@@@الجوووري@@@
@@@الجوووري@@@
سورة النمل

{‏طس تِلْكَ آيَاتُ الْقُرْآنِ وَكِتَابٍ مُبِينٍ‏}‏ ‏‏
‏{‏طس‏}‏ سبق الكلام على الحروف المقطَّعة في أول سورة البقرة‏.‏ هذه آيات القرآن، وهي آيات الكتاب العزيز، بينة المعنى‏,‏ واضحة الدلالة‏,‏ على ما فيه من العلوم والحكم والشرائع‏.‏ فالقرآن هو الكتاب، جمع الله له بين الاسمين‏.‏
{‏هُدًى وَبُشْرَى لِلْمُؤْمِنِينَ‏}‏ ‏‏
{‏الَّذِينَ يُقِيمُونَ الصَّلَاةَ وَيُؤْتُونَ الزَّكَاةَ وَهُمْ بِالْآخِرَةِ هُمْ يُوقِنُونَ‏}‏ ‏‏
وهي آيات ترشد إلى طريق الفوز في الدنيا والآخرة‏,‏ وتبشر بحسن الثواب للمؤمنين الذين صَدَّقوا بها‏,‏ واهتدَوْا بهديها‏,‏ الذين يقيمون الصلوات الخمس كاملة الأركان‏,‏ مسوفية الشروط‏,‏ ويؤدون الزكاة المفروضة لمستحقيها‏,‏ وهم يوقنون بالحياة الآخرة‏,‏ وما فيها مِن ثواب وعقاب‏.‏
{‏إِنَّ الَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِالْآخِرَةِ زَيَّنَّا لَهُمْ أَعْمَالَهُمْ فَهُمْ يَعْمَهُونَ‏}‏ ‏‏
{‏أُولَئِكَ الَّذِينَ لَهُمْ سُوءُ الْعَذَابِ وَهُمْ فِي الْآخِرَةِ هُمُ الْأَخْسَرُونَ‏}‏ ‏‏
إن الذين لا يُصَدِّقون بالدار الآخرة‏,‏ ولا يعملون لها حسَّنَّا لهم أعمالهم السيئة‏,‏ فرأوها حسنة‏,‏ فهم يترددون فيها متحيِّرين‏.‏ أولئك الذين لهم العذاب السيِّئ في الدنيا قتلًا وأَسْرَا وذلًا وهزيمةً‏,‏ وهم في الآخرة أشد الناس خسرانًا‏.‏
{‏وَإِنَّكَ لَتُلَقَّى الْقُرْآنَ مِنْ لَدُنْ حَكِيمٍ عَلِيمٍ‏}‏ ‏‏
وإنك ـ أيها الرسول ـ لتتلقى القرآن من عند الله‏,‏ الحكيم في خلقه وتدبيره الذي أحاط بكل شيء علمًا‏.‏
{‏إِذْ قَالَ مُوسَى لِأَهْلِهِ إِنِّي آنَسْتُ نَارًا سَآتِيكُمْ مِنْهَا بِخَبَرٍ أَوْ آتِيكُمْ بِشِهَابٍ قَبَسٍ لَعَلَّكُمْ تَصْطَلُونَ‏}‏ ‏‏
اذكر قصة موسى حين قال لأهله في مسيره من ‏"‏مدين‏"‏ إلى ‏"‏مصر‏"‏‏:‏ إني أبصَرْتُ نارًا سآتيكم منها بخبر يدلنا على الطريق‏,‏ أو آتيكم بشعلة نار‏;‏ كي تستدفئوا بها من البرد‏.‏
{‏فَلَمَّا جَاءَهَا نُودِيَ أَنْ بُورِكَ مَنْ فِي النَّارِ وَمَنْ حَوْلَهَا وَسُبْحَانَ اللَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ‏}‏ ‏‏
{‏يَا مُوسَى إِنَّهُ أَنَا اللَّهُ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ‏}‏ ‏‏
{‏وَأَلْقِ عَصَاكَ فَلَمَّا رَآهَا تَهْتَزُّ كَأَنَّهَا جَانٌّ وَلَّى مُدْبِرًا وَلَمْ يُعَقِّبْ يَا مُوسَى لَا تَخَفْ إِنِّي لَا يَخَافُ لَدَيَّ الْمُرْسَلُونَ‏}‏ ‏‏
{‏إِلَّا مَنْ ظَلَمَ ثُمَّ بَدَّلَ حُسْنًا بَعْدَ سُوءٍ فَإِنِّي غَفُورٌ رَحِيمٌ‏}‏ ‏‏
{‏وَأَدْخِلْ يَدَكَ فِي جَيْبِكَ تَخْرُجْ بَيْضَاءَ مِنْ غَيْرِ سُوءٍ فِي تِسْعِ آيَاتٍ إِلَى فِرْعَوْنَ وَقَوْمِهِ إِنَّهُمْ كَانُوا قَوْمًا فَاسِقِينَ‏}‏ ‏‏
فلما جاء موسى النارَ ناداه الله وأخبره أن هذا مكانٌ قدَّسه الله وباركه فجعله موضعًا لتكليم موسى وإرساله‏,‏ وأن الله بارك مَن في النار ومَن حولها مِنَ الملائكة‏,‏ وتنزيهًا لله رب الخلائق عما لا يليق به‏.‏ يا موسى إنه أنا الله المستحق للعبادة وحدي‏,‏ العزيز الغالب في انتقامي من أعدائي‏,‏ الحكيم في تدبير خلقي‏.‏ وألق عصاك فألقاها فصارت حية‏,‏ فلما رأها تتحرك في خفة تَحَرُّكَ الحية السريعة ولَّى هاربًا ولم يرجع إليها‏,‏ فطمأنه الله بقوله‏:‏ يا موسى لا تَخَفْ‏,‏ إني لا يخاف لديَّ من أرسلتهم برسالتي‏,‏ لكن مَن تجاوز الحدَّ بذنب‏,‏ ثم تاب فبدَّل حُسْن التوبة بعد قبح الذنب‏,‏ فإني غفور له رحيم به‏,‏ فلا ييئس أحدٌ من رحمة الله ومغفرته‏.‏ وأدخل يدك في جيبك تخرج بيضاء كالثلج من غير بَرَص في جملة تسع معجزات، وهي مع اليد‏:‏ العصا، والسنون، ونقص الثمرات، والطوفان، والجراد، والقُمَّل، والضفادع، والدم؛ لتأييدك في رسالتك إلى فرعون وقومه‏,‏ إنهم كانوا قومًا خارجين عن أمر الله كافرين به‏.‏
{‏فَلَمَّا جَاءَتْهُمْ آيَاتُنَا مُبْصِرَةً قَالُوا هَذَا سِحْرٌ مُبِينٌ‏}‏ ‏‏
فلما جاءتهم هذه المعجزات ظاهرة بيِّنة يبصر بها مَن نظر إليها حقيقةَ ما دلت عليه‏,‏ قالوا‏:‏ هذا سحرٌ واضحٌ بيِّن‏.‏
{‏وَجَحَدُوا بِهَا وَاسْتَيْقَنَتْهَا أَنْفُسُهُمْ ظُلْمًا وَعُلُوًّا فَانْظُرْ كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الْمُفْسِدِينَ‏}‏ ‏‏
وكذَّبوا بالمعجزات التسع الواضحة الدلالة على صدق موسى في نبوته وصدق دعوته‏,‏ وأنكروا بألسنتهم أن تكون من عند الله‏,‏ وقد استيقنوها في قلوبهم اعتداءً على الحق وتكبرًا على الاعتراف به‏,‏ فانظر ـ أيها الرسول ـ كيف كان مصير الذين كفروا بآيات الله وأفسدوا في الأرض‏,‏ إذ أغرقهم الله في البحر‏؟‏ وفي ذلك عبرة لمن يعتبر‏.‏
{‏وَلَقَدْ آتَيْنَا دَاوُدَ وَسُلَيْمَانَ عِلْمًا وَقَالَا الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي فَضَّلَنَا عَلَى كَثِيرٍ مِنْ عِبَادِهِ الْمُؤْمِنِينَ‏}‏ ‏‏
ولقد آتينا داود وسليمان علمًا فعملا به‏,‏ وقالا‏:‏ الحمد لله الذي فضَّلنا بهذا على كثير من عباده المؤمنين‏.‏ وفي الآية دليل على شرف العلم‏,‏ وارتفاع أهله‏.‏
{‏وَوَرِثَ سُلَيْمَانُ دَاوُدَ وَقَالَ يَا أَيُّهَا النَّاسُ عُلِّمْنَا مَنْطِقَ الطَّيْرِ وَأُوتِينَا مِنْ كُلِّ شَيْءٍ إِنَّ هَذَا لَهُوَ الْفَضْلُ الْمُبِينُ‏}‏ ‏‏
وورث سليمان أباه داود في النبوة والعلم والملك‏,‏ وقال سليمان لقومه‏:‏ يا أيها الناس عُلِّمنا وفُهِّمنا كلام الطير‏,‏ وأُعطينا مِن كل شيء تدعو إليه الحاجة‏,‏ إن هذا الذي أعطانا الله تعالى إياه لهو الفضل الواضح الذي يُمَيِّزنا على مَن سوانا‏.‏
{‏وَحُشِرَ لِسُلَيْمَانَ جُنُودُهُ مِنَ الْجِنِّ وَالْإِنْسِ وَالطَّيْرِ فَهُمْ يُوزَعُونَ‏}‏ ‏‏
وجُمِع لسليمان جنوده من الجن والإنس والطير في مسيرة لهم‏,‏ فهم على كثرتهم لم يكونوا مهمَلين‏,‏ بل كان على كل جنس من يَرُدُّ أولهم على آخرهم‏;‏ كي يقفوا جميعًا منتظمين‏.‏
{‏حَتَّى إِذَا أَتَوْا عَلَى وَادِي النَّمْلِ قَالَتْ نَمْلَةٌ يَا أَيُّهَا النَّمْلُ ادْخُلُوا مَسَاكِنَكُمْ لَا يَحْطِمَنَّكُمْ سُلَيْمَانُ وَجُنُودُهُ وَهُمْ لَا يَشْعُرُونَ‏}‏ ‏‏
{‏فَتَبَسَّمَ ضَاحِكًا مِنْ قَوْلِهَا وَقَالَ رَبِّ أَوْزِعْنِي أَنْ أَشْكُرَ نِعْمَتَكَ الَّتِي أَنْعَمْتَ عَلَيَّ وَعَلَى وَالِدَيَّ وَأَنْ أَعْمَلَ صَالِحًا تَرْضَاهُ وَأَدْخِلْنِي بِرَحْمَتِكَ فِي عِبَادِكَ الصَّالِحِينَ‏}‏ ‏‏
حتى إذا بلغوا وادي النمل قالت نملة‏:‏ يا أيها النمل ادخلوا مساكنكم لا يهلكنَّكم سليمان وجنوده‏,‏ وهم لا يعلمون بذلك‏.‏ فتبسم ضاحكًا من قول هذه النملة لفهمها واهتدائها إلى تحذير النمل‏,‏ واستشعر نعمة الله عليه‏,‏ فتوجَّه إليه داعيًا‏:‏ ربِّ ألْهِمْني‏,‏ ووفقني‏,‏ أن أشكر نعمتك التي أنعمت عليَّ وعلى والديَّ‏,‏ وأن أعمل عملًا صالحًا ترضاه مني‏,‏ وأدخلني برحمتك في نعيم جنتك مع عبادك الصالحين الذين ارتضيت أعمالهم‏.‏
{‏وَتَفَقَّدَ الطَّيْرَ فَقَالَ مَا لِيَ لَا أَرَى الْهُدْهُدَ أَمْ كَانَ مِنَ الْغَائِبِينَ‏}‏ ‏‏
{‏لَأُعَذِّبَنَّهُ عَذَابًا شَدِيدًا أَوْ لَأَذْبَحَنَّهُ أَوْ لَيَأْتِيَنِّي بِسُلْطَانٍ مُبِينٍ‏}‏ ‏‏
وتفقد سليمان حال الطير المسخرة له وحال ما غاب منها‏,‏ وكان عنده هدهد متميز معروف فلم يجده‏,‏ فقال‏:‏ ما لي لا أرى الهدهد الذي أعهده‏؟‏ أسَتَره ساتر عني‏,‏ أم أنه كان من الغائبين عني‏,‏ فلم أره لغيبته‏؟‏ فلما ظهر أنه غائب قال‏:‏ لأعذبنَّ هذا الهدهد عذابًا شديدًا لغيابه تأديبًا له‏,‏ أو لأذبحنَّه عقوبة على ما فعل حيث أخل بما سخر له‏,‏ أو ليأتينِّي بحجة ظاهرة‏,‏ فيها عذر لغيبته‏.‏
{‏فَمَكَثَ غَيْرَ بَعِيدٍ فَقَالَ أَحَطتُ بِمَا لَمْ تُحِطْ بِهِ وَجِئْتُكَ مِنْ سَبَإٍ بِنَبَإٍ يَقِينٍ‏}‏ ‏‏
فمكث الهدهد زمنًا غير بعيد ثم حضر فعاتبه سليمان على مغيبه وتخلُّفه‏,‏ فقال له الهدهد‏:‏ علمت ما لم تعلمه من الأمر على وجه الإحاطة‏,‏ وجئتك من مدينة ‏"‏سبأ‏"‏ بـ ‏"‏اليمن‏"‏ بخبر خطير الشأن‏,‏ وأنا على يقين منه‏.‏
{‏إِنِّي وَجَدْتُ امْرَأَةً تَمْلِكُهُمْ وَأُوتِيَتْ مِنْ كُلِّ شَيْءٍ وَلَهَا عَرْشٌ عَظِيمٌ‏}‏ ‏‏
إني وجدت امرأةً تحكم أهل ‏"‏سبأ‏"‏‏,‏ وأوتيت من كل شيء من أسباب الدنيا‏,‏ ولها سرير عظيم القدر‏,‏ تجلس عليه لإدارة ملكها‏.‏
{‏وَجَدْتُهَا وَقَوْمَهَا يَسْجُدُونَ لِلشَّمْسِ مِنْ دُونِ اللَّهِ وَزَيَّنَ لَهُمُ الشَّيْطَانُ أَعْمَالَهُمْ فَصَدَّهُمْ عَنِ السَّبِيلِ فَهُمْ لَا يَهْتَدُونَ‏}‏ ‏‏
وجدتُها هي وقومها يعبدون الشمس معرضين عن عبادة الله‏,‏ وحسَّن لهم الشيطان أعمالهم السيئة التي كانوا يعملونها‏,‏ فصرفهم عن الإيمان بالله وتوحيده‏,‏ فهم لا يهتدون إلى الله وتوحيده وعبادته وحده‏.‏
{‏أَلَّا يَسْجُدُوا لِلَّهِ الَّذِي يُخْرِجُ الْخَبْءَ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَيَعْلَمُ مَا تُخْفُونَ وَمَا تُعْلِنُونَ‏}‏ ‏‏
{‏اللَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ رَبُّ الْعَرْشِ الْعَظِيمِ‏}‏ ‏‏
حسَّن لهم الشيطان ذلك‏;‏ لئلا يسجدوا لله الذي يُخرج المخبوء المستور في السموات والأرض من المطر والنبات وغير ذلك‏,‏ ويعلم ما تُسرُّون وما تظهرون‏.‏ الله الذي لا معبود يستحق العبادة سواه‏,‏ رب العرش العظيم‏.‏
{‏قَالَ سَنَنْظُرُ أَصَدَقْتَ أَمْ كُنْتَ مِنَ الْكَاذِبِينَ‏}‏ ‏‏
{‏اذْهَبْ بِكِتَابِي هَذَا فَأَلْقِهِ إِلَيْهِمْ ثُمَّ تَوَلَّ عَنْهُمْ فَانْظُرْ مَاذَا يَرْجِعُونَ‏}‏ ‏‏
قال سليمان للهدهد‏:‏ سنتأمل فيما جئتنا به من الخبر أصدقت في ذلك أم كنت من الكاذبين فيه‏؟‏ اذهب بكتابي هذا إلى أهل ‏"‏سبأ‏"‏ فأعطهم إياه‏,‏ ثم تنحَّ عنهم قريبًا منهم بحيث تسمع كلامهم‏,‏ فتأمل ما يتردد بينهم من الكلام‏.‏
{‏قَالَتْ يَا أَيُّهَا الْمَلَأُ إِنِّي أُلْقِيَ إِلَيَّ كِتَابٌ كَرِيمٌ‏}‏ ‏‏
ذهب الهدهد وألقى الكتاب إلى الملكة فقرأته‏,‏ فجمعت أشراف قومها‏,‏ وسمعها تقول لهم‏:‏ إني وصل إليَّ كتاب جليل المقدار من شخص عظيم الشأن‏.‏
{‏إِنَّهُ مِنْ سُلَيْمَانَ وَإِنَّهُ بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ‏}‏ ‏‏
{‏أَلَّا تَعْلُوا عَلَيَّ وَأْتُونِي مُسْلِمِينَ‏}‏ ‏‏
ثم بيَّنت ما فيه فقالت‏:‏ إنه من سليمان‏,‏ وإنه مفتتح بـ ‏"‏بسم الله الرحمن الرحيم‏"‏ ألا تتكبروا ولا تتعاظموا عما دعوتكم إليه‏,‏ وأقْبِلوا إليَّ منقادين لله بالوحدانية والطاعة مسلمين له‏.‏
{‏قَالَتْ يَا أَيُّهَا الْمَلَأُ أَفْتُونِي فِي أَمْرِي مَا كُنْتُ قَاطِعَةً أَمْرًا حَتَّى تَشْهَدُونِ‏}‏ ‏‏
قالت‏:‏ يا أيها الأشراف أشيروا عليَّ في هذا الأمر‏,‏ ما كنت لأفصل في أمر إلا بمحضركم ومشورتكم‏.‏
{‏قَالُوا نَحْنُ أُولُو قُوَّةٍ وَأُولُو بَأْسٍ شَدِيدٍ وَالْأَمْرُ إِلَيْكِ فَانْظُرِي مَاذَا تَأْمُرِينَ‏}‏ ‏‏
قالوا مجيبين لها‏:‏ نحن أصحاب قوة في العدد والعُدَّة وأصحاب النجدة والشجاعة في شدة الحرب‏,‏ والأمر موكول إليكِ‏,‏ وأنتِ صاحبة الرأي‏,‏ فتأملي ماذا تأمريننا به‏؟‏ فنحن سامعون لأمرك مطيعون لك‏.‏
{‏قَالَتْ إِنَّ الْمُلُوكَ إِذَا دَخَلُوا قَرْيَةً أَفْسَدُوهَا وَجَعَلُوا أَعِزَّةَ أَهْلِهَا أَذِلَّةً وَكَذَلِكَ يَفْعَلُونَ‏}‏ ‏‏
{‏وَإِنِّي مُرْسِلَةٌ إِلَيْهِمْ بِهَدِيَّةٍ فَنَاظِرَةٌ بِمَ يَرْجِعُ الْمُرْسَلُونَ‏}‏ ‏‏
قالت محذرةً لهم من مواجهة سليمان بالعداوة‏,‏ ومبيِّنة لهم سوء مغبَّة القتال‏:‏ إن الملوك إذا دخلوا بجيوشهم قريةً عنوةً وقهرًا خرَّبوها وصيَّروا أعزَّة أهلها أذلة‏,‏ وقتلوا وأسروا‏,‏ وهذه عادتهم المستمرة الثابتة لحمل الناس على أن يهابوهم‏.‏ وإني مرسلة إلى سليمان وقومه بهديَّة مشتملة على نفائس الأموال أصانعه بها‏,‏ ومنتظرة ما يرجع به الرسل‏.‏
‏{‏فَلَمَّا جَاءَ سُلَيْمَانَ قَالَ أَتُمِدُّونَنِي بِمَالٍ فَمَا آتَانِيَ اللَّهُ خَيْرٌ مِمَّا آتَاكُمْ بَلْ أَنْتُمْ بِهَدِيَّتِكُمْ تَفْرَحُونَ‏}‏ ‏‏
فلمَّا جاء رسول الملكة بالهديَّة إلى سليمان‏,‏ قال مستنكرًا ذلك متحدثًا بأَنْعُمِ الله عليه‏:‏ أتمدونني بمالٍ تَرْضيةً لي‏؟‏ فما أعطاني الله من النبوة والملك والأموال الكثيرة خير وأفضل مما أعطاكم، بل أنتم الذين تفرحون بالهدية التي تُهدى إليكم‏;‏ لأنكم أهل مفاخرة بالدنيا ومكاثرة بها‏.‏
{‏ارْجِعْ إِلَيْهِمْ فَلَنَأْتِيَنَّهُمْ بِجُنُودٍ لَا قِبَلَ لَهُمْ بِهَا وَلَنُخْرِجَنَّهُمْ مِنْهَا أَذِلَّةً وَهُمْ صَاغِرُونَ‏}‏ ‏‏
وقال سليمان عليه السلام لرسول أهل ‏"‏سبأ‏"‏‏:‏ ارجع إليهم‏,‏ فوالله لنأتينَّهم بجنود لا طاقة لهم بمقاومتها ومقابلتها‏,‏ ولنخرجنَّهم مِن أرضهم أذلة‏,‏هم صاغرون مهانون‏,‏ إن لم ينقادوا لدين الله وحده‏,‏ ويتركوا عبادة من سواه‏.‏
{‏قَالَ يَا أَيُّهَا الْمَلَأُ أَيُّكُمْ يَأْتِينِي بِعَرْشِهَا قَبْلَ أَنْ يَأْتُونِي مُسْلِمِينَ‏}‏ ‏‏
قال سليمان مخاطبًا من سَخَّرهم الله له من الجن والإنس‏:‏ أيُّكم يأتيني بسرير ملكها العظيم قبل أن يأتوني منقادين طائعين‏؟‏
{‏قَالَ عِفْريتٌ مِنَ الْجِنِّ أَنَا آتِيكَ بِهِ قَبْلَ أَنْ تَقُومَ مِنْ مَقَامِكَ وَإِنِّي عَلَيْهِ لَقَوِيٌّ أَمِينٌ‏}‏ ‏‏
قال مارد قويُّ شديد من الجن‏:‏ أنا آتيك به قبل أن تقوم من مجلسك هذا‏,‏ وإني لقويٌّ على حَمْله‏,‏ أمين على ما فيه‏,‏ آتي به كما هو لا أُنقِص منه شيئًا ولا أبدله‏.‏
{‏قَالَ الَّذِي عِنْدَهُ عِلْمٌ مِنَ الْكِتَابِ أَنَا آتِيكَ بِهِ قَبْلَ أَنْ يَرْتَدَّ إِلَيْكَ طَرْفُكَ فَلَمَّا رَآهُ مُسْتَقِرًّا عِنْدَهُ قَالَ هَذَا مِنْ فَضْلِ رَبِّي لِيَبْلُوَنِي أَأَشْكُرُ أَمْ أَكْفُرُ وَمَنْ شَكَرَ فَإِنَّمَا يَشْكُرُ لِنَفْسِهِ وَمَنْ كَفَرَ فَإِنَّ رَبِّي غَنِيٌّ كَرِيمٌ‏}‏ ‏‏
قال الذي عنده علم من الكتاب‏:‏ أنا آتيك بهذا العرش قبل ارتداد أجفانك إذا تحرَّكَتْ للنظر في شيء‏.‏ فأذن له سليمان فدعا الله‏,‏ فأتى بالعرش‏.‏ فلما رآه سليمان حاضرًا لديه ثابتًا عنده قال‏:‏ هذا مِن فضل ربي الذي خلقني وخلق الكون كله؛ ليختبرني‏:‏ أأشكر بذلك اعترافًا بنعمته تعالى عليَّ أم أكفر بترك الشكر‏؟‏ ومن شكر لله على نعمه فإنَّ نَفْعَ ذلك يرجع إليه‏,‏ ومن جحد النعمة وترك الشكر فإن ربي غني عن شكره‏,‏ كريم يعم بخيره في الدنيا الشاكر والكافر‏,‏ ثم يحاسبهم ويجازيهم في الآخرة‏.‏
{‏قَالَ نَكِّرُوا لَهَا عَرْشَهَا نَنْظُرْ أَتَهْتَدِي أَمْ تَكُونُ مِنَ الَّذِينَ لَا يَهْتَدُونَ‏}‏ ‏‏
قال سليمان لمن عنده‏:‏ غيِّروا سرير ملكها الذي تجلس عليه إلى حال تنكره إذا رأته‏;‏ لنرى أتهتدي إلى معرفته أم تكون من الذين لا يهتدون‏؟‏
{‏فَلَمَّا جَاءَتْ قِيلَ أَهَكَذَا عَرْشُكِ قَالَتْ كَأَنَّهُ هُوَ وَأُوتِينَا الْعِلْمَ مِنْ قَبْلِهَا وَكُنَّا مُسْلِمِينَ‏}‏ ‏‏
فلما جاءت ملكة ‏"‏سبأ‏"‏ إلى سليمان في مجلسه قيل لها‏:‏ أهكذا عرشك‏؟‏ قالت‏:‏ إنه يشبهه‏.‏ فظهر لسليمان أنها أصابت في جوابها‏,‏ وقد علمت قدرة الله وصحة نبوة سليمان عليه السلام‏,‏ فقال‏:‏ وأوتينا العلم بالله وبقدرته مِن قبلها‏,‏ وكنا منقادين لأمر الله متبعين لدين الاسلام‏.‏
{‏وَصَدَّهَا مَا كَانَتْ تَعْبُدُ مِنْ دُونِ اللَّهِ إِنَّهَا كَانَتْ مِنْ قَوْمٍ كَافِرِينَ‏}‏ ‏‏
ومَنَعَها عن عبادة الله وحده ما كانت تعبده مِن دون الله تعالى‏,‏ إنها كانت كافرة ونشأت بين قوم كافرين‏,‏ واستمرت على دينهم‏,‏ وإلا فلها من الذكاء والفطنة ما تعرف به الحق من الباطل‏,‏ ولكن العقائد الباطلة تُذهب بصيرة القلب‏.‏
{‏قِيلَ لَهَا ادْخُلِي الصَّرْحَ فَلَمَّا رَأَتْهُ حَسِبَتْهُ لُجَّةً وَكَشَفَتْ عَنْ سَاقَيْهَا قَالَ إِنَّهُ صَرْحٌ مُمَرَّدٌ مِنْ قَوَارِيرَ قَالَتْ رَبِّ إِنِّي ظَلَمْتُ نَفْسِي وَأَسْلَمْتُ مَعَ سُلَيْمَانَ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ‏}‏ ‏‏
قيل لها‏:‏ ادخلي القصر‏,‏ وكان صحنه مِن زجاج تحته ماء‏,‏ فلما رأته ظنته ماء تتردد أمواجه‏,‏ وكشفت عن ساقيها لتخوض الماء‏,‏ فقال لها سليمان‏:‏ إنه صحن أملس من زجاج صاف والماء تحته‏.‏ فأدركت عظمة ملك سليمان‏,‏ وقالت‏:‏ رب إني ظلمت نفسي بما كنت عليه من الشرك‏,‏ وانقدت متابعة لسليمان داخلة في دين رب العالمين أجمعين‏.‏
{‏وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا إِلَى ثَمُودَ أَخَاهُمْ صَالِحًا أَنِ اعْبُدُوا اللَّهَ فَإِذَا هُمْ فَرِيقَانِ يَخْتَصِمُونَ‏}‏ ‏‏
ولقد أرسلنا إلى ثمود أخاهم صالحًا‏:‏ أن وحِّدوا الله‏,‏ ولا تجعلوا معه إلهًا آخر‏,‏ فلما أتاهم صالحٌ داعيًا إلى توحيد الله وعبادته وحده صار قومه فريقين‏:‏ أحدهما مؤمن به‏,‏ والآخر كافر بدعوته‏,‏ وكل منهم يزعم أن الحق معه‏.‏
{‏قَالَ يَا قَوْمِ لِمَ تَسْتَعْجِلُونَ بِالسَّيِّئَةِ قَبْلَ الْحَسَنَةِ لَوْلَا تَسْتَغْفِرُونَ اللَّهَ لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ‏}‏ ‏‏
قال صالح للفريق الكافر‏:‏ لِمَ تبادرون الكفر وعمل السيئات الذي يجلب لكم العذاب‏,‏ وتؤخرون الإيمان وفِعْل الحسنات الذي يجلب لكم الثواب‏؟‏ هلا تطلبون المغفرة من الله ابتداء‏,‏ وتتوبون إليه؛ رجاء أن ترحموا‏.‏
{‏قَالُوا اطَّيَّرْنَا بِكَ وَبِمَنْ مَعَكَ قَالَ طَائِرُكُمْ عِنْدَ اللَّهِ بَلْ أَنْتُمْ قَوْمٌ تُفْتَنُونَ‏}‏ ‏‏
قال قوم صالح له‏:‏ تَشاءَمْنا بك وبمن معك ممن دخل في دينك‏,‏ قال لهم صالح‏:‏ ما أصابكم الله مِن خير أو شر فهو مقدِّره عليكم ومجازيكم به‏,‏ بل أنتم قوم تُخْتَبرون بالسراء والضراء والخير والشر‏.‏
{‏وَكَانَ فِي الْمَدِينَةِ تِسْعَةُ رَهْطٍ يُفْسِدُونَ فِي الْأَرْضِ وَلَا يُصْلِحُونَ‏}‏ ‏‏
وكان في مدينة صالح ـ وهي ‏"‏الحِجْر‏"‏ الواقعة في شمال غرب جزيرة العرب ـ تسعة رجال‏,‏ شأنهم الإفساد في الأرض‏,‏ الذي لا يخالطه شيء من الصلاح‏.‏
{‏قَالُوا تَقَاسَمُوا بِاللَّهِ لَنُبَيِّتَنَّهُ وَأَهْلَهُ ثُمَّ لَنَقُولَنَّ لِوَلِيِّهِ مَا شَهِدْنَا مَهْلِكَ أَهْلِهِ وَإِنَّا لَصَادِقُونَ‏}‏ ‏‏
قال هؤلاء التسعة بعضهم لبعض‏:‏ تقاسموا بالله بأن يحلف كل واحد للآخرين‏:‏ لنأتينَّ صالحًا بغتة في الليل فنقتله ونقتل أهله‏,‏ ثم لنقولَنَّ لوليِّ الدم مِن قرابته‏:‏ ما حضرنا قتلهم‏,‏ وإنا لصادقون فيما قلناه‏.‏
{‏وَمَكَرُوا مَكْرًا وَمَكَرْنَا مَكْرًا وَهُمْ لَا يَشْعُرُونَ‏}‏ ‏‏
ودبَّروا هذه الحيلة لإهلاك صالح وأهله مكرًا منهم‏,‏ فنصرنا نبينا صالحًا عليه السلام‏,‏ وأخذناهم بالعقوبة على غِرَّة‏,‏ وهم لا يتوقعون كيدنا لهم جزاءً على كيدهم‏.‏
{‏فَانْظُرْ كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ مَكْرِهِمْ أَنَّا دَمَّرْنَاهُمْ وَقَوْمَهُمْ أَجْمَعِينَ‏}‏ ‏‏
فانظر ـ أيها الرسول ـ نظرة اعتبار إلى عاقبة غَدْر هؤلاء الرهط بنبيهم صالح‏؟‏ أنا أهلكناهم وقومهم أجمعين‏.‏
{‏فَتِلْكَ بُيُوتُهُمْ خَاوِيَةً بِمَا ظَلَمُوا إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَةً لِقَوْمٍ يَعْلَمُونَ‏}‏ ‏‏ فتلك مساكنهم خالية ليس فيها منهم أحد‏,‏ أهلكهم الله‏;‏ بسبب ظلمهم لأنفسهم بالشرك‏,‏ وتكذيب نبيهم‏.‏ إن في ذلك التدمير والإهلاك لَعظة لقوم يعلمون ما فعلناه بهم‏,‏ وهذه سنتنا فيمن يكذب المرسلين‏.‏

‏‏ ‏{‏وَلُوطًا إِذْ قَالَ لِقَوْمِهِ أَتَأْتُونَ الْفَاحِشَةَ وَأَنْتُمْ تُبْصِرُونَ‏}‏ إلى آخر القصة‏.‏
أي‏:‏ واذكر عبدنا ورسولنا لوطا ونبأه الفاضل حين قال لقومه ـ داعيا إلى الله وناصحًا ـ‏:‏ ‏{‏أَتَأْتُونَ الْفَاحِشَةَ‏}‏ أي‏:‏ الفعلة الشنعاء التي تستفحشها العقول والفطر وتستقبحها الشرائع ‏{‏وَأَنْتُمْ تُبْصِرُونَ‏}‏ ذلك وتعلمون قبحه فعاندتم وارتكبتم ذلك ظلما منكم وجرأة على الله‏.‏
ثم فسر تلك الفاحشة فقال‏:‏ ‏{‏أَئِنَّكُمْ لَتَأْتُونَ الرِّجَالَ شَهْوَةً مِنْ دُونِ النِّسَاءِ‏}‏ أي‏:‏ كيف توصلتم إلى هذه الحال، صارت شهوتكم للرجال، وأدبارهم محل الغائط والنجو والخبث، وتركتم ما خلق الله لكم من النساء من المحال الطيبة التي جبلت النفوس إلى الميل إليها وأنتم انقلب عليكم الأمر فاستحسنتم القبيح واستقبحتم الحسن ‏{‏بَلْ أَنْتُمْ قَوْمٌ تَجْهَلُونَ‏}‏ متجاوزون لحدود الله متجرئون على محارمه‏.‏
{‏فَمَا كَانَ جَوَابَ قَوْمِهِ‏}‏ قبول ولا انزجار ولا تذكر وادكار، إنما كان جوابهم المعارضة والمناقضة والتوعد لنبيهم الناصح ورسولهم الأمين بالإجلاء عن وطنه والتشريد عن بلده‏.‏ فما كان جواب قومه ‏{‏إِلَّا أَنْ قَالُوا أَخْرِجُوا آلَ لُوطٍ مِنْ قَرْيَتِكُمْ‏}
فكأنه قيل‏:‏ ما نقمتم منهم وما ذنبهم الذي أوجب لهم الإخراج، فقالوا‏:‏ ‏{‏إِنَّهُمْ أُنَاسٌ يَتَطَهَّرُونَ‏}‏ أي‏:‏ يتنزهون عن اللواط وأدبار الذكور‏.‏ فقبحهم الله جعلوا أفضل الحسنات بمنزلة أقبح السيئات، ولم يكتفوا بمعصيتهم لنبيهم فيما وعظهم به حتى وصلوا إلى إخراجه، والبلاء موكل بالمنطق فهم قالوا‏:‏ ‏{‏أَخْرِجُوهُمْ مِنْ قَرْيَتِكُمْ إِنَّهُمْ أُنَاسٌ يَتَطَهَّرُونَ‏}
ومفهوم هذا الكلام‏:‏ ‏"‏ وأنتم متلوثون بالخبث والقذارة المقتضي لنزول العقوبة بقريتكم ونجاة من خرج منها ‏"‏
ولهذا قال تعالى‏:‏ ‏{‏فَأَنْجَيْنَاهُ وَأَهْلَهُ إِلَّا امْرَأَتَهُ قَدَّرْنَاهَا مِنَ الْغَابِرِينَ‏}‏ وذلك لما جاءته الملائكة في صورة أضياف وسمع بهم قومه فجاءوا إليه يريدونهم بالشر وأغلق الباب دونهم واشتد الأمر عليه، ثم أخبرته الملائكة عن جلية الحال وأنهم جاءوا لاستنقاذه وإخراجه من بين أظهرهم وأنهم يريدون إهلاكهم وأن موعدهم الصبح، وأمروه أن يسري بأهله ليلا إلا امرأته فإنه سيصيبها ما أصابهم فخرج بأهله ليلا فنجوا وصبحهم العذاب، فقلب الله عليهم ديارهم وجعل أعلاها أسفلها وأمطر عليهم حجارة من سجيل منضود مسومة عند ربك‏.‏
ولهذا قال هنا‏:‏ ‏{‏وَأَمْطَرْنَا عَلَيْهِمْ مَطَرًا فَسَاءَ مَطَرُ الْمُنْذَرِينَ‏}‏ أي‏:‏ بئس المطر مطرهم وبئس العذاب عذابهم لأنهم أنذروا وخوفوا فلم ينزجروا ولم يرتدعوا فأحل الله بهم عقابه الشديد‏.‏
‏‏ ‏{‏قُلِ الْحَمْدُ لِلَّهِ وَسَلَامٌ عَلَى عِبَادِهِ الَّذِينَ اصْطَفَى آللَّهُ خَيْرٌ أَمَّا يُشْرِكُونَ‏}
أي‏:‏ قل الحمد لله الذي يستحق كمال الحمد والمدح والثناء لكمال أوصافه وجميل معروفه وهباته وعدله وحكمته في عقوبته المكذبين وتعذيب الظالمين، وسلم أيضا على عباده الذين تخيرهم واصطفاهم على العالمين من الأنبياء والمرسلين وصفوة الله من العالمين، وذلك لرفع ذكرهم وتنويها بقدرهم وسلامتهم من الشر والأدناس، وسلامة ما قالوه في ربهم من النقائص والعيوب‏.‏
{‏آللَّهُ خَيْرٌ أمَا يُشْرِكُونَ‏}‏ وهذا استفهام قد تقرر وعرف، أي‏:‏ الله الرب العظيم كامل الأوصاف عظيم الألطاف خير أم الأصنام والأوثان التي عبدوها معه، وهي ناقصة من كل وجه، لا تنفع ولا تضر ولا تملك لأنفسها ولا لعابديها مثقال ذرة من الخير فالله خير مما يشركون‏.‏
ثم ذكر تفاصيل ما به يعرف ويتعين أنه الإله المعبود وأن عبادته هي الحق وعبادة ‏
‏‏ ‏{‏أَمَّنْ خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ وَأَنْزَلَ لَكُمْ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً فَأَنْبَتْنَا بِهِ حَدَائِقَ ذَاتَ بَهْجَةٍ مَا كَانَ لَكُمْ أَنْ تُنْبِتُوا شَجَرَهَا أَإِلَهٌ مَعَ اللَّهِ بَلْ هُمْ قَوْمٌ يَعْدِلُونَ‏}‏
أي‏:‏ أمن خلق السماوات وما فيها من الشمس والقمر والنجوم والملائكة والأرض وما فيها من جبال وبحار وأنهار وأشجار وغير ذلك‏.‏
‏{‏وَأَنْزَلَ لَكُمْ‏}‏ أي‏:‏ لأجلكم ‏{‏مِنَ السَّمَاءِ مَاءً فَأَنْبَتْنَا بِهِ حَدَائِقَ‏}‏ أي‏:‏ بساتين ‏{‏ذَاتَ بَهْجَةٍ‏}‏ أي‏:‏ حسن منظر من كثرة أشجارها وتنوعها وحسن ثمارها، ‏{‏مَا كَانَ لَكُمْ أَنْ تُنْبِتُوا شَجَرَهَا‏}‏ لولا منة الله عليكم بإنزال المطر‏.‏ ‏{‏أَإِلَهٌ مَعَ اللَّهِ‏}‏ فعل هذه الأفعال حتى يعبد معه ويشرك به‏؟‏ ‏{‏بَلْ هُمْ قَوْمٌ يَعْدِلُونَ‏}‏ به غيره ويسوون به سواه مع علمهم أنه وحده خالق العالم العلوي والسفلي ومنزل الرزق‏.‏
‏‏ ‏{‏أَمَّنْ جَعَلَ الْأَرْضَ قَرَارًا وَجَعَلَ خِلَالَهَا أَنْهَارًا وَجَعَلَ لَهَا رَوَاسِيَ وَجَعَلَ بَيْنَ الْبَحْرَيْنِ حَاجِزًا أَإِلَهٌ مَعَ اللَّهِ بَلْ أَكْثَرُهُمْ لَا يَعْلَمُونَ‏}‏
أي‏:‏ هل الأصنام والأوثان الناقصة من كل وجه التي لا فعل منها ولا رزق ولا نفع خير‏؟‏ أم الله الذي ‏{‏جَعَلَ الْأَرْضَ قَرَارًا‏}‏ يستقر عليها العباد ويتمكنون من السكنى والحرث والبناء والذهاب والإياب‏.‏ ‏{‏وَجَعَلَ خِلَالَهَا أَنْهَارًا‏}‏ أي‏:‏ جعل في خلال الأرض أنهارا ينتفع بها العباد في زروعهم وأشجارهم، وشربهم وشرب مواشيهم‏.‏
{‏وَجَعَلَ لَهَا رَوَاسِيَ‏}‏ أي‏:‏ جبالا ترسيها وتثبتها لئلا تميد وتكون أوتادا لها لئلا تضطرب‏.‏ ‏{‏وَجَعَلَ بَيْنَ الْبَحْرَيْنِ‏}‏ البحر المالح والبحر العذب ‏{‏حَاجِزًا‏}‏ يمنع من اختلاطهما فتفوت المنفعة المقصودة من كل منهما بل جعل بينهما حاجزا من الأرض، جعل مجرى الأنهار في الأرض مبعدة عن البحار فيحصل منها مقاصدها ومصالحها، ‏{‏أَإِلَهٌ مَعَ اللَّهِ‏}‏ فعل ذلك حتى يعدل به الله ويشرك به معه‏.‏ ‏{‏بَلْ أَكْثَرُهُمْ لَا يَعْلَمُونَ‏}‏ فيشركون بالله تقليدا لرؤسائهم وإلا فلو علموا حق العلم لم يشركوا به شيئا‏.‏
‏‏ ‏{‏أَمَّنْ يُجِيبُ الْمُضْطَرَّ إِذَا دَعَاهُ وَيَكْشِفُ السُّوءَ وَيَجْعَلُكُمْ خُلَفَاءَ الْأَرْضِ أَإِلَهٌ مَعَ اللَّهِ قَلِيلًا مَا تَذَكَّرُونَ‏}‏
أي‏:‏ هل يجيب المضطرب الذي أقلقته الكروب وتعسر عليه المطلوب واضطر للخلاص مما هو فيه إلا الله وحده‏؟‏ ومن يكشف السوء أي‏:‏ البلاء والشر والنقمة إلا الله وحده‏؟‏ ومن يجعلكم خلفاء الأرض يمكنكم منها ويمد لكم بالرزق ويوصل إليكم نعمه وتكونون خلفاء من قبلكم كما أنه سيميتكم ويأتي بقوم بعدكم أإله مع الله يفعل هذه الأفعال‏؟‏ لا أحد يفعل مع الله شيئا من ذلك حتى بإقراركم أيها المشركون، ولهذا كانوا إذا مسهم الضر دعوا الله مخلصين له الدين لعلمهم أنه وحده المقتدر على دفعه وإزالته، ‏{‏قَلِيلًا مَا تَذَكَّرُونَ‏}‏ أي‏:‏ قليل تذكركم وتدبركم للأمور التي إذا تذكرتموها ادَّكرتم ورجعتم إلى الهدى، ولكن الغفلة والإعراض شامل لكم فلذلك ما أرعويتم ولا اهتديتم‏.‏
‏‏ ‏{‏أَمَّنْ يَهْدِيكُمْ فِي ظُلُمَاتِ الْبَرِّ وَالْبَحْرِ وَمَنْ يُرْسِلُ الرِّيَاحَ بُشْرًا بَيْنَ يَدَيْ رَحْمَتِهِ أَإِلَهٌ مَعَ اللَّهِ تَعَالَى اللَّهُ عَمَّا يُشْرِكُونَ‏}‏
أي‏:‏ من هو الذي يهديكم حين تكونون في ظلمات البر والبحر، حيث لا دليل ولا معلم يرى ولا وسيلة إلى النجاة إلا هدايته لكم، وتيسيره الطريق وجعل ما جعل لكم من الأسباب التي تهتدون بها، ‏{‏وَمَنْ يُرْسِلُ الرِّيَاحَ بُشْرًا بَيْنَ يَدَيْ رَحْمَتِهِ‏}‏ أي‏:‏ بين يدي المطر، فيرسلها فتثير السحاب ثم تؤلفه ثم تجمعه ثم تلقحه ثم تدره، فيستبشر بذلك العباد قبل نزول المطر‏.‏ ‏{‏أَإِلَهٌ مَعَ اللَّهِ‏}‏ فعل ذلك‏؟‏ أم هو وحده الذي انفرد به‏؟‏ فلم أشركتم معه غيره وعبدتم سواه‏؟‏ ‏{‏تَعَالَى اللَّهُ عَمَّا يُشْرِكُونَ‏}‏ تعاظم وتنزه وتقدس عن شركهم وتسويتهم به غيره‏.‏
‏‏ ‏{‏أَمَّنْ يَبْدَأُ الْخَلْقَ ثُمَّ يُعِيدُهُ وَمَنْ يَرْزُقُكُمْ مِنَ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ أَإِلَهٌ مَعَ اللَّهِ قُلْ هَاتُوا بُرْهَانَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ‏}‏
أي‏:‏ من هو الذي يبدأ الخلق وينشئ المخلوقات ويبتدئ خلقها، ثم يعيد الخلق يوم البعث والنشور‏؟‏ ومن يرزقكم من السماء والأرض بالمطر والنبات‏؟‏‏.‏
{‏أَإِلَهٌ مَعَ اللَّهِ‏}‏ يفعل ذلك ويقدر عليه‏؟‏ ‏{‏قُلْ هَاتُوا بُرْهَانَكُمْ‏}‏ أي‏:‏ حجتكم ودليلكم على ما قلتم ‏{‏إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ‏}‏ وإلا فبتقدير أنكم تقولون‏:‏ إن الأصنام لها مشاركة له في شيء من ذلك فذلك مجرد دعوى صدقوها بالبرهان، وإلا فاعرفوا أنكم مبطلون لا حجة لكم، فارجعوا إلى الأدلة اليقينية والبراهين القطعية الدالة على أن الله هو المتفرد بجميع التصرفات وأنه المستحق أن تصرف له جميع أنواع العبادات‏.‏
‏‏ ‏{‏قُلْ لَا يَعْلَمُ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ الْغَيْبَ إِلَّا اللَّهُ وَمَا يَشْعُرُونَ أَيَّانَ يُبْعَثُونَ * بَلِ ادَّارَكَ عِلْمُهُمْ فِي الْآخِرَةِ بَلْ هُمْ فِي شَكٍّ مِنْهَا بَلْ هُمْ مِنْهَا عَمُونَ * وَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا أَئِذَا كُنَّا تُرَابًا وَآبَاؤُنَا أَئِنَّا لَمُخْرَجُونَ * لَقَدْ وُعِدْنَا هَذَا نَحْنُ وَآبَاؤُنَا مِنْ قَبْلُ إِنْ هَذَا إِلَّا أَسَاطِيرُ الْأَوَّلِينَ * قُلْ سِيرُوا فِي الْأَرْضِ فَانْظُرُوا كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الْمُجْرِمِينَ‏}‏
يخبر تعالى أنه المنفرد بعلم غيب السماوات والأرض كقوله تعالى‏:‏ ‏{‏وَعِنْدَهُ مَفَاتِحُ الْغَيْبِ لَا يَعْلَمُهَا إِلَّا هُوَ وَيَعْلَمُ مَا فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ وَمَا تَسْقُطُ مِنْ وَرَقَةٍ إِلَّا يَعْلَمُهَا وَلَا حَبَّةٍ فِي ظُلُمَاتِ الْأَرْضِ وَلَا رَطْبٍ وَلَا يَابِسٍ إِلَّا فِي كِتَابٍ مُبِينٍ‏}‏ وكقوله‏:‏ ‏{‏إِنَّ اللَّهَ عِنْدَهُ عِلْمُ السَّاعَةِ وَيُنَزِّلُ الْغَيْثَ وَيَعْلَمُ مَا فِي الْأَرْحَامِ‏}‏ إلى آخر السورة‏.‏
فهذه الغيوب ونحوها اختص الله بعلمها فلم يعلمها ملك مقرب ولا نبي مرسل، وإذا كان هو المنفرد بعلم ذلك المحيط علمه بالسرائر والبواطن والخفايا فهو الذي لا تنبغي العبادة إلا له، ثم أخبر تعالى عن ضعف علم المكذبين بالآخرة منتقلا من شيء إلى ما هو أبلغ منه فقال‏:‏ ‏{‏وَمَا يَشْعُرُونَ‏}‏ أي‏:‏ وما يدرون ‏{‏أَيَّانَ يُبْعَثُونَ‏}‏ أي‏:‏ متى البعث والنشور والقيام من القبور أي‏:‏ فلذلك لم يستعدوا‏.‏
{‏بَلِ ادَّارَكَ عِلْمُهُمْ فِي الْآخِرَةِ‏}‏ أي‏:‏ بل ضعف، وقل ولم يكن يقينا، ولا علما واصلا إلى القلب وهذا أقل وأدنى درجة للعلم ضعفه ووهاؤه، بل ليس عندهم علم قوي ولا ضعيف وإنما ‏{‏هُمْ فِي شَكٍّ مِنْهَا‏}‏ أي‏:‏ من الآخرة، والشك زال به العلم لأن العلم بجميع مراتبه لا يجامع الشك، ‏{‏بَلْ هُمْ مِنْهَا‏}‏ أي‏:‏ من الآخرة ‏{‏عَمُونَ‏}‏ قد عميت عنها بصائرهم، ولم يكن في قلوبهم من وقوعها ولا احتمال بل أنكروها واستبعدوها، ولهذا قال‏:‏ ‏{‏وَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا أَئِذَا كُنَّا تُرَابًا وَآبَاؤُنَا أَئِنَّا لَمُخْرَجُونَ‏}‏ أي‏:‏ هذا بعيد غير ممكن قاسوا قدرة كامل القدرة بقدرهم الضعيفة‏.‏
{‏لَقَدْ وُعِدْنَا هَذَا‏}‏ أي‏:‏ البعث ‏{‏نَحْنُ وَآبَاؤُنَا مِنْ قَبْلُ‏}‏ أي‏:‏ فلم يجئنا ولا رأينا منه شيئا‏.‏ ‏{‏إِنْ هَذَا إِلَّا أَسَاطِيرُ الْأَوَّلِينَ‏}‏ أي‏:‏ قصصهم وأخبارهم التي تقطع بها الأوقات وليس لها أصل ولا صدق فيها‏.‏
فانتقل في الإخبار عن أحوال المكذبين بالإخبار أنهم لا يدرون متى وقت الآخرة ثم الإخبار بضعف علمهم فيها ثم الإخبار بأنه شك ثم الإخبار بأنه عمى ثم الإخبار بإنكارهم لذلك واستبعادهم وقوعه‏.‏ أي‏:‏ وبسبب هذه الأحوال ترحل خوف الآخرة من قلوبهم فأقدموا على معاصي الله وسهل عليهم تكذيب الحق والتصديق بالباطل واستحلوا الشهوات على القيام بالعبادات فخسروا دنياهم وأخراهم‏.‏
‏‏ ثم نبههم على صدق ما أخبرت به الرسل فقال‏:‏ ‏{‏قُلْ سِيرُوا فِي الْأَرْضِ فَانْظُرُوا كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الْمُجْرِمِينَ‏}‏ فلا تجدون مجرما قد استمر على إجرامه، إلا وعاقبته شر عاقبة وقد أحل الله به من الشر والعقوبة ما يليق بحاله‏.‏
‏‏ ‏{‏وَلَا تَحْزَنْ عَلَيْهِمْ وَلَا تَكُ فِي ضَيْقٍ مِمَّا يَمْكُرُونَ * وَيَقُولُونَ مَتَى هَذَا الْوَعْدُ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ * قُلْ عَسَى أَنْ يَكُونَ رَدِفَ لَكُمْ بَعْضُ الَّذِي تَسْتَعْجِلُونَ‏}‏
أي‏:‏ لا تحزن يا محمد على هؤلاء المكذبين وعدم إيمانهم، فإنك لو علمت ما فيهم من الشر وأنهم لا يصلحون للخير، لم تأس ولم تحزن، ولا يضق صدرك ولا تقلق نفسك بمكرهم فإن مكرهم سيعود عاقبته عليهم، ‏{‏وَيَمْكُرُونَ وَيَمْكُرُ اللَّهُ وَاللَّهُ خَيْرُ الْمَاكِرِينَ‏}‏ ويقول المكذبون بالمعاد وبالحق الذي جاء به الرسول مستعجلين للعذاب‏:‏ ‏{‏مَتَى هَذَا الْوَعْدُ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ‏}
وهذا من سفاهة رأيهم وجهلهم فإن وقوعه ووقته قد أجله الله بأجله وقدره بقدر، فلا يدل عدم استعجاله على بعض مطلوبهم‏.‏
ولكن ـ مع هذا ـ قال تعالى محذرا لهم وقوع ما استعجلوه‏:‏ ‏{‏قُلْ عَسَى أَنْ يَكُونَ رَدِفَ لَكُمْ‏}‏ أي‏:‏ قرب منكم وأوشك أن يقع بكم ‏{‏بَعْضُ الَّذِي تَسْتَعْجِلُونَ‏}‏ من العذاب‏.‏
‏‏ ‏{‏وَإِنَّ رَبَّكَ لَذُو فَضْلٍ عَلَى النَّاسِ وَلَكِنَّ أَكْثَرَهُمْ لَا يَشْكُرُونَ * وَإِنَّ رَبَّكَ لَيَعْلَمُ مَا تُكِنُّ صُدُورُهُمْ وَمَا يُعْلِنُونَ * وَمَا مِنْ غَائِبَةٍ فِي السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ إِلَّا فِي كِتَابٍ مُبِينٍ‏}
ينبه عباده على سعة جوده وكثرة أفضاله ويحثهم على شكرها، ومع هذا فأكثر الناس قد أعرضوا عن الشكر واشتغلوا بالنعم عن المنعم‏.‏
{‏وَإِنَّ رَبَّكَ لَيَعْلَمُ مَا تُكِنُّ‏}‏ أي‏:‏ تنطوي عليه ‏{‏صُدُورُهُمْ وَمَا يُعْلِنُونَ‏}‏ فليحذروا من عالم السرائر والظواهر وليراقبوه‏.‏
{‏وَمَا مِنْ غَائِبَةٍ فِي السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ‏}‏ أي‏:‏ خفية وسر من أسرار العالم العلوي والسفلي ‏{‏إِلَّا فِي كِتَابٍ مُبِينٍ‏}‏ قد أحاط ذلك الكتاب بجميع ما كان ويكون إلى أن تقوم الساعة، فكل حادث يحدث جلي أو خفي إلا وهو مطابق لما كتب في اللوح المحفوظ‏.‏
‏‏ ‏{‏إِنَّ هَذَا الْقُرْآنَ يَقُصُّ عَلَى بَنِي إِسْرَائِيلَ أَكْثَرَ الَّذِي هُمْ فِيهِ يَخْتَلِفُونَ * وَإِنَّهُ لَهُدًى وَرَحْمَةٌ لِلْمُؤْمِنِينَ‏}
وهذا خبر عن هيمنة القرآن على الكتب السابقة وتفصيله وتوضيحه، لما كان فيها قد وقع فيه اشتباه واختلاف عند بني إسرائيل فقصه هذا القرآن قصا زال به الإشكال وبين به الصواب من المسائل المختلف فيها‏.‏ وإذا كان بهذه المثابة من الجلالة والوضوح وإزالة كل خلاف وفصل كل مشكل كان أعظم نعم الله على العباد ولكن ما كل أحد يقابل النعمة بالشكر‏.‏ ولهذا بين أن نفعه ونوره وهداه مختص بالمؤمنين فقال‏:‏ ‏{‏وَإِنَّهُ لَهُدًى‏}‏
من الضلالة والغي والشبه ‏{‏وَرَحْمَةٌ‏}‏ تنثلج له صدورهم وتستقيم به أمورهم الدينية والدنيوية ‏{‏لِلْمُؤْمِنِينَ‏}‏ به المصدقين له المتلقين له بالقبول المقبلين على تدبره المتفكرين في معانيه، فهؤلاء تحصل لهم به الهداية إلى الصراط المستقيم والرحمة المتضمنة للسعادة والفوز والفلاح‏.‏
‏‏ ‏{‏إِنَّ رَبَّكَ يَقْضِي بَيْنَهُمْ بِحُكْمِهِ وَهُوَ الْعَزِيزُ الْعَلِيمُ‏}
أي‏:‏ إن الله تعالى سيفصل بين المختصين وسيحكم بين المختلفين بحكمه العدل وقضائه القسط، فالأمور وإن حصل فيها اشتباه في الدنيا بين المختلفين لخفاء الدليل أو لبعض المقاصد فإنه سيبين فيها الحق المطابق للواقع حين يحكم الله فيها، ‏{‏وَهُوَ الْعَزِيزُ‏}‏ الذي قهر الخلائق فأذعنوا له، ‏{‏الْعَلِيمُ‏}‏ بجميع الأشياء ‏{‏الْعَلِيمُ‏}‏ بأقوال المختلفين وعن ماذا صدرت وعن غاياتها ومقاصدها وسيجازي كلا بما علمه فيه‏.‏
‏‏ ‏{‏فَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ إِنَّكَ عَلَى الْحَقِّ الْمُبِينِ * إِنَّكَ لَا تُسْمِعُ الْمَوْتَى وَلَا تُسْمِعُ الصُّمَّ الدُّعَاءَ إِذَا وَلَّوْا مُدْبِرِينَ * وَمَا أَنْتَ بِهَادِي الْعُمْيِ عَنْ ضَلَالَتِهِمْ إِنْ تُسْمِعُ إِلَّا مَنْ يُؤْمِنُ بِآيَاتِنَا فَهُمْ مُسْلِمُونَ‏}
أي‏:‏ اعتمد على ربك في جلب المصالح ودفع المضار وفي تبليغ الرسالة وإقامة الدين وجهاد الأعداء‏.‏ ‏{‏إِنَّكَ عَلَى الْحَقِّ الْمُبِينِ‏}‏ الواضح والذي على الحق يدعو إليه، ويقوم بنصرته أحق من غيره بالتوكل فإنه يسعى في أمر مجزوم به معلوم صدقه لا شك فيه ولا مرية‏.‏ وأيضا فهو حق في غاية البيان لا خفاء به ولا اشتباه، وإذا قمت بما حملت وتوكلت على الله في ذلك فلا يضرك ضلال من ضل وليس عليك هداهم فلهذا قال‏:‏ ‏{‏إِنَّكَ لَا تُسْمِعُ الْمَوْتَى وَلَا تُسْمِعُ الصُّمَّ الدُّعَاءَ‏}
أي‏:‏ حين تدعوهم وتناديهم، وخصوصا ‏{‏إِذَا وَلَّوْا مُدْبِرِينَ‏}‏ فإنه يكون أبلغ في عدم إسماعهم‏.‏
{‏وَمَا أَنْتَ بِهَادِي الْعُمْيِ عَنْ ضَلَالَتِهِمْ‏}‏ كما قال تعالى‏:‏ ‏{‏إِنَّكَ لَا تَهْدِي مَنْ أَحْبَبْتَ وَلَكِنَّ اللَّهَ يَهْدِي مَنْ يَشَاءُ‏}‏ ‏{‏إِنْ تُسْمِعُ إِلَّا مَنْ يُؤْمِنُ بِآيَاتِنَا فَهُمْ مُسْلِمُونَ‏}‏ أي‏:‏ هؤلاء الذين ينقادون لك، الذين يؤمنون بآيات الله وينقادون لها بأعمالهم واستسلامهم كما قال تعالى‏:‏ ‏{‏إِنَّمَا يَسْتَجِيبُ الَّذِينَ يَسْمَعُونَ وَالْمَوْتَى يَبْعَثُهُمُ اللَّهُ ثُمَّ إِلَيْهِ يُرْجَعُونَ‏}
‏‏ ‏{‏وَإِذَا وَقَعَ الْقَوْلُ عَلَيْهِمْ أَخْرَجْنَا لَهُمْ دَابَّةً مِنَ الْأَرْضِ تُكَلِّمُهُمْ أَنَّ النَّاسَ كَانُوا بِآيَاتِنَا لَا يُوقِنُونَ‏}
أي‏:‏ إذا وقع على الناس القول الذي حتمه الله وفرض وقته‏.‏ ‏{‏أَخْرَجْنَا لَهُمْ دَابَّةً‏}‏ خارجة ‏{‏مِنَ الْأَرْضِ‏}‏ أو دابة من دواب الأرض ليست من السماء‏.‏ وهذه الدابة ‏{‏تُكَلِّمُهُمْ‏}‏ أي‏:‏ تكلم العباد أن الناس كانوا بآياتنا لا يوقنون، أي‏:‏ لأجل أن الناس ضعف علمهم ويقينهم بآيات الله، فإظهار الله هذه الدابة من آيات الله العجيبة ليبين للناس ما كانوا فيه يمترون‏.‏
وهذه الدابة هي الدابة المشهورة التي تخرج في آخر الزمان وتكون من أشراط الساعة كما تكاثرت بذلك الأحاديث ‏
‏‏ ‏{‏وَيَوْمَ نَحْشُرُ مِنْ كُلِّ أُمَّةٍ فَوْجًا مِمَّنْ يُكَذِّبُ بِآيَاتِنَا فَهُمْ يُوزَعُونَ * حَتَّى إِذَا جَاءُوا قَالَ أَكَذَّبْتُمْ بِآيَاتِي وَلَمْ تُحِيطُوا بِهَا عِلْمًا أَمْ مَاذَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ * وَوَقَعَ الْقَوْلُ عَلَيْهِمْ بِمَا ظَلَمُوا فَهُمْ لَا يَنْطِقُونَ‏}
يخبر تعالى عن حالة المكذبين في موقف القيامة وأن الله يجمعهم، ويحشر من كل أمة من الأمم فوجا وطائفة ‏{‏مِمَّنْ يُكَذِّبُ بِآيَاتِنَا فَهُمْ يُوزَعُونَ‏}‏ يجمع أولهم على آخرهم وآخرهم على أولهم ليعمهم السؤال والتوبيخ واللوم‏.‏
{‏حَتَّى إِذَا جَاءُوا‏}‏ وحضروا قال لهم موبخا ومقرعا‏:‏ ‏{‏أَكَذَّبْتُمْ بِآيَاتِي وَلَمْ تُحِيطُوا بِهَا‏}‏ العلم أي‏:‏ الواجب عليكم التوقف حتى ينكشف لكم الحق وأن لا تتكلموا إلا بعلم، فكيف كذبتم بأمر لم تحيطوا به علما‏؟‏ ‏{‏أَمْ مَاذَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ‏}‏ أي‏:‏ يسألهم عن علمهم وعن عملهم فيجد عليهم تكذيبا بالحق، وعملهم لغير الله أو على غير سنة رسولهم‏.‏
{‏وَوَقَعَ الْقَوْلُ عَلَيْهِمْ بِمَا ظَلَمُوا‏}‏ أي‏:‏ حقت عليهم كلمة العذاب بسبب ظلمهم الذي استمروا عليه وتوجهت عليهم الحجة، ‏{‏فَهُمْ لَا يَنْطِقُونَ‏}‏ لأنه لا حجة لهم‏.‏
‏‏ ‏{‏أَلَمْ يَرَوْا أَنَّا جَعَلْنَا اللَّيْلَ لِيَسْكُنُوا فِيهِ وَالنَّهَارَ مُبْصِرًا إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَاتٍ لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ‏}
أي‏:‏ ألم يشاهدوا هذه الآية العظيمة والنعمة الجسيمة وهو تسخير الله لهم الليل والنهار، هذا بظلمته ليسكنوا فيه ويستريحوا من التعب ويستعدوا للعمل، وهذا بضيائه لينتشروا فيه في معاشهم وتصرفاتهم‏.‏ ‏{‏إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَاتٍ لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ‏}‏ على كمال وحدانية الله وسبوغ نعمته‏.‏
‏‏ ‏{‏وَيَوْمَ يُنْفَخُ فِي الصُّورِ فَفَزِعَ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَمَنْ فِي الْأَرْضِ إِلَّا مَنْ شَاءَ اللَّهُ وَكُلٌّ أَتَوْهُ دَاخِرِينَ * وَتَرَى الْجِبَالَ تَحْسَبُهَا جَامِدَةً وَهِيَ تَمُرُّ مَرَّ السَّحَابِ صُنْعَ اللَّهِ الَّذِي أَتْقَنَ كُلَّ شَيْءٍ إِنَّهُ خَبِيرٌ بِمَا تَفْعَلُونَ * مَنْ جَاءَ بِالْحَسَنَةِ فَلَهُ خَيْرٌ مِنْهَا وَهُمْ مِنْ فَزَعٍ يَوْمَئِذٍ آمِنُونَ * وَمَنْ جَاءَ بِالسَّيِّئَةِ فَكُبَّتْ وُجُوهُهُمْ فِي النَّارِ هَلْ تُجْزَوْنَ إِلَّا مَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ‏}
يخوف تعالى عباده ما أمامهم من يوم القيامة وما فيه من المحن والكروب، ومزعجات القلوب فقال‏:‏ ‏{‏وَيَوْمَ يُنْفَخُ فِي الصُّورِ فَفَزِعَ‏}‏ بسبب النفخ فيه ‏{‏مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَمَنْ فِي الْأَرْضِ‏}‏ أي‏:‏ انزعجوا وارتاعوا وماج بعضهم ببعض خوفا مما هو مقدمة له‏.‏ ‏{‏إِلَّا مَنْ شَاءَ اللَّهُ‏}‏ ممن أكرمه الله وثبته وحفظه من الفزع‏.‏ ‏{‏وَكُلٌّ‏}‏ من الخلق عند النفخ في الصور ‏{‏أَتَوْهُ دَاخِرِينَ‏}‏ صاغرين ذليلين، كما قال تعالى‏:‏ ‏{‏إِنْ كُلُّ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ إِلَّا آتِي الرَّحْمَنِ عَبْدًا‏}‏ ففي ذلك اليوم يتساوى الرؤساء والمرءوسون في الذل والخضوع لمالك الملك‏.‏
ومن هوله أنك ‏{‏ترى الْجِبَالَ تَحْسَبُهَا جَامِدَةً‏}‏ لا تفقد ‏{‏وَهِيَ تَمُرُّ مَرَّ السَّحَابِ‏}‏ من خفتها وشدة ذلك الخوف وذلك ‏{‏صُنْعَ اللَّهِ الَّذِي أَتْقَنَ كُلَّ شَيْءٍ إِنَّهُ خَبِيرٌ بِمَا تَفْعَلُونَ‏}‏ فيجازيكم بأعمالكم‏.‏
ثم بين كيفية جزائه فقال‏:‏ ‏{‏مَنْ جَاءَ بِالْحَسَنَةِ‏}‏ اسم جنس يشمل كل حسنة قولية أو فعلية أو قلبية ‏{‏فَلَهُ خَيْرٌ مِنْهَا‏}‏ هذا أقل التفضيل
{‏وَهُمْ مِنْ فَزَعٍ يَوْمَئِذٍ آمِنُونَ‏}‏ أي‏:‏ من الأمر الذي فزع الخلق لأجله آمنون وإن كانوا يفزعون معهم‏.‏
{‏وَمَنْ جَاءَ بِالسَّيِّئَةِ‏}‏ اسم جنس يشمل كل سيئة ‏{‏فَكُبَّتْ وُجُوهُهُمْ فِي النَّارِ‏}‏ أي‏:‏ ألقوا في النار على وجوههم ويقال لهم‏:‏ ‏{‏هَلْ تُجْزَوْنَ إِلَّا مَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ‏}
‏‏ ‏{‏إِنَّمَا أُمِرْتُ أَنْ أَعْبُدَ رَبَّ هَذِهِ الْبَلْدَةِ الَّذِي حَرَّمَهَا وَلَهُ كُلُّ شَيْءٍ وَأُمِرْتُ أَنْ أَكُونَ مِنَ الْمُسْلِمِينَ * وَأَنْ أَتْلُوَ الْقُرْآنَ فَمَنِ اهْتَدَى فَإِنَّمَا يَهْتَدِي لِنَفْسِهِ وَمَنْ ضَلَّ فَقُلْ إِنَّمَا أَنَا مِنَ الْمُنْذِرِينَ * وَقُلِ الْحَمْدُ لِلَّهِ سَيُرِيكُمْ آيَاتِهِ فَتَعْرِفُونَهَا وَمَا رَبُّكَ بِغَافِلٍ عَمَّا تَعْمَلُونَ‏}
أي‏:‏ قل لهم يا محمد ‏{‏إِنَّمَا أُمِرْتُ أَنْ أَعْبُدَ رَبَّ هَذِهِ الْبَلْدَةِ‏}‏ أي‏:‏ مكة المكرمة التي حرمها وأنعم على أهلها فيجب أن يقابلوا ذلك بالشكر والقبول‏.‏ ‏{‏وَلَهُ كُلُّ شَيْءٍ‏}‏ من العلويات والسفليات أتى به لئلا يتوهم اختصاص ربوبيته بالبيت وحده‏.‏ ‏{‏وَأُمِرْتُ أَنْ أَكُونَ مِنَ الْمُسْلِمِينَ‏}‏ أي‏:‏ أبادر إلى الإسلام، وقد فعل ـ صلى الله عليه وسلم ـ فإنه أول هذه الأمة إسلاما وأعظمها استسلاما‏.‏
‏{‏و‏}‏ أمرت أيضا ‏{‏أن أَتْلُوَ‏}‏ عليكم ‏{‏الْقُرْآنُ‏}‏ لتهتدوا به وتقتدوا وتعلموا ألفاظه ومعانيه فهذا الذي علي وقد أديته، ‏{‏فَمَنِ اهْتَدَى فَإِنَّمَا يَهْتَدِي لِنَفْسِهِ‏}‏ نفعه يعود عليه وثمرته عائدة إليه ‏{‏وَمَنْ ضَلَّ فَقُلْ إِنَّمَا أَنَا مِنَ الْمُنْذِرِينَ‏}‏ وليس بيدي من الهداية شيء‏.‏
{‏وَقُلِ الْحَمْدُ لِلَّهِ‏}‏ الذي له الحمد في الأولى والآخرة ومن جميع الخلق، خصوصا أهل الاختصاص والصفوة من عباده، فإن الذي ينبغي أن يقع منهم من الحمد والثناء على ربهم أعظم مما يقع من غيرهم لرفعة درجاتهم وكمال قربهم منه وكثرة خيراته عليهم‏.‏
{‏سَيُرِيكُمْ آياتِهِ فَتَعْرِفُونَهَا‏}‏ معرفة تدلكم على الحق والباطل، فلا بد أن يريكم من آياته ما تستنيرون به في الظلمات‏.‏ ‏{‏لِيَهْلِكَ مَنْ هَلَكَ عَنْ بَيِّنَةٍ وَيَحْيَا مَنْ حَيَّ عَنْ بَيِّنَةٍ‏}
{‏وَمَا رَبُّكَ بِغَافِلٍ عَمَّا تَعْمَلُونَ‏}‏ بل قد علم ما أنتم عليه من الأعمال والأحوال وعلم مقدار جزاء تلك الأعمال وسيحكم بينكم حكما تحمدونه عليه ولا يكون لكم حجة بوجه من الوجوه عليه‏.‏
تم تفسير سورة النمل بفضل الله وإعانته وتيسيره‏.‏
ونسأله تعالى أن لا تزال ألطافه ومعونته مستمرة علينا وواصلة منه إلينا، فهو أكرم الأكرمين وخير الراحمين وموصل المنقطعين ومجيب السائلين‏.‏
ميسر الأمور العسيرة وفاتح أبواب بركاته والمجزل في جميع الأوقات هباته، ميسر القرآن للمتذكرين ومسهل طرقه وأبوابه للمقبلين وممد مائدة خيراته ومبراته للمتفكرين والحمد لله رب العالمين‏.‏ وصلى الله على محمد وآله وصحبه وسلم‏.‏ على يد جامعه وممليه عبد الرحمن بن ناصر بن عبد الله السعدي غفر الله له ولوالديه ولجميع المسلمين، وذلك في 22 رمضان سنة 1343‏.‏
@@@الجوووري@@@
@@@الجوووري@@@
سورة الشعراء

‏{‏طسم‏}‏ ‏‏ سبق الكلام على الحروف المقطعة في أول سورة البقرة‏.‏
{‏تِلْكَ آيَاتُ الْكِتَابِ الْمُبِينِ‏}‏ ‏‏
هذه آيات القرآن الموضِّح لكل شيء الفاصل بين الهدى والضلال‏.‏
{‏لَعَلَّكَ بَاخِعٌ نَفْسَكَ أَلَّا يَكُونُوا مُؤْمِنِينَ‏}‏ ‏‏
لعلك ـ أيها الرسول ـ من شدة حرصك على هدايتهم مُهْلِك نفسك ؛ لأنهم لم يصدِّقوا بك ولم يعملوا بهديك ، فلا تفعل ذلك‏.‏
{‏إِنْ نَشَأْ نُنَزِّلْ عَلَيْهِمْ مِنَ السَّمَاءِ آيَةً فَظَلَّتْ أَعْنَاقُهُمْ لَهَا خَاضِعِينَ‏}‏ ‏‏
إن نشأ ننزل على المكذبين من قومك من الماء معجزة مخوِّفة لهم تلجئهم إلى الإيمان ، فتصير أعناقهم خاضعة ذليلة ، ولكننا لم نشأ ذلك‏;‏ فإن الإيمان النافع هو الإيمان بالغيب اختيارًا‏.‏
{‏وَمَا يَأْتِيهِمْ مِنْ ذِكْرٍ مِنَ الرَّحْمَنِ مُحْدَثٍ إِلَّا كَانُوا عَنْهُ مُعْرِضِينَ‏}‏ ‏‏
وما يجيء هؤلاء المشركين المكذبين مِن ذِكْرٍ من الرحمن مُحْدَث إنزاله ، شيئًا بعد شيء ، يأمرهم وينهاهم ، ويذكرهم بالدين الحق إلا أعرضوا عنه‏,‏ ولم يقبلوه‏.‏

{‏فَقَدْ كَذَّبُوا فَسَيَأْتِيهِمْ أَنْبَاءُ مَا كَانُوا بِهِ يَسْتَهْزِئُونَ‏}‏ ‏‏‏.‏
فقد كذَّبوا بالقرآن واستهزؤوا به‏,‏ فسيأتيهم أخبار الأمر الذي كانوا يستهزئون به ويسخرون منه‏,‏ وسيحلُّ بهم العذاب جزاء تمردهم على ربهم‏.‏
‏{‏أَوَلَمْ يَرَوْا إِلَى الْأَرْضِ كَمْ أَنْبَتْنَا فِيهَا مِنْ كُلِّ زَوْجٍ كَرِيمٍ‏}‏ ‏‏
{‏إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَةً وَمَا كَانَ أَكْثَرُهُمْ مُؤْمِنِينَ‏}‏ ‏‏
{‏وَإِنَّ رَبَّكَ لَهُوَ الْعَزِيزُ الرَّحِيمُ‏}‏ ‏‏
أكذبوا ولم ينظروا إلى الأرض التي أنبتنا فيها من كل نوع حسن نافع من النبات‏,‏ لا يقدر على إنباته إلا رب العالمين‏؟‏ إن في إخراج النبات من الأرض لَدلالة واضحة على كمال قدرة الله‏,‏ وما كان أكثر القوم مؤمنين‏.‏ وإن ربك لهو العزيز على كل مخلوق‏,‏ الرحيم الذي وسعت رحمته كل شيء‏.‏
{‏وَإِذْ نَادَى رَبُّكَ مُوسَى أَنِ ائْتِ الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ‏}‏ ‏‏
{‏قَوْمَ فِرْعَوْنَ أَلَا يَتَّقُونَ‏}‏ ‏‏
واذكر ـ أيها الرسول ـ لقومك إذ نادى ربك موسى‏:‏ أن ائت القوم الظالمين‏,‏ قوم فرعون، وقل لهم‏:‏ ألا يخافون عقاب الله تعالى، ويتركون ما هم عليه من الكفر والضلال‏؟‏

{‏قَالَ رَبِّ إِنِّي أَخَافُ أَنْ يُكَذِّبُونِ‏}‏ ‏‏
{‏وَيَضِيقُ صَدْرِي وَلَا يَنْطَلِقُ لِسَانِي فَأَرْسِلْ إِلَى هَارُونَ‏}‏ ‏‏‏.‏
{‏وَلَهُمْ عَلَيَّ ذَنْبٌ فَأَخَافُ أَنْ يَقْتُلُونِ‏}‏ ‏‏
قال موسى‏:‏ رب إني أخاف أن يكذبوني في الرسالة‏,‏ ويملأ صدري الغمُّ لتكذيبهم إياي، ولا ينطلق لساني بالدعوة فأرسِلْ جبريل بالوحي إلى أخي هارون ؛ ليعاونني‏.‏ ولهم علي ذنب في قتل رجل منهم‏,‏ وهو القبطي‏,‏ فأخاف أن يقتلوني به‏.‏

{‏قَالَ كَلَّا فَاذْهَبَا بِآيَاتِنَا إِنَّا مَعَكُمْ مُسْتَمِعُونَ‏}‏ ‏‏
{‏فَأْتِيَا فِرْعَوْنَ فَقُولَا إِنَّا رَسُولُ رَبِّ الْعَالَمِينَ‏}‏ ‏‏
{‏أَنْ أَرْسِلْ مَعَنَا بَنِي إِسْرَائِيلَ‏}‏ ‏‏
قال الله لموسى‏:‏ كلَّا لن يقتلوك‏,‏ وقد أجبت طلبك في هارون‏,‏ فاذهبا بالمعجزات الدالة على صدقكما‏,‏ إنا معكم بالعلم والحفظ والنصرة مستمعون‏.‏ فأتِيَا فرعون فقولا له‏:‏ إنا مرسَلان إليك وإلى قومك من رب العالمين‏:‏ أن اترك بني إسرائيل ؛ ليذهبوا معنا‏.‏
{‏قَالَ أَلَمْ نُرَبِّكَ فِينَا وَلِيدًا وَلَبِثْتَ فِينَا مِنْ عُمُرِكَ سِنِينَ‏}‏ ‏‏
{‏وَفَعَلْتَ فَعْلَتَكَ الَّتِي فَعَلْتَ وَأَنْتَ مِنَ الْكَافِرِينَ‏}‏ ‏‏
قال فرعون لموسى ممتنًا عليه‏:‏ ألم نُرَبِّك في منازلنا صغيرًا، ومكثت في رعايتنا سنين من عُمُرك وارتكبت جنايةً بقتلك رجلًا من قومي حين ضربته ودفعته‏,‏ وأنت من الجاحدين نعمتي المنكرين ربوبيتي‏؟‏
{‏قَالَ فَعَلْتُهَا إِذًا وَأَنَا مِنَ الضَّالِّينَ‏}‏ ‏‏
{‏فَفَرَرْتُ مِنْكُمْ لَمَّا خِفْتُكُمْ فَوَهَبَ لِي رَبِّي حُكْمًا وَجَعَلَنِي مِنَ الْمُرْسَلِينَ‏}‏ ‏‏
{‏وَتِلْكَ نِعْمَةٌ تَمُنُّهَا عَلَيَّ أَنْ عَبَّدْتَ بَنِي إِسْرَائِيلَ‏}‏ ‏‏
قال موسى مجيبًا لفرعون‏:‏ فعلتُ ما ذكرتَ قبل أن يوحي الله إلي‏,‏ ويبعثني رسولًا، فخرجت من بينكم فارًّا إلى ‏"‏مدين‏"‏، لمَّا خفت أن تقتلوني بما فعلتُ من غير عَمْد‏,‏ فوهب لي ربي تفضلًا منه النبوة والعلم‏,‏ وجعلني من المرسلين‏.‏ وتلك التربية في بيتك تَعُدُّها نعمة منك عليَّ، وقد جعلت بني إسرائيل عبيدًا تذبح أبناءهم وتستحيي نساءهم‏؟‏

{‏قَالَ فِرْعَوْنُ وَمَا رَبُّ الْعَالَمِينَ‏}‏ ‏‏
قال فرعون لموسى‏:‏ وما رب العالمين الذي تدَّعي أنك رسوله‏؟‏
{‏قَالَ رَبُّ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَمَا بَيْنَهُمَا إِنْ كُنْتُمْ مُوقِنِينَ‏}‏ ‏‏
قال موسى‏:‏ هو مالك ومدبر السموات والأرض وما بينهما، إن كنتم موقنين بذلك، فآمِنوا‏.‏
{‏قَالَ لِمَنْ حَوْلَهُ أَلَا تَسْتَمِعُونَ‏}‏ ‏‏
قال فرعون لمن حوله مِن أشراف قومه‏:‏ ألا تسمعون مقالة موسى العجيبة بوجود رب سواي‏؟‏
{‏قَالَ رَبُّكُمْ وَرَبُّ آبَائِكُمُ الْأَوَّلِينَ‏}‏ ‏‏
قال موسى‏:‏ الرب الذي أدعوكم إليه هو الذي خلقكم وخلق أباءكم الأولين‏,‏ فكيف تعبدون مَن هو مخلوق مثلكم‏,‏ وله آباء قد فنوا كآبائكم‏؟‏

{‏قَالَ إِنَّ رَسُولَكُمُ الَّذِي أُرْسِلَ إِلَيْكُمْ لَمَجْنُونٌ‏}‏ ‏‏
قال فرعون لخاصته يستثير غضبهم ؛ لتكذيب موسى إياه‏:‏ إن رسولكم الذي أرسل إليكم لمجنون‏,‏ يتكلم كلامًا لا يُعْقَل‏!‏
{‏قَالَ رَبُّ الْمَشْرِقِ وَالْمَغْرِبِ وَمَا بَيْنَهُمَا إِنْ كُنْتُمْ تَعْقِلُونَ‏}‏ ‏‏
قال موسى‏:‏ رب المشرق والمغرب وما بينهما وما يكون فيهما من نور وظلمة‏,‏ وهذا يستوجب الإيمان به وحده إن كنتم من أهل العقل والتدبر‏!‏

{‏قَالَ لَئِنِ اتَّخَذْتَ إِلَهًا غَيْرِي لَأَجْعَلَنَّكَ مِنَ الْمَسْجُونِينَ‏}‏ ‏‏
قال فرعون لموسى مهددًا له‏:‏ لئن اتخذت إلهًا غيري لأسجننك مع مَن سجنت‏.‏
{‏قَالَ أَوَلَوْ جِئْتُكَ بِشَيْءٍ مُبِينٍ‏}‏ ‏‏
قال موسى‏:‏ أتجعلني من المسجونين‏,‏ ولو جئتك ببرهان قاطع يتبين منه صدقي‏؟‏
{‏قَالَ فَأْتِ بِهِ إِنْ كُنْتَ مِنَ الصَّادِقِينَ‏}‏ ‏‏
قال فرعون‏:‏ فأت به إن كنت من الصادقين في دعواك‏.‏
{‏فَأَلْقَى عَصَاهُ فَإِذَا هِيَ ثُعْبَانٌ مُبِينٌ‏}‏ ‏‏
{‏وَنَزَعَ يَدَهُ فَإِذَا هِيَ بَيْضَاءُ لِلنَّاظِرِينَ‏}‏ ‏‏
فألقى موسى عصاه فتحولت ثعبانًا حقيقيًا‏,‏ ليس تمويهًا كما يفعل السحرة‏,‏ وأخرج يده مِن جيبه فإذا هي بيضاء كالثلج من غير برص، تَبْهَر الناظرين‏.‏
{‏قَالَ لِلْمَلَإِ حَوْلَهُ إِنَّ هَذَا لَسَاحِرٌ عَلِيمٌ‏}‏ ‏‏
{‏يُرِيدُ أَنْ يُخْرِجَكُمْ مِنْ أَرْضِكُمْ بِسِحْرِهِ فَمَاذَا تَأْمُرُونَ‏}‏ ‏‏
قال فرعون لأشراف قومه خشية أن يؤمنوا‏:‏ إن موسى لَساحر ماهر، يريد أن يخرجكم بسحره من أرضكم، فأي شيء تشيرون به في شأنه أتبع رأيكم فيه‏؟‏

{‏قَالُوا أَرْجِهْ وَأَخَاهُ وَابْعَثْ فِي الْمَدَائِنِ حَاشِرِينَ‏}‏ ‏‏
{‏يَأْتُوكَ بِكُلِّ سَحَّارٍ عَلِيمٍ‏}‏ ‏‏
قال له قومه‏:‏ أخِّر أمر موسى وهارون‏,‏ وأرسِلْ في المدائن جندًا جامعين للسحرة‏,‏ يأتوك بكلِّ مَن أجاد السحر، وتفوَّق في معرفته‏.‏
{‏فَجُمِعَ السَّحَرَةُ لِمِيقَاتِ يَوْمٍ مَعْلُومٍ‏}‏ ‏‏
{‏وَقِيلَ لِلنَّاسِ هَلْ أَنْتُمْ مُجْتَمِعُونَ‏}‏ ‏‏
فَجُمع السحرة، وحُدِّد لهم وقت معلوم، هو وقت الضحى من يوم الزينة الذي يتفرغون فيه من أشغالهم، ويجتمعون ويتزيَّنون؛ وذلك للاجتماع بموسى‏.‏ وحُثَّ الناس على الاجتماع‏;‏ أملًا في أن تكون الغلبة للسحرة‏.‏
{‏لَعَلَّنَا نَتَّبِعُ السَّحَرَةَ إِنْ كَانُوا هُمُ الْغَالِبِينَ‏}‏ ‏‏
إننا نطمع أن تكون الغلبة للسحرة، فنثبت على ديننا‏.‏

‏{‏فَلَمَّا جَاءَ السَّحَرَةُ قَالُوا لِفِرْعَوْنَ أَئِنَّ لَنَا لَأَجْرًا إِنْ كُنَّا نَحْنُ الْغَالِبِينَ‏}‏ ‏‏
فلما جاء السحرة فرعون قالوا له‏:‏ أإن لنا لأجرًا مِن مال أو جاه، إنْ كنا نحن الغالبين لموسى‏؟‏

{‏قَالَ نَعَمْ وَإِنَّكُمْ إِذًا لَمِنَ الْمُقَرَّبِينَ‏}‏ ‏‏
قال فرعون‏:‏ نعم لكم عندي ما طلبتم مِن أجر‏,‏ وإنكم حينئذ لمن المقربين لديَّ‏.‏
{‏قَالَ لَهُمْ مُوسَى أَلْقُوا مَا أَنْتُمْ مُلْقُونَ‏}‏ ‏‏
قال موسى للسحرة مريدًا إبطال سحرهم وإظهار أن ما جاء به ليس سحرًا‏:‏ ألقوا ما تريدون إلقاءه من السحر‏.‏

‏"‏ فَأَلْقَوْا حِبَالَهُمْ وَعِصِيَّهُمْ وَقَالُوا بِعِزَّةِ فِرْعَوْنَ إِنَّا لَنَحْنُ الْغَالِبُونَ ‏"‏‏‏
فألقَوا حبالهم وعصيَّهم‏,‏ وخُيِّل للناس أنها حيَّات تسعى‏,‏ وأقسموا بعزة فرعون قائلين‏:‏ إننا لنحن الغالبون‏.‏
{‏فَأَلْقَى مُوسَى عَصَاهُ فَإِذَا هِيَ تَلْقَفُ مَا يَأْفِكُونَ‏}‏ ‏‏
فألقى موسى عصاه‏,‏ فإذا هي حية عظيمة‏,‏ تبتلع ما صدر منهم من إفك وتزوير‏.‏
{‏فَأُلْقِيَ السَّحَرَةُ سَاجِدِينَ‏}‏ ‏‏
{‏قَالُوا آمَنَّا بِرَبِّ الْعَالَمِينَ‏}‏ ‏‏
{‏رَبِّ مُوسَى وَهَارُونَ‏}‏ ‏‏
فلما شاهدوا ذلك، وعلموا أنه ليس من تمويه السحرة‏,‏ آمنوا بالله وسجدوا له، وقالوا‏:‏ آمنَّا برب العالمين رب موسى وهارون‏.‏
{‏قَالَ آمَنْتُمْ لَهُ قَبْلَ أَنْ آذَنَ لَكُمْ إِنَّهُ لَكَبِيرُكُمُ الَّذِي عَلَّمَكُمُ السِّحْرَ فَلَسَوْفَ تَعْلَمُونَ لَأُقَطِّعَنَّ أَيْدِيَكُمْ وَأَرْجُلَكُمْ مِنْ خِلَافٍ وَلَأُصَلِّبَنَّكُمْ أَجْمَعِينَ‏}‏ ‏‏
قال فرعون للسحرة مستنكرًا‏:‏ آمنتم لموسى بغير إذن مني، وقال موهمًا أنَّ فِعْل موسى سحر‏:‏ إنه لكبيركم الذي علَّمكم السحر، فلسوف تعلمون ما ينزل بكم من عقاب‏:‏ لأقطعنَّ أيديكم وأرجلكم من خلاف‏:‏ بقطع اليد اليمنى والرجل اليسرى أو عكس ذلك، ولأصلبنَّكم أجمعين‏.‏
{‏قَالُوا لَا ضَيْرَ إِنَّا إِلَى رَبِّنَا مُنْقَلِبُونَ‏}‏ ‏‏
{‏إِنَّا نَطْمَعُ أَنْ يَغْفِرَ لَنَا رَبُّنَا خَطَايَانَا أَنْ كُنَّا أَوَّلَ الْمُؤْمِنِينَ‏}‏ ‏‏
قال السحرة لفرعون‏:‏ لا ضرر علينا فيما يلحقنا من عقاب الدنيا‏,‏ إنا راجعون إلى ربنا فيعطينا النعيم المقيم‏.‏ إنا نرجو أن يغفر لنا ربنا خطايانا من الشرك وغيره‏;‏ لكوننا أول المؤمنين في قومك‏.‏
{‏وَأَوْحَيْنَا إِلَى مُوسَى أَنْ أَسْرِ بِعِبَادِي إِنَّكُمْ مُتَّبَعُونَ‏}‏ ‏‏
وأوحى الله إلى موسى عليه السلام‏:‏ أَنْ سِرْ ليلًا بمن آمن من بني إسرائيل؛ لأن فرعون وجنوده متبعوكم حتى لا يدركوكم قبل وصولكم إلى البحر‏.‏
{‏فَأَرْسَلَ فِرْعَوْنُ فِي الْمَدَائِنِ حَاشِرِينَ‏}‏ ‏‏
فأرسل فرعون جنده ـ حين بلغه مسير بني إسرائيل ـ يجمعون جيشه من مدائن مملكته‏.‏

{‏إِنَّ هَؤُلَاءِ لَشِرْذِمَةٌ قَلِيلُونَ‏}‏ ‏‏
{‏وَإِنَّهُمْ لَنَا لَغَائِظُونَ‏}‏ ‏‏
{‏وَإِنَّا لَجَمِيعٌ حَاذِرُونَ‏}‏ ‏‏
قال فرعون‏:‏ إن بني اسرائيل الذين فرُّوا مع موسى لَطائفة حقيرة قليلة العدد، وإنهم لمالئون صدورنا غيظًا؛ حيث خالفوا ديننا‏,‏ وخرجوا بغير إذننا‏,‏ وإنا لجميع متيقظون مستعدون لهم‏.‏
{‏فَأَخْرَجْنَاهُمْ مِنْ جَنَّاتٍ وَعُيُونٍ‏}‏ ‏‏
{‏وَكُنُوزٍ وَمَقَامٍ كَرِيمٍ‏}‏ ‏‏
{‏كَذَلِكَ وَأَوْرَثْنَاهَا بَنِي إِسْرَائِيلَ‏}‏ ‏‏
فأخرج الله فرعون وقومه من أرض ‏"‏مصر‏"‏ ذات البساتين وعيون الماء وخزائن المال والمنازل الحسان‏.‏ وكما أخرجناهم، جعلنا هذه الديار من بعدهم لبني إسرائيل‏.‏
‏{‏فَأَتْبَعُوهُمْ مُشْرِقِينَ‏}‏ ‏‏
فلحق فرعون وجنده موسى ومَن معه وقت شروق الشمس‏.‏
‏{‏فَلَمَّا تَرَاءَى الْجَمْعَانِ قَالَ أَصْحَابُ مُوسَى إِنَّا لَمُدْرَكُونَ‏}‏ ‏‏
فلما رأى كل واحد من الفريقين الآخر قال أصحاب موسى‏:‏ إنَّ جَمْعَ فرعون مُدْرِكنا ومهلكنا‏.‏

{‏قَالَ كَلَّا إِنَّ مَعِيَ رَبِّي سَيَهْدِينِ‏}‏ ‏‏
قال موسى لهم‏:‏ كلَّا ليس الأمر كما ذكرتم فلن تُدْرَكوا‏;‏ إن معي ربي بالنصر، سيهديني لما فيه نجاتي ونجاتكم‏.‏
{‏فَأَوْحَيْنَا إِلَى مُوسَى أَنِ اضْرِبْ بِعَصَاكَ الْبَحْرَ فَانْفَلَقَ فَكَانَ كُلُّ فِرْقٍ كَالطَّوْدِ الْعَظِيمِ‏}‏ ‏‏ فأوحينا إلى موسى أن اضرب بعصاك البحر، فضرب، فانفلق البحر إلى اثني عشر طريقًا بعدد قبائل بني إسرائيل، فكانت كل قطعة انفصلت من البحر كالجبل العظيم‏.‏
عطـر الحكـي
عطـر الحكـي
يعطيك العافييييييييييييييه
@@@الجوووري@@@
@@@الجوووري@@@
تفسير سورة الفرقان

وهي مكية عند الجمهور
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ
‏‏ ‏{‏تَبَارَكَ الَّذِي نَزَّلَ الْفُرْقَانَ عَلَى عَبْدِهِ لِيَكُونَ لِلْعَالَمِينَ نَذِيرًا * الَّذِي لَهُ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَلَمْ يَتَّخِذْ وَلَدًا وَلَمْ يَكُنْ لَهُ شَرِيكٌ فِي الْمُلْكِ وَخَلَقَ كُلَّ شَيْءٍ فَقَدَّرَهُ تَقْدِيرًا‏}
هذا بيان لعظمته الكاملة وتفرده ‏
{‏الَّذِي لَهُ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ‏}‏ أى‏:‏ له التصرف فيهما وحده، وجميع من فيهما مماليك وعبيد له مذعنون لعظمته خاضعون لربوبيته، فقراء إلى رحمته الذي ‏{‏لَمْ يَتَّخِذْ وَلَدًا وَلَمْ يَكُنْ لَهُ شَرِيكٌ فِي الْمُلْكِ‏}‏ وكيف يكون له ولد أو شريك وهو المالك وغيره مملوك، وهو القاهر وغيره مقهور وهو الغني بذاته من جميع الوجوه، والمخلوقون مفتقرون إليه فقرا ذاتيا من جميع الوجوه‏؟‏‏"‏
وكيف يكون له شريك في الملك ونواصي العباد كلهم بيديه، فلا يتحركون أو يسكنون ولا يتصرفون إلا بإذنه فتعالى الله عن ذلك علوا كبيرا، فلم يقدره حق قدره من قال فيه ذلك ولهذا قال‏:‏ ‏{‏وَخَلَقَ كُلَّ شَيْءٍ‏}‏ شمل العالم العلوي والعالم السفلي من حيواناته ونباتاته وجماداته، ‏{‏فَقَدَّرَهُ تَقْدِيرًا‏}‏ أي‏:‏ أعطى كل مخلوق منها ما يليق به ويناسبه من الخلق وما تقتضيه حكمته من ذلك، بحيث صار كل مخلوق لا يتصور العقل الصحيح أن يكون بخلاف شكله وصورته المشاهدة، بل كل جزء وعضو من المخلوق الواحد لا يناسبه غير محله الذي هو فيه‏.‏ قال تعالى‏:‏ ‏{‏سَبِّحِ اسْمَ رَبِّكَ الْأَعْلَى الَّذِي خَلَقَ فَسَوَّى وَالَّذِي قَدَّرَ فَهَدَى‏}‏ وقال تعالى‏:‏ ‏{‏رَبُّنَا الَّذِي أَعْطَى كُلَّ شَيْءٍ خَلْقَهُ ثُمَّ هَدَى‏}‏ ولما بين كماله وعظمته وكثرة إحسانه كان ذلك مقتضيا لأن يكون وحده المحبوب المألوه المعظم المفرد بالإخلاص وحده لا شريك له ناسب أن يذكر بطلان عبادة ما سواه فقال‏:‏
‏‏ ‏{‏وَاتَّخَذُوا مِنْ دُونِهِ آلِهَةً لَا يَخْلُقُونَ شَيْئًا وَهُمْ يُخْلَقُونَ وَلَا يَمْلِكُونَ لِأَنْفُسِهِمْ ضَرًّا وَلَا نَفْعًا وَلَا يَمْلِكُونَ مَوْتًا وَلَا حَيَاةً وَلَا نُشُورًا‏}
أي‏:‏ من أعجب العجائب وأدل الدليل على سفههم ونقص عقولهم، بل أدل على ظلمهم وجراءتهم على ربهم أن اتخذوا آلهة بهذه الصفة، في كمال العجز أنها لا تقدر على خلق شيء بل هم مخلوقون، بل بعضهم مما عملته أيديهم‏.‏ ‏{‏وَلَا يَمْلِكُونَ لِأَنْفُسِهِمْ ضَرًّا وَلَا نَفْعًا‏}‏ أي‏:‏ لا قليلا ولا كثيرا، لأنه نكرة في سياق النفي‏.‏
{‏وَلَا يَمْلِكُونَ مَوْتًا وَلَا حَيَاةً وَلَا نُشُورًا‏}‏ أي‏:‏ بعثا بعد الموت، فأعظم أحكام العقل بطلان إلهيتها وفسادها وفساد عقل من اتخذها آلهة وشركاء للخالق لسائر المخلوقات من غير مشاركة له في ذلك، الذي بيده النفع والضر والعطاء والمنع الذي يحيي ويميت ويبعث من في القبور ويجمعهم ليوم النشور، وقد جعل لهم دارين دار الشقاء والخزي والنكال لمن اتخذ معه آلهة أخرى، ودار الفوز والسعادة والنعيم المقيم لمن اتخذه وحده معبودا‏.‏
ولما قرر بالدليل القاطع الواضح صحة التوحيد وبطلان ضده قرر صحة الرسالة وبطلان قول من عارضها واعترضها فقال‏:‏
‏‏ ‏{‏وَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا إِنْ هَذَا إِلَّا إِفْكٌ افْتَرَاهُ وَأَعَانَهُ عَلَيْهِ قَوْمٌ آخَرُونَ فَقَدْ جَاءُوا ظُلْمًا وَزُورًا * وَقَالُوا أَسَاطِيرُ الْأَوَّلِينَ اكْتَتَبَهَا فَهِيَ تُمْلَى عَلَيْهِ بُكْرَةً وَأَصِيلًا * قُلْ أَنْزَلَهُ الَّذِي يَعْلَمُ السِّرَّ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ إِنَّهُ كَانَ غَفُورًا رَحِيمًا‏}
أي‏:‏ وقال الكافرون بالله الذي أوجب لهم كفرهم أن قالوا في القرآن والرسول‏:‏ إن هذا القرآن كذب كذبه محمد وإفك افتراه على الله وأعانه على ذلك قوم آخرون‏.‏
فرد الله عليهم ذلك بأن هذا مكابرة منهم وإقدام على الظلم والزور، الذي لا يمكن أن يدخل عقل أحد وهم أشد الناس معرفة بحالة الرسول ـ صلى الله عليه وسلم ـ وكمال صدقه وأمانته وبره التام وأنه لا يمكنه، لا هو ولا سائر الخلق أن يأتوا بهذا القرآن الذي هو أجل الكلام وأعلاه وأنه لم يجتمع بأحد يعينه على ذلك فقد جاءوا بهذا القول ظلما وزورا‏.‏
ومن جملة أقاويلهم فيه أن قالوا‏:‏ هذا الذي جاء به محمد ‏{‏أَسَاطِيرُ الْأَوَّلِينَ اكْتَتَبَهَا‏}‏ أي‏:‏ هذا قصص الأولين وأساطيرهم التي تتلقاها الأفواه وينقلها كل أحد استنسخها محمد ‏{‏فَهِيَ تُمْلَى عَلَيْهِ بُكْرَةً وَأَصِيلًا‏}‏ وهذا القول منهم فيه عدة عظائم‏:‏
منها‏:‏ رميهم الرسول الذي هو أبر الناس وأصدقهم بالكذب والجرأة العظيمة‏.‏
ومنها‏:‏ إخبارهم عن هذا القرآن الذي هو أصدق الكلام وأعظمه وأجله ـ بأنه كذب وافتراء‏.‏
ومنها‏:‏ أن في ضمن ذلك أنهم قادرون أن يأتوا بمثله وأن يضاهي المخلوق الناقص من كل وجه للخالق الكامل من كل وجه بصفة من صفاته، وهي الكلام‏.‏
ومنها‏:‏ أن الرسول قد علمت حالته وهم أشد الناس علما بها، أنه لا يكتب ولا يجتمع بمن يكتب له وقد زعموا ذلك‏.‏
فلذلك رد عليهم ذلك بقوله‏:‏ ‏{‏قُلْ أَنْزَلَهُ الَّذِي يَعْلَمُ السِّرَّ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ‏}‏ أي‏:‏ أنزله من أحاط علمه بما في السماوات وما في الأرض، من الغيب والشهادة والجهر والسر كقوله‏:‏ ‏{‏وَإِنَّهُ لَتَنْزِيلُ رَبِّ الْعَالَمِينَ نَزَلَ بِهِ الرُّوحُ الْأَمِينُ عَلَى قَلْبِكَ لِتَكُونَ مِنَ الْمُنْذِرِينَ‏}
ووجه إقامة الحجة عليهم أن الذي أنزله، هو المحيط علمه بكل شيء، فيستحيل ويمتنع أن يقول مخلوق ويتقول عليه هذا القرآن، ويقول‏:‏ هو من عند الله وما هو من عنده ويستحل دماء من خالفه وأموالهم، ويزعم أن الله قال له ذلك، والله يعلم كل شيء ومع ذلك فهو يؤيده وينصره على أعدائه، ويمكنه من رقابهم وبلادهم فلا يمكن أحدا أن ينكر هذا القرآن، إلا بعد إنكار علم الله، وهذا لا تقول به طائفة من بني آدم سوى الفلاسفة الدهرية‏.‏
وأيضًا فإن ذكر علمه تعالى العام ينبههم‏:‏ ويحضهم على تدبر القرآن، وأنهم لو تدبروا لرأوا فيه من علمه وأحكامه ما يدل دلالة قاطعة على أنه لا يكون إلا من عالم الغيب والشهادة، ومع إنكارهم للتوحيد والرسالة من لطف الله بهم، أنه لم يدعهم وظلمهم بل دعاهم إلى التوبة والإنابة إليه ووعدهم بالمغفرة والرحمة، إن هم تابوا ورجعوا فقال‏:‏ ‏{‏إِنَّهُ كَانَ غَفُورًا‏}‏ أي‏:‏ وصفه المغفرة لأهل الجرائم والذنوب، إذا فعلوا أسباب المغفرة وهي الرجوع عن معاصيه والتوبة منها‏.‏ ‏{‏رَحِيمًا‏}‏ بهم حيث لم يعاجلهم بالعقوبة وقد فعلوا مقتضاها، وحيث قبل توبتهم بعد المعاصي وحيث محا ما سلف من سيئاتهم وحيث قبل حسناتهم وحيث أعاد الراجع إليه بعد شروده والمقبل عليه بعد إعراضه إلى حالة المطيعين المنيبين إليه‏.‏
‏‏ ‏{‏وَقَالُوا مَالِ هَذَا الرَّسُولِ يَأْكُلُ الطَّعَامَ وَيَمْشِي فِي الْأَسْوَاقِ لَوْلَا أُنْزِلَ إِلَيْهِ مَلَكٌ فَيَكُونَ مَعَهُ نَذِيرًا * أَوْ يُلْقَى إِلَيْهِ كَنْزٌ أَوْ تَكُونُ لَهُ جَنَّةٌ يَأْكُلُ مِنْهَا وَقَالَ الظَّالِمُونَ إِنْ تَتَّبِعُونَ إِلَّا رَجُلًا مَسْحُورًا * انْظُرْ كَيْفَ ضَرَبُوا لَكَ الْأَمْثَالَ فَضَلُّوا فَلَا يَسْتَطِيعُونَ سَبِيلًا * تَبَارَكَ الَّذِي إِنْ شَاءَ جَعَلَ لَكَ خَيْرًا مِنْ ذَلِكَ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ وَيَجْعَلْ لَكَ قُصُورًا * بَلْ كَذَّبُوا بِالسَّاعَةِ وَأَعْتَدْنَا لِمَنْ كَذَّبَ بِالسَّاعَةِ سَعِيرًا * إِذَا رَأَتْهُمْ مِنْ مَكَانٍ بَعِيدٍ سَمِعُوا لَهَا تَغَيُّظًا وَزَفِيرًا * وَإِذَا أُلْقُوا مِنْهَا مَكَانًا ضَيِّقًا مُقَرَّنِينَ دَعَوْا هُنَالِكَ ثُبُورًا * لَا تَدْعُوا الْيَوْمَ ثُبُورًا وَاحِدًا وَادْعُوا ثُبُورًا كَثِيرًا‏}‏‏.‏
هذا من مقالة المكذبين للرسول الذين قدحوا بها في رسالته، وهو أنهم اعترضوا بأنه هلا كان ملكا أو مليكا، أو يساعده ملك فقالوا‏:‏ ‏{‏مَالِ هَذَا الرَّسُولِ‏}‏ أي‏:‏ ما لهذا الذي ادعى الرسالة‏؟‏ تهكما منهم واستهزاء‏.‏
‏{‏يَأْكُلُ الطَّعَامَ‏}‏ وهذا من خصائص البشر فهلا كان ملكا لا يأكل الطعام، ولا يحتاج إلى ما يحتاج إليه البشر، ‏{‏وَيَمْشِي فِي الْأَسْوَاقِ‏}‏ للبيع والشراء وهذا ـ بزعمهم ـ لا يليق بمن يكون رسولا، مع أن الله قال‏:‏ ‏{‏وَمَا أَرْسَلْنَا قَبْلَكَ مِنَ الْمُرْسَلِينَ إِلَّا إِنَّهُمْ لَيَأْكُلُونَ الطَّعَامَ وَيَمْشُونَ فِي الْأَسْوَاقِ‏}‏‏.‏
{‏لَوْلَا أُنْزِلَ إِلَيْهِ مَلَكٌ‏}‏ أي‏:‏ هلا أنزل معه ملك يساعده ويعاونه، ‏{‏فَيَكُونَ مَعَهُ نَذِيرًا‏}‏ وبزعمهم أنه غير كاف للرسالة ولا بطوقه وقدرته القيام بها‏.‏
{‏أَوْ يُلْقَى إِلَيْهِ كَنْزٌ‏}‏ أي‏:‏ مال مجموع من غير تعب، ‏{‏أَوْ تَكُونُ لَهُ جَنَّةٌ يَأْكُلُ مِنْهَا‏}‏ فيستغني بذلك عن مشيه في الأسواق لطلب الرزق‏.‏
‏{‏وَقَالَ الظَّالِمُونَ‏}‏ حملهم على القول ظلمهم لا اشتباه منهم، ‏{‏إِنْ تَتَّبِعُونَ إِلَّا رَجُلًا مَسْحُورًا‏}‏ هذا وقد علموا كمال عقله وحسن حديثه، وسلامته من جميع المطاعن‏.‏ ولما كانت هذه الأقوال منهم عجيبة جدا قال تعالى‏:‏ ‏{‏انْظُرْ كَيْفَ ضَرَبُوا لَكَ الْأَمْثَالَ‏}‏ وهي‏:‏ أنه هلا كان ملكا وزالت عنه خصائص البشر‏؟‏ أو معه ملك لأنه غير قادر على ما قال، أو أنزل عليه كنز، أو جعلت له جنة تغنيه عن المشي في الأسواق أو أنه كان مسحورًا‏.‏
{‏فَضَلُّوا فَلَا يَسْتَطِيعُونَ سَبِيلًا‏}‏ قالوا أقوالا متناقضة كلها جهل وضلال وسفه، ليس في شيء منها هداية بل ولا في شيء منها أدنى شبهة تقدح في الرسالة، فبمجرد النظر إليها وتصورها يجزم العاقل ببطلانها ويكفيه عن ردها، ولهذا أمر تعالى بالنظر إليها وتدبرها والنظر‏:‏ هل توجب التوقف عن الجزم للرسول بالرسالة والصدق‏؟‏ ولهذا أخبر أنه قادر على أن يعطيك خيرا كثيرا في الدنيا فقال‏:‏ ‏{‏تَبَارَكَ الَّذِي إِنْ شَاءَ جَعَلَ لَكَ خَيْرًا مِنْ ذَلِكَ‏}‏ أي‏:‏ خيرا مما قالوا، ثم فسره بقوله‏:‏ ‏{‏جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ وَيَجْعَلْ لَكَ قُصُورًا‏}‏ مرتفعة مزخرفة، فقدرته ومشيئته لا تقصر عن ذلك ولكنه تعالى ـ لما كانت الدنيا عنده في غاية البعد والحقارة ـ أعطى منها أولياءه ورسله ما اقتضته حكمته منها، واقتراح أعدائهم بأنهم هلا رزقوا منها رزقا كثيرا جدا ظلم وجراءة‏.‏
ولما كانت تلك الأقوال التي قالوها معلومة الفساد أخبر تعالى أنها لم تصدر منهم لطلب الحق، ولا لاتباع البرهان وإنما صدرت منهم تعنتا وظلما وتكذيبا بالحق، فقالوا ما بقلوبهم من ذلك ولهذا قال‏:‏ ‏{‏بَلْ كَذَّبُوا بِالسَّاعَةِ‏}‏ والمكذب المتعنت الذي ليس له قصد في اتباع الحق، لا سبيل إلى هدايته ولا حيلة في مجادلته وإنما له حيلة واحدة وهي نزول العذاب به، فلهذا قال‏:‏ ‏{‏وَأَعْتَدْنَا لِمَنْ كَذَّبَ بِالسَّاعَةِ سَعِيرًا‏}‏ أي‏:‏ نارا عظيمة قد اشتد سعيرها، وتغيظت على أهلها واشتد زفيرها‏.‏
‏{‏إِذَا رَأَتْهُمْ مِنْ مَكَانٍ بَعِيدٍ‏}‏ أي‏:‏ قبل وصولهم ووصولها إليهم، ‏{‏سَمِعُوا لَهَا تَغَيُّظًا‏}‏ عليهم ‏{‏وَزَفِيرًا‏}‏ تقلق منهم الأفئدة وتتصدع القلوب، ويكاد الواحد منهم يموت خوفا منها وذعرا قد غضبت عليهم لغضب خالقها وقد زاد لهبها لزيادة كفرهم وشرهم‏.‏
{‏وَإِذَا أُلْقُوا مِنْهَا مَكَانًا ضَيِّقًا مُقَرَّنِينَ‏}‏ أي‏:‏ وقت عذابهم وهم في وسطها، جمع في مكان بين ضيق المكان وتزاحم السكان وتقرينهم بالسلاسل والأغلال، فإذا وصلوا لذلك المكان النحس وحبسوا في أشر حبس ‏{‏دَعَوْا هُنَالِكَ ثُبُورًا‏}‏ دعوا على أنفسهم بالثبور والخزي والفضيحة وعلموا أنهم ظالمون معتدون، قد عدل فيهم الخالق حيث أنزلهم بأعمالهم هذا المنزل، وليس ذلك الدعاء والاستغاثة بنافعة لهم ولا مغنية من عذاب الله، بل يقال لهم‏:‏ ‏{‏لَا تَدْعُوا الْيَوْمَ ثُبُورًا وَاحِدًا وَادْعُوا ثُبُورًا كَثِيرًا‏}‏ أي‏:‏ لو زاد ما قلتم أضعاف أضعافه ما أفادكم إلا الهم والغم والحزن‏.‏
لما بين جزاء الظالمين ناسب أن يذكر جزاء المتقين فقال‏:‏
‏‏ ‏{‏قُلْ أَذَلِكَ خَيْرٌ أَمْ جَنَّةُ الْخُلْدِ الَّتِي وُعِدَ الْمُتَّقُونَ كَانَتْ لَهُمْ جَزَاءً وَمَصِيرًا * لَهُمْ فِيهَا مَا يَشَاءُونَ خَالِدِينَ كَانَ عَلَى رَبِّكَ وَعْدًا مَسْئُولًا‏}
أي‏:‏ قل لهم ـ مبينا لسفاهة رأيهم واختيارهم الضار على النافع ـ‏:‏ ‏{‏أَذَلِكَ‏}‏ الذي وصفت لكم من العذاب ‏{‏خَيْرٌ أَمْ جَنَّةُ الْخُلْدِ الَّتِي وُعِدَ الْمُتَّقُونَ‏}‏ التي زادها تقوى الله فمن قام بالتقوى فالله قد وعده إياها، ‏{‏كَانَتْ لَهُمْ جَزَاءً‏}‏ على تقواهم ‏{‏وَمَصِيرًا‏}‏ موئلا يرجعون إليها، ويستقرون فيها ويخلدون دائما أبدا‏.‏
{‏لَهُمْ فِيهَا مَا يَشَاءُونَ‏}‏ أي‏:‏ يطلبون وتتعلق بهم أمانيهم ومشيئتهم، من المطاعم والمشارب اللذيذة والملابس الفاخرة والنساء الجميلات والقصور العاليات والجنات والحدائق المرجحنة والفواكه التي تسر ناظريها وآكليها، من حسنها وتنوعها وكثرة أصنافها والأنهار التي تجري في رياض الجنة وبساتينها، حيث شاءوا يصرفونها ويفجرونها أنهارا من ماء غير آسن وأنهارا من لبن لم يتغير طعمه وأنهارا من خمر لذة للشاربين وأنهارا من عسل مصفى وروائح طيبة، ومساكن مزخرفة، وأصوات شجية تأخذ من حسنها بالقلوب ومزاورة الإخوان، والتمتع بلقاء الأحباب، وأعلى من ذلك كله التمتع بالنظر إلى وجه الرب الرحيم وسماع كلامه، والحظوة بقربه والسعادة برضاه والأمن من سخطه واستمرار هذا النعيم ودوامه وزيادته على ممر الأوقات وتعاقب الآنات ‏{‏كَانَ‏}‏ دخولها والوصول إليها ‏{‏عَلَى رَبِّكَ وَعْدًا مَسْئُولًا‏}‏ يسأله إياها، عباده المتقون بلسان حالهم ولسان مقالهم، فأي الدارين المذكورتين خير وأولى بالإيثار‏؟‏ وأي‏:‏ العاملين عمال دار الشقاء أو عمال دار السعادة أولى بالفضل والعقل والفخر يا أولي الألباب‏؟‏
لقد وضح الحق واستنار السبيل فلم يبق للمفرط عذر في تركه الدليل، فنرجوك يا من قضيت على أقوام بالشقاء وأقوام بالسعادة أن تجعلنا ممن كتبت لهم الحسنى وزيادة، ونستغيث بك اللهم من حالة الأشقياء ونسألك المعافاة منها‏.‏
‏‏ ‏{‏وَيَوْمَ يَحْشُرُهُمْ وَمَا يَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ فَيَقُولُ أَأَنْتُمْ أَضْلَلْتُمْ عِبَادِي هَؤُلَاءِ أَمْ هُمْ ضَلُّوا السَّبِيلَ * قَالُوا سُبْحَانَكَ مَا كَانَ يَنْبَغِي لَنَا أَنْ نَتَّخِذَ مِنْ دُونِكَ مِنْ أَوْلِيَاءَ وَلَكِنْ مَتَّعْتَهُمْ وَآبَاءَهُمْ حَتَّى نَسُوا الذِّكْرَ وَكَانُوا قَوْمًا بُورًا * فَقَدْ كَذَّبُوكُمْ بِمَا تَقُولُونَ فَمَا تَسْتَطِيعُونَ صَرْفًا وَلَا نَصْرًا وَمَنْ يَظْلِمْ مِنْكُمْ نُذِقْهُ عَذَابًا كَبِيرًا * وَمَا أَرْسَلْنَا قَبْلَكَ مِنَ الْمُرْسَلِينَ إِلَّا إِنَّهُمْ لَيَأْكُلُونَ الطَّعَامَ وَيَمْشُونَ فِي الْأَسْوَاقِ وَجَعَلْنَا بَعْضَكُمْ لِبَعْضٍ فِتْنَةً أَتَصْبِرُونَ وَكَانَ رَبُّكَ بَصِيرًا‏}
يخبر تعالى عن حالة المشركين وشركائهم يوم القيامة وتبريهم منهم، وبطلان سعيهم فقال‏:‏ ‏{‏وَيَوْمَ يَحْشُرُهُمْ‏}‏ أي‏:‏ المكذبين المشركين ‏{‏وَمَا يَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ فَيَقُولُ‏}‏ الله مخاطبا للمعبودين على وجه التقريع لمن عبدهم‏:‏ ‏{‏أَأَنْتُمْ أَضْلَلْتُمْ عِبَادِي هَؤُلَاءِ أَمْ هُمْ ضَلُّوا السَّبِيلَ‏}‏ هل أمرتموهم بعبادتكم وزينتم لهم ذلك أم ذلك من تلقاء أنفسهم‏؟‏
‏{‏قَالُوا سُبْحَانَكَ‏}‏ نزهوا الله عن شرك المشركين به وبرؤوا أنفسهم من ذلك، ‏{‏مَا كَانَ يَنْبَغِي لَنَا‏}‏ أي‏:‏ لا يليق بنا ولا يحسن منا أن نتخذ من دونك من أولياء نتولاهم ونعبدهم وندعوهم، فإذا كنا محتاجين ومفتقرين إلى عبادتك متبرئين من عبادة غيرك، فكيف نأمر أحدا بعبادتنا‏؟‏ هذا لا يكون أو، سبحانك عن ‏{‏أَنْ نَتَّخِذَ مِنْ دُونِكَ مِنْ أَوْلِيَاءَ‏}‏ وهذا كقول المسيح عيسى بن مريم عليه السلام‏:‏ ‏{‏وَإِذْ قَالَ اللَّهُ يَا عِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ أَأَنْتَ قُلْتَ لِلنَّاسِ اتَّخِذُونِي وَأُمِّيَ إِلَهَيْنِ مِنْ دُونِ اللَّهِ قَالَ سُبْحَانَكَ مَا يَكُونُ لِي أَنْ أَقُولَ مَا لَيْسَ لِي بِحَقٍّ إِنْ كُنْتُ قُلْتُهُ فَقَدْ عَلِمْتَهُ تَعْلَمُ مَا فِي نَفْسِي وَلَا أَعْلَمُ مَا فِي نَفْسِكَ إِنَّكَ أَنْتَ عَلَّامُ الْغُيُوبِ مَا قُلْتُ لَهُمْ إِلَّا مَا أَمَرْتَنِي بِهِ أَنِ اعْبُدُوا اللَّهَ رَبِّي وَرَبَّكُمْ‏}‏ الآية‏.‏
وقال تعالى‏:‏ ‏{‏وَيَوْمَ نَحْشُرُهُمْ جَمِيعًا ثُمَّ نَقُولُ لِلْمَلَائِكَةِ أَهَؤُلَاءِ إِيَّاكُمْ كَانُوا يَعْبُدُونَ قَالُوا سُبْحَانَكَ أَنْتَ وَلِيُّنَا مِنْ دُونِهِمْ بَلْ كَانُوا يَعْبُدُونَ الْجِنَّ أَكْثَرُهُمْ بِهِمْ مُؤْمِنُونَ‏}‏ ‏{‏وَإِذَا حُشِرَ النَّاسُ كَانُوا لَهُمْ أَعْدَاءً وَكَانُوا بِعِبَادَتِهِمْ كَافِرِينَ‏}‏ فلما نزهوا أنفسهم أن يدعوا لعبادة غير الله أو يكونوا أضلوهم ذكروا السبب الموجب لإضلال المشركين فقالوا‏:‏ ‏{‏وَلَكِنْ مَتَّعْتَهُمْ وَآبَاءَهُمْ‏}‏ في لذات الدنيا وشهواتها ومطالبها النفسية، ‏{‏حَتَّى نَسُوا الذِّكْرَ‏}‏ اشتغالا في لذات الدنيا وإكبابا على شهواتها، فحافظوا على دنياهم وضيعوا دينهم ‏{‏وَكَانُوا قَوْمًا بُورًا‏}‏ أي‏:‏ بائرين لا خير فيهم ولا يصلحون لصالح لا يصلحون إلا للهلاك والبوار، فذكروا المانع من اتباعهم الهدى وهو التمتع في الدنيا الذي صرفهم عن الهدى، وعدم المقتضي للهدى وهو أنهم لا خير فيهم، فإذا عدم المقتضي ووجد المانع فلا تشاء من شر وهلاك، إلا وجدته فيهم، فلما تبرؤوا منهم قال الله توبيخا وتقريعا للعابدين ‏{‏فَقَدْ كَذَّبُوكُمْ بِمَا تَقُولُونَ‏}‏ إنهم أمروكم بعبادتهم ورضوا فعلكم، وأنهم شفعاء لكم عند ربكم، كذبوكم في ذلك الزعم وصاروا من أكبر أعدائكم فحق عليكم العذاب، ‏{‏فَمَا تَسْتَطِيعُونَ صَرْفًا‏}‏ للعذاب عنكم بفعلكم أو بفداء أو غير ذلك، ‏{‏وَلَا نَصْرًا‏}‏ لعجزكم وعدم ناصركم‏.‏ هذا حكم الضالين المقلدين الجاهلين كما رأيت أسوأ حكم، وأشر مصير‏.‏
وأما المعاند منهم الذي عرف الحق وصدف عنه فقال في حقه‏:‏ ‏{‏وَمَنْ يَظْلِمْ مِنْكُمْ‏}‏ بترك الحق ظلما وعنادا ‏{‏نُذِقْهُ عَذَابًا كَبِيرًا‏}‏ لا يقادر قدره ولا يبلغ أمره‏.‏
ثم قال تعالى جوابا لقول المكذبين‏:‏ ‏{‏مَالِ هَذَا الرَّسُولِ يَأْكُلُ الطَّعَامَ وَيَمْشِي فِي الْأَسْوَاقِ‏}‏ ‏{‏وَمَا أَرْسَلْنَا قَبْلَكَ مِنَ الْمُرْسَلِينَ إِلَّا إِنَّهُمْ لَيَأْكُلُونَ الطَّعَامَ وَيَمْشُونَ في الْأَسْوَاقِ‏}‏ فما جعلناهم جسدا لا يأكلون الطعام وما جعلناهم ملائكة، فلك فيهم أسوة، وأما الغنى والفقر فهو فتنة وحكمة من الله تعالى كما قال‏:‏ ‏{‏وَجَعَلْنَا بَعْضَكُمْ لِبَعْضٍ فِتْنَةً‏}‏ الرسول فتنة للمرسل إليهم واختبار للمطيعين من العاصين والرسل فتناهم بدعوة الخلق، والغنى فتنة للفقير والفقير فتنة للغني، وهكذا سائر أصناف الخلق في هذه الدار دار الفتن والابتلاء والاختبار‏.‏
والقصد من تلك الفتنة ‏{‏أَتَصْبِرُونَ‏}‏ فتقومون بما هو وظيفتكم اللازمة الراتبة فيثيبكم مولاكم أم لا تصبرون فتستحقون المعاقبة‏؟‏ {‏وَكَانَ رَبُّكَ بَصِيرًا‏}‏ يعلم أحوالكم، ويصطفي من يعلمه يصلح لرسالته ويختصه بتفضيله ويعلم أعمالكم فيجازيكم عليها إن خيرا فخير، وإن شرا فشر‏.‏

تفسير السعدي (تيسير الكريم المنان في تفسير كلام الرحمن) السابق القرآنية الفهرس التالي

‏‏ ‏{‏وَقَالَ الَّذِينَ لَا يَرْجُونَ لِقَاءَنَا لَوْلَا أُنْزِلَ عَلَيْنَا الْمَلَائِكَةُ أَوْ نَرَى رَبَّنَا لَقَدِ اسْتَكْبَرُوا فِي أَنْفُسِهِمْ وَعَتَوْا عُتُوًّا كَبِيرًا * يَوْمَ يَرَوْنَ الْمَلَائِكَةَ لَا بُشْرَى يَوْمَئِذٍ لِلْمُجْرِمِينَ وَيَقُولُونَ حِجْرًا مَحْجُورًا * وَقَدِمْنَا إِلَى مَا عَمِلُوا مِنْ عَمَلٍ فَجَعَلْنَاهُ هَبَاءً مَنْثُورًا‏}
أي‏:‏ قال المكذبون للرسول المكذبون بوعد الله ووعيده الذين ليس في قلوبهم خوف الوعيد ولا رجاء لقاء الخالق‏.‏
{‏لَوْلَا أُنْزِلَ عَلَيْنَا الْمَلَائِكَةُ أَوْ نَرَى رَبَّنَا‏}‏ أي‏:‏ هلا نزلت الملائكة تشهد لك بالرسالة وتؤيدك عليها أو تنزل رسلا مستقلين، أو نرى ربنا فيكلمنا ويقول‏:‏ هذا رسولي فاتبعوه‏؟‏ وهذا معارضة للرسول بما ليس بمعارض بل بالتكبر والعلو والعتو‏.‏
{‏لَقَدِ اسْتَكْبَرُوا فِي أَنْفُسِهِمْ‏}‏ حيث اقترحوا هذا الاقتراح وتجرأوا هذه الجرأة، فمن أنتم يا فقراء ويا مساكين حتى تطلبوا رؤية الله وتزعموا أن الرسالة متوقف ثبوتها على ذلك‏؟‏ وأي كبر أعظم من هذا‏؟‏‏.‏
{‏وَعَتَوْا عُتُوًّا كَبِيرًا‏}‏ أي‏:‏ قسوا وصلبوا عن الحق قساوة عظيمة، فقلوبهم أشد من الأحجار وأصلب من الحديد لا تلين للحق، ولا تصغى للناصحين فلذلك لم ينجع فيهم وعظ ولا تذكير ولا اتبعوا الحق حين جاءهم النذير، بل قابلوا أصدق الخلق وأنصحهم وآيات الله البينات بالإعراض والتكذيب والمعارضة، فأي عتو أكبر من هذا العتو‏؟‏‏"‏ ولذلك بطلت أعمالهم واضمحلت، وخسروا أشد الخسران، وحرموا غاية الحرمان‏.‏
{‏يَوْمَ يَرَوْنَ الْمَلَائِكَةَ‏}‏ التي اقترحوا نزولها ‏{‏لَا بُشْرَى يَوْمَئِذٍ لِلْمُجْرِمِينَ‏}‏ وذلك أنهم لا يرونها مع استمرارهم على جرمهم وعنادهم إلا لعقوبتهم وحلول البأس بهم، فأول ذلك عند الموت إذا تنزلت عليهم الملائكة قال الله تعالى‏:‏ ‏{‏وَلَوْ تَرَى إِذِ الظَّالِمُونَ فِي غَمَرَاتِ الْمَوْتِ وَالْمَلَائِكَةُ بَاسِطُو أَيْدِيهِمْ أَخْرِجُوا أَنْفُسَكُمُ الْيَوْمَ تُجْزَوْنَ عَذَابَ الْهُونِ بِمَا كُنْتُمْ تَقُولُونَ عَلَى اللَّهِ غَيْرَ الْحَقِّ وَكُنْتُمْ عَنْ آيَاتِهِ تَسْتَكْبِرُونَ‏}‏ ثم في القبر حيث يأتيهم منكر ونكير فيسألهم عن ربهم ونبيهم ودينهم فلا يجيبون جوابا ينجيهم فيحلون بهم النقمة، وتزول عنهم بهم الرحمة، ثم يوم القيامة حين تسوقهم الملائكة إلى النار ثم يسلمونهم لخزنة جهنم الذين يتولون عذابهم ويباشرون عقابهم، فهذا الذي اقترحوه وهذا الذي طلبوه إن استمروا على إجرامهم لا بد أن يروه ويلقوه، وحينئذ يتعوذون من الملائكة ويفرون ولكن لا مفر لهم‏.‏
{‏وَيَقُولُونَ حِجْرًا مَحْجُورًا‏}‏ ‏{‏يَا مَعْشَرَ الْجِنِّ وَالْإِنْسِ إِنِ اسْتَطَعْتُمْ أَنْ تَنْفُذُوا مِنْ أَقْطَارِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ فَانْفُذُوا لَا تَنْفُذُونَ إِلَّا بِسُلْطَانٍ‏}
{‏وَقَدِمْنَا إِلَى مَا عَمِلُوا مِنْ عَمَلٍ‏}‏ أي‏:‏ أعمالهم التي رجوا أن تكون خيرا لهم وتعبوا فيها، ‏{‏فَجَعَلْنَاهُ هَبَاءً مَنْثُورًا‏}‏ أي باطلا مضمحلا قد خسروه وحرموا أجره وعوقبوا عليه وذلك لفقده الإيمان وصدوره عن مكذب لله ورسله، فالعمل الذي يقبله الله، ما صدر عن المؤمن المخلص المصدق للرسل المتبع لهم فيه‏.‏
‏‏ ‏{‏أَصْحَابُ الْجَنَّةِ يَوْمَئِذٍ خَيْرٌ مُسْتَقَرًّا وَأَحْسَنُ مَقِيلًا‏}
أي‏:‏ في ذلك اليوم الهائل كثير البلابل ‏{‏أَصْحَابُ الْجَنَّةِ‏}‏ الذين آمنوا بالله وعملوا صالحا واتقوا ربهم ‏{‏خَيْرٌ مُسْتَقَرًّا‏}‏ من أهل النار ‏{‏وَأَحْسَنُ مَقِيلًا‏}‏ أي‏:‏ مستقرهم في الجنة وراحتهم التي هي القيلولة، هو المستقر النافع والراحة التامة لاشتمال ذلك على تمام النعيم الذي لا يشوبه كدر، بخلاف أصحاب النار فإن جهنم ساءت مستقرا ومقيلا وهذا من باب استعمال أفعل التفضيل، فيما ليس في الطرف الآخر منه شيء لأنه لا خير في مقيل أهل النار ومستقرهم كقوله‏:‏ ‏{‏آللَّهُ خَيْرٌ أَمَّا يُشْرِكُونَ‏}
‏‏ ‏{‏وَيَوْمَ تَشَقَّقُ السَّمَاءُ بِالْغَمَامِ وَنُزِّلَ الْمَلَائِكَةُ تَنْزِيلًا * الْمُلْكُ يَوْمَئِذٍ الْحَقُّ لِلرَّحْمَنِ وَكَانَ يَوْمًا عَلَى الْكَافِرِينَ عَسِيرًا * وَيَوْمَ يَعَضُّ الظَّالِمُ عَلَى يَدَيْهِ يَقُولُ يَا لَيْتَنِي اتَّخَذْتُ مَعَ الرَّسُولِ سَبِيلًا * يَا وَيْلَتَى لَيْتَنِي لَمْ أَتَّخِذْ فُلَانًا خَلِيلًا * لَقَدْ أَضَلَّنِي عَنِ الذِّكْرِ بَعْدَ إِذْ جَاءَنِي وَكَانَ الشَّيْطَانُ لِلْإِنْسَانِ خَذُولًا‏}
يخبر تعالى عن عظمة يوم القيامة وما فيه من الشدة والكروب، ومزعجات القلوب فقال‏:‏ ‏{‏وَيَوْمَ تَشَقَّقُ السَّمَاءُ بِالْغَمَامِ‏}‏ وذلك الغمام الذي ينزل الله فيه، ينزل من فوق السماوات فتنفطر له السماوات وتشقق وتنزل ملائكة كل سماء فيقفون صفا صفا، إما صفا واحدا محيطا بالخلائق، وإما كل سماء يكونون صفا ثم السماء التي تليها صفا وهكذا‏.‏
القصد أن الملائكة ـ على كثرتهم وقوتهم ـ ينزلون محيطين بالخلق مذعنين لأمر ربهم لا يتكلم منهم أحد إلا بإذن من الله، فما ظنك بالآدمي الضعيف خصوصا الذي بارز مالكه بالعظائم، وأقدم على مساخطه ثم قدم عليه بذنوب وخطايا لم يتب منها، فيحكم فيه الملك الحق بالحكم الذي لا يجور ولا يظلم مثقال ذرة ولهذا قال‏:‏ ‏{‏وَكَانَ يَوْمًا عَلَى الْكَافِرِينَ عَسِيرًا‏}‏ لصعوبته الشديدة وتعسر أموره عليه، بخلاف المؤمن فإنه يسير عليه خفيف الحمل‏.‏
{‏يَوْمَ نَحْشُرُ الْمُتَّقِينَ إِلَى الرَّحْمَنِ وَفْدًا وَنَسُوقُ الْمُجْرِمِينَ إِلَى جَهَنَّمَ وِرْدًا‏}
وقوله‏:‏ ‏{‏الْمُلْكُ يَوْمَئِذٍ‏}‏ أي‏:‏ يوم القيامة ‏{‏الْحَقُّ لِلرَّحْمَنِ‏}‏ لا يبقى لأحد من المخلوقين ملك ولا صورة ملك، كما كانوا في الدنيا، بل قد تساوت الملوك ورعاياهم والأحرار والعبيد والأشراف وغيرهم، ومما يرتاح له القلب، وتطمئن به النفس وينشرح له الصدر أن أضاف الملك في يوم القيامة لاسمه ‏"‏ الرحمن ‏"‏ الذي وسعت رحمته كل شيء وعمت كل حي وملأت الكائنات وعمرت بها الدنيا والآخرة، وتم بها كل ناقص وزال بها كل نقص، وغلبت الأسماء الدالة عليه الأسماء الدالة على الغضب وسبقت رحمته غضبه وغلبته، فلها السبق والغلبة، وخلق هذا الآدمي الضعيف وشرفه وكرمه ليتم عليه نعمته، وليتغمده برحمته، وقد حضروا في موقف الذل والخضوع والاستكانة بين يديه ينتظرون ما يحكم فيهم وما يجري عليهم وهو أرحم بهم من أنفسهم ووالديهم فما ظنك بما يعاملهم به، ولا يهلك على الله إلا هالك ولا يخرج من رحمته إلا من غلبت عليه الشقاوة وحقت عليه كلمة العذاب‏.‏
{‏وَيَوْمَ يَعَضُّ الظَّالِمُ‏}‏ بشركه وكفره وتكذيبه للرسل ‏{‏عَلَى يَدَيْهِ‏}‏ تأسفا وتحسرا وحزنا وأسفا‏.‏ ‏{‏يَقُولُ يَا لَيْتَنِي اتَّخَذْتُ مَعَ الرَّسُولِ سَبِيلًا‏}‏ أي طريقا بالإيمان به وتصديقه واتباعه‏.‏
{‏يَا وَيْلَتَى لَيْتَنِي لَمْ أَتَّخِذْ فُلَانًا‏}‏ وهو الشيطان الإنسي أو الجني، ‏{‏خَلِيلًا‏}‏ أي‏:‏ حبيبا مصافيا عاديت أنصح الناس لي، وأبرهم بي وأرفقهم بي، وواليت أعدى عدو لي الذي لم تفدني ولايته إلا الشقاء والخسار والخزي والبوار‏.‏
{‏لَقَدْ أَضَلَّنِي عَنِ الذِّكْرِ بَعْدَ إِذْ جَاءَنِي‏}‏ حيث زين له ما هو عليه من الضلال بخدعه وتسويله‏.‏ ‏{‏وَكَانَ الشَّيْطَانُ لِلْإِنْسَانِ خَذُولًا‏}‏ يزين له الباطل ويقبح له الحق، ويعده الأماني ثم يتخلى عنه ويتبرأ منه كما قال لجميع أتباعه حين قضي الأمر، وفرغ الله من حساب الخلق ‏{‏وَقَالَ الشَّيْطَانُ لَمَّا قُضِيَ الْأَمْرُ إِنَّ اللَّهَ وَعَدَكُمْ وَعْدَ الْحَقِّ وَوَعَدْتُكُمْ فَأَخْلَفْتُكُمْ وَمَا كَانَ لِي عَلَيْكُمْ مِنْ سُلْطَانٍ إِلَّا أَنْ دَعَوْتُكُمْ فَاسْتَجَبْتُمْ لِي فَلَا تَلُومُونِي وَلُومُوا أَنْفُسَكُمْ مَا أَنَا بِمُصْرِخِكُمْ وَمَا أَنْتُمْ بِمُصْرِخِيَّ إِنِّي كَفَرْتُ بِمَا أَشْرَكْتُمُونِ مِنْ قَبْلُ‏}‏ الآية‏.‏ فلينظر العبد لنفسه وقت الإمكان وليتدارك الممكن قبل أن لا يمكن، وليوال من ولايته فيها سعادته وليعاد من تنفعه عداوته وتضره صداقته‏.‏ والله الموفق‏.‏
‏‏ ‏{‏وَقَالَ الرَّسُولُ يَا رَبِّ إِنَّ قَوْمِي اتَّخَذُوا هَذَا الْقُرْآنَ مَهْجُورًا * وَكَذَلِكَ جَعَلْنَا لِكُلِّ نَبِيٍّ عَدُوًّا مِنَ الْمُجْرِمِينَ وَكَفَى بِرَبِّكَ هَادِيًا وَنَصِيرًا‏}
‏{‏وَقَالَ الرَّسُولُ‏}‏ مناديا لربه وشاكيا له إعراض قومه عما جاء به، ومتأسفا على ذلك منهم‏:‏ ‏{‏يَا رَبِّ إِنَّ قَوْمِي‏}‏ الذي أرسلتني لهدايتهم وتبليغهم، ‏{‏اتَّخَذُوا هَذَا الْقُرْآنَ مَهْجُورًا‏}‏ أي‏:‏ قد أعرضوا عنه وهجروه وتركوه مع أن الواجب عليهم الانقياد لحكمه والإقبال على أحكامه، والمشي خلفه، قال الله مسليا لرسوله ومخبرا أن هؤلاء الخلق لهم سلف صنعوا كصنيعهم فقال‏:‏ ‏{‏وَكَذَلِكَ جَعَلْنَا لِكُلِّ نَبِيٍّ عَدُوًّا مِنَ الْمُجْرِمِينَ‏}‏ أي‏:‏ من الذين لا يصلحون للخير ولا يزكون عليه يعارضونهم ويردون عليهم ويجادلونهم بالباطل‏.‏
من بعض فوائد ذلك أن يعلو الحق على الباطل وأن يتبين الحق ويتضح اتضاحا عظيما لأن معارضة الباطل للحق مما تزيده وضوحا وبيانا وكمال استدلال وأن يتبين ما يفعل الله بأهل الحق من الكرامة وبأهل الباطل من العقوبة، فلا تحزن عليهم ولا تذهب نفسك عليهم حسرات ‏{‏وَكَفَى بِرَبِّكَ هَادِيًا‏}‏ يهديك فيحصل لك المطلوب ومصالح دينك ودنياك‏.‏ ‏{‏وَنَصِيرًا‏}‏ ينصرك على أعدائك ويدفع عنك كل مكروه في أمر الدين والدنيا فاكتف به وتوكل عليه‏.‏
‏‏ ‏{‏وَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لَوْلَا نُزِّلَ عَلَيْهِ الْقُرْآنُ جُمْلَةً وَاحِدَةً كَذَلِكَ لِنُثَبِّتَ بِهِ فُؤَادَكَ وَرَتَّلْنَاهُ تَرْتِيلًا *
وَلَا يَأْتُونَكَ بِمَثَلٍ إِلَّا جِئْنَاكَ بِالْحَقِّ وَأَحْسَنَ تَفْسِيرًا‏}

هذا من جملة مقترحات الكفار الذي توحيه إليهم أنفسهم فقالوا‏:‏ ‏{‏لَوْلَا نُزِّلَ عَلَيْهِ الْقُرْآنُ جُمْلَةً وَاحِدَةً‏}‏ أي‏:‏ كما أنزلت الكتب قبله، وأي محذور من نزوله على هذا الوجه‏؟‏ بل نزوله على هذا الوجه أكمل وأحسن، ولهذا قال‏:‏ ‏{‏كَذَلِكَ‏}‏ أنزلناه متفرقا ‏{‏لِنُثَبِّتَ بِهِ فُؤَادَكَ‏}‏ لأنه كلما نزل عليه شيء من القرآن ازداد طمأنينة وثباتا وخصوصا عند ورود أسباب القلق فإن نزول القرآن عند حدوث السبب يكون له موقع عظيم وتثبيت كثير أبلغ مما لو كان نازلا قبل ذلك ثم تذكره عند حلول سببه‏.‏
‏{‏وَرَتَّلْنَاهُ تَرْتِيلًا‏}‏ أي‏:‏ مهلناه ودرجناك فيه تدريجا‏.‏ وهذا كله يدل على اعتناء الله بكتابه القرآن وبرسوله محمد ـ صلى الله عليه وسلم ـ حيث جعل إنزال كتابه جاريا على أحوال الرسول ومصالحه الدينية‏.‏
ولهذا قال‏:‏ ‏{‏وَلَا يَأْتُونَكَ بِمَثَلٍ‏}‏ يعارضون به الحق ويدفعون به رسالتك، ‏{‏إِلَّا جِئْنَاكَ بِالْحَقِّ وَأَحْسَنَ تَفْسِيرًا‏}‏ أي‏:‏ أنزلنا عليك قرآنا جامعا للحق في معانيه والوضوح والبيان التام في ألفاظه، فمعانيه كلها حق وصدق لا يشوبها باطل ولا شبهة بوجه من الوجوه، وألفاظه وحدوده للأشياء أوضح ألفاظا وأحسن تفسيرا مبين للمعاني بيانا كاملا‏.‏
وفي هذه الآية دليل على أنه ينبغي للمتكلم في العلم من محدث ومعلم، وواعظ أن يقتدي بربه في تدبيره حال رسوله، كذلك العالم يدبر أمر الخلق فكلما حدث موجب أو حصل موسم، أتى بما يناسب ذلك من الآيات القرآنية والأحاديث النبوية والمواعظ الموافقة لذلك‏.‏
وفيه رد على المتكلفين من الجهمية ونحوهم ممن يرى أن كثيرا من نصوص القرآن محمولة على غير ظاهرها ولها معان غير ما يفهم منها، فإذا ـ على قولهم ـ لا يكون القرآن أحسن تفسيرا من غيره، وإنما التفسير الأحسن ـ على زعمهم ـ تفسيرهم الذي حرفوا له المعاني تحريفا‏.‏
‏‏ ‏{‏الَّذِينَ يُحْشَرُونَ عَلَى وُجُوهِهِمْ إِلَى جَهَنَّمَ أُولَئِكَ شَرٌّ مَكَانًا وَأَضَلُّ سَبِيلًا‏}
يخبر تعالى عن حال المشركين الذين كذبوا رسوله وسوء مآلهم، وأنهم ‏{‏يُحْشَرُونَ عَلَى وُجُوهِهِمْ‏}‏ أشنع مرأى، وأفظع منظر تسحبهم ملائكة العذاب ويجرونهم ‏{‏إِلَى جَهَنَّمَ‏}‏ الجامعة لكل عذاب وعقوبة‏.‏ ‏{‏أُولَئِكَ‏}‏ الذين بهذه الحالة ‏{‏شَرٌّ مَكَانًا‏}‏ ممن آمن بالله وصدق رسله، ‏{‏وَأَضَلُّ سَبِيلًا‏}‏ وهذا من باب استعمال أفضل التفضيل فيما ليس في الطرف الآخر منه شيء فإن المؤمنين حسن مكانهم ومستقرهم، واهتدوا في الدنيا إلى الصراط المستقيم وفي الآخرة إلى الوصول إلى جنات النعيم‏.‏
‏‏ ‏{‏وَلَقَدْ آتَيْنَا مُوسَى الْكِتَابَ وَجَعَلْنَا مَعَهُ أَخَاهُ هَارُونَ وَزِيرًا * فَقُلْنَا اذْهَبَا إِلَى الْقَوْمِ الَّذِينَ كَذَّبُوا بِآيَاتِنَا فَدَمَّرْنَاهُمْ تَدْمِيرًا * وَقَوْمَ نُوحٍ لَمَّا كَذَّبُوا الرُّسُلَ أَغْرَقْنَاهُمْ وَجَعَلْنَاهُمْ لِلنَّاسِ آيَةً وَأَعْتَدْنَا لِلظَّالِمِينَ عَذَابًا أَلِيمًا * وَعَادًا وَثَمُودَ وَأَصْحَابَ الرَّسِّ وَقُرُونًا بَيْنَ ذَلِكَ كَثِيرًا * وَكُلًّا ضَرَبْنَا لَهُ الْأَمْثَالَ وَكُلًّا تَبَّرْنَا تَتْبِيرًا * وَلَقَدْ أَتَوْا عَلَى الْقَرْيَةِ الَّتِي أُمْطِرَتْ مَطَرَ السَّوْءِ أَفَلَمْ يَكُونُوا يَرَوْنَهَا بَلْ كَانُوا لَا يَرْجُونَ نُشُورًا‏}
أشار تعالى إلى هذه القصص وقد بسطها في آيات أخر ليحذر المخاطبين من استمرارهم على تكذيب رسولهم فيصيبهم ما أصاب هؤلاء الأمم الذين قريبا منهم ويعرفون قصصهم بما استفاض واشتهر عنهم‏.‏
ومنهم من يرون آثارهم عيانا كقوم صالح في الحجر وكالقرية التي أمطرت مطر السوء بحجارة من سجيل يمرون عليهم مصبحين وبالليل في أسفارهم، فإن أولئك الأمم ليسوا شرا منهم ورسلهم ليسوا خيرا من رسول هؤلاء ‏{‏أَكُفَّارُكُمْ خَيْرٌ مِنْ أُولَئِكُمْ أَمْ لَكُمْ بَرَاءَةٌ فِي الزُّبُرِ‏}‏ ولكن الذي منع هؤلاء من الإيمان ـمع ما شاهدوا من الآياتـ أنهم كانوا لا يرجون بعثا ولا نشورا، فلا يرجون لقاء ربهم ولا يخشون نكاله فلذلك استمروا على عنادهم، وإلا فقد جاءهم من الآيات ما لا يبقي معه شك ولا شبهة ولا إشكال ولا ارتياب‏.‏
‏‏ ‏{‏وَإِذَا رَأَوْكَ إِنْ يَتَّخِذُونَكَ إِلَّا هُزُوًا أَهَذَا الَّذِي بَعَثَ اللَّهُ رَسُولًا * إِنْ كَادَ لَيُضِلُّنَا عَنْ آلِهَتِنَا لَوْلَا أَنْ صَبَرْنَا عَلَيْهَا وَسَوْفَ يَعْلَمُونَ حِينَ يَرَوْنَ الْعَذَابَ مَنْ أَضَلُّ سَبِيلًا * أَرَأَيْتَ مَنِ اتَّخَذَ إِلَهَهُ هَوَاهُ أَفَأَنْتَ تَكُونُ عَلَيْهِ وَكِيلًا * أَمْ تَحْسَبُ أَنَّ أَكْثَرَهُمْ يَسْمَعُونَ أَوْ يَعْقِلُونَ إِنْ هُمْ إِلَّا كَالْأَنْعَامِ بَلْ هُمْ أَضَلُّ سَبِيلًا‏}
أي‏:‏ وإذا رآك يا محمد هؤلاء المكذبون لك المعاندون لآيات ‏{‏أَهَذَا الَّذِي بَعَثَ اللَّهُ رَسُولًا‏}‏ أي‏:‏ غير مناسب ولا لائق أن يبعث الله هذا الرجل، وهذا من شدة ظلمهم وعنادهم وقلبهم الحقائق فإن كلامهم هذا يفهم أن الرسول ـ حاشاه ـ في غاية الخسة والحقارة وأنه لو كانت الرسالة لغيره لكان أنسب‏.‏
{‏وَقَالُوا لَوْلَا نُزِّلَ هَذَا الْقُرْآنُ عَلَى رَجُلٍ مِنَ الْقَرْيَتَيْنِ عَظِيمٍ‏}‏ فهذا الكلام لا يصدر إلا من أجهل الناس وأضلهم، أو من أعظمهم عنادا وهو متجاهل، قصده ترويج ما معه من الباطل بالقدح بالحق وبمن جاء به، وإلا فمن تدبر أحوال محمد بن عبد الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ وجده رجل العالم وهمامهم ومقدمهم في العقل والعلم واللب والرزانة، ومكارم الأخلاق ومحاسن الشيم والعفة والشجاعة والكرم وكل خلق فاضل، وأن المحتقر له والشانئ له قد جمع من السفه والجهل والضلال والتناقض والظلم والعدوان ما لا يجمعه غيره، وحسبه جهلا وضلالا أن يقدح بهذا الرسول العظيم والهمام الكريم‏.‏
والقصد من قدحهم فيه واستهزائهم به تصلبهم على باطلهم وغرورا لضعفاء العقول ولهذا قالوا‏:‏ ‏{‏إِنْ كَادَ‏}‏ هذا الرجل ‏{‏لَيُضِلُّنَا عَنْ آلِهَتِنَا‏}‏ بأن يجعل الآلهة إلها واحدا ‏{‏لَوْلَا أَنْ صَبَرْنَا عَلَيْهَا‏}‏ لأضلنا زعموا ـقبحهم اللهـ أن الضلال هو التوحيد وأن الهدى ما هم عليه من الشرك فلهذا تواصوا بالصبر عليه‏.‏ ‏{‏وَانْطَلَقَ الْمَلَأُ مِنْهُمْ أَنِ امْشُوا وَاصْبِرُوا عَلَى آلِهَتِكُمْ‏}
وهنا قالوا‏:‏ ‏{‏لَوْلَا أَنْ صَبَرْنَا عَلَيْهَا‏}‏ والصبر يحمد في المواضع كلها، إلا في هذا الموضع فإنه صبر على أسباب الغضب وعلى الاستكثار من حطب جهنم‏.‏ وأما المؤمنون فهم كما قال الله عنهم‏:‏ ‏{‏وَتَوَاصَوْا بِالْحَقِّ وَتَوَاصَوْا بِالصَّبْرِ‏}‏ ولما كان هذا حكما منهم بأنهم المهتدون والرسول ضال وقد تقرر أنهم لا حيلة فيهم توعدهم بالعذاب وأخبر أنهم في ذلك الوقت ‏{‏حِينَ يَرَوْنَ الْعَذَابَ‏}‏ يعلمون علما حقيقيا ‏{‏مَنْ‏}‏ هو ‏{‏أَضَلُّ سَبِيلًا‏}‏ ‏{‏وَيَوْمَ يَعَضُّ الظَّالِمُ عَلَى يَدَيْهِ يَقُولُ يَا لَيْتَنِي اتَّخَذْتُ مَعَ الرَّسُولِ سَبِيلًا‏}‏ الآيات‏.‏
وهل فوق ضلال من جعل إلهه معبوده ‏
{‏أَفَأَنْتَ تَكُونُ عَلَيْهِ وَكِيلًا‏}‏ أي‏:‏ لست عليه بمسيطر مسلط بل إنما أنت منذر، وقد قمت بوظيفتك وحسابه على الله‏.‏ ثم سجل تعالى على ضلالهم البليغ بأن سلبهم العقول والأسماع وشبههم في ضلالهم بالأنعام السائمة التي لا تسمع إلا دعاء ونداء، صم بكم عمي فهم لا يعقلون بل هم أضل من الأنعام لأن الأنعام يهديها راعيها فتهتدي وتعرف طريق هلاكها فتجتنبه وهي أيضا أسلم عاقبة من هؤلاء، فتبين بهذا أن الرامي للرسول بالضلال أحق بهذا الوصف وأن كل حيوان بهيم فهو أهدى منه‏.‏
@@@الجوووري@@@
@@@الجوووري@@@
تفسير سورة النور

وهي مدنية
‏‏ ‏‏بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ {سُورَةٌ أَنْزَلْنَاهَا وَفَرَضْنَاهَا وَأَنْزَلْنَا فِيهَا آيَاتٍ بَيِّنَاتٍ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ‏}‏
أي‏:‏ هذه ‏{‏سُورَةٌ‏}‏ عظيمة القدر ‏{‏أَنْزَلْنَاهَا‏}‏ رحمة منا بالعباد، وحفظناها من كل شيطان ‏{‏وَفَرَضْنَاهَا‏}‏ أي‏:‏ قدرنا فيها ما قدرنا، من الحدود والشهادات وغيرها، ‏{‏وَأَنْزَلْنَا فِيهَا آيَاتٍ بَيِّنَاتٍ‏}‏ أي‏:‏ أحكاما جليلة، وأوامر وزواجر، وحكما عظيمة ‏{‏لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ‏}‏ حين نبين لكم، ونعلمكم ما لم تكونوا تعلمون‏.‏ ثم شرع في بيان تلك الأحكام المشار إليها، فقال‏:‏
‏‏ ‏{‏الزَّانِيَةُ وَالزَّانِي فَاجْلِدُوا كُلَّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا مِائَةَ جَلْدَةٍ وَلَا تَأْخُذْكُمْ بِهِمَا رَأْفَةٌ فِي دِينِ اللَّهِ إِنْ كُنْتُمْ تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ وَلْيَشْهَدْ عَذَابَهُمَا طَائِفَةٌ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ * الزَّانِي لَا يَنْكِحُ إلَّا زَانِيَةً أَوْ مُشْرِكَةً وَالزَّانِيَةُ لَا يَنْكِحُهَا إِلَّا زَانٍ أَوْ مُشْرِكٌ وَحُرِّمَ ذَلِكَ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ‏}
هذا الحكم في الزاني والزانية البكرين، أنهما يجلد كل منهما مائة جلدة، وأما الثيب، فقد دلت السنة الصحيحة المشهورة، أن حده الرجم، ونهانا تعالى أن تأخذنا رأفة ‏
هذا بيان لرذيلة الزنا، وأنه يدنس عرض صاحبه، وعرض من قارنه ومازجه، ما لا يفعله بقية الذنوب، فأخبر أن الزاني لا يقدم على نكاحه من النساء، إلا أنثى زانية، تناسب حاله حالها، أو مشركة بالله، لا تؤمن ببعث ولا جزاء، ولا تلتزم أمر الله، والزانية كذلك، لا ينكحها إلا زان أو مشرك ‏{‏وَحُرِّمَ ذَلِكَ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ‏}‏ أي‏:‏ حرم عليهم أن ينكحوا زانيا، أو ينكحوا زانية‏.‏
ومعنى الآية‏:‏ أن من اتصف بالزنا، من رجل أو امرأة، ولم يتب من ذلك، أن المقدم على نكاحه، مع تحريم الله لذلك، لا يخلو إما أن لا يكون ملتزما لحكم الله ورسوله، فذاك لا يكون إلا مشركا، وإما أن يكون ملتزما لحكم الله ورسوله، فأقدم على نكاحه مع علمه بزناه، فإن هذا النكاح زنا، والناكح زان مسافح، فلو كان مؤمنا بالله حقا، لم يقدم على ذلك، وهذا دليل صريح على تحريم نكاح الزانية حتى تتوب، وكذلك إنكاح الزاني حتى يتوب، فإن مقارنة الزوج لزوجته، والزوجة لزوجها، أشد الاقترانات والازدواجات، وقد قال تعالى‏:‏ ‏{‏احْشُرُوا الَّذِينَ ظَلَمُوا وَأَزْوَاجَهُمْ‏}‏ أي‏:‏ قرناءهم، فحرم الله ذلك، لما فيه من الشر العظيم، وفيه من قلة الغيرة، وإلحاق الأولاد، الذين ليسوا من الزوج، وكون الزاني لا يعفها بسبب اشتغاله بغيرها، مما بعضه كاف للتحريم وفي هذا دليل أن الزاني ليس مؤمنا، كما قال النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ‏:‏ ‏"‏ لا يزني الزاني حين يزني وهو مؤمن ‏"‏ فهو وإن لم يكن مشركا، فلا يطلق عليه اسم المدح، الذي هو الإيمان المطلق‏.‏
‏‏ ‏{‏وَالَّذِينَ يَرْمُونَ الْمُحْصَنَاتِ ثُمَّ لَمْ يَأْتُوا بِأَرْبَعَةِ شُهَدَاءَ فَاجْلِدُوهُمْ ثَمَانِينَ جَلْدَةً وَلَا تَقْبَلُوا لَهُمْ شَهَادَةً أَبَدًا وَأُولَئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ * إِلَّا الَّذِينَ تَابُوا مِنْ بَعْدِ ذَلِكَ وَأَصْلَحُوا فَإِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ‏}
لما عظم تعالى أمر الزاني بوجوب جلده، وكذا رجمه إن كان محصنا، وأنه لا تجوز مقارنته، ولا مخالطته على وجه لا يسلم فيه العبد من الشر، بين تعالى تعظيم الإقدام على الأعراض بالرمي بالزنا فقال‏:‏ ‏{‏وَالَّذِينَ يَرْمُونَ الْمُحْصَنَاتِ‏}‏ أي‏:‏ النساء الأحرار العفائف، وكذاك الرجال، لا فرق بين الأمرين، والمراد بالرمي الرمي بالزنا، بدليل السياق، ‏{‏ثُمَّ لَمْ يَأْتُوا‏}‏ على ما رموا به ‏{‏بِأَرْبَعَةِ شُهَدَاءَ‏}‏ أي‏:‏ رجال عدول، يشهدون بذلك صريحا، ‏{‏فَاجْلِدُوهُمْ ثَمَانِينَ جَلْدَةً‏}‏ بسوط متوسط، يؤلم فيه، ولا يبالغ بذلك حتى يتلفه، لأن القصد التأديب لا الإتلاف، وفي هذا تقدير حد القذف، ولكن بشرط أن يكون المقذوف كما قال تعالى محصنا مؤمنا، وأما قذف غير المحصن، فإنه يوجب التعزير‏.‏
{‏وَلَا تَقْبَلُوا لَهُمْ شَهَادَةً أَبَدًا‏}‏ أي‏:‏ لهم عقوبة أخرى، وهو أن شهادة القاذف غير مقبولة، ولو حد على القذف، حتى يتوب كما يأتي، ‏{‏وَأُولَئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ‏}‏ أي‏:‏ الخارجون عن طاعة الله، الذين قد كثر شرهم، وذلك لانتهاك ما حرم الله، وانتهاك عرض أخيه، وتسليط الناس على الكلام بما تكلم به، وإزالة الأخوة التي عقدها الله بين أهل الإيمان، ومحبة أن تشيع الفاحشة في الذين آمنوا، وهذا دليل على أن القذف من كبائر الذنوب‏.‏
وقوله‏:‏ ‏{‏إِلَّا الَّذِينَ تَابُوا مِنْ بَعْدِ ذَلِكَ وَأَصْلَحُوا فَإِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ‏}‏ فالتوبة في هذا الموضع، أن يكذب القاذف نفسه، ويقر أنه كاذب فيما قال، وهو واجب عليه، أن يكذب نفسه ولو تيقن وقوعه، حيث لم يأت بأربعة شهداء، فإذا تاب القاذف وأصلح عمله وبدل إساءته إحسانا، زال عنه الفسق، وكذلك تقبل شهادته على الصحيح، فإن الله غفور رحيم يغفر الذنوب جميعا، لمن تاب وأناب، وإنما يجلد القاذف، إذا لم يأت بأربعة شهداء إذا لم يكن زوجا، فإن كان زوجا، فقد ذكر بقوله‏:‏
‏‏ ‏{‏وَالَّذِينَ يَرْمُونَ أَزْوَاجَهُمْ وَلَمْ يَكُنْ لَهُمْ شُهَدَاءُ إِلَّا أَنْفُسُهُمْ فَشَهَادَةُ أَحَدِهِمْ أَرْبَعُ شَهَادَاتٍ بِاللَّهِ إِنَّهُ لَمِنَ الصَّادِقِينَ * وَالْخَامِسَةُ أَنَّ لَعْنَةَ اللَّهِ عَلَيْهِ إِنْ كَانَ مِنَ الْكَاذِبِينَ * وَيَدْرَأُ عَنْهَا الْعَذَابَ أَنْ تَشْهَدَ أَرْبَعَ شَهَادَاتٍ بِاللَّهِ إِنَّهُ لَمِنَ الْكَاذِبِينَ * وَالْخَامِسَةَ أَنَّ غَضَبَ اللَّهِ عَلَيْهَا إِنْ كَانَ مِنَ الصَّادِقِينَ * وَلَوْلَا فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكُمْ وَرَحْمَتُهُ وَأَنَّ اللَّهَ تَوَّابٌ حَكِيمٌ‏}
وإنما كانت شهادات الزوج على زوجته، دارئة عنه الحد، لأن الغالب، أن الزوج لا يقدم على رمي زوجته، التي يدنسه ما يدنسها إلا إذا كان صادقا، ولأن له في ذلك حقا، وخوفا من إلحاق أولاد ليسوا منه به، ولغير ذلك من الحكم المفقودة في غيره فقال‏:‏ ‏{‏وَالَّذِينَ يَرْمُونَ أَزْوَاجَهُمْ‏}‏ أي‏:‏ الحرائر لا المملوكات‏.‏
{‏وَلَمْ يَكُنْ لَهُمْ‏}‏ على رميهم بذلك ‏{‏شُهَدَاءُ إِلَّا أَنْفُسُهُمْ‏}‏ بأن لم يقيموا شهداء، على ما رموهم به ‏{‏فَشَهَادَةُ أَحَدِهِمْ أَرْبَعُ شَهَادَاتٍ بِاللَّهِ إِنَّهُ لَمِنَ الصَّادِقِينَ‏}‏ سماها شهادة، لأنها نائبة مناب الشهود، بأن يقول‏:‏ ‏"‏ أشهد بالله إني لمن الصادقين فيما رميتها به ‏"‏‏.‏
{‏وَالْخَامِسَةُ أَنَّ لَعْنَةَ اللَّهِ عَلَيْهِ إِنْ كَانَ مِنَ الْكَاذِبِينَ‏}‏ أي‏:‏ يزيد في الخامسة مع الشهادة المذكورة، مؤكدا تلك الشهادات، بأن يدعو على نفسه، باللعنة إن كان كاذبا، فإذا تم لعانه، سقط عنه حد القذف، ظاهر الآيات، ولو سمى الرجل الذي رماها به، فإنه يسقط حقه تبعا لها‏.‏ وهل يقام عليها الحد، بمجرد لعان الرجل ونكولها أم تحبس‏؟‏ فيه قولان للعلماء، الذي يدل عليه الدليل، أنه يقام عليها الحد، بدليل قوله‏:‏ ‏{‏وَيَدْرَأُ عَنْهَا الْعَذَابَ أَنْ تَشْهَدَ‏}‏ إلى آخره، فلولا أن العذاب وهو الحد قد وجب بلعانه، لم يكن لعانها دارئا له‏.‏
ويدرأ عنها، أي‏:‏ يدفع عنها العذاب، إذ قابلت شهادات الزوج، بشهادات من جنسها‏.‏
{‏أَنْ تَشْهَدَ أَرْبَعَ شَهَادَاتٍ بِاللَّهِ إِنَّهُ لَمِنَ الْكَاذِبِينَ‏}‏ وتزيد في الخامسة، مؤكدة لذلك، أن تدعو على نفسها بالغضب، فإذا تم اللعان بينهما، فرق بينهما إلى الأبد، وانتفى الولد الملاعن عليه، وظاهر الآيات يدل على اشتراط هذه الألفاظ عند اللعان، منه ومنها، واشتراط الترتيب فيها، وأن لا ينقص منها شيء، ولا يبدل شيء بشيء، وأن اللعان مختص بالزوج إذا رمى امرأته، لا بالعكس، وأن الشبه في الولد مع اللعان لا عبرة به، كما لا يعتبر مع الفراش، وإنما يعتبر الشبه حيث لا مرجح إلا هو‏.‏
{‏وَلَوْلَا فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكُمْ وَرَحْمَتُهُ وَأَنَّ اللَّهَ تَوَّابٌ حَكِيمٌ‏}‏ وجواب الشرط محذوف، يدل عليه سياق الكلام أي‏:‏ لأحل بأحد المتلاعنين الكاذب منهما، ما دعا به على نفسه، ومن رحمته وفضله، ثبوت هذا الحكم الخاص بالزوجين، لشدة الحاجة إليه، وأن بين لكم شدة الزنا وفظاعته، وفظاعة القذف به، وأن شرع التوبة من هذه الكبائر وغيرها‏.‏
‏‏ ‏{‏إِنَّ الَّذِينَ جَاءُوا بِالْإِفْكِ عُصْبَةٌ مِنْكُمْ لَا تَحْسَبُوهُ شَرًّا لَكُمْ بَلْ هُوَ خَيْرٌ لَكُم‏}‏ إلى آخر الآيات
وهو قوله‏:‏ ‏{‏لَهُمْ مَغْفِرَةٌ وَرِزْقٌ كَرِيمٌ‏}‏ لما ذكر فيما تقدم، تعظيم الرمي بالزنا عموما، صار ذلك كأنه مقدمة لهذه القصة، التي وقعت على أشرف النساء، أم المؤمنين رضي الله عنها، وهذه الآيات، نزلت في قصة الإفك المشهورة، الثابتة في الصحاح والسنن والمسانيد‏.‏
وحاصلها أن النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ في بعض غزواته، ومعه زوجته عائشة الصديقة بنت الصديق، فانقطع عقدها فانحبست في طلبه ورحلوا جملها وهودجها، فلم يفقدوها، ثم استقل الجيش راحلا، وجاءت مكانهم، وعلمت أنهم إذا فقدوها، رجعوا إليها فاستمروا في مسيرهم، وكان صفوان بن المعطل السلمي، من أفاضل الصحابة رضي الله عنه، قد عرس في أخريات القوم ونام، فرأى عائشة رضي الله عنها فعرفها، فأناخ راحلته، فركبتها من دون أن يكلمها أو تكلمه، ثم جاء يقود بها بعد ما نزل الجيش في الظهيرة، فلما رأى بعض المنافقين الذين في صحبة النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ في ذلك السفر مجيء صفوان بها في هذه الحال، أشاع ما أشاع، ووشى الحديث، وتلقفته الألسن، حتى اغتر بذلك بعض المؤمنين، وصاروا يتناقلون هذا الكلام، وانحبس الوحي مدة طويلة عن الرسول ـ صلى الله عليه وسلم ـ‏.‏ وبلغ الخبر عائشة بعد ذلك بمدة، فحزنت حزنا شديدا، فأنزل الله تعالى براءتها في هذه الآيات، ووعظ الله المؤمنين، وأعظم ذلك، ووصاهم بالوصايا النافعة‏.‏ فقوله تعالى‏:‏ ‏{‏إِنَّ الَّذِينَ جَاءُوا بِالْإِفْكِ‏}‏ أي‏:‏ الكذب الشنيع، وهو رمي أم المؤمنين ‏{‏عُصْبَةٌ مِنْكُمْ‏}‏ أي‏:‏ جماعة منتسبون إليكم يا معشر المؤمنين، منهم المؤمن الصادق ‏
{‏لَا تَحْسَبُوهُ شَرًّا لَكُمْ بَلْ هُوَ خَيْرٌ لَكُمْ‏}‏ لما تضمن ذلك تبرئة أم المؤمنين ونزاهتها، والتنويه بذكرها، حتى تناول عموم المدح سائر زوجات النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ ولما تضمن من بيان الآيات المضطر إليها العباد، التي ما زال العمل بها إلى يوم القيامة، فكل هذا خير عظيم، لولا مقالة أهل الإفك لم يحصل ذلك، وإذا أراد الله أمرا جعل له سببا، ولذلك جعل الخطاب عاما مع المؤمنين كلهم، وأخبر أن قدح بعضهم ببعض كقدح في أنفسهم، ففيه أن المؤمنين في توادهم وتراحمهم وتعاطفهم، واجتماعهم على مصالحهم، كالجسد الواحد، والمؤمن للمؤمن كالبنيان يشد بعضه بعضا، فكما أنه يكره أن يقدح أحد في عرضه، فليكره من كل أحد، أن يقدح في أخيه المؤمن، الذي بمنزلة نفسه، وما لم يصل العبد إلى هذه الحالة، فإنه من نقص إيمانه وعدم نصحه‏.‏
{‏لِكُلِّ امْرِئٍ مِنْهُمْ مَا اكْتَسَبَ مِنَ الْإِثْمِ‏}‏ وهذا وعيد للذين جاءوا بالإفك، وأنهم سيعاقبون على ما قالوا من ذلك، وقد حد النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ منهم جماعة، ‏{‏وَالَّذِي تَوَلَّى كِبْرَهُ‏}‏ أي‏:‏ معظم الإفك، وهو المنافق الخبيث، عبد الله بن أبي بن سلول ـ لعنه الله ـ ‏{‏لَهُ عَذَابٌ عَظِيمٌ‏}‏ ألا وهو الخلود في الدرك الأسفل من النار‏.‏
ثم أرشد الله عباده عند سماع مثل هذا الكلام فقال‏:‏ ‏{‏لَوْلَا إِذْ سَمِعْتُمُوهُ ظَنَّ الْمُؤْمِنُونَ وَالْمُؤْمِنَاتُ بِأَنْفُسِهِمْ خَيْرًا‏}‏ أي‏:‏ ظن المؤمنون بعضهم ببعض خيرًا، وهو السلامة مما رموا به، وأن ما معهم من الإيمان المعلوم، يدفع ما قيل فيهم من الإفك الباطل، ‏{‏وَقَالُوا‏}‏ بسبب ذلك الظن ‏{‏سُبْحَانَكَ‏}‏ أي‏:‏ تنزيها لك من كل سوء، وعن أن تبتلي أصفياءك بالأمور الشنيعة، ‏{‏هَذَا إِفْكٌ مُبِينٌ‏}‏ أي‏:‏ كذب وبهت، من أعظم الأشياء، وأبينها‏.‏ فهذا من الظن الواجب، حين سماع المؤمن عن أخيه المؤمن، مثل هذا الكلام، أن يبرئه بلسانه، ويكذب القائل لذلك‏.‏
{‏لَوْلَا جَاءُوا عَلَيْهِ بِأَرْبَعَةِ شُهَدَاءَ‏}‏ أي‏:‏ هلا جاء الرامون على ما رموا به، بأربعة شهداء أي‏:‏ عدول مرضيين‏.‏ ‏{‏فَإِذْ لَمْ يَأْتُوا بِالشُّهَدَاءِ فَأُولَئِكَ عِنْدَ اللَّهِ هُمُ الْكَاذِبُونَ‏}‏ وإن كانوا في أنفسهم قد تيقنوا ذلك، فإنهم كاذبون في حكم الله، لأن الله حرم عليهم التكلم بذلك، من دون أربعة شهود، ولهذا قال‏:‏ ‏{‏فَأُولَئِكَ عِنْدَ اللَّهِ هُمُ الْكَاذِبُونَ‏}‏ ولم يقل ‏"‏ فأولئك هم الكاذبون ‏"‏ وهذا كله، من تعظيم حرمة عرض المسلم، بحيث لا يجوز الإقدام على رميه، من دون نصاب الشهادة بالصدق‏.‏
{‏وَلَوْلَا فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكُمْ وَرَحْمَتُهُ فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ‏}‏ بحيث شملكم إحسانه فيهما، في أمر دينكم ودنياكم، ‏{‏لَمَسَّكُمْ فِيمَا أَفَضْتُمْ‏}‏ أي‏:‏ خضتم ‏{‏فِيهِ‏}‏ من شأن الإفك ‏{‏عَذَابٌ عَظِيمٌ‏}‏ لاستحقاقكم ذلك بما قلتم، ولكن من فضل الله عليكم ورحمته، أن شرع لكم التوبة، وجعل العقوبة مطهرة للذنوب‏.‏
{‏إِذْ تَلَقَّوْنَهُ بِأَلْسِنَتِكُمْ‏}‏ أي‏:‏ تلقفونه، ويلقيه بعضكم إلى بعض، وتستوشون حديثه، وهو قول باطل‏.‏ ‏{‏وَتَقُولُونَ بِأَفْوَاهِكُمْ مَا لَيْسَ لَكُمْ بِهِ عِلْمٌ‏}‏ والأمران محظوران، التكلم بالباطل، والقول بلا علم، ‏{‏وَتَحْسَبُونَهُ هَيِّنًا‏}‏ فلذلك أقدم عليه من أقدم من المؤمنين الذين تابوا منه، وتطهروا بعد ذلك، ‏{‏وَهُوَ عِنْدَ اللَّهِ عَظِيمٌ‏}‏ وهذا فيه الزجر البليغ، عن تعاطي بعض الذنوب على وجه التهاون بها، فإن العبد لا يفيده حسبانه شيئا، ولا يخفف من عقوبة الذنب، بل يضاعف الذنب، ويسهل عليه مواقعته مرة أخرى‏.‏
{‏ولَوْلَا إِذْ سَمِعْتُمُوهُ‏}‏ أي‏:‏ وهلا إذ سمعتم ـأيها المؤمنونـ كلام أهل الإفك ‏{‏قُلْتُمْ‏}‏ منكرين لذلك، معظمين لأمره‏:‏ ‏{‏مَا يَكُونُ لَنَا أَنْ نَتَكَلَّمَ بِهَذَا‏}‏ أي‏:‏ ما ينبغي لنا، وما يليق بنا الكلام، بهذا الإفك المبين، لأن المؤمن يمنعه إيمانه من ارتكاب القبائح ‏{‏هَذَا بُهْتَانٌ‏}‏ أي‏:‏ كذب عظيم‏.‏ ‏{‏يَعِظُكُمُ اللَّهُ أَنْ تَعُودُوا لِمِثْلِهِ‏}‏ أي‏:‏ لنظيره، من رمي المؤمنين بالفجور، فالله يعظكم وينصحكم عن ذلك، ونعم المواعظ والنصائح من ربنا فيجب علينا مقابلتها بالقبول والإذعان، والتسليم والشكر له، على ما بين لنا ‏{‏إِنَّ اللَّهَ نِعِمَّا يَعِظُكُمْ بِهِ‏}‏ ‏{‏إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ‏}‏ دل ذلك على أن الإيمان الصادق، يمنع صاحبه من الإقدام على المحرمات‏.‏ ‏{‏وَيُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمُ الْآيَاتِ‏}‏ المشتملة على بيان الأحكام، والوعظ، والزجر، والترغيب، والترهيب، يوضحها لكم توضيحا جليا‏.‏ ‏{‏وَاللَّهُ عَلِيمٌ‏}‏ أي‏:‏ كامل العلم عام الحكمة، فمن علمه وحكمته، أن علمكم من علمه، وإن كان ذلك راجعا لمصالحكم في كل وقت‏.‏
{‏إِنَّ الَّذِينَ يُحِبُّونَ أَنْ تَشِيعَ الْفَاحِشَةُ‏}‏ أي‏:‏ الأمور الشنيعة المستقبحة المستعظمة، فيحبون أن تشتهر الفاحشة ‏{‏فِي الَّذِينَ آمَنُوا لَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ‏}‏ أي‏:‏ موجع للقلب والبدن، وذلك لغشه لإخوانه المسلمين، ومحبة الشر لهم، وجراءته على أعراضهم، فإذا كان هذا الوعيد، لمجرد محبة أن تشيع الفاحشة، واستحلاء ذلك بالقلب، فكيف بما هو أعظم من ذلك، من إظهاره، ونقله‏؟‏‏"‏ وسواء كانت الفاحشة، صادرة أو غير صادرة‏.‏
وكل هذا من رحمة الله بعباده المؤمنين، وصيانة أعراضهم، كما صان دماءهم وأموالهم، وأمرهم بما يقتضي المصافاة، وأن يحب أحدهم لأخيه ما يحب لنفسه، ويكره له ما يكره لنفسه‏.‏ ‏{‏وَاللَّهُ يَعْلَمُ وَأَنْتُمْ لَا تَعْلَمُونَ‏}‏ فلذلك علمكم، وبين لكم ما تجهلونه‏.‏
{‏وَلَوْلَا فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكُمْ‏}‏ قد أحاط بكم من كل جانب ‏{‏وَرَحْمَتُهُ‏}‏ عليكم ‏{‏وَأَنَّ اللَّهَ رَءُوفٌ رَحِيمٌ‏}‏ لما بين لكم هذه الأحكام والمواعظ، والحكم الجليلة، ولما أمهل من خالف أمره، ولكن فضله ورحمته، وأن ذلك وصفه اللازم آثر لكم من الخير الدنيوي والأخروي، ما لن تحصوه، أو تعدوه‏.‏
ولما نهى عن هذا الذنب بخصوصه، نهى عن الذنوب عموما فقال‏:‏ ‏{‏يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَتَّبِعُوا خُطُوَاتِ الشَّيْطَانِ‏}‏ أي‏:‏ طرقه ووساوسه‏.‏
وخطوات الشيطان، يدخل فيها سائر المعاصي المتعلقة بالقلب، واللسان والبدن‏.‏ ومن حكمته تعالى، أن بين الحكم، وهو‏:‏ النهي عن اتباع خطوات الشيطان‏.‏ والحكمة وهو بيان ما في المنهي عنه، من الشر المقتضي، والداعي لتركه فقال‏:‏ ‏{‏وَمَنْ يَتَّبِعْ خُطُوَاتِ الشَّيْطَانِ فَإِنَّهُ‏}‏ أي‏:‏ الشيطان ‏{‏يَأْمُرُ بِالْفَحْشَاءِ‏}‏ أي‏:‏ ما تستفحشه العقول والشرائع، من الذنوب العظيمة، مع ميل بعض النفوس إليه‏.‏ ‏{‏وَالْمُنْكَرِ‏}‏ وهو ما تنكره العقول ولا تعرفه‏.‏ فالمعاصي التي هي خطوات الشيطان، لا تخرج عن ذلك، فنهي الله عنها للعباد، نعمة منه عليهم أن يشكروه ويذكروه، لأن ذلك صيانة لهم عن التدنس بالرذائل والقبائح، فمن إحسانه عليهم، أن نهاهم عنها، كما نهاهم عن أكل السموم القاتلة ونحوها، ‏{‏وَلَوْلَا فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكُمْ وَرَحْمَتُهُ مَا زَكَى مِنْكُمْ مِنْ أَحَدٍ أَبَدًا‏}‏ أي‏:‏ ما تطهر من اتباع خطوات الشيطان، لأن الشيطان يسعى، هو وجنده، في الدعوة إليها وتحسينها، والنفس ميالة إلى السوء أمارة به، والنقص مستول على العبد من جميع جهاته، والإيمان غير قوي، فلو خلي وهذه الدواعي، ما زكى أحد بالتطهر من الذنوب والسيئات والنماء بفعل الحسنات، فإن الزكاء يتضمن الطهارة والنماء، ولكن فضله ورحمته أوجبا أن يتزكى منكم من تزكى‏.‏
وكان من دعاء النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ‏:‏ ‏"‏ اللهم آت نفسي تقواها، وزكها أنت خير من زكاها، أنت وليها ومولاها ‏"‏ ولهذا قال‏:‏ ‏{‏وَلَكِنَّ اللَّهَ يُزَكِّي مَنْ يَشَاءُ‏}‏ من يعلم منه أن يزكى بالتزكية، ولهذا قال‏:‏ ‏{‏وَاللَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ‏}‏‏.‏
‏{‏وَلَا يَأْتَلِ‏}‏ أي‏:‏ لا يحلف ‏{‏أُولُو الْفَضْلِ مِنْكُمْ وَالسَّعَةِ أَنْ يُؤْتُوا أُولِي الْقُرْبَى وَالْمَسَاكِينَ وَالْمُهَاجِرِينَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَلْيَعْفُوا وَلْيَصْفَحُوا‏}‏ كان من جملة الخائضين في الإفك ‏"‏مسطح بن أثاثة‏"‏ وهو قريب لأبي بكر الصديق رضي الله عنه، وكان مسطح فقيرا من المهاجرين في سبيل الله، فحلف أبو بكر أن لا ينفق عليه، لقوله الذي قال‏.‏
فنزلت هذه الآية، ينهاهم عن هذا الحلف المتضمن لقطع النفقة عنه، ويحثه على العفو والصفح، ويعده بمغفرة الله إن غفر له، فقال‏:‏ ‏{‏أَلَا تُحِبُّونَ أَنْ يَغْفِرَ اللَّهُ لَكُمْ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ‏}‏ إذا عاملتم عبيده، بالعفو والصفح، عاملكم بذلك، فقال أبو بكر ـ لما سمع هذه الآيةـ‏:‏ بلى، والله إني لأحب أن يغفر الله لي، فرجع النفقة إلى مسطح، وفي هذه الآية دليل على النفقة على القريب، وأنه لا تترك النفقة والإحسان بمعصية الإنسان، والحث على العفو والصفح، ولو جرى عليه ما جرى من أهل الجرائم‏.‏
ثم ذكر الوعيد الشديد على رمي المحصنات فقال‏:‏ ‏{‏إِنَّ الَّذِينَ يَرْمُونَ الْمُحْصَنَاتِ‏}‏ أي‏:‏ العفائف عن الفجور ‏{‏الْغَافِلَاتِ‏}‏ التي لم يخطر ذلك بقلوبهن ‏{‏الْمُؤْمِنَاتِ لُعِنُوا فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ‏}‏ واللعنة لا تكون إلا على ذنب كبير‏.‏
وأكد اللعنة بأنها متواصلة عليهم في الدارين ‏{‏وَلَهُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ‏}‏ وهذا زيادة على اللعنة، أبعدهم عن رحمته، وأحل بهم شدة نقمته‏.‏
وذلك العذاب يوم القيامة ‏{‏يَوْمَ تَشْهَدُ عَلَيْهِمْ أَلْسِنَتُهُمْ وَأَيْدِيهِمْ وَأَرْجُلُهُمْ بِمَا كَانُوا يَعْمَلُونَ‏}‏ فكل جارحة تشهد عليهم بما عملته، ينطقها الذي أنطق كل شيء، فلا يمكنه الإنكار، ولقد عدل في العباد، من جعل شهودهم من أنفسهم، ‏{‏يَوْمَئِذٍ يُوَفِّيهِمُ اللَّهُ دِينَهُمُ الْحَقَّ‏}‏ أي‏:‏ جزاءهم على أعمالهم، الجزاء الحق، الذي بالعدل والقسط، يجدون جزاءها موفرا، لم يفقدوا منها شيئا، ‏{‏وَيَقُولُونَ يَا وَيْلَتَنَا مَالِ هَذَا الْكِتَابِ لَا يُغَادِرُ صَغِيرَةً وَلَا كَبِيرَةً إِلَّا أَحْصَاهَا وَوَجَدُوا مَا عَمِلُوا حَاضِرًا وَلَا يَظْلِمُ رَبُّكَ أَحَدًا‏}‏ ويعلمون في ذلك الموقف العظيم، أن الله هو الحق المبين، فيعلمون انحصار الحق المبين في الله تعالى‏.‏
فأوصافه العظيمة حق، وأفعاله هي الحق، وعبادته هي الحق، ولقاؤه حق، ووعده ووعيده، وحكمه الديني والجزائي حق، ورسله حق، فلا ثم حق، إلا في الله وما من الله‏.‏
{‏الْخَبِيثَاتُ لِلْخَبِيثِينَ وَالْخَبِيثُونَ لِلْخَبِيثَاتِ‏}‏ أي‏:‏ كل خبيث من الرجال والنساء، والكلمات والأفعال، مناسب للخبيث، وموافق له، ومقترن به، ومشاكل له، وكل طيب من الرجال والنساء، والكلمات والأفعال، مناسب للطيب، وموافق له، ومقترن به، ومشاكل له، فهذه كلمة عامة وحصر، لا يخرج منه شيء، من أعظم مفرداته، أن الأنبياء ـخصوصا أولي العزم منهم، خصوصا سيدهم محمد ـ صلى الله عليه وسلم ـ الذي هو أفضل الطيبين من الخلق على الإطلاق لا يناسبهم إلا كل طيب من النساء، فالقدح في عائشة رضي الله عنها بهذا الأمر قدح في النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ وهو المقصود بهذا الإفك، من قصد المنافقين، فمجرد كونها زوجة للرسول ـ صلى الله عليه وسلم ـ يعلم أنها لا تكون إلا طيبة طاهرة من هذا الأمر القبيح‏.‏ فكيف وهي هي‏؟‏‏"‏ صديقة النساء وأفضلهن وأعلمهن وأطيبهن، حبيبة رسول رب العالمين، التي لم ينزل الوحي عليه وهو في لحاف زوجة من زوجاته غيرها، ثم صرح بذلك، بحيث لا يبقى لمبطل مقالا، ولا لشك وشبهة مجالا، فقال‏:‏ ‏{‏أُولَئِكَ مُبَرَّءُونَ مِمَّا يَقُولُونَ‏}‏ والإشارة إلى عائشة رضي الله عنها أصلا، وللمؤمنات المحصنات الغافلات تبعا ‏{‏لَهُمْ مَغْفِرَةٌ‏}‏ تستغرق الذنوب ‏{‏وَرِزْقٌ كَرِيمٌ‏}‏ في الجنة صادر من الرب الكريم‏.‏