكروا لقاء ربهم‏.‏
{‏لَهُمْ نَارُ جَهَنَّمَ‏}‏ يعذبون فيها أشد العذاب، وأبلغ العقاب‏.‏ ‏{‏لَا يُقْضَى عَلَيْهِم‏}‏ بالموت ‏{‏فَيَمُوتُوا‏}‏ فيستريحوا، ‏{‏وَلَا يُخَفَّفُ عَنْهُمْ مِنْ عَذَابِهَا‏}‏ فشدة العذاب وعظمه، مستمر عليهم في جميع الآنات واللحظات‏.‏
{‏كَذَلِكَ نَجْزِي كُلَّ كَفُورٍ وَهُمْ يَصْطَرِخُونَ فِيهَا‏}‏ أي‏:‏ يصرخون ويتصايحون ويستغيثون ويقولون‏:‏ ‏{‏رَبَّنَا أَخْرِجْنَا نَعْمَلْ صَالِحًا غَيْرَ الَّذِي كُنَّا نَعْمَلُ‏}‏ فاعترفوا بذنبهم، وعرفوا أن اللّه عدل فيهم، ولكن سألوا الرجعة في غير وقتها، فيقال لهم‏:‏ ‏{‏أَوَلَمْ نُعَمِّرْكُمْ مَا‏}‏ أي‏:‏ دهرا وعمرا ‏{‏يَتَذَكَّرُ فِيهِ مَنْ تَذَكَّرَ‏}‏ أي‏:‏ يتمكن فيه من أراد التذكر من العمل، متعناكم في الدنيا، وأدررنا عليكم الأرزاق، وقيضنا لكم أسباب الراحة، ومددنا لكم في العمر، وتابعنا عليكم الآيات، وأوصلنا إليكم النذر، وابتليناكم بالسراء والضراء، لتنيبوا إلينا وترجعوا إلينا، فلم ينجع فيكم إنذار، ولم تفد فيكم موعظة، وأخرنا عنكم العقوبة، حتى إذا انقضت آجالكم، وتمت أعماركم، ورحلتم عن دار الإمكان، بأشر الحالات، ووصلتم إلى هذه الدار دار الجزاء على الأعمال، سألتم الرجعة‏؟‏ هيهات هيهات، فات وقت الإمكان، وغضب عليكم الرحيم الرحمن، واشتد عليكم عذاب النار، ونسيكم أهل الجنة، فامكثوا فيها خالدين مخلدين، وفي العذاب مهانين، ولهذا قال‏:‏ ‏{‏فَذُوقُوا فَمَا لِلظَّالِمِينَ مِنْ نَصِيرٍ‏}‏ ينصرهم فيخرجهم منها، أو يخفف عنهم من عذابها‏.‏
‏‏ ‏{‏إِنَّ اللَّهَ عَالِمُ غَيْبِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ إِنَّهُ عَلِيمٌ بِذَاتِ الصُّدُورِ‏}
لما ذكر تعالى جزاء أهل الدارين، وذكر أعمال الفريقين، أخبر تعالى عن سعة علمه تعالى، واطلاعه على غيب السماوات والأرض، التي غابت عن أبصار الخلق وعن علمهم، وأنه عالم بالسرائر، وما تنطوي عليه الصدور من الخير والشر والزكاء وغيره، فيعطي كلا ما يستحقه، وينزل كل أحد منزلته‏.‏
‏‏ ‏{‏هُوَ الَّذِي جَعَلَكُمْ خَلَائِفَ فِي الْأَرْضِ فَمَنْ كَفَرَ فَعَلَيْهِ كُفْرُهُ وَلَا يَزِيدُ الْكَافِرِينَ كُفْرُهُمْ عِنْدَ رَبِّهِمْ إِلَّا مَقْتًا وَلَا يَزِيدُ الْكَافِرِينَ كُفْرُهُمْ إِلَّا خَسَارًا‏}
يخبر تعالى عن كمال حكمته ورحمته بعباده، أنه قدر بقضائه السابق، أن يجعل بعضهم يخلف بعضا في الأرض، ويرسل لكل أمة من الأمم النذر، فينظر كيف يعملون، فمن كفر باللّه وبما جاءت به رسله، فإن كفره عليه، وعليه إثمه وعقوبته، ولا يحمل عنه أحد، ولا يزداد الكافر بكفره إلا مقت ربه له وبغضه إياه، وأي‏:‏ عقوبة أعظم من مقت الرب الكريم‏؟‏‏!‏
{‏وَلَا يَزِيدُ الْكَافِرِينَ كُفْرُهُمْ إِلَّا خَسَارًا‏}‏ أي‏:‏ يخسرون أنفسهم وأهليهم وأعمالهم ومنازلهم في الجنة، فالكافر لا يزال في زيادة من الشقاء والخسران، والخزي عند اللّه وعند خلقه والحرمان‏.‏
‏‏ ‏{‏قُلْ أَرَأَيْتُمْ شُرَكَاءَكُمُ الَّذِينَ تَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ أَرُونِي مَاذَا خَلَقُوا مِنَ الْأَرْضِ أَمْ لَهُمْ شِرْكٌ فِي السَّمَاوَاتِ أَمْ آتَيْنَاهُمْ كِتَابًا فَهُمْ عَلَى بَيِّنَةٍ مِنْهُ بَلْ إِنْ يَعِدُ الظَّالِمُونَ بَعْضُهُمْ بَعْضًا إِلَّا غُرُورًا‏}
يقول تعالى مُعجِّزًا لآلهة المشركين، ومبينا نقصها، وبطلان شركهم من جميع الوجوه‏.‏
‏{‏قُل‏}‏ يا أيها الرسول لهم‏:‏ ‏{‏أَرَأَيْتُم‏}‏ أي‏:‏ أخبروني عن شركائكم ‏{‏الذين تدعون من دون الله‏}‏ هل هم مستحقون للدعاء والعبادة، فـ ‏{‏أَرُونِي مَاذَا خَلَقُوا ‏مِنَ الْأَرْضِ‏}‏ هل خلقوا بحرا أم خلقوا جبالا أو خلقوا‏]‏ حيوانا، أو خلقوا جمادا‏؟‏ سيقرون أن الخالق لجميع الأشياء، هو اللّه تعالى، أَمْ لشركائكم شِرْكٌة ‏{‏فِي السَّمَاوَاتِ‏}‏ في خلقها وتدبيرها‏؟‏ سيقولون‏:‏ ليس لهم شركة‏.‏
فإذا لم يخلقوا شيئا، ولم يشاركوا الخالق في خلقه، فلم عبدتموهم ودعوتموهم مع إقراركم بعجزهم‏؟‏ فانتفى الدليل العقلي على صحة عبادتهم، ودل على بطلانها‏.‏
ثم ذكر الدليل السمعي، وأنه أيضا منتف، فلهذا قال‏:‏ ‏{‏أَمْ آتَيْنَاهُمْ كِتَابًا‏}‏ يتكلم بما كانوا به يشركون، يأمرهم بالشرك وعبادة الأوثان‏.‏ ‏{‏فَهُم‏}‏ في شركهم ‏{‏عَلَى بَيِّنَةٍ‏}‏ من ذلك الكتاب الذي نزل عليهم في صحة الشرك‏؟‏
ليس الأمر كذلك‏؟‏ فإنهم ما نزل عليهم كتاب قبل القرآن، ولا جاءهم نذير قبل رسول اللّه محمد ـ صلى الله عليه وسلم ـ ولو قدر نزول كتاب إليهم، وإرسال رسول إليهم، وزعموا أنه أمرهم بشركهم، فإنا نجزم بكذبهم، لأن اللّه قال‏:‏ ‏{‏وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ مِنْ رَسُولٍ إِلَّا نُوحِي إِلَيْهِ أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا أَنَا فَاعْبُدُونِ‏}‏ فالرسل والكتب، كلها متفقة على الأمر بإخلاص الدين للّه تعالى، ‏{‏وَمَا أُمِرُوا إِلَّا لِيَعْبُدُوا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ حُنَفَاءَ‏}
فإن قيل‏:‏ إذا كان الدليل العقلي، والنقلي قد دلا على بطلان الشرك، فما الذي حمل المشركين على الشرك، وفيهم ذوو العقول والذكاء والفطنة‏؟‏
أجاب تعالى بقوله‏:‏ ‏{‏بَلْ إِنْ يَعِدُ الظَّالِمُونَ بَعْضُهُمْ بَعْضًا إِلَّا غُرُورًا‏}‏ أي‏:‏ ذلك الذي مشوا عليه، ليس لهم فيه حجة، فإنما ذلك توصية بعضهم لبعض به، وتزيين بعضهم لبعض، واقتداء المتأخر بالمتقدم الضال، وأمانيّ مَنَّاها الشيطان، وزين لهم ‏‏ أعمالهم، فنشأت في قلوبهم، وصارت صفة من صفاتها، فعسر زوالها، وتعسر انفصالها، فحصل ما حصل من الإقامة على الكفر والشرك الباطل المضمحل‏.‏
‏‏ ‏{‏إِنَّ اللَّهَ يُمْسِكُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ أَنْ تَزُولَا وَلَئِنْ زَالَتَا إِنْ أَمْسَكَهُمَا مِنْ أَحَدٍ مِنْ بَعْدِهِ إِنَّهُ كَانَ حَلِيمًا غَفُورًا‏}
يخبر تعالى عن كمال قدرته، وتمام رحمته، وسعة حلمه ومغفرته، وأنه تعالى يمسك السماوات والأرض عن الزوال، فإنهما لو زالتا ما أمسكهما أحد من الخلق، ولعجزت قدرهم وقواهم عنهما‏.‏
ولكنه تعالى، قضى أن يكونا كما وجدا، ليحصل للخلق القرار، والنفع، والاعتبار، وليعلموا من عظيم سلطانه وقوة قدرته، ما به تمتلئ قلوبهم له إجلالا وتعظيما، ومحبة وتكريما، وليعلموا كمال حلمه ومغفرته، بإمهال المذنبين، وعدم معالجته للعاصين، مع أنه لو أمر السماء لحصبتهم، ولو أذن للأرض لابتلعتهم، ولكن وسعتهم مغفرته، وحلمه، وكرمه ‏{‏إِنَّهُ كَانَ حَلِيمًا غَفُورًا‏}
‏‏ ‏{‏وَأَقْسَمُوا بِاللَّهِ جَهْدَ أَيْمَانِهِمْ لَئِنْ جَاءَهُمْ نَذِيرٌ لَيَكُونُنَّ أَهْدَى مِنْ إِحْدَى الْأُمَمِ فَلَمَّا جَاءَهُمْ نَذِيرٌ مَا زَادَهُمْ إِلَّا نُفُورًا * اسْتِكْبَارًا فِي الْأَرْضِ وَمَكْرَ السَّيِّئِ وَلَا يَحِيقُ الْمَكْرُ السَّيِّئُ إِلَّا بِأَهْلِهِ فَهَلْ يَنْظُرُونَ إِلَّا سُنَّةَ الْأَوَّلِينَ فَلَنْ تَجِدَ لِسُنَّةِ اللَّهِ تَبْدِيلًا وَلَنْ تَجِدَ لِسُنَّةِ اللَّهِ تَحْوِيلًا‏}
أي وأقسم هؤلاء، الذين كذبوك يا رسول اللّه، قسما اجتهدوا فيه بالأيمان الغليظة‏.‏ ‏{‏لَئِنْ جَاءَهُمْ نَذِيرٌ لَيَكُونُنَّ أَهْدَى مِنْ إِحْدَى الْأُمَمِ‏}‏ أي‏:‏ أهدى من اليهود والنصارى ‏‏، فلم يفوا بتلك الإقسامات والعهود‏.‏
{‏فَلَمَّا جَاءَهُمْ نَذِيرٌ‏}‏ لم يهتدوا، ولم يصيروا أهدى من إحدى الأمم، بل لم يدوموا على ضلالهم الذي كان، بل ‏{‏مَا زَادَهُم‏}‏ ذلك ‏{‏إِلَّا نُفُورًا‏}‏ وزيادة ضلال وبغي وعناد‏.‏
وليس إقسامهم المذكور، لقصد حسن، وطلب للحق، وإلا لوفقوا له، ولكنه صادر عن استكبار في الأرض على الخلق، وعلى الحق، وبهرجة في كلامهم هذا، يريدون به المكر والخداع، وأنهم أهل الحق، الحريصون على طلبه، فيغتر به المغترون، ويمشي خلفهم المقتدون‏.‏
{‏وَلَا يَحِيقُ الْمَكْرُ السَّيِّئُ‏}‏ الذي مقصوده مقصود سيئ، ومآله وما يرمي إليه سيئ باطل ‏{‏إِلَّا بِأَهْلِهِ‏}‏ فمكرهم إنما يعود عليهم، وقد أبان اللّه لعباده في هذه المقالات وتلك الإقسامات، أنهم كذبة في ذلك مزورون، فاستبان خزيهم، وظهرت فضيحتهم، وتبين قصدهم السيئ، فعاد مكرهم في نحورهم، ورد اللّه كيدهم في صدورهم‏.‏
فلم يبق لهم إلا انتظار ما يحل بهم من العذاب، الذي هو سنة اللّه في الأولين، التي لا تبدل ولا تغير، أن كل من سار في الظلم والعناد والاستكبار على العباد، أن يحل به نقمته، وتسلب عنه نعمته، فَلْيَتَرَّقب هؤلاء، ما فعل بأولئك‏.‏
‏‏ ‏{‏أَوَ لَمْ يَسِيرُوا فِي الْأَرْضِ فَيَنْظُرُوا كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ وَكَانُوا أَشَدَّ مِنْهُمْ قُوَّةً وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُعْجِزَهُ مِنْ شَيْءٍ فِي السَّمَاوَاتِ وَلَا فِي الْأَرْضِ إِنَّهُ كَانَ عَلِيمًا قَدِيرًا * وَلَوْ يُؤَاخِذُ اللَّهُ النَّاسَ بِمَا كَسَبُوا مَا تَرَكَ عَلَى ظَهْرِهَا مِنْ دَابَّةٍ وَلَكِنْ يُؤَخِّرُهُمْ إِلَى أَجَلٍ مُسَمًّى فَإِذَا جَاءَ أَجَلُهُمْ فَإِنَّ اللَّهَ كَانَ بِعِبَادِهِ بَصِيرًا‏}‏
يحض تعالى على السير في الأرض، في القلوب والأبدان، للاعتبار، لا لمجرد النظر والغفلة، وأن ينظروا إلى عاقبة الذين من قبلهم ممن كذبوا الرسل، وكانوا أكثر منهم أموالا وأولادا وأشد قوة، وعمروا الأرض أكثر مما عمرها هؤلاء، فلما جاءهم العذاب، لم تنفعهم قوتهم، ولم تغن عنهم أموالهم ولا أولادهم من اللّه شيئا، ونفذت فيهم قدرة اللّه ومشيئته‏.‏
{‏وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُعْجِزَهُ مِنْ شَيْءٍ فِي السَّمَاوَاتِ وَلَا فِي الْأَرْضِ‏}‏ لكمال علمه وقدرته ‏{‏إِنَّهُ كَانَ عَلِيمًا قَدِيرًا‏}
ثم ذكر تعالى كمال حلمه، وشدة إمهاله وإنظاره أرباب الجرائم والذنوب، فقال‏:‏ ‏{‏وَلَوْ يُؤَاخِذُ اللَّهُ النَّاسَ بِمَا كَسَبُوا‏}‏ من الذنوب ‏{‏مَا تَرَكَ عَلَى ظَهْرِهَا مِنْ دَابَّةٍ‏}‏ أي‏:‏ لاستوعبت العقوبة، حتى الحيوانات غير المكلفة‏.‏
‏{‏وَلَكِن‏}‏ يمهلهم تعالى ولا يهملهم و ‏{‏يُؤَخِّرُهُمْ إِلَى أَجَلٍ مُسَمًّى فَإِذَا جَاءَ أَجَلُهُمْ فَإِنَّ اللَّهَ كَانَ بِعِبَادِهِ بَصِيرًا‏}‏ فيجازيهم بحسب ما علمه منهم، من خير وشر‏.‏ تم تفسير سورة فاطر، والحمد للّه رب العالمين
@@@الجوووري@@@
@@@الجوووري@@@
تفسير سورة سبأ

وهي مكية
‏‏ ‏بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ ‏{الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي لَهُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ وَلَهُ الْحَمْدُ فِي الْآخِرَةِ وَهُوَ الْحَكِيمُ الْخَبِيرُ * يَعْلَمُ مَا يَلِجُ فِي الْأَرْضِ وَمَا يَخْرُجُ مِنْهَا وَمَا يَنْزِلُ مِنَ السَّمَاءِ وَمَا يَعْرُجُ فِيهَا وَهُوَ الرَّحِيمُ الْغَفُورُ‏}‏
الحمد‏:‏ الثناء بالصفات الحميدة‏,‏ والأفعال الحسنة‏,‏ فللّه تعالى الحمد‏,‏ لأن جميع صفاته‏,‏ يحمد عليها‏,‏ لكونها صفات كمال‏,‏ وأفعاله‏,‏ يحمد عليها‏,‏ لأنها دائرة بين الفضل الذي يحمد عليه ويشكر‏,‏ والعدل الذي يحمد عليه ويعترف بحكمته فيه‏.‏
وحمد نفسه هنا‏,‏ على أن ‏{‏لَهُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ‏}‏ ملكا وعبيدا‏,‏ يتصرف فيهم بحمده‏.‏ ‏{‏وَلَهُ الْحَمْدُ فِي الْآخِرَةِ‏}‏ لأن في الآخرة‏,‏ يظهر من حمده‏,‏ والثناء عليه‏,‏ ما لا يكون في الدنيا، فإذا قضى اللّه تعالى بين الخلائق كلهم‏,‏ ورأى الناس والخلق كلهم‏,‏ ما حكم به‏,‏ وكمال عدله وقسطه‏,‏ وحكمته فيه‏,‏ حمدوه كلهم على ذلك، حتى أهل العقاب ما دخلوا النار‏,‏ إلا وقلوبهم ممتلئة من حمده‏,‏ وأن هذا من جراء أعمالهم‏,‏ وأنه عادل في حكمه بعقابهم‏.‏
وأما ظهور حمده في دار النعيم والثواب‏,‏ فذلك شيء قد تواردت به الأخبار‏,‏ وتوافق عليه الدليل السمعي والعقلي، فإنهم في الجنة‏,‏ يرون من توالي نعم اللّه‏,‏ وإدرار خيره‏,‏ وكثرة بركاته‏,‏ وسعة عطاياه‏,‏ التي لم يبق في قلوب أهل الجنة أمنية‏,‏ ولا إرادة‏,‏ إلا وقد أعطي فوق ما تمنى وأراد، بل يعطون من الخير ما لم تتعلق به أمانيهم‏,‏ ولم يخطر بقلوبهم‏.‏
فما ظنك بحمدهم لربهم في هذه الحال‏,‏ مع أن في الجنة تضمحل العوارض والقواطع‏,‏ التي تقطع عن معرفة اللّه ومحبته والثناء عليه‏,‏ ويكون ذلك أحب إلى أهلها من كل نعيم‏,‏ وألذ عليهم من كل لذة، ولهذا إذا رأوا اللّه تعالى‏,‏ وسمعوا كلامه عند خطابه لهم‏,‏ أذهلهم ذلك عن كل نعيم‏,‏ ويكون الذكر لهم في الجنة‏,‏ كالنَّفس‏,‏ متواصلا في جميع الأوقات، هذا إذا أضفت ذلك إلى أنه يظهر لأهل الجنة في الجنة كل وقت من عظمة ربهم‏,‏ وجلاله‏,‏ وجماله‏,‏ وسعة كماله‏,‏ ما يوجب لهم كمال الحمد‏,‏ والثناء عليه‏.‏
‏{‏وَهُوَ الْحَكِيمُ‏}‏ في ملكه وتدبيره‏,‏ الحكيم في أمره ونهيه‏.‏ ‏{‏الْخَبِيرُ‏}‏ المطلع على سرائر الأمور وخفاياها ولهذا فصل علمه بقوله‏:‏ ‏{‏يَعْلَمُ مَا يَلِجُ فِي الْأَرْضِ‏}‏ أي‏:‏ من مطر‏,‏ وبذر‏,‏ وحيوان ‏{‏وَمَا يَخْرُجُ مِنْهَا‏}‏ من أنواع النباتات‏,‏ وأصناف الحيوانات ‏{‏وَمَا يَنْزِلُ مِنَ السَّمَاءِ‏}‏ من الأملاك والأرزاق والأقدار ‏{‏وَمَا يَعْرُجُ فِيهَا‏}‏ من الملائكة والأرواح وغير ذلك‏.‏
ولما ذكر مخلوقاته وحكمته فيها‏,‏ وعلمه بأحوالها‏,‏ ذكر مغفرته ورحمته لها‏,‏ فقال‏:‏ ‏{‏وَهُوَ الرَّحِيمُ الْغَفُورُ‏}‏ أي‏:‏ الذي الرحمة والمغفرة وصفه‏,‏ ولم تزل آثارهما تنزل على عباده كل وقت بحسب ما قاموا به من مقتضياتهما‏.‏
‏‏ ‏{‏وَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لَا تَأْتِينَا السَّاعَةُ قُلْ بَلَى وَرَبِّي لَتَأْتِيَنَّكُمْ عَالِمِ الْغَيْبِ لَا يَعْزُبُ عَنْهُ مِثْقَالُ ذَرَّةٍ فِي السَّمَاوَاتِ وَلَا فِي الْأَرْضِ وَلَا أَصْغَرُ مِنْ ذَلِكَ وَلَا أَكْبَرُ إِلَّا فِي كِتَابٍ مُبِينٍ * لِيَجْزِيَ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ أُولَئِكَ لَهُمْ مَغْفِرَةٌ وَرِزْقٌ كَرِيمٌ * وَالَّذِينَ سَعَوْا فِي آيَاتِنَا مُعَاجِزِينَ أُولَئِكَ لَهُمْ عَذَابٌ مِنْ رِجْزٍ أَلِيمٌ‏}
لما بين تعالى‏,‏ عظمته‏,‏ بما وصف به نفسه‏,‏ وكان هذا موجبا لتعظيمه وتقديسه‏,‏ والإيمان به‏,‏ ذكر أن من أصناف الناس‏,‏ طائفة لم تقدر ربها حق قدره‏,‏ ولم تعظمه حق عظمته‏,‏ بل كفروا به‏,‏ وأنكروا قدرته على إعادة الأموات‏,‏ وقيام الساعة‏,‏ وعارضوا بذلك رسله فقال‏:‏ ‏{‏وَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا‏}‏ أي باللّه وبرسله‏,‏ وبما جاءوا به، فقالوا بسبب كفرهم‏:‏ ‏{‏لَا تَأْتِينَا السَّاعَةُ‏}‏ أي‏:‏ ما هي‏,‏ إلا هذه الحياة الدنيا‏,‏ نموت ونحيا‏.‏ فأمر اللّه رسوله أن يرد قولهم ويبطله‏,‏ ويقسم على البعث‏,‏ وأنه سيأتيهم، واستدل على ذلك بدليل من أقرَّ به‏,‏ لزمه أن يصدق بالبعث ضرورة‏,‏ وهو علمه تعالى الواسع العام فقال‏:‏ ‏{‏عَالِمِ الْغَيْبِ‏}‏ أي‏:‏ الأمور الغائبة عن أبصارنا‏,‏ وعن علمنا‏,‏ فكيف بالشهادة‏؟‏‏"‏‏.‏
ثم أكد علمه فقال‏:‏ ‏{‏لَا يَعْزُبُ‏}‏ أي‏:‏ لا يغيب عن علمه ‏{‏مِثْقَالُ ذَرَّةٍ فِي السَّمَاوَاتِ وَلَا فِي الْأَرْضِ‏}‏ أي‏:‏ جميع الأشياء بذواتها وأجزائها‏,‏ حتى أصغر ما يكون من الأجزاء‏,‏ وهو المثاقيل منها‏.‏
{‏وَلَا أَصْغَرَ مِنْ ذَلِكَ وَلَا أَكْبَرَ إِلَّا فِي كِتَابٍ مُبِينٍ‏}‏ أي‏:‏ قد أحاط به علمه‏,‏ وجرى به قلمه‏,‏ وتضمنه الكتاب المبين‏,‏ الذي هو اللوح المحفوظ، فالذي لا يخفى عن علمه مثقال الذرة فما دونه‏,‏ في جميع الأوقات‏,‏ ويعلم ما تنقص الأرض من الأموات‏,‏ وما يبقى من أجسادهم‏,‏ قادر على بعثهم من باب أولى‏,‏ وليس بعثهم بأعجب من هذا العلم المحيط‏.‏
ثم ذكر المقصود من البعث فقال‏:‏ ‏{‏لِيَجْزِيَ الَّذِينَ آمَنُوا‏}‏ بقلوبهم‏,‏ صدقوا اللّه‏,‏ وصدقوا رسله تصديقا جازما، ‏{‏وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ‏}‏ تصديقا لإيمانهم‏.‏ ‏{‏أُولَئِكَ لَهُمْ مَغْفِرَةٌ‏}‏ لذنوبهم‏,‏ بسبب إيمانهم وعملهم‏,‏ يندفع بها كل شر وعقاب‏.‏ ‏{‏وَرِزْقٌ كَرِيمٌ‏}‏ بإحسانهم‏,‏ يحصل لهم به كل مطلوب ومرغوب‏,‏ وأمنية‏.‏
{‏وَالَّذِينَ سَعَوْا فِي آيَاتِنَا مُعَاجِزِينَ‏}‏ أي‏:‏ سعوا فيها كفرا بها‏,‏ وتعجيزا لمن جاء بها‏,‏ وتعجيزا لمن أنزلها‏,‏ كما عجزوه في الإعادة بعد الموت‏.‏ ‏{‏أُولَئِكَ لَهُمْ عَذَابٌ مِنْ رِجْزٍ أَلِيمٌ‏}‏ أي‏:‏ مؤلم لأبدانهم وقلوبهم‏.‏
‏‏ ‏{‏وَيَرَى الَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ الَّذِي أُنْزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ هُوَ الْحَقَّ وَيَهْدِي إِلَى صِرَاطِ الْعَزِيزِ الْحَمِيدِ‏}
لما ذكر تعالى إنكار من أنكر البعث‏,‏ وأنهم يرون ما أنزل على رسوله ليس بحق، ذكر حالة الموفقين من العباد‏,‏ وهم أهل العلم‏,‏ وأنهم يرون ما أنزل اللّه على رسوله من الكتاب‏,‏ وما اشتمل عليه من الأخبار‏,‏ هو الحق‏,‏ أي‏:‏ الحق منحصر فيه‏,‏ وما خالفه وناقضه‏,‏ فإنه باطل‏,‏ لأنهم وصلوا من العلم إلى درجة اليقين‏.‏
ويرون أيضا أنه في أوامره ونواهيه ‏{‏يَهْدِي إِلَى صِرَاطِ الْعَزِيزِ الْحَمِيدِ‏}‏ وذلك أنهم جزموا بصدق ما أخبر به من وجوه كثيرة‏:‏ من جهة علمهم بصدق من أخبر به، ومن جهة موافقته للأمور الواقعة‏,‏ والكتب السابقة، ومن جهة ما يشاهدون من أخبارها‏,‏ التي تقع عيانا، ومن جهة ما يشاهدون من الآيات العظيمة الدالة عليها في الآفاق وفي أنفسهم ومن جهة موافقتها‏,‏ لما دلت عليه أسماؤه تعالى وأوصافه‏.‏
ويرون في الأوامر والنواهي‏,‏ أنها تهدي إلى الصراط المستقيم‏,‏ المتضمن للأمر بكل صفة تزكي النفس، وتنمي الأجر، وتفيد العامل وغيره، كالصدق والإخلاص وبر الوالدين‏,‏ وصلة الأرحام‏,‏ والإحسان إلى عموم الخلق‏,‏ ونحو ذلك‏.‏ وتنهى عن كل صفة قبيحة‏,‏ تدنس النفس‏,‏ وتحبط الأجر‏,‏ وتوجب الإثم والوزر‏,‏ من الشرك‏,‏ والزنا‏,‏ والربا‏,‏ والظلم في الدماء والأموال‏,‏ والأعراض‏.‏
وهذه منقبة لأهل العلم وفضيلة‏,‏ وعلامة لهم‏,‏ وأنه كلما كان العبد أعظم علما وتصديقا بأخبار ما جاء به الرسول‏,‏ وأعظم معرفة بحكم أوامره ونواهيه‏,‏ كان من أهل العلم الذين جعلهم اللّه حجة على ما جاء به الرسول‏,‏ احتج اللّه بهم على المكذبين المعاندين‏,‏ كما في هذه الآية وغيرها‏.‏
‏‏ ‏{‏وَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا هَلْ نَدُلُّكُمْ عَلَى رَجُلٍ يُنَبِّئُكُمْ إِذَا مُزِّقْتُمْ كُلَّ مُمَزَّقٍ إِنَّكُمْ لَفِي خَلْقٍ جَدِيدٍ * أَفْتَرَى عَلَى اللَّهِ كَذِبًا أَمْ بِهِ جِنَّةٌ بَلِ الَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِالْآخِرَةِ فِي الْعَذَابِ وَالضَّلَالِ الْبَعِيدِ * أَفَلَمْ يَرَوْا إِلَى مَا بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَمَا خَلْفَهُمْ مِنَ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ إِنْ نَشَأْ نَخْسِفْ بِهِمُ الْأَرْضَ أَوْ نُسْقِطْ عَلَيْهِمْ كِسَفًا مِنَ السَّمَاءِ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَةً لِكُلِّ عَبْدٍ مُنِيبٍ‏}
أي‏:‏ ‏{‏وَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا‏}‏ على وجه التكذيب والاستهزاء والاستبعاد، وذكر وجه الاستبعاد‏.‏
أي‏:‏ قال بعضهم لبعض‏:‏ ‏{‏هَلْ نَدُلُّكُمْ عَلَى رَجُلٍ يُنَبِّئُكُمْ إِذَا مُزِّقْتُمْ كُلَّ مُمَزَّقٍ إِنَّكُمْ لَفِي خَلْقٍ جَدِيدٍ‏}‏ يعنون بذلك الرجل‏,‏ رسول اللّه ـ صلى الله عليه وسلم ـ وأنه رجل أتى بما يستغرب منه‏,‏ حتى صار ـ بزعمهم ـ فرجة يتفرجون عليه‏,‏ وأعجوبة يسخرون منه، وأنه كيف يقول ‏{‏إِنَّكُمْ مَبْعُوثُونَ‏}‏ بعدما مزقكم البلى‏,‏ وتفرقت أوصالكم‏,‏ واضمحلت أعضاؤكم‏؟‏‏!‏‏.‏
فهذا الرجل الذي يأتي بذلك‏,‏ هل ‏{‏أَفْتَرَى عَلَى اللَّهِ كَذِبًا‏}‏ فتجرأ عليه وقال ما قال‏,‏ ‏{‏أَمْ بِهِ جِنَّةٌ‏}‏ ‏؟‏ فلا يستغرب منه‏,‏ فإن الجنون فنون، وكل هذا منهم‏,‏ على وجه العناد والظلم‏,‏ ولقد علموا‏,‏ أنه أصدق خلق اللّه وأعقلهم‏,‏ ومن علمهم‏,‏ أنهم أبدوا وأعادوا في معاداتهم‏,‏ وبذلوا أنفسهم وأموالهم‏,‏ في صد الناس عنه، فلو كان كاذبا مجنونا لم ينبغ لكم ـ يا أهل العقول غير الزاكية ـ أن تصغوا لما قال‏,‏ ولا أن تحتفلوا بدعوته، فإن المجنون‏,‏ لا ينبغي للعاقل أن يلفت إليه نظره‏,‏ أو يبلغ قوله منه كل مبلغ‏.‏
ولولا عنادكم وظلمكم‏,‏ لبادرتم لإجابته‏,‏ ولبيتم دعوته‏,‏ ولكن ‏{‏مَا تُغْنِي الْآيَاتُ وَالنُّذُرُ عَنْ قَوْمٍ لَا يُؤْمِنُونَ‏}‏ ولهذا قال تعالى‏:‏ ‏{‏بَلِ الَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِالْآخِرَةِ‏}‏ ومنهم الذين قالوا تلك المقالة، ‏{‏فِي الْعَذَابِ وَالضَّلَالِ الْبَعِيدِ‏}‏ أي‏:‏ في الشقاء العظيم‏,‏ والضلال البعيد‏,‏ الذي ليس بقريب من الصواب، وأي شقاء وضلال‏,‏ أبلغ من إنكارهم لقدرة اللّه على البعث وتكذيبهم لرسوله الذي جاء به‏,‏ واستهزائهم به‏,‏ وجزمهم بأن ما جاءوا به هو الحق‏,‏ فرأوا الحق باطلا‏,‏ والباطل والضلال حقا وهدى‏.‏
ثم نبههم على الدليل العقلي‏,‏ الدال على عدم استبعاد البعث‏,‏ الذي استبعدوه‏,‏ وأنهم لو نظروا إلى ما بين أيديهم وما خلفهم‏,‏ من السماء والأرض فرأوا من قدرة اللّه فيهما‏,‏ ما يبهر العقول‏,‏ ومن عظمته ما يذهل العلماء الفحول‏,‏ وأن خلقهما وعظمتهما وما فيهما من المخلوقات‏,‏ أعظم من إعادة الناس ـ بعد موتهم ـ من قبورهم، فما الحامل لهم‏,‏ على ذلك التكذيب مع التصديق‏,‏ بما هو أكبر منه‏؟‏ نعم ذاك خبر غيبي إلى الآن‏,‏ ما شاهدوه‏,‏ فلذلك كذبوا به‏.‏
قال اللّه‏:‏ ‏{‏إِنْ نَشَأْ نَخْسِفْ بِهِمُ الْأَرْضَ أَوْ نُسْقِطْ عَلَيْهِمْ كِسَفًا مِنَ السَّمَاءِ‏}‏ أي‏:‏ من العذاب‏,‏ لأن الأرض والسماء تحت تدبيرنا‏,‏ فإن أمرناهما لم يستعصيا، فاحذروا إصراركم على تكذيبكم‏,‏ فنعاقبكم أشد العقوبة‏.‏ ‏{‏إِنَّ فِي ذَلِكَ‏}‏ أي‏:‏ خلق السماوات والأرض‏,‏ وما فيهما من المخلوقات ‏{‏لَآيَةً لِكُلِّ عَبْدٍ مُنِيبٍ‏}
فكلما كان العبد أعظم إنابة إلى اللّه‏,‏ كان انتفاعه بالآيات أعظم‏,‏ لأن المنيب مقبل إلى ربه‏,‏ قد توجهت إراداته وهماته لربه‏,‏ ورجع إليه في كل أمر من أموره‏,‏ فصار قريبا من ربه‏,‏ ليس له هم إلا الاشتغال بمرضاته، فيكون نظره للمخلوقات نظر فكرة وعبرة‏,‏ لا نظر غفلة غير نافعة‏.‏
‏‏ ‏{‏وَلَقَدْ آتَيْنَا دَاوُدَ مِنَّا فَضْلًا يَا جِبَالُ أَوِّبِي مَعَهُ وَالطَّيْرَ وَأَلَنَّا لَهُ الْحَدِيدَ * أَنِ اعْمَلْ سَابِغَاتٍ وَقَدِّرْ فِي السَّرْدِ وَاعْمَلُوا صَالِحًا إِنِّي بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ‏}
أي‏:‏ ولقد مننا على عبدنا ورسولنا‏,‏ داود عليه الصلاة والسلام‏,‏ وآتيناه فضلا من العلم النافع‏,‏ والعمل الصالح‏,‏ والنعم الدينية والدنيوية، ومن نعمه عليه‏,‏ ما خصه به من أمره تعالى الجمادات‏,‏ كالجبال والحيوانات‏,‏ من الطيور‏,‏ أن تُؤَوِّب معه‏,‏ وتُرَجِّع التسبيح بحمد ربها‏,‏ مجاوبة له، وفي هذا من النعمة عليه‏,‏ أن كان ذلك من خصائصه التي لم تكن لأحد قبله ولا بعده‏,‏ وأن ذلك يكون منهضا له ولغيره على التسبيح إذا رأوا هذه الجمادات والحيوانات‏,‏ تتجاوب بتسبيح ربها‏,‏ وتمجيده‏,‏ وتكبيره‏,‏ وتحميده‏,‏ كان ذلك مما يهيج على ذكر اللّه تعالى‏.‏
ومنها‏:‏ أن ذلك ـ كما قال كثير من العلماء‏,‏ أنه طرب لصوت داود، فإن اللّه تعالى‏,‏ قد أعطاه من حسن الصوت‏,‏ ما فاق به غيره‏,‏ وكان إذا رجَّع التسبيح والتهليل والتحميد بذلك الصوت الرخيم الشجيِّ المطرب‏,‏ طرب كل من سمعه‏,‏ من الإنس‏,‏ والجن‏,‏ حتى الطيور والجبال‏,‏ وسبحت بحمد ربها‏.‏
ومنها‏:‏ أنه لعله ليحصل له أجر تسبيحها‏,‏ لأنه سبب ذلك‏,‏ وتسبح تبعا له‏.‏
ومن فضله عليه‏,‏ أن ألان له الحديد‏,‏ ليعمل الدروع السابغات‏,‏ وعلمه تعالى كيفية صنعته‏,‏ بأن يقدره في السرد‏,‏ أي‏:‏ يقدره حلقا‏,‏ ويصنعه كذلك‏,‏ ثم يدخل بعضها ببعض‏.‏
قال تعالى‏:‏ ‏{‏وَعَلَّمْنَاهُ صَنْعَةَ لَبُوسٍ لَكُمْ لِتُحْصِنَكُمْ مِنْ بَأْسِكُمْ فَهَلْ أَنْتُمْ شَاكِرُونَ‏}
ولما ذكر ما امتن به عليه وعلى آله‏,‏ أمره بشكره‏,‏ وأن يعملوا صالحا‏,‏ ويراقبوا اللّه تعالى فيه‏,‏ بإصلاحه وحفظه من المفسدات‏,‏ فإنه بصير بأعمالهم‏,‏ مطلع عليهم‏,‏ لا يخفى عليه منها شيء‏.‏
‏‏ ‏{‏وَلِسُلَيْمَانَ الرِّيحَ غُدُوُّهَا شَهْرٌ وَرَوَاحُهَا شَهْرٌ وَأَسَلْنَا لَهُ عَيْنَ الْقِطْرِ وَمِنَ الْجِنِّ مَنْ يَعْمَلُ بَيْنَ يَدَيْهِ بِإِذْنِ رَبِّهِ وَمَنْ يَزِغْ مِنْهُمْ عَنْ أَمْرِنَا نُذِقْهُ مِنْ عَذَابِ السَّعِيرِ * يَعْمَلُونَ لَهُ مَا يَشَاءُ مِنْ مَحَارِيبَ وَتَمَاثِيلَ وَجِفَانٍ كَالْجَوَابِ وَقُدُورٍ رَاسِيَاتٍ اعْمَلُوا آلَ دَاوُدَ شُكْرًا وَقَلِيلٌ مِنْ عِبَادِيَ الشَّكُورُ * فَلَمَّا قَضَيْنَا عَلَيْهِ الْمَوْتَ مَا دَلَّهُمْ عَلَى مَوْتِهِ إِلَّا دَابَّةُ الْأَرْضِ تَأْكُلُ مِنْسَأَتَهُ فَلَمَّا خَرَّ تَبَيَّنَتِ الْجِنُّ أَنْ لَوْ كَانُوا يَعْلَمُونَ الْغَيْبَ مَا لَبِثُوا فِي الْعَذَابِ الْمُهِينِ‏}
لما ذكر فضله على داود عليه السلام‏,‏ ذكر فضله على ابنه سليمان‏,‏ عليه الصلاة والسلام‏,‏ وأن اللّه سخر له الريح تجري بأمره‏,‏ وتحمله‏,‏ وتحمل جميع ما معه‏,‏ وتقطع المسافة البعيدة جدا‏,‏ في مدة يسيرة‏,‏ فتسير في اليوم‏,‏ مسيرة شهرين‏.‏ ‏{‏غُدُوُّهَا شَهْرٌ‏}‏ أي‏:‏ أول النهار إلى الزوال ‏{‏وَرَوَاحُهَا شَهْرٌ‏}‏ من الزوال‏,‏ إلى آخر النهار ‏{‏وَأَسَلْنَا لَهُ عَيْنَ الْقِطْرِ‏}‏ أي‏:‏ سخرنا له عين النحاس‏,‏ وسهلنا له الأسباب‏,‏ في استخراج ما يستخرج منها من الأواني وغيرها‏.‏
وسخر اللّه له أيضا‏,‏ الشياطين والجن‏,‏ لا يقدرون أن يستعصوا عن أمره‏,‏ ‏{‏وَمَنْ يَزِغْ مِنْهُمْ عَنْ أَمْرِنَا نُذِقْهُ مِنْ عَذَابِ السَّعِيرِ‏}‏ وأعمالهم كل ما شاء سليمان‏,‏ عملوه‏.‏
‏{‏مِنْ مَحَارِيبَ‏}‏ وهو كل بناء يعقد‏,‏ وتحكم به الأبنية‏,‏ فهذا فيه ذكر الأبنية الفخمة، ‏{‏وَتَمَاثِيلَ‏}‏ أي‏:‏ صور الحيوانات والجمادات‏,‏ من إتقان صنعتهم‏,‏ وقدرتهم على ذلك وعملهم لسليمان ‏{‏وَجِفَانٍ كَالْجَوَابِ‏}‏ أي‏:‏ كالبرك الكبار‏,‏ يعملونها لسليمان للطعام‏,‏ لأنه يحتاج إلى ما لا يحتاج إليه غيره ، ‏"‏ و ‏"‏ يعملون له قدورا راسيات لا تزول عن أماكنها‏,‏ من عظمها‏.‏
فلما ذكر منته عليهم‏,‏ أمرهم بشكرها فقال‏:‏ ‏{‏اعْمَلُوا آلَ دَاوُدَ‏}‏ وهم داود‏,‏ وأولاده‏,‏ وأهله‏,‏ لأن المنة على الجميع‏,‏ وكثير من هذه المصالح عائد لكلهم‏.‏ ‏{‏شُكْرًا‏}‏ للّه على ما أعطاهم‏,‏ ومقابلة لما أولاهم‏.‏ ‏{‏وَقَلِيلٌ مِنْ عِبَادِيَ الشَّكُورُ‏}‏ فأكثرهم‏,‏ لم يشكروا اللّه تعالى على ما أولاهم من نعمه‏,‏ ودفع عنهم من النقم‏.‏
والشكر‏:‏ اعتراف القلب بمنة اللّه تعالى‏,‏ وتلقيها افتقارا إليها‏,‏ وصرفها في طاعة اللّه تعالى‏,‏ وصونها عن صرفها في المعصية‏.‏
فلم يزل الشياطين يعملون لسليمان‏,‏ عليه الصلاة والسلام‏,‏ كل بناء، وكانوا قد موهوا على الإنس‏,‏ وأخبروهم أنهم يعلمون الغيب‏,‏ ويطلعون على المكنونات، فأراد اللّه تعالى أن يُرِيَ العباد كذبهم في هذه الدعوى‏,‏ فمكثوا يعملون على عملهم، وقضى اللّه الموت على سليمان عليه السلام‏,‏ واتَّكأ على عصاه‏,‏ وهي المنسأة، فصاروا إذا مروا به وهو متكئ عليها‏,‏ ظنوه حيا‏,‏ وهابوه‏.‏
فغدوا على عملهم كذلك سنة كاملة على ما قيل‏,‏ حتى سلطت دابة الأرض على عصاه‏,‏ فلم تزل ترعاها‏,‏ حتى باد وسقط فسقط سليمان عليه السلام وتفرقت الشياطين وتبينت الإنس أن الجن ‏{‏لَوْ كَانُوا يَعْلَمُونَ الْغَيْبَ مَا لَبِثُوا فِي الْعَذَابِ الْمُهِينِ‏}‏ وهو العمل الشاق عليهم، فلو علموا الغيب‏,‏ لعلموا موت سليمان‏,‏ الذي هم أحرص شيء عليه‏,‏ ليسلموا مما هم فيه‏.‏
‏‏ ‏{‏لَقَدْ كَانَ لِسَبَإٍ فِي مَسْكَنِهِمْ آيَةٌ جَنَّتَانِ عَنْ يَمِينٍ وَشِمَالٍ كُلُوا مِنْ رِزْقِ رَبِّكُمْ وَاشْكُرُوا لَهُ بَلْدَةٌ طَيِّبَةٌ وَرَبٌّ غَفُورٌ * فَأَعْرَضُوا فَأَرْسَلْنَا عَلَيْهِمْ سَيْلَ الْعَرِمِ وَبَدَّلْنَاهُمْ بِجَنَّتَيْهِمْ جَنَّتَيْنِ ذَوَاتَيْ أُكُلٍ خَمْطٍ وَأَثْلٍ وَشَيْءٍ مِنْ سِدْرٍ قَلِيلٍ * ذَلِكَ جَزَيْنَاهُمْ بِمَا كَفَرُوا وَهَلْ نُجَازِي إِلَّا الْكَفُورَ * وَجَعَلْنَا بَيْنَهُمْ وَبَيْنَ الْقُرَى الَّتِي بَارَكْنَا فِيهَا قُرًى ظَاهِرَةً وَقَدَّرْنَا فِيهَا السَّيْرَ سِيرُوا فِيهَا لَيَالِيَ وَأَيَّامًا آمِنِينَ * فَقَالُوا رَبَّنَا بَاعِدْ بَيْنَ أَسْفَارِنَا وَظَلَمُوا أَنْفُسَهُمْ فَجَعَلْنَاهُمْ أَحَادِيثَ وَمَزَّقْنَاهُمْ كُلَّ مُمَزَّقٍ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَاتٍ لِكُلِّ صَبَّارٍ شَكُورٍ * وَلَقَدْ صَدَّقَ عَلَيْهِمْ إِبْلِيسُ ظَنَّهُ فَاتَّبَعُوهُ إِلَّا فَرِيقًا مِنَ الْمُؤْمِنِينَ * وَمَا كَانَ لَهُ عَلَيْهِمْ مِنْ سُلْطَانٍ إِلَّا لِنَعْلَمَ مَنْ يُؤْمِنُ بِالْآخِرَةِ مِمَّنْ هُوَ مِنْهَا فِي شَكٍّ وَرَبُّكَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ حَفِيظٌ‏}
سبأ قبيلة معروفة في أداني اليمن‏,‏ ومسكنهم بلدة يقال لها ‏"‏مأرب‏"‏ ومن نعم اللّه ولطفه بالناس عموما‏,‏ وبالعرب خصوصا‏,‏ أنه قص في القرآن أخبار المهلكين والمعاقبين‏,‏ ممن كان يجاور العرب‏,‏ ويشاهد آثاره‏,‏ ويتناقل الناس أخباره‏,‏ ليكون ذلك أدعى إلى التصديق‏,‏ وأقرب للموعظة فقال‏:‏ ‏{‏لَقَدْ كَانَ لِسَبَإٍ فِي مَسْكَنِهِمْ‏}‏ أي‏:‏ محلهم الذي يسكنون فيه ‏{‏آيَةٌ‏}‏ والآية هنا‏:‏ ما أدرَّ اللّه عليهم من النعم‏,‏ وصرف عنهم من النقم‏,‏ الذي يقتضي ذلك منهم‏,‏ أن يعبدوا اللّه ويشكروه‏.‏ ثم فسر الآية بقوله ‏{‏جَنَّتَانِ عَنْ يَمِينٍ وَشِمَالٍ‏}‏ وكان لهم واد عظيم‏,‏ تأتيه سيول كثيرة‏,‏ وكانوا بنوا سدا محكما‏,‏ يكون مجمعا للماء، فكانت السيول تأتيه‏,‏ فيجتمع هناك ماء عظيم‏,‏ فيفرقونه على بساتينهم‏,‏ التي عن يمين ذلك الوادي وشماله‏.‏ وتُغِلُّ لهم تلك الجنتان العظيمتان‏,‏ من الثمار ما يكفيهم‏,‏ ويحصل لهم به الغبطة والسرور، فأمرهم اللّه بشكر نعمه التي أدرَّها عليهم من وجوه كثيرة، منها‏:‏ هاتان الجنتان اللتان غالب أقواتهم منهما‏.‏
ومنها‏:‏ أن اللّه جعل بلدهم‏,‏ بلدة طيبة‏,‏ لحسن هوائها‏,‏ وقلة وخمها‏,‏ وحصول الرزق الرغد فيها‏.‏
ومنها‏:‏ أن اللّه تعالى وعدهم ـ إن شكروه ـ أن يغفر لهم وَيرحمهم‏,‏ ولهذا قال‏:‏ ‏{‏بَلْدَةٌ طَيِّبَةٌ وَرَبٌّ غَفُورٌ‏}
ومنها‏:‏ أن اللّه لما علم احتياجهم في تجارتهم ومكاسبهم إلى الأرض المباركة‏,‏ ـ الظاهر أنها‏:‏ ‏
ولهذا قال‏:‏ ‏{‏وَجَعَلْنَا بَيْنَهُمْ وَبَيْنَ الْقُرَى الَّتِي بَارَكْنَا فِيهَا قُرًى ظَاهِرَةً وَقَدَّرْنَا فِيهَا السَّيْرَ‏}‏ أي‏:‏ ‏{‏لَيَالِيَ وَأَيَّامًا آمِنِينَ‏}‏ أي‏:‏ مطمئنين في السير‏,‏ في تلك الليالي والأيام‏,‏ غير خائفين‏.‏ وهذا من تمام نعمة اللّه عليهم‏,‏ أن أمنهم من الخوف‏.‏
فأعرضوا عن المنعم‏,‏ وعن عبادته‏,‏ وبطروا النعمة‏,‏ وملوها، حتى إنهم طلبوا وتمنوا‏,‏ أن تتباعد أسفارهم بين تلك القرى‏,‏ التي كان السير فيها متيسرا‏.‏
‏{‏وَظَلَمُوا أَنْفُسَهُمْ‏}‏ بكفرهم باللّه وبنعمته‏,‏ فعاقبهم اللّه تعالى بهذه النعمة‏,‏ التي أطغتهم‏,‏ فأبادها عليهم‏,‏ فأرسل عليها سيل العرم‏.‏
أي‏:‏ السيل المتوعر‏,‏ الذي خرب سدهم‏,‏ وأتلف جناتهم‏,‏ وخرب بساتينهم، فتبدلت تلك الجنات ذات الحدائق المعجبة‏,‏ والأشجار المثمرة‏,‏ وصار بدلها أشجار لا نفع فيها‏,‏ ولهذا قال‏:‏ ‏{‏وَبَدَّلْنَاهُمْ بِجَنَّتَيْهِمْ جَنَّتَيْنِ ذَوَاتَيْ أُكُلٍ‏}‏ أي‏:‏ شيء قليل من الأكل الذي لا يقع منهم موقعا ‏{‏خَمْطٍ وَأَثْلٍ وَشَيْءٍ مِنْ سِدْرٍ قَلِيلٍ‏}‏ وهذا كله شجر معروف‏,‏ وهذا من جنس عملهم‏.‏
فكما بدلوا الشكر الحسن‏,‏ بالكفر القبيح‏,‏ بدلوا تلك النعمة بما ذكر‏,‏ ولهذا قال‏:‏ ‏{‏ذَلِكَ جَزَيْنَاهُمْ بِمَا كَفَرُوا وَهَلْ نُجَازِي إِلَّا الْكَفُورَ‏}‏ أي‏:‏ وهل نجازي جزاء العقوبة ـ بدليل السياق ـ إلا من كفر باللّه وبطر النعمة‏؟‏
فلما أصابهم ما أصابهم‏,‏ تفرقوا وتمزقوا‏,‏ بعدما كانوا مجتمعين‏,‏ وجعلهم اللّه أحاديث يتحدث بهم‏,‏ وأسمارًا للناس‏,‏ وكان يضرب بهم المثل فيقال‏:‏ ‏"‏تفرقوا أيدي سبأ‏"‏ فكل أحد يتحدث بما جرى لهم، ولكن لا ينتفع بالعبرة فيهم إلا من قال اللّه‏:‏ ‏{‏إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَاتٍ لِكُلِّ صَبَّارٍ شَكُورٍ‏}‏ صبار على المكاره والشدائد‏,‏ يتحملها لوجه اللّه‏,‏ ولا يتسخطها بل يصبر عليها‏.‏ شكور لنعمة اللّه تعالى يُقِرُّ بها‏,‏ ويعترف‏,‏ ويثني على من أولاها‏,‏ ويصرفها في طاعته‏.‏ فهذا إذا سمع بقصتهم‏,‏ وما جرى منهم وعليهم‏,‏ عرف بذلك أن تلك العقوبة‏,‏ جزاء لكفرهم نعمة اللّه‏,‏ وأن من فعل مثلهم‏,‏ فُعِلَ به كما فعل بهم، وأن شكر اللّه تعالى‏,‏ حافظ للنعمة‏,‏ دافع للنقمة، وأن رسل اللّه‏,‏ صادقون فيما أخبروا به، وأن الجزاء حق‏,‏ كما رأى أنموذجه في دار الدنيا‏.‏
ثم ذكر أن قوم سبأ من الذين صدَّق عليهم إبليس ظنه‏,‏ حيث قال لربه‏:‏ ‏{‏فَبِعِزَّتِكَ لَأُغْوِيَنَّهُمْ أَجْمَعِينَ إِلَّا عِبَادَكَ مِنْهُمُ الْمُخْلَصِينَ‏}‏ وهذا ظن من إبليس‏,‏ لا يقين‏,‏ لأنه لا يعلم الغيب‏,‏ ولم يأته خبر من اللّه‏,‏ أنه سيغويهم أجمعين‏,‏ إلا من استثنى، فهؤلاء وأمثالهم‏,‏ ممن صدق عليه إبليس ظنه‏,‏ ودعاهم وأغواهم، ‏{‏فَاتَّبَعُوهُ إِلَّا فَرِيقًا مِنَ الْمُؤْمِنِينَ‏}‏ ممن لم يكفر بنعمة اللّه‏,‏ فإنه لم يدخل تحت ظن إبليس‏.‏
ويحتمل أن قصة سبأ‏,‏ انتهت عند قوله‏:‏ ‏{‏إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَاتٍ لِكُلِّ صَبَّارٍ شَكُورٍ‏}
ثم ابتدأ فقال‏:‏ ‏{‏وَلَقَدْ صَدَّقَ عَلَيْهِمْ‏}‏ أي‏:‏ على جنس الناس‏,‏ فتكون الآية عامة في كل من اتبعه‏.‏
ثم قال تعالى‏:‏ ‏{‏وَمَا كَانَ لَهُ‏}‏ أي‏:‏ لإبليس ‏{‏عَلَيْهِمْ مِنْ سُلْطَانٍ‏}‏ أي‏:‏ تسلط وقهر‏,‏ وقسر على ما يريده منهم‏,‏ ولكن حكمة اللّه تعالى اقتضت تسليطه وتسويله لبني آدم‏.‏
{‏لِنَعْلَمَ مَنْ يُؤْمِنُ بِالْآخِرَةِ مِمَّنْ هُوَ مِنْهَا فِي شَكٍّ‏}‏ أي‏:‏ ليقوم سوق الامتحان‏,‏ ويعلم به الصادق من الكاذب‏,‏ ويعرف من كان إيمانه صحيحا‏,‏ يثبت عند الامتحان والاختبار‏,‏ وإلقاء الشبه الشيطانية‏,‏ ممن إيمانه غير ثابت‏,‏ يتزلزل بأدنى شبهة‏,‏ ويزول بأقل داع يدعوه إلى ضده، فاللّه تعالى جعله امتحانا‏,‏ يمتحن به عباده‏,‏ ويظهر الخبيث من الطيب‏.‏ {‏وَرَبُّكَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ حَفِيظٌ‏}‏ يحفظ العباد‏,‏ ويحفظ عليهم أعمالهم‏,‏ ويحفظ تعالى جزاءها‏,‏ فيوفيهم إياها‏,‏ كاملة موفرة‏.‏
@@@الجوووري@@@
@@@الجوووري@@@
تفسير سورة الأحزاب وهي مدنية

‏‏ ‏بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ ‏{يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ اتَّقِ اللَّهَ وَلَا تُطِعِ الْكَافِرِينَ وَالْمُنَافِقِينَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلِيمًا حَكِيمًا * وَاتَّبِعْ مَا يُوحَى إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرًا * وَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ وَكَفَى بِاللَّهِ وَكِيلًا‏}
أي‏:‏ يا أيها الذي منَّ اللّه عليه بالنبوة، واختصه بوحيه، وفضله على سائر الخلق، اشكر نعمة ربك عليك، باستعمال تقواه، التي أنت أولى بها من غيرك، والتي يجب عليك منها، أعظم من سواك، فامتثل أوامره ونواهيه، وبلغ رسالاته، وأدِّ إلى عباده وحيه، وابذل النصيحة للخلق‏.‏
ولا يصدنك عن هذا المقصود صاد، ولا يردك عنه راد، فلا تطع كل كافر، قد أظهر العداوة للّه ورسوله، ولا منافق، قد استبطن التكذيب والكفر، وأظهر ضده‏.‏
فهؤلاء هم الأعداء على الحقيقة، فلا تطعهم في بعض الأمور، التي تنقض التقوى، وتناقضها، ولا تتبع أهواءهم، فيضلوك عن الصواب‏.‏
‏{‏وَ‏}‏ لكن ‏{‏اتَّبِعْ مَا يُوحَى إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ‏}‏ فإنه هو الهدى والرحمة، وَارْجُ بذلك ثواب ربك، فإنه بما تعملون خبير، يجازيكم بحسب ما يعلمه منكم، من الخير والشر‏.‏
فإن وقع في قلبك، أنك إن لم تطعهم في أهوائهم المضلة، حصل عليك منهم ضرر، أو حصل نقص في هداية الخلق، فادفع ذلك عن نفسك، واستعمل ما يقاومه ويقاوم غيره، وهو التوكل على اللّه، بأن تعتمد على ربك، اعتماد من لا يملك لنفسه ضرًا ولا نفعًا، ولا موتًا ولا حياة، ولا نشورًا، في سلامتك من شرهم، وفي إقامة الدين، الذي أمرت به، وثق باللّه في حصول ذلك الأمر على أي‏:‏ حال كان‏.‏
{‏وَكَفَى بِاللَّهِ وَكِيلًا‏}‏ توكل إليه الأمور، فيقوم بها، وبما هو أصلح للعبد، وذلك لعلمه بمصالح عبده، من حيث لا يعلم العبد، وقدرته على إيصالها إليه، من حيث لا يقدر عليها العبد، وأنه أرحم بعبده من نفسه، ومن والديه، وأرأف به من كل أحد، خصوصًا خواص عبيده، الذين لم يزل يربيهم ببره، ويُدِرُّ عليهم بركاته الظاهرة والباطنة، خصوصًا وقد أمره بإلقاء أموره إليه، ووعده، فهناك لا تسأل عن كل أمر يتيسر، وصعب يسهل، وخطوب تهون، وكروب تزول، وأحوال وحوائج تقضى، وبركات تنزل، ونقم تدفع، وشرور ترفع‏.‏
وهناك ترى العبد الضعيف، الذي فوض أمره لسيده، قد قام بأمور لا تقوم بها أمة من الناس، وقد سهل اللّه ‏
‏‏ ‏{‏مَا جَعَلَ اللَّهُ لِرَجُلٍ مِنْ قَلْبَيْنِ فِي جَوْفِهِ وَمَا جَعَلَ أَزْوَاجَكُمُ اللَّائِي تُظَاهِرُونَ مِنْهُنَّ أُمَّهَاتِكُمْ وَمَا جَعَلَ أَدْعِيَاءَكُمْ أَبْنَاءَكُمْ ذَلِكُمْ قَوْلُكُمْ بِأَفْوَاهِكُمْ وَاللَّهُ يَقُولُ الْحَقَّ وَهُوَ يَهْدِي السَّبِيلَ * ادْعُوهُمْ لِآبَائِهِمْ هُوَ أَقْسَطُ عِنْدَ اللَّهِ فَإِنْ لَمْ تَعْلَمُوا آبَاءَهُمْ فَإِخْوَانُكُمْ فِي الدِّينِ وَمَوَالِيكُمْ وَلَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ فِيمَا أَخْطَأْتُمْ بِهِ وَلَكِنْ مَا تَعَمَّدَتْ قُلُوبُكُمْ وَكَانَ اللَّهُ غَفُورًا رَحِيمًا‏}
يعاتب تعالى ‏
ولكن خص هذه الأشياء المذكورة، لوقوعها، وشدة الحاجة إلى بيانها، فقال‏:‏ ‏{‏مَا جَعَلَ اللَّهُ لِرَجُلٍ مِنْ قَلْبَيْنِ فِي جَوْفِهِ‏}‏ هذا لا يوجد، فإياكم أن تقولوا عن أحد‏:‏ إن له قلبين في جوفه، فتكونوا كاذبين على الخلقة الإلهية‏.‏
{‏وَمَا جَعَلَ أَزْوَاجَكُمُ اللَّائِي تُظَاهِرُونَ مِنْهُنَّ‏}‏ بأن يقول أحدكم لزوجته‏:‏ ‏"‏أنت عَليَّ كظهر أمي أو كأمي‏"‏ فما جعلهن اللّه ‏{‏أُمَّهَاتِكُمْ‏}‏ أمك من ولدتك، وصارت أعظم النساء عليك، حرمة وتحريمًا، وزوجتك أحل النساء لك، فكيف تشبه أحد المتناقضين بالآخر‏؟‏
هذا أمر لا يجوز، كما قال تعالى‏:‏ ‏{‏الَّذِينَ يُظَاهِرُونَ مِنْكُمْ مِنْ نِسَائِهِمْ مَا هُنَّ أُمَّهَاتِهِمْ إِنْ أُمَّهَاتُهُمْ إِلَّا اللَّائِي وَلَدْنَهُمْ وَإِنَّهُمْ لَيَقُولُونَ مُنْكَرًا مِنَ الْقَوْلِ وَزُورًا‏}
{‏وَمَا جَعَلَ أَدْعِيَاءَكُمْ أَبْنَاءَكُمْ‏}‏ والأدعياء، الولد الذي كان الرجل يدعيه، وهو ليس له، أو يُدْعَى إليه، بسبب تبنيه إياه، كما كان الأمر بالجاهلية، وأول الإسلام‏.‏
فأراد اللّه تعالى أن يبطله ويزيله، فقدم بين يدي ذلك بيان قبحه، وأنه باطل وكذب، وكل باطل وكذب، لا يوجد في شرع اللّه، ولا يتصف به عباد اللّه‏.‏
يقول تعالى‏:‏ فاللّه لم يجعل الأدعياء الذين تدعونهم، أو يدعون إليكم، أبناءكم، فإن أبناءكم في الحقيقة، من ولدتموهم، وكانوا منكم، وأما هؤلاء الأدعياء من غيركم، فلا جعل اللّه هذا كهذا‏.‏
‏{‏ذَلِكُمْ‏}‏ القول، الذي تقولون في الدعي‏:‏ إنه ابن فلان، الذي ادعاه، أو والده فلان ‏{‏قَوْلُكُمْ بِأَفْوَاهِكُمْ‏}‏ أي‏:‏ قول لا حقيقة له ولا معنى له‏.‏
{‏وَاللَّهُ يَقُولُ الْحَقَّ‏}‏ أي‏:‏ اليقين والصدق، فلذلك أمركم باتباعه، على قوله وشرعه، فقوله، حق، وشرعه حق، والأقوال والأفعال الباطلة، لا تنسب إليه بوجه من الوجوه، وليست من هدايته، لأنه لا يهدي إلا إلى السبيل المستقيمة، والطرق الصادقة‏.‏
وإن كان ذلك واقعًا بمشيئته، فمشيئته عامة، لكل ما وجد من خير وشر‏.‏
ثم صرح لهم بترك الحالة الأولى، المتضمنة للقول الباطل فقال‏:‏ ‏{‏ادْعُوهُمْ‏}‏ أي‏:‏ الأدعياء ‏{‏لِآبَائِهِمْ‏}‏ الذين ولدوهم ‏{‏هُوَ أَقْسَطُ عِنْدَ اللَّهِ‏}‏ أي‏:‏ أعدل، وأقوم، وأهدى‏.‏
{‏فَإِنْ لَمْ تَعْلَمُوا آبَاءَهُمْ‏}‏ الحقيقيين ‏{‏فَإِخْوَانُكُمْ فِي الدِّينِ وَمَوَالِيكُمْ‏}‏ أي‏:‏ إخوتكم في دين اللّه، ومواليكم في ذلك، فادعوهم بالأخوة الإيمانية الصادقة، والموالاة على ذلك، فترك الدعوة إلى من تبناهم حتم، لا يجوز فعلها‏.‏
وأما دعاؤهم لآبائهم، فإن علموا، دعوا إليهم، وإن لم يعلموا، اقتصر على ما يعلم منهم، وهو أخوة ‏
{‏وَلَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ فِيمَا أَخْطَأْتُمْ بِهِ‏}‏ بأن سبق على لسان أحدكم، دعوته إلى من تبناه، فهذا غير مؤاخذ به، أو علم أبوه ظاهرًا، ‏{‏وَكَانَ اللَّهُ غَفُورًا رَحِيمًا‏}‏ غفر لكم ورحمكم، حيث لم يعاقبكم بما سلف، وسمح لكم بما أخطأتم به، ورحمكم حيث بيَّن لكم أحكامه التي تصلح دينكم ودنياكم، فله الحمد تعالى‏.‏
‏‏ ‏{‏النَّبِيُّ أَوْلَى بِالْمُؤْمِنِينَ مِنْ أَنْفُسِهِمْ وَأَزْوَاجُهُ أُمَّهَاتُهُمْ وَأُولُو الْأَرْحَامِ بَعْضُهُمْ أَوْلَى بِبَعْضٍ فِي كِتَابِ اللَّهِ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُهَاجِرِينَ إِلَّا أَنْ تَفْعَلُوا إِلَى أَوْلِيَائِكُمْ مَعْرُوفًا كَانَ ذَلِكَ فِي الْكِتَابِ مَسْطُورًا‏}
يخبر تعالى المؤمنين، خبرًا يعرفون به حالة الرسول ـ صلى الله عليه وسلم ـ ومرتبته، فيعاملونه بمقتضى تلك الحالة فقال‏:‏ ‏{‏النَّبِيُّ أَوْلَى بِالْمُؤْمِنِينَ مِنْ أَنْفُسِهِمْ‏}‏ أقرب ما للإنسان، وأولى ما له نفسه، فالرسول أولى به من نفسه، لأنه عليه الصلاة والسلام، بذل لهم من النصح، والشفقة، والرأفة، ما كان به أرحم الخلق، وأرأفهم، فرسول اللّه، أعظم الخلق مِنَّةً عليهم، من كل أحد، فإنه لم يصل إليهم مثقال ذرة من الخير، ولا اندفع عنهم مثقال ذرة من الشر، إلا على يديه وبسببه‏.‏
فلذلك، وجب عليهم إذا تعارض مراد النفس، أو مراد أحد من الناس، مع مراد الرسول، أن يقدم مراد الرسول، وأن لا يعارض قول الرسول، بقول أحد، كائنًا من كان، وأن يفدوه بأنفسهم وأموالهم وأولادهم، ويقدموا محبته على الخلق كلهم، وألا يقولوا حتى يقول، ولا يتقدموا بين يديه‏.‏
وهو ـ صلى الله عليه وسلم ـ أب للمؤمنين، كما في قراءة بعض الصحابة، يربيهم كما يربي الوالد أولاده‏.‏
فترتب على هذه الأبوة، أن كان نساؤه أمهاتهم، أي‏:‏ في الحرمة والاحترام، والإكرام، لا في الخلوة والمحرمية، وكأن هذا مقدمة، لما سيأتي في قصة زيد بن حارثة، الذي كان قبل يُدْعَى‏:‏ ‏"‏زيد بن محمد‏"‏ حتى أنزل اللّه ‏{‏مَا كَانَ مُحَمَّدٌ أَبَا أَحَدٍ مِنْ رِجَالِكُمْ‏}‏ فقطع نسبه، وانتسابه منه، فأخبر في هذه الآية، أن المؤمنين كلهم، أولاد للرسول، فلا مزية لأحد عن أحد وإن انقطع عن أحدهم انتساب الدعوة، فإن النسب الإيماني لم ينقطع عنه، فلا يحزن ولا يأسف‏.‏
وترتب على أن زوجات الرسول أمهات المؤمنين، أنهن لا يحللن لأحد من بعده، كما الله صرح بذلك‏:‏ ‏"‏وَلَا أَنْ تَنْكِحُوا أَزْوَاجَهُ مِنْ بَعْدِهِ أَبَدًا‏"‏
‏{‏وَأُولُو الْأَرْحَامِ‏}‏ أي‏:‏ الأقارب، قربوا أو بعدوا ‏{‏بَعْضُهُمْ أَوْلَى بِبَعْضٍ فِي كِتَابِ اللَّهِ‏}‏ ‏
والأدعياء الذين كانوا من قبل، يرثون بهذه الأسباب، دون ذوي الأرحام، فقطع تعالى، التوارث بذلك، وجعله للأقارب، لطفًا منه وحكمة، فإن الأمر لو استمر على العادة السابقة، لحصل من الفساد والشر، والتحيل لحرمان الأقارب من الميراث، شيء كثير‏.‏
{‏مِنَ الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُهَاجِرِينَ‏}‏ أي‏:‏ سواء كان الأقارب مؤمنين مهاجرين وغير مهاجرين، فإن ذوي الأرحام مقدمون في ذلك، وهذه الآية حجة على ولاية ذوي الأرحام، في جميع الولايات، كولاية النكاح، والمال، وغير ذلك‏.‏
{‏إِلَّا أَنْ تَفْعَلُوا إِلَى أَوْلِيَائِكُمْ مَعْرُوفًا‏}‏ أي‏:‏ ليس لهم حق مفروض، وإنما هو بإرادتكم، إن شئتم أن تتبرعوا لهم تبرعًا، وتعطوهم معروفًا منكم، ‏{‏كَانَ‏}‏ ذلك الحكم المذكور ‏{‏فِي الْكِتَابِ مَسْطُورًا‏}‏ أي‏:‏ قد سطر، وكتب، وقدره اللّه، فلا بد من نفوذه‏.‏
‏‏ ‏{‏وَإِذْ أَخَذْنَا مِنَ النَّبِيِّينَ مِيثَاقَهُمْ وَمِنْكَ وَمِنْ نُوحٍ وَإِبْرَاهِيمَ وَمُوسَى وَعِيسَى ابْنِ مَرْيَمَ وَأَخَذْنَا مِنْهُمْ مِيثَاقًا غَلِيظًا * لِيَسْأَلَ الصَّادِقِينَ عَنْ صِدْقِهِمْ وَأَعَدَّ لِلْكَافِرِينَ عَذَابًا أَلِيمًا‏}
يخبر تعالى أنه أخذ من النبيين عمومًا، ومن أولي العزم ـ وهم، هؤلاء الخمسة المذكورون ـ خصوصًا، ميثاقهم الغليظ وعهدهم الثقيل المؤكد، على القيام بدين اللّه والجهاد في سبيله، وأن هذا سبيل، قد مشى الأنبياء المتقدمون، حتى ختموا بسيدهم وأفضلهم، محمد ـ صلى الله عليه وسلم ـ وأمر الناس بالاقتداء بهم‏.‏
وسيسأل اللّه الأنبياء وأتباعهم، عن هذا العهد الغليظ هل وفوا فيه، وصدقوا‏؟‏ فيثيبهم جنات النعيم‏؟‏ أم كفروا، فيعذبهم العذاب الأليم‏؟‏ قال تعالى‏:‏ ‏{‏مِنَ الْمُؤْمِنِينَ رِجَالٌ صَدَقُوا مَا عَاهَدُوا اللَّهَ عَلَيْهِ‏}
‏‏ ‏{‏يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اذْكُرُوا نِعْمَةَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ إِذْ جَاءَتْكُمْ جُنُودٌ فَأَرْسَلْنَا عَلَيْهِمْ رِيحًا وَجُنُودًا لَمْ تَرَوْهَا وَكَانَ اللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرًا * إِذْ جَاءُوكُمْ مِنْ فَوْقِكُمْ وَمِنْ أَسْفَلَ مِنْكُمْ وَإِذْ زَاغَتِ الْأَبْصَارُ وَبَلَغَتِ الْقُلُوبُ الْحَنَاجِرَ وَتَظُنُّونَ بِاللَّهِ الظُّنُونَ * هُنَالِكَ ابْتُلِيَ الْمُؤْمِنُونَ وَزُلْزِلُوا زِلْزَالًا شَدِيدًا‏}
يذكر تعالى عباده المؤمنين، نعمته عليهم، ويحثهم على شكرها، حين جاءتهم جنود أهل مكة والحجاز، من فوقهم، وأهل نجد، من أسفل منهم، وتعاقدوا وتعاهدوا على استئصال الرسول والصحابة، وذلك في وقعة الخندق‏.‏
ومالأتهم ‏
وخندق رسول اللّه ـ صلى الله عليه وسلم ـ على المدينة، فحصروا المدينة، واشتد الأمر، وبلغت القلوب الحناجر، حتى بلغ الظن من كثير من الناس كل مبلغ، لما رأوا من الأسباب المستحكمة، والشدائد الشديدة، فلم يزل الحصار على المدينة، مدة طويلة، والأمر كما وصف اللّه‏:‏ ‏{‏وَإِذْ زَاغَتِ الْأَبْصَارُ وَبَلَغَتِ الْقُلُوبُ الْحَنَاجِرَ وَتَظُنُّونَ بِاللَّهِ الظُّنُونَ‏}‏ أي‏:‏ الظنون السيئة، أن اللّه لا ينصر دينه، ولا يتم كلمته‏.‏
{‏هُنَالِكَ ابْتُلِيَ الْمُؤْمِنُونَ‏}‏ بهذه الفتنة العظيمة ‏{‏وَزُلْزِلُوا زِلْزَالًا شَدِيدًا‏}‏ بالخوف والقلق، والجوع، ليتبين إيمانهم، ويزيد إيقانهم، فظهر ـ وللّه الحمد ـ من إيمانهم، وشدة يقينهم، ما فاقوا فيه الأولين والآخرين‏.‏
وعندما اشتد الكرب، وتفاقمت الشدائد، صار إيمانهم عين اليقين، ‏{‏وَلَمَّا رَأَى الْمُؤْمِنُونَ الْأَحْزَابَ قَالُوا هَذَا مَا وَعَدَنَا اللَّهُ وَرَسُولُهُ وَصَدَقَ اللَّهُ وَرَسُولُهُ وَمَا زَادَهُمْ إِلَّا إِيمَانًا وَتَسْلِيمًا‏}
وهنالك تبين نفاق المنافقين، وظهر ما كانوا يضمرون قال تعالى‏:‏
‏‏ ‏{‏وَإِذْ يَقُولُ الْمُنَافِقُونَ وَالَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ مَا وَعَدَنَا اللَّهُ وَرَسُولُهُ إِلَّا غُرُورًا‏}
وهذه عادة المنافق عند الشدة والمحنة، لا يثبت إيمانه، وينظر بعقله القاصر، إلى الحالة القاصرة ويصدق ظنه‏.‏
{‏وَإِذْ قَالَتْ طَائِفَةٌ مِنْهُمْ‏}‏ من المنافقين، بعد ما جزعوا وقلَّ صبرهم، وصاروا أيضًا من المخذولين، فلا صبروا بأنفسهم، ولا تركوا الناس من شرهم، فقالت هذه الطائفة‏:‏ ‏{‏يَا أَهْلَ يَثْرِبَ‏}‏ يريدون ‏{‏يا أهل المدينة‏}‏ فنادوهم باسم الوطن المنبئ ‏
{‏يَا أَهْلَ يَثْرِبَ لَا مُقَامَ لَكُمْ‏}‏ أي‏:‏ في موضعكم الذي خرجتم إليه خارج المدينة، وكانوا عسكروا دون الخندق، وخارج المدينة، ‏{‏فَارْجِعُوا‏}‏ إلى المدينة، فهذه الطائفة تخذل عن الجهاد، وتبين أنهم لا قوة لهم بقتال عدوهم، ويأمرونهم بترك القتال، فهذه الطائفة، شر الطوائف وأضرها، وطائفة أخرى دونهم، أصابهم الجبن والجزع، وأحبوا أن ينخزلوا عن الصفوف، فجعلوا يعتذرون بالأعذار الباطلة، وهم الذين قال اللّه فيهم‏:‏ ‏{‏وَيَسْتَأْذِنُ فَرِيقٌ مِنْهُمُ النَّبِيَّ يَقُولُونَ إِنَّ بُيُوتَنَا عَوْرَةٌ‏}‏ أي‏:‏ عليها الخطر، ونخاف عليها أن يهجم عليها الأعداء، ونحن غُيَّبٌ عنها، فَأْذَنْ لنا نرجع إليها، فنحرسها، وهم كذبة في ذلك‏.‏
{‏وَمَا هِيَ بِعَوْرَةٍ إِنْ يُرِيدُونَ‏}‏ أي‏:‏ ما قصدهم ‏{‏إِلَّا فِرَارًا‏}‏ ولكن جعلوا هذا الكلام، وسيلة وعذرًا‏.‏ ‏
{‏وَلَوْ دُخِلَتْ عَلَيْهِمْ‏}‏ المدينة ‏{‏مِنْ أَقْطَارِهَا‏}‏ أي‏:‏ لو دخل الكفار إليها من نواحيها، واستولوا عليها ـلا كان ذلكـ ‏{‏ثُمَّ‏}‏ سئل هؤلاء ‏{‏الْفِتْنَة‏}‏ أي‏:‏ الانقلاب عن دينهم، والرجوع إلى دين المستولين المتغلبين ‏{‏لَآتَوْهَا‏}‏ أي‏:‏ لأعطوها مبادرين‏.‏
{‏وَمَا تَلَبَّثُوا بِهَا إِلَّا يَسِيرًا‏}‏ أي‏:‏ ليس لهم منعة ولا تَصلُّبٌ على الدين، بل بمجرد ما تكون الدولة للأعداء، يعطونهم ما طلبوا، ويوافقونهم على كفرهم، هذه حالهم‏.‏
والحال أنهم قد ‏{‏عَاهَدُوا اللَّهَ مِنْ قَبْلُ لَا يُوَلُّونَ الْأَدْبَارَ وَكَانَ عَهْدُ اللَّهِ مَسْئُولًا‏}‏ سيسألهم عن ذلك العهد، فيجدهم قد نقضوه، فما ظنهم إذًا، بربهم‏؟‏
‏‏ ‏{‏قُلْ‏}‏
‏{‏قُلْ‏}‏ لهم، لائمًا على فرارهم، ومخبرًا أنهم لا يفيدهم ذلك شيئًا ‏{‏لَنْ يَنْفَعَكُمُ الْفِرَارُ إِنْ فَرَرْتُمْ مِنَ الْمَوْتِ أَوِ الْقَتْلِ‏}‏ فلو كنتم في بيوتكم، لبرز الذين كتب عليهم القتل إلى مضاجعكم‏.‏
والأسباب تنفع، إذا لم يعارضها القضاء والقدر، فإذا جاء القضاء والقدر، تلاشى كل سبب، وبطلت كل وسيلة، ظنها الإنسان تنجيه‏.‏
‏{‏وَإِذَا‏}‏ حين فررتم لتسلموا من الموت والقتل، ولتنعموا في الدنيا فإنكم ‏{‏لَا تُمَتَّعُونَ إِلَّا قَلِيلًا‏}‏ متاعًا، لا يسوى فراركم، وترككم أمر اللّه، وتفويتكم على أنفسكم، التمتع الأبدي، في النعيم السرمدي‏.‏
ثم بين أن الأسباب كلها لا تغني عن العبد شيئًا إذا أراده اللّه بسوء، فقال‏:‏ ‏{‏قُلْ مَنْ ذَا الَّذِي يَعْصِمُكُمْ‏}‏ أي‏:‏ يمنعكم ‏{‏من اللَّهِ إِنْ أَرَادَ بِكُمْ سُوءًا‏}‏ أي‏:‏ شرًا، ‏{‏أَوْ أَرَادَ بِكُمْ رَحْمَةً‏}‏ فإنه هو المعطي المانع، الضار النافع، الذي لا يأتي بالخير إلا هو، ولا يدفع السوء إلا هو‏.‏
{‏وَلَا يَجِدُونَ لَهُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ وَلِيًّا‏}‏ يتولاهم، فيجلب لهم النفع ‏{‏وَلَا نَصِيرًا‏}‏ أي ينصرهم، فيدفع عنهم المضار‏.‏
فَلْيَمْتَثِلُوا طاعة المنفرد بالأمور كلها، الذي نفذت مشيئته، ومضى قدره، ولم ينفع مع ترك ولايته ونصرته، وَلِيٌّ ولا ناصر‏.‏
ثم توَّعد تعالى المخذلين المعوقين، وتهددهم فقال‏:‏ ‏{‏قَدْ يَعْلَمُ اللَّهُ الْمُعَوِّقِينَ مِنْكُمْ‏}‏ عن الخروج، لمن ‏{‏يَا أَهْلَ يَثْرِبَ لَا مُقَامَ لَكُمْ فَارْجِعُوا‏}
وهم مع تعويقهم وتخذيلهم ‏{‏وَلَا يَأْتُونَ الْبَأْسَ‏}‏ أي‏:‏ القتال والجهاد بأنفسهم ‏{‏إِلَّا قَلِيلًا‏}‏ فهم أشد الناس حرصًا على التخلف، لعدم الداعي لذلك، من الإيمان والصبر، ووجود المقتضى للجبن، من النفاق، وعدم الإيمان‏.‏
‏{‏أَشِحَّةً عَلَيْكُمْ‏}‏ بأبدانهم عند القتال، وبأموالهم عند النفقة فيه، فلا يجاهدون بأموالهم وأنفسهم‏.‏ ‏{‏فَإِذَا جَاءَ الْخَوْفُ رَأَيْتَهُمْ يَنْظُرُونَ إِلَيْكَ‏}‏ نظر المغشى عليه ‏{‏مِنَ الْمَوْتِ‏}‏ من شدة الجبن، الذي خلع قلوبهم، والقلق الذي أذهلهم، وخوفًا من إجبارهم على ما يكرهون، من القتال‏.‏
{‏فَإِذَا ذَهَبَ الْخَوْفُ‏}‏ وصاروا في حال الأمن والطمأنينة، ‏{‏سَلَقُوكُمْ بِأَلْسِنَة‏}‏ أي‏:‏ خاطبوكم، وتكلموا معكم، بكلام حديد، ودعاوى غير صحيحة‏.‏
وحين تسمعهم، تظنهم أهل الشجاعة والإقدام، ‏{‏أَشِحَّةً عَلَى الْخَيْرِ‏}‏ الذي يراد منهم، وهذا شر ما في الإنسان، أن يكون شحيحًا بما أمر به، شحيحًا بماله أن ينفقه في وجهه، شحيحًا في بدنه أن يجاهد أعداء اللّه، أو يدعو إلى سبيل اللّه، شحيحًا بجاهه، شحيحًا بعلمه، ونصيحته ورأيه‏.‏
‏{‏أُولَئِكَ‏}‏ الذين بتلك الحالة ‏{‏لَمْ يُؤْمِنُوا‏}‏ بسبب عدم إيمانهم، أحبط الله أعمالهم، ‏{‏وَكَانَ ذَلِكَ عَلَى اللَّهِ يَسِيرًا‏}
وأما المؤمنون، فقد وقاهم اللّه، شح أنفسهم، ووفقهم لبذل ما أمروا به، من بذل لأبدانهم في القتال في سبيله، وإعلاء كلمته، وأموالهم، للنفقة في طرق الخير، وجاههم وعلمهم‏.‏
{‏يَحْسَبُونَ الْأَحْزَابَ لَمْ يَذْهَبُوا‏}‏ أي‏:‏ يظنون أن هؤلاء الأحزاب، الذين تحزبوا على حرب رسول اللّه ـ صلى الله عليه وسلم ـ وأصحابه، لم يذهبوا حتى يستأصلوهم، فخاب ظنهم، وبطل حسبانهم‏.‏
{‏وَإِنْ يَأْتِ الْأَحْزَابُ‏}‏ مرة أخرى ‏{‏يَوَدُّوا لَوْ أَنَّهُمْ بَادُونَ فِي الْأَعْرَابِ يَسْأَلُونَ عَنْ أَنْبَائِكُمْ‏}‏ أي‏:‏ لو أتى الأحزاب مرة ثانية مثل هذه المرة، ودَّ هؤلاء المنافقون، أنهم ليسوا في المدينة، ولا في القرب منها، وأنهم مع الأعراب في البادية، يستخبرون عن أخباركم، ويسألون عن أنبائكم، ماذا حصل عليكم‏؟‏
فتبًا لهم، وبعدًا، فليسوا ممن يبالى بحضورهم ‏{‏وَلَوْ كَانُوا فِيكُمْ مَا قَاتَلُوا إِلَّا قَلِيلًا‏}‏ فلا تبالوهم، ولا تأسوا عليهم‏.‏
{‏لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ‏}‏ حيث حضر الهيجاء بنفسه الكريمة، وباشر موقف الحرب، وهو الشريف الكامل، والبطل الباسل، فكيف تشحون بأنفسكم، عن أمر جاد رسول اللّه ـ صلى الله عليه وسلم ـ بنفسه فيه‏؟‏‏"‏
فَتأَسَّوْا به في هذا الأمر وغيره‏.‏
واستدل الأصوليون في هذه الآية، على الاحتجاج بأفعال الرسول ـ صلى الله عليه وسلم ـ وأن الأصل، أن أمته أسوته في الأحكام، إلا ما دل الدليل الشرعي على الاختصاص به‏.‏
فالأسوة نوعان‏:‏ أسوة حسنة، وأسوة سيئة‏.‏
فالأسوة الحسنة، في الرسول ـ صلى الله عليه وسلم ـ فإن المتأسِّي به، سالك الطريق الموصل إلى كرامة اللّه، وهو الصراط المستقيم‏.‏
وأما الأسوة بغيره، إذا خالفه، فهو الأسوة السيئة، كقول الكفار حين دعتهم الرسل للتأسِّي بهم ‏{‏إِنَّا وَجَدْنَا آبَاءَنَا عَلَى أُمَّةٍ وَإِنَّا عَلَى آثَارِهِمْ مُهْتَدُونَ‏}
وهذه الأسوة الحسنة، إنما يسلكها ويوفق لها، من كان يرجو اللّه، واليوم الآخر، فإن ما معه من الإيمان، وخوف اللّه، ورجاء ثوابه، وخوف عقابه، يحثه على التأسي بالرسول ـ صلى الله عليه وسلم ـ‏.‏
لما ذكر حالة المنافقين عند الخوف، ذكر حال المؤمنين فقال‏:‏ ‏{‏وَلَمَّا رَأَى الْمُؤْمِنُونَ الْأَحْزَابَ‏}‏ الذين تحزبوا، ونزلوا منازلهم، وانتهى الخوف، ‏{‏قَالُوا هَذَا مَا وَعَدَنَا اللَّهُ وَرَسُولُهُ‏}‏ في قوله‏:‏ ‏{‏أَمْ حَسِبْتُمْ أَنْ تَدْخُلُوا الْجَنَّةَ وَلَمَّا يَأْتِكُمْ مَثَلُ الَّذِينَ خَلَوْا مِنْ قَبْلِكُمْ مَسَّتْهُمُ الْبَأْسَاءُ وَالضَّرَّاءُ وَزُلْزِلُوا حَتَّى يَقُولَ الرَّسُولُ وَالَّذِينَ آمَنُوا مَعَهُ مَتَى نَصْرُ اللَّهِ أَلَا إِنَّ نَصْرَ اللَّهِ قَرِيبٌ‏}
{‏وَصَدَقَ اللَّهُ وَرَسُولُهُ‏}‏ فإنا رأينا، ما أخبرنا به ‏{‏وَمَا زَادَهُمْ‏}‏ ذلك الأمر ‏{‏إِلَّا إِيمَانًا‏}‏ في قلوبهم ‏{‏وَتَسْلِيمًا‏}‏ في جوارحهم، وانقيادًا لأمر اللّه‏.‏
ولما ذكر أن المنافقين، عاهدوا اللّه، لا يولون الأدبار، ونقضوا ذلك العهد، ذكر وفاء المؤمنين به، فقال‏:‏ ‏{‏مِنَ الْمُؤْمِنِينَ رِجَالٌ صَدَقُوا مَا عَاهَدُوا اللَّهَ‏}‏ أي‏:‏ وفوا به، وأتموه، وأكملوه، فبذلوا مهجهم في مرضاته، وسبَّلوا أنفسهم في طاعته‏.‏
{‏فَمِنْهُمْ مَنْ قَضَى نَحْبَهُ‏}‏ أي‏:‏ إرادته ومطلوبه، وما عليه من الحق، فقتل في سبيل اللّه، أو مات مؤديًا لحقه، لم ينقصه شيئًُا‏.‏
{‏وَمِنْهُمْ مَنْ يَنْتَظِرُ‏}‏ تكميل ما عليه، فهو شارع في قضاء ما عليه، ووفاء نحبه ولما يكمله، وهو في رجاء تكميله، ساع في ذلك، مجد‏.‏
{‏وَمَا بَدَّلُوا تَبْدِيلًا‏}‏ كما بدل غيرهم، بل لم يزالوا على العهد، لا يلوون، ولا يتغيرون، فهؤلاء، الرجال على الحقيقة، ومن عداهم، فصورهم صور رجال، وأما الصفات، فقد قصرت عن صفات الرجال‏.‏
{‏لِيَجْزِيَ اللَّهُ الصَّادِقِينَ بِصِدْقِهِمْ‏}‏ أي‏:‏ بسبب صدقهم، في أقوالهم، وأحوالهم، ومعاملتهم مع اللّه، واستواء ظاهرهم وباطنهم، قال اللّه تعالى‏:‏ ‏{‏هَذَا يَوْمُ يَنْفَعُ الصَّادِقِينَ صِدْقُهُمْ لَهُمْ جَنَّاتٌ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا أَبَدًا‏}‏ الآية‏.‏
أي‏:‏ قدرنا ما قدرنا، من هذه الفتن والمحن، والزلازل، ليتبين الصادق من الكاذب، فيجزي الصادقين بصدقهم ‏{‏وَيُعَذِّبَ الْمُنَافِقِينَ‏}‏ الذين تغيرت قلوبهم وأعمالهم، عند حلول الفتن، ولم يفوا بما عاهدوا اللّه عليه‏.‏
‏{‏إِنْ شَاءَ‏}‏ تعذيبهم، بأن لم يشأ هدايتهم، بل علم أنهم لا خير فيهم، فلم يوفقهم‏.‏
{‏أَوْ يَتُوبَ عَلَيْهِمْ‏}‏ بأن يوفقهم للتوبة والإنابة، وهذا هو الغالب، على كرم الكريم، ولهذا ختم الآية باسمين دالين على المغفرة، والفضل، والإحسان فقال‏:‏ ‏{‏إِنَّ اللَّهَ كَانَ غَفُورًا رحيمًا‏}‏ غفورًا لذنوب المسرفين على أنفسهم، ولو أكثروا من العصيان، إذا أتوا بالمتاب‏.‏ ‏{‏رَحِيمًا‏}‏ بهم، حيث وفقهم للتوبة، ثم قبلها منهم، وستر عليهم ما اجترحوه‏.‏
{‏وَرَدَّ اللَّهُ الَّذِينَ كَفَرُوا بِغَيْظِهِمْ لَمْ يَنَالُوا خَيْرًا‏}‏ أي‏:‏ ردهم خائبين، لم يحصل لهم الأمر الذي كانوا حنقين عليه، مغتاظين قادرين‏}‏عليه‏
فأرسل اللّه عليهم، ريحًا عظيمة، وهي ريح الصبا، فزعزعت مراكزهم، وقوَّضت خيامهم، وكفأت قدورهم وأزعجتهم، وضربهم اللّه بالرعب، فانصرفوا بغيظهم، وهذا من نصر اللّه لعباده المؤمنين‏.‏
{‏وَكَفَى اللَّهُ الْمُؤْمِنِينَ الْقِتَالَ‏}‏ بما صنع لهم من الأسباب العادية والقدرية، ‏{‏وَكَانَ اللَّهُ قَوِيًّا عَزِيزًا‏}‏ لا يغالبه أحد إلا غُلِبَ، ولا يستنصره أحد إلا غَلَبَ، ولا يعجزه أمر أراده، ولا ينفع أهل القوة والعزة، قوتهم وعزتهم، إن لم يعنهم بقوته وعزته‏.‏
{‏وَأَنْزَلَ الَّذِينَ ظَاهَرُوهُمْ‏}‏ أي عاونوهم ‏{‏مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ‏}‏ أي‏:‏ اليهود ‏{‏مِنْ صَيَاصِيهِمْ‏}‏ أي‏:‏ أنزلهم من حصونهم، نزولاً مظفورًا بهم، مجعولين تحت حكم الإسلام‏.‏
{‏وَقَذَفَ فِي قُلُوبِهِمُ الرُّعْبَ‏}‏ فلم يقووا على القتال، بل استسلموا وخضعوا وذلوا‏.‏ ‏{‏فَرِيقًا تَقْتُلُونَ‏}‏ وهم الرجال المقاتلون ‏{‏وَتَأْسِرُونَ فَرِيقًا‏}‏ مَنْ عداهم من النساء والصبيان‏.‏
‏{‏وَأَوْرَثَكُمْ‏}‏ أي‏:‏ غنَّمكم ‏{‏أَرْضَهُمْ وَدِيَارَهُمْ وَأَمْوَالَهُمْ وَأَرْضًا لَمْ تَطَئُوهَا‏}‏ أي‏:‏ أرضا كانت من قبل، من شرفها وعزتها عند أهلها، لا تتمكنون من وطئها، فمكنكم اللّه وخذلهم، وغنمتم أموالهم، وقتلتموهم، وأسرتموهم‏.‏
{‏وَكَانَ اللَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرًا‏}‏ لا يعجزه شيء، ومن قدرته، قدَّر لكم ما قدر‏.‏
وكانت هذه الطائفة من أهل الكتاب، هم بنو قريظة من اليهود، في قرية خارج المدينة، غير بعيدة، وكان النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ ‏
فلما رأوا يوم الخندق، الأحزاب الذين تحزبوا على رسول اللّه وكثرتهم، وقلة المسلمين، وظنوا أنهم سيستأصلون الرسول والمؤمنين، وساعد على ذلك، ‏
فلما خذل اللّه المشركين، تفرغ رسول اللّه ـ صلى الله عليه وسلم ـ لقتالهم، فحاصرهم في حصنهم، فنزلوا على حكم سعد بن معاذ رضي اللّه عنه، فحكم فيهم، أن تقتل مقاتلتهم، وتسبى ذراريهم، وتغنم أموالهم‏.‏
فأتم اللّه لرسوله والمؤمنين، المنة، وأسبغ عليهم النعمة، وأَقَرَّ أعينهم، بخذلان من انخذل من أعدائهم، وقتل من قتلوا، وأسر من أسروا، ولم يزل لطف اللّه بعباده المؤمنين مستمرًا‏.‏
‏‏ ‏{‏يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ قُلْ لِأَزْوَاجِكَ إِنْ كُنْتُنَّ تُرِدْنَ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا وَزِينَتَهَا فَتَعَالَيْنَ أُمَتِّعْكُنَّ وَأُسَرِّحْكُنَّ سَرَاحًا جَمِيلًا * وَإِنْ كُنْتُنَّ تُرِدْنَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَالدَّارَ الْآخِرَةَ فَإِنَّ اللَّهَ أَعَدَّ لِلْمُحْسِنَاتِ مِنْكُنَّ أَجْرًا عَظِيمًا‏}
لما اجتمع نساء رسول اللّه ـ صلى الله عليه وسلم ـ في الغيرة، وطلبن منه النفقة والكسوة، طلبن منه أمرًا لا يقدر عليه في كل وقت، ولم يزلن في طلبهن متفقات، في مرادهن متعنتات، شَقَّ ذلك على الرسول، حتى وصلت به الحال إلى أنه آلى منهن شهرًا‏.‏
فأراد اللّه أن يسهل الأمر على رسوله، وأن يرفع درجة زوجاته، ويُذْهِبَ عنهن كل أمر ينقص أجرهن، فأمر رسوله أن يخيرهن فقال‏:‏ ‏{‏يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ قُلْ لِأَزْوَاجِكَ إِنْ كُنْتُنَّ تُرِدْنَ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا‏}‏ أي‏:‏ ليس لكن في غيرها مطلب، وصرتن ترضين لوجودها، وتغضبن لفقدها، فليس لي فيكن أرب وحاجة، وأنتن بهذه الحال‏.‏
‏{‏فَتَعَالَيْنَ أُمَتِّعْكُنَّ‏}‏ شيئا مما عندي، من الدنيا ‏{‏وَأُسَرِّحْكُنَّ‏}‏ أي‏:‏ أفارقكن ‏{‏سَرَاحًا جَمِيلًا‏}‏ من دون مغاضبة ولا مشاتمة، بل بسعة صدر، وانشراح بال، قبل أن تبلغ الحال إلى ما لا ينبغي‏.‏
{‏وَإِنْ كُنْتُنَّ تُرِدْنَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَالدَّارَ الْآخِرَةَ‏}‏ أي‏:‏ هذه الأشياء مرادكن، وغاية مقصودكن، وإذا حصل لَكُنَّ اللّه ورسوله والجنة، لم تبالين بسعة الدنيا وضيقها، ويسرها وعسرها، وقنعتن من رسول اللّه بما تيسر، ولم تطلبن منه ما يشق عليه، ‏{‏فَإِنَّ اللَّهَ أَعَدَّ لِلْمُحْسِنَاتِ مِنْكُنَّ أَجْرًا عَظِيمًا‏}‏ رتب الأجر على وصفهن بالإحسان، لأنه السبب الموجب لذلك، لا لكونهن زوجات للرسول فإن مجرد ذلك، لا يكفي، بل لا يفيد شيئًا، مع عدم الإحسان، فخيَّرهن رسول اللّه ـ صلى الله عليه وسلم ـ في ذلك، فاخترن اللّه ورسوله، والدار الآخرة، كلهن، ولم يتخلف منهن واحدة، رضي اللّه عنهن‏.‏
وفي هذا التخيير فوائد عديدة‏:‏
منها‏:‏ الاعتناء برسوله، وغيرته عليه، أن يكون بحالة يشق عليه كثرة مطالب زوجاته الدنيوية‏.‏
ومنها‏:‏ سلامته ـ صلى الله عليه وسلم ـ بهذا التخيير من تبعة حقوق الزوجات، وأنه يبقى في حرية نفسه، إن شاء أعطى، وإن شاء منع ‏{‏مَا كَانَ عَلَى النَّبِيِّ مِنْ حَرَجٍ فِيمَا فَرَضَ اللَّهُ لَهُ‏}
ومنها‏:‏ تنزيهه عما لو كان فيهن، من تؤثر الدنيا على اللّه ورسوله، والدار الآخرة، وعن مقارنتها‏.‏
ومنها‏:‏ سلامة زوجاته، رضي اللّه عنهن، عن الإثم، والتعرض لسخط اللّه ورسوله‏.‏
فحسم اللّه بهذا التخيير عنهن، التسخط على الرسول، الموجب لسخطه، المسخط لربه، الموجب لعقابه‏.‏
ومنها‏:‏ إظهار رفعتهن، وعلو درجتهن، وبيان علو هممهن، أن كان اللّه ورسوله والدار الآخرة، مرادهن ومقصودهن، دون الدنيا وحطامها‏.‏
ومنها‏:‏ استعدادهن بهذا الاختيار، للأمر الخيار للوصول إلى خيار درجات الجنة، وأن يَكُنَّ زوجاته في الدنيا والآخرة‏.‏
ومنها‏:‏ ظهور المناسبة بينه وبينهن، فإنه أكمل الخلق، وأراد اللّه أن تكون نساؤه كاملات مكملات، طيبات مطيبات ‏{‏وَالطَّيِّبَاتُ لِلطَّيِّبِينَ وَالطَّيِّبُونَ لِلطَّيِّبَاتِ‏}


ومنها‏:‏ أن هذا التخيير داع، وموجب للقناعة، التي يطمئن لها القلب، وينشرح لها الصدر، ويزول عنهن جشع الحرص، وعدم الرضا الموجب لقلق القلب واضطرابه، وهمه وغمه‏.‏ ومنها‏:‏ أن يكون اختيارهن هذا، سببًا لزيادة أجرهن ومضاعفته، وأن يَكُنَّ بمرتبة، ليس فيها أحد من النساء ولهذا قال‏{‏يَا نِسَاءَ النَّبِيِّ مَنْ يَأْتِ مِنْكُنَّ بِفَاحِشَةٍ مُبَيِّنَةٍ يُضَاعَفْ لَهَا الْعَذَابُ ضِعْفَيْنِ وَكَانَ ذَلِكَ عَلَى اللَّهِ يَسِيرًا *وَمَنْ يَقْنُتْ مِنْكُنَّ لِلَّهِ وَرَسُولِهِ وَتَعْمَلْ صَالِحًا نُؤْتِهَا أَجْرَهَا مَرَّتَيْنِ وَأَعْتَدْنَا لَهَا رِزْقًا كَرِيمًا‏}

لما اخترن اللّه ورسوله والدار الآخرة، ذكر مضاعفة أجرهن، ومضاعفة وزرهن وإثمهن، لو جرى منهن، ليزداد حذرهن، وشكرهن اللّه تعالى، فجعل من أتى منهن بفاحشة ظاهرة، لها العذاب ضعفين‏.‏
{‏وَمَنْ يَقْنُتْ مِنْكُنَّ‏}‏ أي‏:‏ تطيع ‏{‏لِلَّهِ وَرَسُولِهِ وَتَعْمَلْ صَالِحًا‏}‏ قليلا أو كثيرًا، ‏{‏نُؤْتِهَا أَجْرَهَا مَرَّتَيْنِ‏}‏ أي‏:‏ مثل ما نعطي غيرها مرتين، ‏{‏وَأَعْتَدْنَا لَهَا رِزْقًا كَرِيمًا‏}‏ وهي الجنة، فقنتن للّه ورسوله، وعملن صالحًا، فعلم بذلك أجرهن‏.‏
‏‏ ‏{‏يَا نِسَاءَ النَّبِيِّ لَسْتُنَّ كَأَحَدٍ مِنَ النِّسَاءِ إِنِ اتَّقَيْتُنَّ فَلَا تَخْضَعْنَ بِالْقَوْلِ فَيَطْمَعَ الَّذِي فِي قَلْبِهِ مَرَضٌ وَقُلْنَ قَوْلًا مَعْرُوفًا * وَقَرْنَ فِي بُيُوتِكُنَّ وَلَا تَبَرَّجْنَ تَبَرُّجَ الْجَاهِلِيَّةِ الْأُولَى وَأَقِمْنَ الصَّلَاةَ وآتِينَ الزَّكَاةَ وَأَطِعْنَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ إِنَّمَا يُرِيدُ اللَّهُ لِيُذْهِبَ عَنْكُمُ الرِّجْسَ أَهْلَ الْبَيْتِ وَيُطَهِّرَكُمْ تَطْهِيرًا * وَاذْكُرْنَ مَا يُتْلَى فِي بُيُوتِكُنَّ مِنْ آيَاتِ اللَّهِ وَالْحِكْمَةِ إِنَّ اللَّهَ كَانَ لَطِيفًا خَبِيرًا‏}
يقول تعالى‏:‏ ‏{‏يَا نِسَاءَ النَّبِيِّ‏}‏ خطاب لهن كلهن ‏{‏لَسْتُنَّ كَأَحَدٍ مِنَ النِّسَاءِ إِنِ اتَّقَيْتُنَّ‏}‏ اللّه، فإنكن بذلك، تفقن النساء، ولا يلحقكن أحد من النساء، فكملن التقوى بجميع وسائلها ومقاصدها‏.‏
فلهذا أرشدهن إلى قطع وسائل المحرم، فقال‏:‏ ‏{‏فَلَا تَخْضَعْنَ بِالْقَوْلِ‏}‏ أي‏:‏ في مخاطبة الرجال، أو بحيث يسمعون فَتَلِنَّ في ذلك، وتتكلمن بكلام رقيق يدعو ويطمع ‏{‏الَّذِي فِي قَلْبِهِ مَرَضٌ‏}‏ أي‏:‏ مرض شهوة الزنا، فإنه مستعد، ينظر أدنى محرك يحركه، لأن قلبه غير صحيح ‏
بخلاف مريض القلب، الذي لا يتحمل ما يتحمل الصحيح، ولا يصبر على ما يصبر عليه، فأدنى سبب يوجد، يدعوه إلى الحرام، يجيب دعوته، ولا يتعاصى عليه، فهذا دليل على أن الوسائل، لها أحكام المقاصد‏.‏ فإن الخضوع بالقول، واللين فيه، في الأصل مباح، ولكن لما كان وسيلة إلى المحرم، منع منه، ولهذا ينبغي للمرأة في مخاطبة الرجال، أن لا تلِينَ لهم القول‏.‏
ولما نهاهن عن الخضوع في القول، فربما توهم أنهن مأمورات بإغلاظ القول، دفع هذا بقوله‏:‏ ‏{‏وَقُلْنَ قَوْلًا مَعْرُوفًا‏}‏ أي‏:‏ غير غليظ، ولا جاف كما أنه ليس بِلَيِّنٍ خاضع‏.‏
وتأمل كيف قال‏:‏ ‏{‏فَلَا تَخْضَعْنَ بِالْقَوْلِ‏}‏ ولم يقل‏:‏ ‏{‏فلا تَلِنَّ بالقول‏}‏ وذلك لأن المنهي عنه، القول اللين، الذي فيه خضوع المرأة للرجل، وانكسارها عنده، والخاضع، هو الذي يطمع فيه، بخلاف من تكلم كلامًا لينًا، ليس فيه خضوع، بل ربما صار فيه ترفع وقهر للخصم، فإن هذا، لا يطمع فيه خصمه، ولهذا مدح اللّه رسوله باللين، فقال‏:‏ ‏{‏فَبِمَا رَحْمَةٍ مِنَ اللَّهِ لِنْتَ لَهُمْ‏}‏ وقال لموسى وهارون‏:‏ ‏{‏اذْهَبَا إِلَى فِرْعَوْنَ إِنَّهُ طَغَى فَقُولَا لَهُ قَوْلًا لَيِّنًا لَعَلَّهُ يَتَذَكَّرُ أَوْ يَخْشَى‏}
ودل قوله‏:‏ ‏{‏فَيَطْمَعَ الَّذِي فِي قَلْبِهِ مَرَضٌ‏}‏ مع أمره بحفظ الفرج وثنائه على الحافظين لفروجهم، والحافظات، ونهيه عن قربان الزنا، أنه ينبغي للعبد، إذا رأى من نفسه هذه الحالة، وأنه يهش لفعل المحرم عندما يرى أو يسمع كلام من يهواه، ويجد دواعي طمعه قد انصرفت إلى الحرام، فَلْيَعْرِفْ أن ذلك مرض‏.‏
فَلْيَجْتَهِدْ في إضعاف هذا المرض وحسم الخواطر الردية، ومجاهدة نفسه على سلامتها من هذا المرض الخطر، وسؤال اللّه العصمة والتوفيق، وأن ذلك من حفظ الفرج المأمور به‏.‏
{‏وَقَرْنَ فِي بُيُوتِكُنَّ‏}‏ أي‏:‏ اقررن فيها، لأنه أسلم وأحفظ لَكُنَّ، ‏{‏وَلَا تَبَرَّجْنَ تَبَرُّجَ الْجَاهِلِيَّةِ الْأُولَى‏}‏ أي‏:‏ لا تكثرن الخروج متجملات أو متطيبات، كعادة أهل الجاهلية الأولى، الذين لا علم عندهم ولا دين، فكل هذا دفع للشر وأسبابه‏.‏
ولما أمرهن بالتقوى عمومًا، وبجزئيات من التقوى، نص عليها ‏
ثم أمرهن بالطاعة عمومًا، فقال‏:‏ ‏{‏وَأَطِعْنَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ‏}‏ يدخل في طاعة اللّه ورسوله، كل أمر، أُمِرَا به أمر إيجاب أو استحباب‏.‏
{‏إِنَّمَا يُرِيدُ اللَّهُ‏}‏ بأمركن بما أَمَرَكُنَّ به، ونهيكن بما نهاكُنَّ عنه، ‏{‏لِيُذْهِبَ عَنْكُمُ الرِّجْسَ‏}‏ أي‏:‏ الأذى، والشر، والخبث، يا ‏{‏أَهْلَ الْبَيْتِ وَيُطَهِّرَكُمْ تَطْهِيرًا‏}‏ حتى تكونوا طاهرين مطهرين‏.‏
أي‏:‏ فاحمدوا ربكم، واشكروه على هذه الأوامر والنواهي، التي أخبركم بمصلحتها، وأنها محض مصلحتكم، لم يرد اللّه أن يجعل عليكم بذلك حرجًا ولا مشقة، بل لتتزكى نفوسكم، ولتتطهر أخلاقكم، وتحسن أعمالكم، ويعظم بذلك أجركم‏.‏
ولما أمرهن بالعمل، الذي هو فعل وترك، أمرهن بالعلم، وبين لهن طريقه، فقال‏:‏ ‏{‏وَاذْكُرْنَ مَا يُتْلَى فِي بُيُوتِكُنَّ مِنْ آيَاتِ اللَّهِ وَالْحِكْمَةِ‏}‏ والمراد بآيات اللّه، القرآن‏.‏ والحكمة، أسراره‏.‏ وسنة رسوله‏.‏ وأمرهن بذكره، يشمل ذكر لفظه، بتلاوته، وذكر معناه، بتدبره والتفكر فيه، واستخراج أحكامه وحكمه، وذكر العمل به وتأويله‏.‏ ‏{‏إِنَّ اللَّهَ كَانَ لَطِيفًا خَبِيرًا‏}‏ يدرك أسرار الأمور، وخفايا الصدور، وخبايا السماوات والأرض، والأعمال التي تبين وتسر‏.‏
فلطفه وخبرته، يقتضي حثهن على الإخلاص وإسرار الأعمال، ومجازاة اللّه على تلك الأعمال‏.‏
ومن معاني ‏{‏اللطيف‏}‏ الذي يسوق عبده إلى الخير، ويعصمه من الشر، بطرق خفية لا يشعر بها، ويسوق إليه من الرزق، ما لا يدريه، ويريه من الأسباب، التي تكرهها النفوس ما يكون ذلك طريقا ‏
‏‏ ‏{‏إِنَّ الْمُسْلِمِينَ وَالْمُسْلِمَاتِ وَالْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ وَالْقَانِتِينَ وَالْقَانِتَاتِ وَالصَّادِقِينَ وَالصَّادِقَاتِ وَالصَّابِرِينَ وَالصَّابِرَاتِ وَالْخَاشِعِينَ وَالْخَاشِعَاتِ وَالْمُتَصَدِّقِينَ وَالْمُتَصَدِّقَاتِ وَالصَّائِمِينَ وَالصَّائِمَاتِ وَالْحَافِظِينَ فُرُوجَهُمْ وَالْحَافِظَاتِ وَالذَّاكِرِينَ اللَّهَ كَثِيرًا وَالذَّاكِرَاتِ أَعَدَّ اللَّهُ لَهُمْ مَغْفِرَةً وَأَجْرًا عَظِيمًا‏}
لما ذكر تعالى ثواب زوجات الرسول ـ صلى الله عليه وسلم ـ وعقابهن ‏
ولما كان حكمهن والرجال واحدًا، جعل الحكم مشتركًا، فقال‏:‏ ‏{‏إِنَّ الْمُسْلِمِينَ وَالْمُسْلِمَاتِ‏}‏ وهذا في الشرائع الظاهرة، إذا كانوا قائمين بها‏.‏ ‏{‏وَالْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ‏}‏ وهذا في الأمور الباطنة، من عقائد القلب وأعماله‏.‏
‏{‏وَالْقَانِتِينَ‏}‏ أي‏:‏ المطيعين للّه ولرسوله ‏{‏وَالْقَانِتَاتِ وَالصَّادِقِينَ‏}‏ في مقالهم وفعالهم ‏{‏وَالصَّادِقَاتِ‏}‏ ‏{‏وَالصَّابِرِينَ‏}‏ على الشدائد والمصائب ‏{‏وَالصَّابِرَاتِ وَالْخَاشِعِينَ‏}‏ في جميع أحوالهم،خصوصًا في عباداتهم، خصوصًا في صلواتهم، ‏{‏وَالْخَاشِعَاتِ‏}‏ ‏{‏وَالْمُتَصَدِّقِينَ‏}‏ فرضًا ونفلاً ‏{‏وَالْمُتَصَدِّقَاتِ وَالصَّائِمِينَ وَالصَّائِمَاتِ‏}‏ شمل ذلك، الفرض والنفل‏.‏ ‏{‏وَالْحَافِظِينَ فُرُوجَهُمْ‏}‏ عن الزنا ومقدماته، ‏{‏وَالْحَافِظَاتِ‏}‏ ‏{‏وَالذَّاكِرِينَ اللَّهَ ‏
{‏أَعَدَّ اللَّهُ لَهُمْ‏}‏ أي‏:‏ لهؤلاء الموصوفين بتلك الصفات الجميلة، والمناقب الجليلة، التي هي، ما بين اعتقادات، وأعمال قلوب، وأعمال جوارح، وأقوال لسان، ونفع متعد وقاصر، وما بين أفعال الخير، وترك الشر، الذي من قام بهن، فقد قام بالدين كله، ظاهره وباطنه، بالإسلام والإيمان والإحسان‏.‏
فجازاهم على عملهم ‏{‏بِالْمَغْفِرَةً‏}‏ لذنوبهم، لأن الحسنات يذهبن السيئات‏.‏ ‏{‏وَأَجْرًا عَظِيمًا‏}‏ لا يقدر قدره، إلا الذي أعطاه، مما لا عين رأت، ولا أذن سمعت، ولا خطر على قلب بشر، نسأل اللّه أن يجعلنا منهم‏.‏
‏‏ ‏{‏وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ وَلَا مُؤْمِنَةٍ إِذَا قَضَى اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَمْرًا أَنْ يَكُونَ لَهُمُ الْخِيَرَةُ مِنْ أَمْرِهِمْ وَمَنْ يَعْصِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ ضَلَّ ضَلَالًا مُبِينًا‏}
أي‏:‏ لا ينبغي ولا يليق، ممن اتصف بالإيمان، إلا الإسراع في مرضاة اللّه ورسوله، والهرب من سخط اللّه ورسوله، وامتثال أمرهما، واجتناب نهيهما، فلا يليق بمؤمن ولا مؤمنة ‏{‏إِذَا قَضَى اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَمْرًا‏}‏ من الأمور، وحتَّما به وألزما به ‏{‏أَنْ يَكُونَ لَهُمُ الْخِيَرَةُ مِنْ أَمْرِهِمْ‏}‏ أي‏:‏ الخيار، هل يفعلونه أم لا‏؟‏ بل يعلم المؤمن والمؤمنة، أن الرسول أولى به من نفسه، فلا يجعل بعض أهواء نفسه حجابًا بينه وبين أمر اللّه ورسوله‏.‏
{‏وَمَنْ يَعْصِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ ضَلَّ ضَلَالًا مُبِينًا‏}‏ أي‏:‏ بَيِّنًا، لأنه ترك الصراط المستقيم الموصلة إلى كرامة اللّه، إلى غيرها، من الطرق الموصلة للعذاب الأليم، فذكر أولاً السبب الموجب لعدم معارضته أمر اللّه ورسوله، وهو الإيمان، ثم ذكر المانع من ذلك، وهو التخويف بالضلال، الدال على العقوبة والنكال‏.‏
‏‏ ‏{‏وَإِذْ تَقُولُ لِلَّذِي أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِ وَأَنْعَمْتَ عَلَيْهِ أَمْسِكْ عَلَيْكَ زَوْجَكَ وَاتَّقِ اللَّهَ وَتُخْفِي فِي نَفْسِكَ مَا اللَّهُ مُبْدِيهِ وَتَخْشَى النَّاسَ وَاللَّهُ أَحَقُّ أَنْ تَخْشَاهُ فَلَمَّا قَضَى زَيْدٌ مِنْهَا وَطَرًا زَوَّجْنَاكَهَا لِكَيْ لَا يَكُونَ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ حَرَجٌ فِي أَزْوَاجِ أَدْعِيَائِهِمْ إِذَا قَضَوْا مِنْهُنَّ وَطَرًا وَكَانَ أَمْرُ اللَّهِ مَفْعُولًا‏}
وكان سبب نزول هذه الآيات، أن اللّه تعالى أراد أن يشرع شرعًا عامًا للمؤمنين، أن الأدعياء ليسوا في حكم الأبناء حقيقة، من جميع الوجوه وأن أزواجهم، لا جناح على من تبناهم، في نكاحهن‏.‏
وكان هذا من الأمور المعتادة، التي لا تكاد تزول إلا بحادث كبير، فأراد أن يكون هذا الشرع قولاً من رسوله، وفعلاً، وإذا أراد اللّه أمرًا، جعل له سببًا، وكان زيد بن حارثة يدعى ‏"‏زيد بن محمد‏"‏ قد تبناه النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ فصار يدعى إليه حتى نزل ‏{‏ادْعُوهُمْ لِآبَائِهِمْ‏}‏ فقيل له‏:‏ ‏"‏زيد بن حارثة‏"‏ ‏.‏
وكانت تحته، زينب بنت جحش، ابنة عمة رسول اللّه ـ صلى الله عليه وسلم ـ وكان قد وقع في قلب الرسول، لو طلقها زيد، لتزوَّجها، فقدر اللّه أن يكون بينها وبين زيد، ما اقتضى أن جاء زيد بن حارثة يستأذن النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ في فراقها‏.‏
قال اللّه‏:‏ ‏{‏وَإِذْ تَقُولُ لِلَّذِي أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِ‏}‏ أي‏:‏ بالإسلام ‏{‏وَأَنْعَمْتَ عَلَيْهِ‏}‏ بالعتق حين جاءك مشاورًا في فراقها‏:‏ فقلت له ناصحًا له ومخبرًا بمصلحته مع وقوعها في قلبك‏:‏ ‏{‏أَمْسِكْ عَلَيْكَ زَوْجَكَ‏}‏ أي‏:‏ لا تفارقها، واصبر على ما جاءك منها، ‏{‏وَاتَّقِ اللَّهَ‏}‏ تعالى في أمورك عامة، وفي أمر زوجك خاصة، فإن التقوى، تحث على الصبر، وتأمر به‏.‏
{‏وَتُخْفِي فِي نَفْسِكَ مَا اللَّهُ مُبْدِيهِ‏}‏ والذي أخفاه، أنه لو طلقها زيد، لتزوجها ـ صلى الله عليه وسلم ـ‏.‏
‏{‏وَتَخْشَى النَّاسَ‏}‏ في عدم إبداء ما في نفسك ‏{‏وَاللَّهُ أَحَقُّ أَنْ تَخْشَاهُ‏}‏ وأن لا تباليهم شيئًا، ‏{‏فَلَمَّا قَضَى زَيْدٌ مِنْهَا وَطَرًا‏}‏ أي‏:‏ طابت نفسه، ورغب عنها، وفارقها‏.‏ ‏{‏زَوَّجْنَاكَهَا‏}‏ وإنما فعلنا ذلك، لفائدة عظيمة، وهي‏:‏ ‏{‏لِكَيْ لَا يَكُونَ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ حَرَجٌ فِي أَزْوَاجِ أَدْعِيَائِهِمْ‏}‏ حيث رأوك تزوجت، زوج زيد بن حارثة، الذي كان من قبل، ينتسب إليك‏.‏
ولما كان قوله‏:‏ ‏{‏لِكَيْ لَا يَكُونَ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ حَرَجٌ فِي أَزْوَاجِ أَدْعِيَائِهِمْ‏}‏ عامًا في جميع الأحوال، وكان من الأحوال، ما لا يجوز ذلك، وهي قبل انقضاء وطره منها، قيد ذلك بقوله‏:‏ ‏{‏إِذَا قَضَوْا مِنْهُنَّ وَطَرًا وَكَانَ أَمْرُ اللَّهِ مَفْعُولًا‏}‏ أي‏:‏ لا بد من فعله، ولا عائق له ولا مانع‏.‏
وفي هذه الآيات المشتملات على هذه القصة، فوائد، منها‏:‏ الثناء على زيد بن حارثة، وذلك من وجهين‏:‏
أحدهما‏:‏ أن اللّه سماه في القرآن، ولم يسم من الصحابة باسمه غيره‏.‏
والثاني‏:‏ أن اللّه أخبر أنه أنعم عليه، أي‏:‏ بنعمة الإسلام والإيمان‏.‏ وهذه شهادة من اللّه له أنه مسلم مؤمن، ظاهرًا وباطنًا، وإلا، فلا وجه لتخصيصه بالنعمة، لولا أن المراد بها، النعمة الخاصة‏.‏
ومنها‏:‏ أن المُعْتَق في نعمة الْمُعْتِق‏.‏
ومنها‏:‏ جواز تزوج زوجة الدَّعِيّ، كما صرح به‏.‏
ومنها‏:‏ أن التعليم الفعلي، أبلغ من القولي، خصوصًا، إذا اقترن بالقول، فإن ذلك، نور على نور‏.‏
ومنها‏:‏ أن المحبة التي في قلب العبد، لغير زوجته ومملوكته، ومحارمه، إذا لم يقترن بها محذور، لا يأثم عليها العبد، ولو اقترن بذلك أمنيته، أن لو طلقها زوجها، لتزوجها من غير أن يسعى في فرقة بينهما، أو يتسبب بأي سبب كان، لأن اللّه أخبر أن الرسول ـ صلى الله عليه وسلم ـ أخفى ذلك في نفسه‏.‏
ومنها‏:‏ أن الرسول ـ صلى الله عليه وسلم ـ قد بلغ البلاغ المبين، فلم يدع شيئًا مما أوحي إليه، إلا وبلغه، حتى هذا الأمر، الذي فيه عتابه‏.‏
وهذا يدل، على أنه رسول اللّه، ولا يقول إلا ما أوحي إليه، ولا يريد تعظيم نفسه‏.‏
ومنها‏:‏ أن المستشار مؤتمن، يجب عليه ـإذا استشير في أمر من الأمورـ أن يشير بما يعلمه أصلح للمستشير ولو كان له حظ نفس، فتقدم مصلحة المستشير على هوى نفسه وغرضه‏.‏
ومنها‏:‏ أن من الرأي‏:‏ الحسن لمن استشار في فراق زوجته أن يؤمر بإمساكها مهما أمكن صلاح الحال، فهو أحسن من الفرقة‏.‏
ومنها‏:‏ ‏
ومنها‏:‏ فضيلة زينب رضي اللّه عنها أم المؤمنين، حيث تولى اللّه تزويجها، من رسوله ـ صلى الله عليه وسلم ـ من دون خطبة ولا شهود، ولهذا كانت تفتخر بذلك على أزواج رسول اللّه ـ صلى الله عليه وسلم ـ وتقول زوجكن أهاليكن، وزوجني اللّه من فوق سبع سماوات‏.‏
ومنها‏:‏ أن المرأة، إذا كانت ذات زوج، لا يجوز نكاحها، ولا السعي فيه وفي أسبابه، حتى يقضي زوجها وطره منها، ولا يقضي وطره، حتى تنقضي عدتها، لأنها قبل انقضاء عدتها، هي في عصمته، أو في حقه الذي له وطر إليها، ولو من بعض الوجوه‏.‏
‏‏ ‏{‏مَا كَانَ عَلَى النَّبِيِّ مِنْ حَرَجٍ فِيمَا فَرَضَ اللَّهُ لَهُ سُنَّةَ اللَّهِ فِي الَّذِينَ خَلَوْا مِنْ قَبْلُ وَكَانَ أَمْرُ اللَّهِ قَدَرًا مَقْدُورًا * الَّذِينَ يُبَلِّغُونَ رِسَالَاتِ اللَّهِ وَيَخْشَوْنَهُ وَلَا يَخْشَوْنَ أَحَدًا إِلَّا اللَّهَ وَكَفَى بِاللَّهِ حَسِيبًا‏}
هذا دفع لطعن من طعن في الرسول ـ صلى الله عليه وسلم ـ في كثرة أزواجه، وأنه طعن، بما لا مطعن فيه، فقال‏:‏ ‏{‏مَا كَانَ عَلَى النَّبِيِّ مِنْ حَرَجٍ‏}‏ أي‏:‏ إثم وذنب‏.‏ ‏{‏فِيمَا فَرَضَ اللَّهُ لَهُ‏}‏ أي‏:‏ قدر له من الزوجات، فإن هذا، قد أباحه اللّه للأنبياء قبله، ولهذا قال‏:‏ ‏{‏سُنَّةَ اللَّهِ فِي الَّذِينَ خَلَوْا مِنْ قَبْلُ وَكَانَ أَمْرُ اللَّهِ قَدَرًا مَقْدُورًا‏}‏ أي‏:‏ لا بد من وقوعه‏.‏
ثم ذكر من هم الذين من قبل قد خلوا، وهذه سنتهم وعادتهم، وأنهم ‏{‏الَّذِينَ يُبَلِّغُونَ رِسَالَاتِ اللَّهِ‏}‏ فيتلون على العباد آيات اللّه، وحججه وبراهينه، ويدعونهم إلى اللّه ‏{‏وَيَخْشَوْنَهُ‏}‏ وحده لا شريك له ‏{‏وَلَا يَخْشَوْنَ أَحَدًا‏}‏ إلا اللّه‏.‏
فإذا كان هذا، سنة في الأنبياء المعصومين، الذين وظيفتهم قد أدوها وقاموا بها، أتم القيام، وهو‏:‏ دعوة الخلق إلى اللّه، والخشية منه وحده التي تقتضي فعل كل مأمور، وترك كل محظور، دل ذلك على أنه لا نقص فيه بوجه‏.‏
{‏وَكَفَى بِاللَّهِ حَسِيبًا‏}‏ محاسبًا عباده، مراقبًا أعمالهم‏.‏ وعلم من هذا، أن النكاح، من سنن المرسلين‏.‏
‏‏ ‏{‏مَا كَانَ مُحَمَّدٌ أَبَا أَحَدٍ مِنْ رِجَالِكُمْ وَلَكِنْ رَسُولَ اللَّهِ وَخَاتَمَ النَّبِيِّينَ وَكَانَ اللَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمًا‏}
أي‏:‏ لم يكن الرسول ‏{‏مُحَمَّدٌ‏}‏ ـ صلى الله عليه وسلم ـ ‏{‏أَبَا أَحَدٍ مِنْ رِجَالِكُمْ‏}‏ أيها الأمة فقطع انتساب زيد بن حارثة منه، من هذا الباب‏.‏
ولما كان هذا النفي عامًّا في جميع الأحوال، إن حمل4 ظاهر اللفظ على ظاهره، أي‏:‏ لا أبوة نسب، ولا أبوة ادعاء، وقد كان تقرر فيما تقدم أن الرسول ـ صلى الله عليه وسلم ـ أب للمؤمنين كلهم، وأزواجه أمهاتهم، فاحترز أن يدخل في هذا النوع، بعموم النهي المذكور، فقال‏:‏ ‏{‏وَلَكِنْ رَسُولَ اللَّهِ وَخَاتَمَ النَّبِيِّينَ‏}‏ أي‏:‏ هذه مرتبته مرتبة المطاع المتبوع، المهتدى به، المؤمن له الذي يجب تقديم محبته، على محبة كل أحد، الناصح الذي لهم، أي‏:‏ للمؤمنين، من بره ‏
{‏وَكَانَ اللَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمًا‏}‏ أي‏:‏ قد أحاط علمه بجميع الأشياء، ويعلم حيث يجعل رسالاته، ومن يصلح لفضله، ومن لا يصلح‏.‏
‏‏ ‏{‏يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اذْكُرُوا اللَّهَ ذِكْرًا كَثِيرًا * وَسَبِّحُوهُ بُكْرَةً وَأَصِيلًا * هُوَ الَّذِي يُصَلِّي عَلَيْكُمْ وَمَلَائِكَتُهُ لِيُخْرِجَكُمْ مِنَ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ وَكَانَ بِالْمُؤْمِنِينَ رَحِيمًا * َْتَحِيَّتُهُمْ يَوْمَ يَلْقَوْنَهُ سَلَامٌ وَأَعَدَّ لَهُمْ أَجْرًا كَرِيمًا‏}[FONT=Comic Sans MS