@@@الجوووري@@@
@@@الجوووري@@@
الجزء الخامس عشر

‏‏ ‏بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ ‏{سُبْحَانَ الَّذِي أَسْرَى بِعَبْدِهِ لَيْلًا مِنَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ إِلَى الْمَسْجِدِ الْأَقْصَى الَّذِي بَارَكْنَا حَوْلَهُ لِنُرِيَهُ مِنْ آيَاتِنَا إِنَّه هُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ‏}
ينزه تعالى نفسه المقدسة ويعظمها لأن له الأفعال العظيمة والمنن الجسيمة التي من جملتها أن ‏{‏أَسْرَى بِعَبْدِهِ‏}‏ ورسوله محمد ـ صلى الله عليه وسلم ـ ‏{‏مِنَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ‏}‏ الذي هو أجل المساجد على الإطلاق ‏{‏إِلَى الْمَسْجِدِ الْأَقْصَى‏}‏ الذي هو من المساجد الفاضلة وهو محل الأنبياء‏.‏
فأسري به في ليلة واحدة إلى مسافة بعيدة جدا ورجع في ليلته، وأراه الله من آياته ما ازداد به هدى وبصيرة وثباتا وفرقانا، وهذا من اعتنائه تعالى به ولطفه حيث يسره لليسرى في جميع أموره وخوله نعما فاق بها الأولين والآخرين، وظاهر الآية أن الإسراء كان في أول الليل وأنه من نفس المسجد الحرام، لكن ثبت في الصحيح أنه أسري به من بيت أم هانئ، فعلى هذا تكون الفضيلة في المسجد الحرام لسائر الحرم، فكله تضاعف فيه العبادة كتضاعفها في نفس المسجد، وأن الإسراء بروحه وجسده معا وإلا لم يكن في ذلك آية كبرى ومنقبة عظيمة‏.‏
وقد تكاثرت الأحاديث الثابتة عن النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ في الإسراء، وذكر تفاصيل ما رأى وأنه أسري به إلى بيت المقدس ثم عرج به من هناك إلى السماوات حتى وصل إلى ما فوق السماوات العلى ورأى الجنة والنار، والأنبياء على مراتبهم وفرض عليه الصلوات خمسين، ثم ما زال يراجع ربه بإشارة موسى الكليم حتى صارت خمسا بالفعل، وخمسين بالأجر والثواب، وحاز من المفاخر تلك الليلة هو وأمته ما لا يعلم مقداره إلا الله عز وجل‏.‏
وذكره هنا وفي مقام الإنزال للقرآن ومقام التحدي بصفة العبودية لأنه نال هذه المقامات الكبار بتكميله لعبودية ربه‏.‏
وقوله‏:‏ ‏{‏الَّذِي بَارَكْنَا حَوْلَهُ‏}‏ أي‏:‏ بكثرة الأشجار والأنهار والخصب الدائم‏.‏
ومن بركته تفضيله على غيره من المساجد سوى المسجد الحرام ومسجد المدينة، وأنه يطلب شد الرحل إليه للعبادة والصلاة فيه وأن الله اختصه محلا لكثير من أنبيائه وأصفيائه‏.‏
‏‏ ‏{‏وَآتَيْنَا مُوسَى الْكِتَابَ وَجَعَلْنَاهُ هُدًى لِبَنِي إِسْرَائِيلَ أَلَّا تَتَّخِذُوا مِنْ دُونِي ‎وَكِيلًا * ذُرِّيَّةَ مَنْ حَمَلْنَا مَعَ نُوحٍ إِنَّهُ كَانَ عَبْدًا شَكُورًا * وَقَضَيْنَا إِلَى بَنِي إسْرائِيلَ فِي الْكِتَابِ لَتُفْسِدُنَّ فِي الْأَرْضِ مَرَّتَيْنِ وَلَتَعْلُنَّ عُلُوًّا كَبِيرًا * فَإِذَا جَاءَ وَعْدُ أُولَاهُمَا بَعَثْنَا عَلَيْكُمْ عِبَادًا لَنَا أُولِي بَأْسٍ شَدِيدٍ فَجَاسُوا خِلَالَ الدِّيَارِ وَكَانَ وَعْدًا مَفْعُولًا * ثُمَّ رَدَدْنَا لَكُمُ الْكَرَّةَ عَلَيْهِمْ وَأَمْدَدْنَاكُمْ بِأَمْوَالٍ وَبَنِينَ وَجَعَلْنَاكُمْ أَكْثَرَ نَفِيرًا * إِنْ أَحْسَنْتُمْ أَحْسَنْتُمْ لِأَنْفُسِكُمْ وَإِنْ أَسَأْتُمْ فَلَهَا فَإِذَا جَاءَ وَعْدُ الْآخِرَةِ لِيَسُوءُوا وُجُوهَكُمْ وَلِيَدْخُلُوا الْمَسْجِدَ كَمَا دَخَلُوهُ أَوَّلَ مَرَّةٍ وَلِيُتَبِّرُوا مَا عَلَوْا تَتْبِيرًا * عَسَى رَبُّكُمْ أَنْ يَرْحَمَكُمْ وَإِنْ عُدْتُمْ عُدْنَا وَجَعَلْنَا جَهَنَّمَ لِلْكَافِرِينَ حَصِيرًا‏}
كثيرًا ما يقرن الباري بين نبوة محمد ـ صلى الله عليه وسلم ـ ونبوة موسى ـ صلى الله عليه وسلم ـ وبين كتابيهما وشريعتيهما لأن كتابيهما أفضل الكتب وشريعتيهما أكمل الشرائع ونبوتيهما أعلى النبوات وأتباعهما أكثر المؤمنين،
ولهذا قال هنا‏:‏ ‏{‏وَآتَيْنَا مُوسَى الْكِتَابَ‏}‏ الذي هو التوراة ‏{‏وَجَعَلْنَاهُ هُدًى لِبَنِي إِسْرَائِيلَ‏}‏ يهتدون به في ظلمات الجهل إلى العلم بالحق‏.‏
{‏أَلَّا تَتَّخِذُوا مِنْ دُونِي وَكِيلًا‏}‏ أي‏:‏ وقلنا لهم ذلك وأنزلنا إليهم الكتاب لذلك ليعبدوا الله وحده وينيبوا إليه ويتخذوه وحده وكيلا ومدبرا لهم في أمر دينهم ودنياهم ولا يتعلقوا بغيره من المخلوقين الذين لا يملكون شيئا ولا ينفعونهم بشيء‏.‏
{‏ذُرِّيَّةَ مَنْ حَمَلْنَا مَعَ نُوحٍ‏}‏ أي‏:‏ يا ذرية من مننا عليهم وحملناهم مع نوح، ‏{‏إِنَّهُ كَانَ عَبْدًا شَكُورًا‏}‏ ففيه التنويه بالثناء على نوح عليه السلام بقيامه بشكر الله واتصافه بذلك والحث لذريته أن يقتدوا به في شكره ويتابعوه عليه، وأن يتذكروا نعمة الله عليهم إذ أبقاهم واستخلفهم في الأرض وأغرق غيرهم‏.‏
{‏وَقَضَيْنَا إِلَى بَنِي إسْرائِيلَ‏}‏ أي‏:‏ تقدمنا وعهدنا إليهم وأخبرناهم في كتابهم أنهم لا بد أن يقع منهم إفساد في الأرض مرتين بعمل المعاصي والبطر لنعم الله والعلو في الأرض والتكبر فيها وأنه إذا وقع واحدة منهما سلط الله عليهم الأعداء وانتقم منهم وهذا تحذير لهم وإنذار لعلهم يرجعون فيتذكرون‏.‏
{‏فَإِذَا جَاءَ وَعْدُ أُولَاهُمَا‏}‏ أي‏:‏ أولى المرتين اللتين يفسدون فيهما‏.‏ أي‏:‏ إذا وقع منهم ذلك الفساد ‏{‏بَعَثْنَا عَلَيْكُمْ‏}‏ بعثا قدريا وسلطنا عليكم تسليطا كونيا جزائيا ‏{‏عِبَادًا لَنَا أُولِي بَأْسٍ شَدِيدٍ‏}‏ أي‏:‏ ذوي شجاعة وعدد وعدة فنصرهم الله عليكم فقتلوكم وسبوا أولادكم ونهبوا أموالكم، وجاسوا خِلَالَ دياركم فهتكوا الدور ودخلوا المسجد الحرام وأفسدوه‏.‏ ‏{‏وَكَانَ وَعْدًا مَفْعُولًا‏}‏ لا بد من وقوعه لوجود سببه منهم‏.‏
واختلف المفسرون في تعيين هؤلاء المسلطين إلا أنهم اتفقوا على أنهم قوم كفار‏.‏
إما من أهل العراق أو الجزيرة أو غيرها سلطهم الله على بني إسرائيل لما كثرت فيهم المعاصي وتركوا كثيرا من شريعتهم وطغوا في الأرض‏.‏
{‏ثُمَّ رَدَدْنَا لَكُمُ الْكَرَّةَ عَلَيْهِمْ‏}‏ أي‏:‏ على هؤلاء الذين سلطوا عليكم فأجليتموهم من دياركم‏.‏ ‏{‏وَأَمْدَدْنَاكُمْ بِأَمْوَالٍ وَبَنِينَ‏}‏ أي‏:‏ أكثرنا أرزاقكم وكثرناكم وقويناكم عليهم، ‏{‏وَجَعَلْنَاكُمْ أَكْثَرَ نَفِيرًا‏}‏ منهم وذلك بسبب إحسانكم وخضوعكم لله‏.‏
{‏إِنْ أَحْسَنْتُمْ أَحْسَنْتُمْ لِأَنْفُسِكُمْ‏}‏ لأن النفع عائد إليكم حتى في الدنيا كما شاهدتم من انتصاركم على أعدائكم‏.‏ ‏{‏وَإِنْ أَسَأْتُمْ فَلَهَا‏}‏ أي‏:‏ فلأنفسكم يعود الضرر كما أراكم الله من تسليط الأعداء‏.‏
{‏فَإِذَا جَاءَ وَعْدُ الْآخِرَةِ‏}‏ أي‏:‏ المرة الآخرة التي تفسدون فيها في الأرض سلطنا عليكم الأعداء‏.‏
‏{‏لِيَسُوءُوا وُجُوهَكُمْ‏}‏ بانتصارهم عليكم وسبيكم وليدخلوا المسجد الحرام كما دخلوه أول مرة، والمراد بالمسجد مسجد بيت المقدس‏.‏
‏{‏وَلِيُتَبِّرُوا‏}‏ أي‏:‏ يخربوا ويدمروا ‏{‏مَا عَلَوْا‏}‏ عليه ‏{‏تَتْبِيرًا‏}‏ فيخربوا بيوتكم ومساجدكم وحروثكم‏.‏
{‏عَسَى رَبُّكُمْ أَنْ يَرْحَمَكُمْ‏}‏ فيديل لكم الكرة عليهم، فرحمهم وجعل لهم الدولة‏.‏ وتوعدهم على المعاصي فقال‏:‏ ‏{‏وَإِنْ عُدْتُمْ‏}‏ إلى الإفساد في الأرض ‏{‏عُدْنَا‏}‏ إلى عقوبتكم، فعادوا لذلك فسلط الله عليهم رسوله محمدًا ـ صلى الله عليه وسلم ـ
فانتقم الله به منهم، فهذا جزاء الدنيا وما عند الله من النكال أعظم وأشنع، ولهذا قال‏:‏ ‏{‏وَجَعَلْنَا جَهَنَّمَ لِلْكَافِرِينَ حَصِيرًا‏}‏ يصلونها ويلازمونها لا يخرجون منها أبدا‏.‏ وفي هذه الآيات التحذير لهذه الأمة من العمل بالمعاصي لئلا يصيبهم ما أصاب بني إسرائيل، فسنة الله واحدة لا تبدل ولا تغير‏.‏
ومن نظر إلى تسليط الكفرة على المسلمين والظلمة، عرف أن ذلك من أجل ذنوبهم عقوبة لهم وأنهم إذا أقاموا كتاب الله وسنة رسوله، مكن لهم في الأرض ونصرهم على أعدائهم‏.‏
‏‏ ‏{‏إِنَّ هَذَا الْقُرْآنَ يَهْدِي لِلَّتِي هِيَ أَقْوَمُ وَيُبَشِّرُ الْمُؤْمِنِينَ الَّذِينَ يَعْمَلُونَ الصَّالِحَاتِ أَنَّ لَهُمْ أَجْرًا كَبِيرًا * وَأَنَّ الَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِالْآخِرَةِ أَعْتَدْنَا لَهُمْ عَذَابًا أَلِيمًا‏}
يخبر تعالى عن شرف القرآن وجلالته وأنه ‏{‏يَهْدِي لِلَّتِي هِيَ أَقْوَمُ‏}‏ أي‏:‏ أعدل وأعلى من العقائد والأعمال والأخلاق، فمن اهتدى بما يدعو إليه القرآن كان أكمل الناس وأقومهم وأهداهم في جميع أموره‏.‏
{‏وَيُبَشِّرُ الْمُؤْمِنِينَ الَّذِينَ يَعْمَلُونَ الصَّالِحَاتِ‏}‏ من الواجبات والسنن، ‏{‏أَنَّ لَهُمْ أَجْرًا كَبِيرًا‏}‏ أعده الله لهم في دار كرامته لا يعلم وصفه إلا هو‏.‏
{‏وَأَنَّ الَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِالْآخِرَةِ أَعْتَدْنَا لَهُمْ عَذَابًا أَلِيمًا‏}‏ فالقرآن مشتمل على البشارة والنذارة وذكر الأسباب التي تنال بها البشارة وهو الإيمان والعمل الصالح والتي تستحق بها النذارة وهو ضد ذلك‏.‏
‏‏ ‏{‏وَيَدْعُ الْإِنْسَانُ بِالشَّرِّ دُعَاءَهُ بِالْخَيْرِ وَكَانَ الْإِنْسَانُ عَجُولًا‏}
وهذا من جهل الإنسان وعجلته حيث يدعو على نفسه وأولاده وماله بالشر عند الغضب ويبادر بذلك الدعاء كما يبادر بالدعاء في الخير، ولكن الله ـ بلطفه ـ يستجيب له في الخير ولا يستجيب له بالشر‏.‏ ‏{‏وَلَوْ يُعَجِّلُ اللَّهُ لِلنَّاسِ الشَّرَّ اسْتِعْجَالَهُمْ بِالْخَيْرِ لَقُضِيَ إِلَيْهِمْ أَجَلُهُمْ‏}
‏‏ ‏{‏وَجَعَلْنَا اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ آيَتَيْنِ فَمَحَوْنَا آيَةَ اللَّيْلِ وَجَعَلْنَا آيَةَ النَّهَارِ مُبْصِرَةً لِتَبْتَغُوا فَضْلًا مِنْ رَبِّكُمْ وَلِتَعْلَمُوا عَدَدَ السِّنِينَ وَالْحِسَابَ وَكُلَّ شَيْءٍ فَصَّلْنَاهُ تَفْصِيلًا‏}
يقول تعالى‏:‏ ‏{‏وَجَعَلْنَا اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ آيَتَيْنِ‏}‏ أي‏:‏ دالتين على كمال قدرة الله وسعة رحمته وأنه الذي لا تنبغي العبادة إلا له‏.‏ ‏{‏فَمَحَوْنَا آيَةَ اللَّيْلِ‏}‏ أي‏:‏ جعلناه مظلما للسكون فيه والراحة، ‏{‏وَجَعَلْنَا آيَةَ النَّهَارِ مُبْصِرَةً‏}‏ أي‏:‏ مضيئة ‏{‏لِتَبْتَغُوا فَضْلًا مِنْ رَبِّكُمْ‏}‏ في معايشكم وصنائعكم وتجاراتكم وأسفاركم‏.‏
‏{‏وَلِتَعْلَمُوا‏}‏ بتوالي الليل والنهار واختلاف القمر ‏{‏عَدَدَ السِّنِينَ وَالْحِسَابَ‏}‏ فتبنون عليها ما تشاءون من مصالحكم‏.‏
{‏وَكُلَّ شَيْءٍ فَصَّلْنَاهُ تَفْصِيلًا‏}‏ أي‏:‏ بينا الآيات وصرفناه لتتميز الأشياء ويستبين الحق من الباطل كما قال تعالى‏:‏ ‏{‏مَا فَرَّطْنَا فِي الْكِتَابِ مِنْ شَيْءٍ‏}
‏‏ ‏{‏وَكُلَّ إِنْسَانٍ أَلْزَمْنَاهُ طَائِرَهُ فِي عُنُقِهِ وَنُخْرِجُ لَهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ كِتَابًا يَلْقَاهُ مَنْشُورًا * اقْرَأْ كِتَابَكَ كَفَى بِنَفْسِكَ الْيَوْمَ عَلَيْكَ حَسِيبًا‏}
وهذا إخبار عن كمال عدله أن كل إنسان يلزمه طائره في عنقه، أي‏:‏ ما عمل من خير وشر يجعله الله ملازما له لا يتعداه إلى غيره، فلا يحاسب بعمل غيره ولا يحاسب غيره بعمله‏.‏
{‏وَنُخْرِجُ لَهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ كِتَابًا يَلْقَاهُ مَنْشُورًا‏}‏ فيه ما عمله من الخير والشر حاضرا صغيره وكبيره ويقال له‏:‏ ‏{‏اقْرَأْ كِتَابَكَ كَفَى بِنَفْسِكَ الْيَوْمَ عَلَيْكَ حَسِيبًا‏}‏ وهذا من أعظم العدل والإنصاف أن يقال للعبد‏:‏ حاسب نفسك ليعرف بما عليه من الحق الموجب للعقاب‏.‏
‏‏ ‏{‏مَنِ اهْتَدَى فَإِنَّمَا يَهْتَدِي لِنَفْسِهِ وَمَنْ ضَلَّ فَإِنَّمَا يَضِلُّ عَلَيْهَا وَلَا تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَى وَمَا كُنَّا مُعَذِّبِينَ حَتَّى نَبْعَثَ رَسُولًا‏}
أي‏:‏ هداية كل أحد وضلاله لنفسه لا يحمل أحد ذنب أحد، ولا يدفع عنه مثقال ذرة من الشر، والله تعالى أعدل العادلين لا يعذب أحدا حتى تقوم عليه الحجة بالرسالة ثم يعاند الحجة‏.‏
وأما من انقاد للحجة أو لم تبلغه حجة الله تعالى فإن الله تعالى لا يعذبه‏.‏
واستدل بهذه الآية على أن أهل الفترات وأطفال المشركين، لا يعذبهم الله حتى يبعث إليهم رسولا لأنه منزه عن الظلم‏.‏
‏ ‏{‏وَإِذَا أَرَدْنَا أَنْ نُهْلِكَ قَرْيَةً أَمَرْنَا مُتْرَفِيهَا فَفَسَقُوا فِيهَا فَحَقَّ عَلَيْهَا الْقَوْلُ فَدَمَّرْنَاهَا تَدْمِيرًا * وَكَمْ أَهْلَكْنَا مِنَ الْقُرُونِ مِنْ بَعْدِ نُوحٍ وَكَفَى بِرَبِّكَ بِذُنُوبِ عِبَادِهِ خَبِيرًا بَصِيرًا‏}
يخبر تعالى أنه إذا أراد أن يهلك قرية من القرى الظالمة ويستأصلها بالعذاب أمر مترفيها أمرا قدريا ففسقوا فيها واشتد طغيانهم، ‏{‏فَحَقَّ عَلَيْهَا الْقَوْلُ‏}‏ أي‏:‏ كلمة العذاب التي لا مرد لها ‏{‏فَدَمَّرْنَاهَا تَدْمِيرًا‏}‏
وهؤلاء أمم كثيرة أبادهم الله بالعذاب من بعد قوم نوح كعاد وثمود وقوم لوط وغيرهم ممن عاقبهم الله لما كثر بغيهم واشتد كفرهم أنزل ‏‏ بهم عقابه العظيم‏.‏
{‏وَكَفَى بِرَبِّكَ بِذُنُوبِ عِبَادِهِ خَبِيرًا بَصِيرًا‏}‏ فلا يخافوا منه ظلما وأنه يعاقبهم على ما عملوه‏.‏
‏‏ ‏{‏مَنْ كَانَ يُرِيدُ الْعَاجِلَةَ عَجَّلْنَا لَهُ فِيهَا مَا نَشَاءُ لِمَنْ نُرِيدُ ثُمَّ جَعَلْنَا لَهُ جَهَنَّمَ يَصْلَاهَا مَذْمُومًا مَدْحُورًا * وَمَنْ أَرَادَ الْآخِرَةَ وَسَعَى لَهَا سَعْيَهَا وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَأُولَئِكَ كَانَ سَعْيُهُمْ مَشْكُورًا * كُلًّا نُمِدُّ هَؤُلَاءِ وَهَؤُلَاءِ مِنْ عَطَاءِ رَبِّكَ وَمَا كَانَ عَطَاءُ رَبِّكَ مَحْظُورًا * انْظُرْ كَيْفَ فَضَّلْنَا بَعْضَهُمْ عَلَى بَعْضٍ وَلَلْآخِرَةُ أَكْبَرُ دَرَجَاتٍ وَأَكْبَرُ تَفْضِيلًا‏}
يخبر تعالى أن ‏{‏مَنْ كَانَ يُرِيدُ‏}‏ الدنيا ‏{‏العاجلة‏}‏ المنقضية الزائلة فعمل لها وسعى، ونسي المبتدأ أو المنتهى أن الله يعجل له من حطامها ومتاعها ما يشاؤه ويريده مما كتب ‏‏ له في اللوح المحفوظ ولكنه متاع غير نافع ولا دائم له‏.‏
ثم يجعل له في الآخرة ‏{‏جَهَنَّمَ يَصْلَاهَا‏}‏ أي‏:‏ يباشر عذابها ‏{‏مَذْمُومًا مَدْحُورًا‏}‏ أي‏:‏ في حالة الخزي والفضيحة والذم من الله ومن خلقه، والبعد عن رحمة الله فيجمع له بين العذاب والفضيحة‏.‏
{‏وَمَنْ أَرَادَ الْآخِرَةَ‏}‏ فرضيها وآثرها على الدنيا ‏{‏وَسَعَى لَهَا سَعْيَهَا‏}‏ الذي دعت إليه الكتب السماوية والآثار النبوية فعمل بذلك على قدر إمكانه ‏{‏وَهُوَ مُؤْمِنٌ‏}‏ بالله وملائكته وكتبه ورسله واليوم الآخر‏.‏
{‏فَأُولَئِكَ كَانَ سَعْيُهُمْ مَشْكُورًا‏}‏ أي‏:‏ مقبولا منمى مدخرا لهم أجرهم وثوابهم عند ربهم‏.‏
ومع هذا فلا يفوتهم نصيبهم من الدنيا فكلا يمده الله منها لأنه عطاؤه وإحسانه‏.‏
{‏وَمَا كَانَ عَطَاءُ رَبِّكَ مَحْظُورًا‏}‏ أي‏:‏ ممنوعا من أحد بل جميع الخلق راتعون بفضله وإحسانه‏.‏
{‏انْظُرْ كَيْفَ فَضَّلْنَا بَعْضَهُمْ عَلَى بَعْضٍ‏}‏ في الدنيا بسعة الأرزاق وقلتها، واليسر والعسر والعلم والجهل والعقل والسفه وغير ذلك من الأمور التي فضل الله العباد بعضهم على بعض بها‏.‏
{‏وَلَلْآخِرَةُ أَكْبَرُ دَرَجَاتٍ وَأَكْبَرُ تَفْضِيلًا‏}‏ فلا نسبة لنعيم الدنيا ولذاتها إلى الآخرة بوجه من الوجوه‏.‏
فكم بين من هو في الغرف العاليات واللذات المتنوعات والسرور والخيرات والأفراح ممن هو يتقلب في الجحيم ويعذب بالعذاب الأليم، وقد حل عليه سخط الرب الرحيم وكل من الدارين بين أهلها من التفاوت ما لا يمكن أحدا عده‏.‏
‏‏ ‏{‏لَا تَجْعَلْ مَعَ اللَّهِ إِلَهًا آخَرَ فَتَقْعُدَ مَذْمُومًا مَخْذُولًا‏}
أي‏:‏ لا تعتقد أن أحدا من المخلوقين يستحق شيئا من العبادة ولا تشرك بالله أحدا منهم فإن ذلك داع للذم والخذلان، فالله وملائكته ورسله قد نهوا عن الشرك وذموا من عمله أشد الذم ورتبوا عليه من الأسماء المذمومة، والأوصاف المقبوحة ما كان به متعاطيه، أشنع الخلق وصفا وأقبحهم نعتا‏.‏ وله من الخذلان في أمر دينه ودنياه بحسب ما تركه من التعلق بربه، فمن تعلق بغيره فهو مخذول قد وكل إلى من تعلق به ولا أحد من الخلق ينفع أحدا إلا بإذن الله، كما أن من جعل مع الله إلها آخر له الذم والخذلان، فمن وحده وأخلص دينه لله وتعلق به دون غيره فإنه محمود معان في جميع أحواله‏.‏
@@@الجوووري@@@
@@@الجوووري@@@
تفسير سورة النحل وهي مكية

‏‏ ‏بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ ‏{أَتَى أَمْرُ اللَّهِ فَلَا تَسْتَعْجِلُوهُ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى عَمَّا يُشْرِكُونَ * يُنَزِّلُ الْمَلَائِكَةَ بِالرُّوحِ مِنْ أَمْرِهِ عَلَى مَنْ يَشَاءُ مِنْ عِبَادِهِ أَنْ أَنْذِرُوا أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا أَنَا فَاتَّقُونِ‏}
يقول تعالى ـ مقربا لما وعد به محققا لوقوعه ـ ‏{‏أَتَى أَمْرُ اللَّهِ فَلَا تَسْتَعْجِلُوهُ‏}‏ فإنه آت، وما هو آت، فإنه قريب، ‏{‏سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى عَمَّا يُشْرِكُونَ‏}‏ من نسبة الشريك والولد والصاحبة والكفء وغير ذلك مما نسبه إليه المشركون مما لا يليق بجلاله، أو ينافي كماله، ولما نزه نفسه عما وصفه به أعداؤه ذكر الوحي الذي ينزله على أنبيائه، مما يجب اتباعه في ذكر ما ينسب لله، من صفات الكمال فقال‏:‏ ‏{‏يُنَزِّلُ الْمَلَائِكَةَ بِالرُّوحِ مِنْ أَمْرِهِ‏}‏ أي‏:‏ بالوحي الذي به حياة الأرواح ‏{‏عَلَى مَنْ يَشَاءُ مِنْ عِبَادِهِ‏}‏ ممن يعلمه صالحا، لتحمل رسالته‏.‏
وزبدة دعوة الرسل كلهم ومدارها على قوله‏:‏ ‏{‏أَنْ أَنْذِرُوا أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا أَنَا فاتقون‏}‏ أي‏:‏ على معرفة الله تعالى وتوحده في صفات العظمة التي هي صفات الألوهية وعبادته وحده لا شريك له فهي التي أنزل الله بها كتبه وأرسل رسله، وجعل الشرائع كلها تدعو إليها، وتحث وتجاهد من حاربها وقام بضدها، ثم ذ كر الأدلة والبراهين على ذلك فقال‏:‏
‏‏ ‏{‏خَلَقَ السموات وَالْأَرْضَ بِالْحَقِّ تَعَالَى عَمَّا يُشْرِكُونَ * خَلَقَ الْإِنْسَانَ مِنْ نُطْفَةٍ فَإِذَا هُوَ خَصِيمٌ مُبِينٌ * وَالْأَنْعَامَ خَلَقَهَا لَكُمْ فِيهَا دِفْءٌ وَمَنَافِعُ وَمِنْهَا تَأْكُلُونَ * وَلَكُمْ فِيهَا جَمَالٌ حِينَ تُرِيحُونَ وَحِينَ تَسْرَحُونَ *وَتَحْمِلُ أَثْقَالَكُمْ إِلَى بَلَدٍ لَمْ تَكُونُوا بَالِغِيهِ إِلَّا بِشِقِّ الْأَنْفُسِ إِنَّ رَبَّكُمْ لَرَءُوفٌ رَحِيمٌ * وَالْخَيْلَ وَالْبِغَالَ وَالْحَمِيرَ لِتَرْكَبُوهَا وَزِينَةً وَيَخْلُقُ مَا لَا تَعْلَمُونَ * وَعَلَى اللَّهِ قَصْدُ السَّبِيلِ وَمِنْهَا جَائِرٌ وَلَوْ شَاءَ لَهَدَاكُمْ أَجْمَعِينَ‏}‏
هذه السورة تسمى سورة النعم، فإن الله ذكر في أولها أصول النعم وقواعدها، وفي آخرها متمماتها ومكملاتها، فأخبر أنه خلق السماوات والأرض بالحق، ليستدل بهما العباد على عظمة خالقهما، وما له من نعوت الكمال ويعلموا أنه خلقهما مسكنا لعباده الذين يعبدونه، بما يأمرهم به في الشرائع التي أنزلها على ألسنة رسله، ولهذا نزه نفسه عن شرك المشركين به فقال‏:‏ ‏{‏تَعَالَى عَمَّا يُشْرِكُونَ‏}‏ أي‏:‏ تنزه وتعاظم عن شركهم فإنه الإله حقا، الذي لا تنبغي العبادة والحب والذل إلا له تعالى، ولما ذكر خلق السماوات ‏‏ ذكر خلق ما فيهما‏.‏
وبدأ بأشرف ذلك وهو الإنسان فقال‏:‏ ‏{‏خَلَقَ الْإِنْسَانَ مِنْ نُطْفَةٍ‏}‏ لم يزل يدبرها ويرقيها وينميها حتى صارت بشرا تاما كامل الأعضاء الظاهرة والباطنة، قد غمره بنعمه الغزيرة، حتى إذا استتم فخر بنفسه وأعجب بها ‏{‏فَإِذَا هُوَ خَصِيمٌ مُبِينٌ‏}‏ يحتمل أن المراد‏:‏ فإذا هو خصيم لربه، يكفر به، ويجادل رسله، ويكذب بآياته‏.‏ ونسي خلقه الأول وما أنعم الله عليه به، من النعم فاستعان بها على معاصيه، ويحتمل أن المعنى‏:‏ أن الله أنشأ الآدمي من نطفة، ثم لم يزل ينقله من طور، إلى طور حتى صار عاقلا متكلما، ذا ذهن ورأي‏:‏ يخاصم ويجادل، فليشكر العبد ربه الذي أوصله إلى هذه الحال التي ليس في إمكانه القدرة على شيء منها‏.‏
{‏وَالْأَنْعَامَ خَلَقَهَا لَكُمْ‏}‏ أي‏:‏ لأجلكم، ولأجل منافعكم ومصالحكم، من جملة منافعها العظيمة أن لكم ‏{‏فِيهَا دِفْءٌ‏}‏ مما تتخذون من أصوافها وأوبارها، وأشعارها، وجلودها، من الثياب والفرش والبيوت‏.‏
‏{‏وَ‏}‏ لكم فيها ‏{‏مَنَافِعُ‏}‏ غير ذلك ‏{‏وَمِنْهَا تَأْكُلُونَ‏}‏ ‏{‏وَلَكُمْ فِيهَا جَمَالٌ حِينَ تُرِيحُونَ وَحِينَ تَسْرَحُونَ‏}‏ أي‏:‏ في وقت راحتها وسكونها ووقت حركتها وسرحها، وذلك أن جمالها لا يعود إليها منه شيء فإنكم أنتم الذين تتجملون بها، كما تتجملون بثيابكم وأولادكم وأموالكم، وتعجبون بذلك، ‏{‏وَتَحْمِلُ أَثْقَالَكُمْ‏}‏ من الأحمال الثقيلة، بل وتحملكم أنتم ‏{‏إِلَى بَلَدٍ لَمْ تَكُونُوا بَالِغِيهِ إِلَّا بِشِقِّ الْأَنْفُسِ‏}‏ ولكن الله ذللها لكم‏.‏
فمنها ما تركبونه، ومنها ما تحملون عليه ما تشاءون من الأثقال إلى البلدان البعيدة والأقطار الشاسعة، ‏{‏إِنَّ رَبَّكُمْ لَرَءُوفٌ رَحِيمٌ‏}‏ إذ سخر لكم ما تضطرون إليه وتحتاجونه، فله الحمد كما ينبغي لجلال وجهه، وعظيم سلطانه وسعة جوده وبره‏.‏
{‏وَالْخَيْلَ وَالْبِغَالَ وَالْحَمِيرَ‏}‏ سخرناها لكم ‏{‏لِتَرْكَبُوهَا وَزِينَةً‏}‏ أي‏:‏ تارة تستعملونها للضرورة في الركوب وتارة لأجل الجمال والزينة، ولم يذكر الأكل لأن البغال والحمر محرم أكلها، والخيل لا تستعمل ـ في الغالب ـ للأكل، بل ينهى عن ذبحها لأجل الأكل خوفا من انقطاعها وإلا فقد ثبت في الصحيحين، أن النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ أذن في لحوم الخيل‏.‏
{‏وَيَخْلُقُ مَا لَا تَعْلَمُونَ‏}‏ مما يكون بعد نزول القرآن من الأشياء، التي يركبها الخلق في البر والبحر والجو، ويستعملونها في منافعهم ومصالحهم، فإنه لم يذكرها بأعيانها، لأن الله تعالى لا يذكر في كتابه إلا ما يعرفه العباد، أو يعرفون نظيره، وأما ما ليس له نظير في زمانهم فإنه لو ذكر لم يعرفوه ولم يفهموا المراد منه، فيذكر أصلا جامعا يدخل فيه ما يعلمون وما لا يعلمون، كما ذكر نعيم الجنة وسمى منه ما نعلم ونشاهد نظيره، كالنخل والأعناب والرمان، وأجمل ما لا نعرف له نظيرا في قوله‏:‏ ‏{‏فِيهِمَا مِنْ كُلِّ فَاكِهَةٍ زَوْجَان‏}‏ فكذلك هنا ذكر ما نعرفه من المراكب كالخيل والبغال والحمير والإبل والسفن، وأجمل الباقي في قوله‏:‏ ‏{‏وَيَخْلُقُ مَا لَا تَعْلَمُونَ‏}‏ ولما ذكر تعالى الطريق الحسي، وأن الله قد جعل للعباد ما يقطعونه به من الإبل وغيرها ذكر الطريق المعنوي الموصل إليه فقال‏:‏
{‏وَعَلَى اللَّهِ قَصْدُ السَّبِيلِ‏}‏ أي‏:‏ الصراط المستقيم، الذي هو أقرب الطرق وأخصرها موصل إلى الله‏.‏
وأما الطريق الجائر في عقائده وأعماله وهو‏:‏ كل ما خالف الصراط المستقيم فهو قاطع عن الله، موصل إلى دار الشقاء، فسلك المهتدون الصراط المستقيم بإذن ربهم، وضل الغاوون عنه، وسلكوا الطرق الجائرة ‏{‏وَلَوْ شَاءَ لَهَدَاكُمْ أَجْمَعِينَ‏}‏ ولكنه هدى بعضا كرما وفضلا، ولم يهد آخرين، حكمة منه وعدلًا‏.‏
‏‏ ‏{‏هُوَ الَّذِي أَنْزَلَ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً لَكُمْ مِنْهُ شَرَابٌ وَمِنْهُ شَجَرٌ فِيهِ تُسِيمُونَ * يُنْبِتُ لَكُمْ بِهِ الزَّرْعَ وَالزَّيْتُونَ وَالنَّخِيلَ وَالْأَعْنَابَ وَمِنْ كُلِّ الثَّمَرَاتِ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَةً لِقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ‏}
بذلك على كمال قدرة الله الذي أنزل هذا الماء من السحاب الرقيق اللطيف ورحمته حيث جعل فيه ماء غزيرًا منه يشربون وتشرب مواشيهم ويسقون منه حروثهم فتخرج لهم الثمرات الكثيرة والنعم الغزيرة‏.‏
‏‏ ‏{‏وَسَخَّرَ لَكُمُ اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ وَالشَّمْسَ وَالْقَمَرَ وَالنُّجُومُ مُسَخَّرَاتٌ بِأَمْرِهِ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَاتٍ لِقَوْمٍ يَعْقِلُونَ‏}
أي‏:‏ سخر لكم هذه الأشياء لمنافعكم وأنواع مصالحكم بحيث لا تستغنون عنها أبدا، فبالليل تسكنون وتنامون وتستريحون، وبالنهار تنتشرون في معايشكم ومنافع دينكم ودنياكم، وبالشمس والقمر من الضياء والنور والإشراق، وإصلاح الأشجار والثمار والنبات، وتجفيف الرطوبات، وإزالة البرودة الضارة للأرض، وللأبدان، وغير ذلك من الضروريات والحاجيات التابعة لوجود الشمس والقمر‏.‏
وفيهما وفي النجوم من الزينة للسماء والهداية في ظلمات البر والبحر، ومعرفة الأوقات وحساب الأزمنة ما تتنوع دلالاتها وتتصرف آياتها، ولهذا جمعها في قوله ‏{‏إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَاتٍ لِقَوْمٍ يَعْقِلُونَ‏}‏ أي‏:‏ لمن لهم عقول يستعملونها في التدبر والتفكر فيما هي مهيأة له مستعدة تعقل ما تراه وتسمعه، لا كنظر الغافلين الذين حظهم من النظر حظ البهائم التي لا عقل لها‏.‏
‏‏ ‏{‏وَمَا ذَرَأَ لَكُمْ فِي الْأَرْضِ مُخْتَلِفًا أَلْوَانُهُ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَةً لِقَوْمٍ يَذَّكَّرُونَ‏}
أي‏:‏ فيما ذرأ الله ونشر للعباد من كل ما على وجه الأرض، من حيوان وأشجار ونبات، وغير ذلك، مما تختلف ألوانه، وتختلف منافعه، آية على كمال قدرة الله وعميم إحسانه، وسعة بره، وأنه الذي لا تنبغي العبادة إلا له وحده لا شريك له، ‏{‏لِقَوْمٍ يَذَّكَّرُونَ‏}‏ أي‏:‏ يستحضرون في ذاكرتهم ما ينفعهم من العلم النافع، ويتأملون ما دعاهم الله إلى التأمل فيه حتى يتذكروا بذلك ما هو دليل عليه‏.‏
‏‏ ‏{‏وَهُوَ الَّذِي سَخَّرَ الْبَحْرَ لِتَأْكُلُوا مِنْهُ لَحْمًا طَرِيًّا وَتَسْتَخْرِجُوا مِنْهُ حِلْيَةً تَلْبَسُونَهَا وَتَرَى الْفُلْكَ مَوَاخِرَ فِيهِ وَلِتَبْتَغُوا مِنْ فَضْلِهِ وَلَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ‏}
أي‏:‏ هو وحده لا شريك له ‏{‏الَّذِي سَخَّرَ الْبَحْرَ‏}‏ وهيأه لمنافعكم المتنوعة‏.‏ ‏{‏لِتَأْكُلُوا مِنْهُ لَحْمًا طَرِيًّا‏}‏ وهو السمك والحوت الذي يصطادونه منه، ‏{‏وَتَسْتَخْرِجُوا مِنْهُ حِلْيَةً تَلْبَسُونَهَا‏}‏ فتزيدكم جمالا وحسنا إلى حسنكم، ‏{‏وَتَرَى الْفُلْكَ‏}‏ أي‏:‏ السفن والمراكب ‏{‏مَوَاخِرَ فِيهِ‏}‏ أي‏:‏ تمخر في البحر العجاج الهائل بمقدمها حتى تسلك فيه من قطر إلى آخر، تحمل المسافرين وأرزاقهم وأمتعتهم وتجاراتهم التي يطلبون بها الأرزاق وفضل الله عليهم‏.‏
‏{‏وَلَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ‏}‏ الذي يسر لكم هذه الأشياء وهيأها وتثنون على الله الذي منَّ بها، فلله تعالى الحمد والشكر والثناء، حيث أعطى العباد من مصالحهم ومنافعهم فوق ما يطلبون، وأعلى ما يتمنون، وآتاهم من كل ما سألوه، لا نحصي ثناء عليه بل هو كما أثنى على نفسه‏.‏
‏‏ ‏{‏وَأَلْقَى فِي الْأَرْضِ رَوَاسِيَ أَنْ تَمِيدَ بِكُمْ وَأَنْهَارًا وَسُبُلًا لَعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ * وَعَلَامَاتٍ وَبِالنَّجْمِ هُمْ يَهْتَدُونَ‏}
أي‏:‏ ‏{‏وَأَلْقَى‏}‏ الله تعالى لأجل عباده ‏{‏فِي الْأَرْضِ رَوَاسِيَ‏}‏ وهي‏:‏ الجبال العظام لئلا تميد بهم وتضطرب بالخلق فيتمكنون من حرث الأرض والبناء والسير عليها، ومن رحمته تعالى أن جعل فيها أنهارا، يسوقها من أرض بعيدة إلى أرض مضطرة إليها لسقيهم وسقي مواشيهم وحروثهم، أنهارا على وجه الأرض، وأنهارا في بطنها يستخرجونها بحفرها، حتى يصلوا إليها فيستخرجونها بما سخر الله لهم من الدوالي والآلات ونحوها، ومن رحمته أن جعل في الأرض سبلا، أي‏:‏ طرقا توصل إلى الديار المتنائية ‏{‏لَعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ‏}‏ السبيل إليها حتى إنك تجد أرضا مشتبكة بالجبال مسلسلة فيها وقد جعل الله فيما بينها منافذ ومسالك للسالكين‏.‏
‏‏ ‏{‏أَفَمَنْ يَخْلُقُ كَمَنْ لَا يَخْلُقُ أَفَلَا تَذَكَّرُونَ * وَإِنْ تَعُدُّوا نِعْمَةَ اللَّهِ لَا تُحْصُوهَا إِنَّ اللَّهَ لَغَفُورٌ رَحِيمٌ *وَاللَّهُ يَعْلَمُ مَا تُسِرُّونَ وَمَا تُعْلِنُونَ * وَالَّذِينَ يَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ لَا يَخْلُقُونَ شَيْئًا وَهُمْ يُخْلَقُونَ * أَمْوَاتٌ غَيْرُ أَحْيَاءٍ وَمَا يَشْعُرُونَ أَيَّانَ يُبْعَثُونَ * إِلَهُكُمْ إِلَهٌ وَاحِدٌ فَالَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِالْآخِرَةِ قُلُوبُهُمْ مُنْكِرَةٌ وَهُمْ مُسْتَكْبِرُونَ * لَا جَرَمَ أَنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ مَا يُسِرُّونَ وَمَا يُعْلِنُونَ إِنَّهُ لَا يُحِبُّ الْمُسْتَكْبِرِينَ‏}
لما ذكر تعالى ما خلقه من المخلوقات العظيمة، وما أنعم به من النعم العميمة ذكر أنه لا يشبهه أحد ولا كفء له ولا ند له فقال‏:‏ ‏{‏أَفَمَنْ يَخْلُقُ‏}‏ جميع المخلوقات وهو الفعال لما يريد ‏{‏كَمَنْ لَا يَخْلُقُ‏}‏ شيئا لا قليلا ولا كثيرا، ‏{‏أَفَلَا تَذَكَّرُونَ‏}‏ فتعرفون أن المنفرد بالخلق أحق بالعبادة كلها، فكما أنه واحد في خلقه وتدبيره فإنه واحد في إلهيته وتوحيده وعبادته‏.‏
وكما أنه ليس له مشارك إذ أنشأكم وأنشأ غيركم، فلا تجعلوا له أندادا في عبادته بل أخلصوا له الدين، ‏{‏وَإِنْ تَعُدُّوا نِعْمَةَ اللَّهِ‏}‏ عددا مجردا عن الشكر ‏{‏لَا تُحْصُوهَا‏}‏ فضلا عن كونكم تشكرونها، فإن نعمه الظاهرة والباطنة على العباد بعدد الأنفاس واللحظات، من جميع أصناف النعم مما يعرف العباد، ومما لا يعرفون وما يدفع عنهم من النقم فأكثر من أن تحصى، ‏{‏إِنَّ اللَّهَ لَغَفُورٌ رَحِيمٌ‏}‏ يرضى منكم باليسير من الشكر مع إنعامه الكثير‏.‏
وكما أن رحمته واسعة وجوده عميم ومغفرته شاملة للعباد فعلمه محيط بهم، ‏{‏يَعْلَمُ مَا تُسِرُّونَ وَمَا تُعْلِنُونَ‏}‏ بخلاف من عبد من دونه، فإنهم ‏{‏لَا يَخْلُقُونَ شَيْئًا‏}‏ قليلا ولا كثيرا ‏{‏وَهُمْ يُخْلَقُونَ‏}‏ فكيف يخلقون شيئا مع افتقارهم في إيجادهم إلى الله تعالى‏؟‏‏"‏
ومع هذا ليس فيهم من أوصاف الكمال شيء لا علم، ولا غيره ‏{‏أَمْوَاتٌ غَيْرُ أَحْيَاءٍ‏}‏ فلا تسمع ولا تبصر ولا تعقل شيئا، أفتتخذ هذه آلهة من دون رب العالمين، فتبا لعقول المشركين ما أضلها وأفسدها، حيث ضلت في أظهر الأشياء فسادا، وسووا بين الناقص من جميع الوجوه فلا أوصاف كمال، ولا شيء من الأفعال، وبين الكامل من جميع الوجوه الذي له كل صفة كمال وله من تلك الصفة أكملها وأعظمها، فله العلم المحيط بكل الأشياء والقدرة العامة والرحمة الواسعة التي ملأت جميع العوالم، والحمد والمجد والكبرياء والعظمة، التي لا يقدر أحد من الخلق أن يحيط ببعض أوصافه، ولهذا قال‏:‏
{‏إِلَهُكُمْ إِلَهٌ وَاحِدٌ‏}‏ وهو الله الأحد الفرد الصمد الذي لم يلد ولم يكن له كفوا أحد‏.‏
فأهل الإيمان والعقول أجلته قلوبهم وعظمته، وأحبته حبا عظيما، وصرفوا له كل ما استطاعوا من القربات البدنية والمالية، وأعمال القلوب وأعمال الجوارح، وأثنوا عليه بأسمائه الحسنى وصفاته وأفعاله المقدسة، ‏{‏فَالَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِالْآخِرَةِ قُلُوبُهُمْ مُنْكِرَةٌ‏}‏ لهذا الأمر العظيم الذي لا ينكره إلا أعظم الخلق جهلا وعنادا وهو‏:‏ توحيد الله ‏{‏وَهُمْ مُسْتَكْبِرُونَ‏}‏ عن عبادته‏.‏
‏{‏لَا جَرَمَ‏}‏ أي‏:‏ حقا لا بد ‏{‏أَنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ مَا يُسِرُّونَ وَمَا يُعْلِنُونَ‏}‏ من الأعمال القبيحة ‏{‏إِنَّهُ لَا يُحِبُّ الْمُسْتَكْبِرِينَ‏}‏ بل يبغضهم أشد البغض، وسيجازيهم من جنس عملهم ‏{‏إن الذين يستكبرون عن عبادتي سيدخلون جهنم داخرين‏}
‏‏ ‏{‏وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ مَاذَا أَنْزَلَ رَبُّكُمْ قَالُوا أَسَاطِيرُ الْأَوَّلِينَ * لِيَحْمِلُوا أَوْزَارَهُمْ كَامِلَةً يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَمِنْ أَوْزَارِ الَّذِينَ يُضِلُّونَهُمْ بِغَيْرِ عِلْمٍ أَلَا سَاءَ مَا يَزِرُونَ * قَدْ مَكَرَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ فَأَتَى اللَّهُ بُنْيَانَهُمْ مِنَ الْقَوَاعِدِ فَخَرَّ عَلَيْهِمُ السَّقْفُ مِنْ فَوْقِهِمْ وَأَتَاهُمُ الْعَذَابُ مِنْ حَيْثُ لَا يَشْعُرُونَ * ثُمَّ يَوْمَ الْقِيَامَةِ يُخْزِيهِمْ وَيَقُولُ أَيْنَ شُرَكَائِيَ الَّذِينَ كُنْتُمْ تُشَاقُّونَ فِيهِمْ قَالَ الَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ إِنَّ الْخِزْيَ الْيَوْمَ وَالسُّوءَ عَلَى الْكَافِرِينَ * الَّذِينَ تَتَوَفَّاهُمُ الْمَلَائِكَةُ ظَالِمِي أَنْفُسِهِمْ فَأَلْقَوُا السَّلَمَ مَا كُنَّا نَعْمَلُ مِنْ سُوءٍ بَلَى إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ بِمَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ * فَادْخُلُوا أَبْوَابَ جَهَنَّمَ خَالِدِينَ فِيهَا فَلَبِئْسَ مَثْوَى الْمُتَكَبِّرِينَ‏}
يقول تعالى ـ مخبرا عن شدة تكذيب المشركين بآيات الله‏:‏ ‏{‏وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ مَاذَا أَنْزَلَ رَبُّكُمْ‏}‏ أي‏:‏ إذا سألوا عن القرآن والوحي الذي هو أكبر نعمة أنعم الله بها على العباد، فماذا قولكم به‏؟‏ وهل تشكرون هذه النعمة وتعترفون بها أم تكفرون وتعاندون‏؟‏
فيكون جوابهم أقبح جواب وأسمجه، فيقولون عنه‏:‏ إنه ‏{‏أَسَاطِيرُ الْأَوَّلِينَ‏}‏ أي‏:‏ كذب اختلقه محمد على الله، وما هو إلا قصص الأولين التي يتناقلها الناس جيلا بعد جيل، منها الصدق ومنها الكذب، فقالوا هذه المقالة، ودعوا أتباعهم إليها، وحملوا وزرهم ووزر من انقاد لهم إلى يوم القيامة‏.‏
وقوله‏:‏ ‏{‏وَمِنْ أَوْزَارِ الَّذِينَ يُضِلُّونَهُمْ بِغَيْرِ عِلْمٍ‏}‏ أي‏:‏ من أوزار المقلدين الذين لا علم عندهم إلا ما دعوهم إليه، فيحملون إثم ما دعوهم إليه، وأما الذين يعلمون فكلٌّ مستقلٌّ بجرمه، لأنه عرف ما عرفوا ‏{‏أَلَا سَاءَ مَا يَزِرُونَ‏}‏ أي‏:‏ بئس ما حملوا من الوزر المثقل لظهورهم، من وزرهم ووزر من أضلوه‏.‏
{‏قَدْ مَكَرَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ‏}‏ برسلهم واحتالوا بأنواع الحيل على رد ما جاءوهم به وبنوا من مكرهم قصورا هائلة، ‏{‏فَأَتَى اللَّهُ بُنْيَانَهُمْ مِنَ الْقَوَاعِدِ‏}‏ أي‏:‏ جاءها الأمر من أساسها وقاعدتها، ‏{‏فَخَرَّ عَلَيْهِمُ السَّقْفُ مِنْ فَوْقِهِمْ‏}‏ فصار ما بنوه عذابا عذبوا به، ‏{‏وَأَتَاهُمُ الْعَذَابُ مِنْ حَيْثُ لَا يَشْعُرُونَ‏}‏ وذلك أنهم ظنوا أن هذا البنيان سينفعهم ويقيهم العذاب فصار عذابهم فيما بنوه وأصَّلوه‏.‏
وهذا من أحسن الأمثال في إبطال الله مكر أعدائه‏.‏ فإنهم فكروا وقدروا فيما جاءت به الرسل لما كذبوهم وجعلوا لهم أصولا وقواعد من الباطل يرجعون إليها، ويردون بها ما جاءت ‏‏ الرسل، واحتالوا أيضًا على إيقاع المكروه والضرر بالرسل ومن تبعهم، فصار مكرهم وبالا عليهم، فصار تدبيرهم فيه تدميرهم، وذلك لأن مكرهم سيئ ‏{‏ولا يحيق المكر السيئ إلا بأهله‏}‏ هذا في الدنيا ولعذاب الآخرة أخزى، ولهذا قال‏:‏ ‏{‏ثُمَّ يَوْمَ الْقِيَامَةِ يُخْزِيهِمْ‏}‏ أي‏:‏ يفضحهم على رءوس الخلائق ويبين لهم كذبهم وافتراءهم على الله‏.‏
{‏وَيَقُولُ أَيْنَ شُرَكَائِيَ الَّذِينَ كُنْتُمْ تُشَاقُّونَ فِيهِمْ‏}‏ أي‏:‏ تحاربون وتعادون الله وحزبه لأجلهم وتزعمون أنهم شركاء لله، فإذا سألهم هذا السؤال لم يكن لهم جواب إلا الإقرار بضلالهم، والاعتراف بعنادهم فيقولون ‏{‏ضلوا عنا وشهدوا على أنفسهم أنهم كانوا كافرين‏}‏ ‏{‏قَالَ الَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ‏}‏ أي‏:‏ العلماء الربانيون ‏{‏إِنَّ الْخِزْيَ الْيَوْمَ‏}‏ أي‏:‏ يوم القيامة ‏{‏وَالسُّوءَ‏}‏ أي‏:‏ العذاب ‏{‏عَلَى الْكَافِرِينَ‏}‏ وفي هذا فضيلة أهل العلم، وأنهم الناطقون بالحق في هذه الدنيا ويوم يقوم الأشهاد، وأن لقولهم اعتبارا عند الله وعند خلقه، ثم ذكر ما يفعل بهم عند الوفاة وفي القيامة فقال‏:‏
{‏الَّذِينَ تَتَوَفَّاهُمُ الْمَلَائِكَةُ ظَالِمِي أَنْفُسِهِمْ‏}‏ أي‏:‏ تتوفاهم في هذه الحال التي كثر فيها ظلمهم وغيهم وقد علم ما يلقى الظلمة في ذلك المقام من أنواع العذاب والخزي والإهانة‏.‏
‏{‏فَأَلْقَوُا السَّلَمَ‏}‏ أي‏:‏ استسلموا وأنكروا ما كانوا يعبدونهم من دون الله وقالوا‏:‏ ‏{‏مَا كُنَّا نَعْمَلُ مِنْ سُوءٍ‏}‏ فيقال لهم‏:‏ ‏{‏بَلَى‏}‏ كنتم تعملون السوء فـ ‏{‏إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ بِمَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ‏}‏ فلا يفيدكم الجحود شيئا، وهذا في بعض مواقف القيامة ينكرون ما كانوا عليه في الدنيا ظنا أنه ينفعهم، فإذا شهدت عليهم جوارحهم وتبين ما كانوا عليه أقروا واعترفوا، ولهذا لا يدخلون النار حتى يعترفوا بذنوبهم‏.‏
{‏فادخلوا أبواب جهنم‏}‏ كلُّ أهل عمل يدخلون من الباب اللائق بحالهم، ‏{‏فَلَبِئْسَ مَثْوَى الْمُتَكَبِّرِينَ‏}‏ نار جهنم فإنها مثوى الحسرة والندم، ومنزل الشقاء والألم ومحل الهموم والغموم، وموضع السخط من الحي القيوم، لا يفتَّر عنهم من عذابها، ولا يرفع عنهم يوما من أليم عقابها، قد أعرض عنهم الرب الرحيم، وأذاقهم العذاب العظيم‏.‏
‏‏ ‏{‏وَقِيلَ لِلَّذِينَ اتَّقَوْا مَاذَا أَنْزَلَ رَبُّكُمْ قَالُوا خَيْرًا لِلَّذِينَ أَحْسَنُوا فِي هَذِهِ الدُّنْيَا حَسَنَةٌ وَلَدَارُ الْآخِرَةِ خَيْرٌ وَلَنِعْمَ دَارُ الْمُتَّقِينَ * جَنَّاتُ عَدْنٍ يَدْخُلُونَهَا تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ لَهُمْ فِيهَا مَا يَشَاءُونَ كَذَلِكَ يَجْزِي اللَّهُ الْمُتَّقِينَ * الَّذِينَ تَتَوَفَّاهُمُ الْمَلَائِكَةُ طَيِّبِينَ يَقُولُونَ سَلَامٌ عَلَيْكُمُ ادْخُلُوا الْجَنَّةَ بِمَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ‏}
لما ذكر الله قيل المكذبين بما أنزل الله، ذكر ما قاله المتقون، وأنهم اعترفوا وأقروا بأن ما أنزله الله نعمة عظيمة، وخير عظيم امتن الله به على العباد، فقبلوا تلك النعمة، وتلقوها بالقبول والانقياد، وشكروا الله عليها، فعلموها وعملوا لها ‏{‏لِلَّذِينَ أَحْسَنُوا‏}‏ في عبادة الله تعالى، وأحسنوا إلى عباد الله فلهم ‏{‏فِي هَذِهِ الدُّنْيَا حَسَنَةً‏}‏ رزق واسع، وعيشه هنية، وطمأنينة قلب، وأمن وسرور‏.‏
{‏وَلَدَارُ الْآخِرَةِ خَيْرٌ‏}‏ من هذه الدار وما فيها من أنواع اللذات والمشتهيات، فإن هذه نعيمها قليل محشو بالآفات منقطع، بخلاف نعيم الآخرة ولهذا قال‏:‏ ‏{‏وَلَنِعْمَ دَارُ الْمُتَّقِينَ‏}‏ ‏{‏جَنَّاتُ عَدْنٍ يَدْخُلُونَهَا تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ لَهُمْ فِيهَا مَا يَشَاءُونَ‏}‏ أي‏:‏ مهما تمنته أنفسهم وتعلقت به إرادتهم حصل لهم على أكمل الوجوه وأتمها، فلا يمكن أن يطلبوا نوعا من أنواع النعيم الذي فيه لذة القلوب وسرور الأرواح، إلا وهو حاضر لديهم، ولهذا يعطي الله أهل الجنة كل ما تمنوه عليه، حتى إنه يذكرهم أشياء من النعيم لم تخطر على قلوبهم‏.‏
فتبارك الذي لا نهاية لكرمه، ولا حد لجوده الذي ليس كمثله شيء في صفات ذاته، وصفات أفعاله وآثار تلك النعوت، وعظمة الملك والملكوت، ‏{‏كَذَلِكَ يَجْزِي اللَّهُ الْمُتَّقِينَ‏}‏ لسخط الله وعذابه بأداء ما أوجبه عليهم من الفروض والواجبات المتعلقة بالقلب والبدن واللسان من حقه وحق عباده، وترك ما نهاهم الله عنه‏.‏
{‏الَّذِينَ تَتَوَفَّاهُمُ الْمَلَائِكَةُ‏}‏ مستمرين على تقواهم ‏{‏طَيِّبِينَ‏}‏ أي‏:‏ طاهرين مطهرين من كل نقص ودنس يتطرق إليهم ويخل في إيمانهم، فطابت قلوبهم بمعرفة الله ومحبته وألسنتهم بذكره والثناء عليه، وجوارحهم بطاعته والإقبال عليه، ‏{‏يَقُولُونَ سَلَامٌ عَلَيْكُمُ‏}‏ أي‏:‏ التحية الكاملة حاصلة لكم والسلامة من كل آفة‏.‏
وقد سلمتم من كل ما تكرهون ‏{‏ادْخُلُوا الْجَنَّةَ بِمَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ‏}‏ من الإيمان بالله والانقياد لأمره، فإن العمل هو السبب والمادة والأصل في دخول الجنة والنجاة من النار، وذلك العمل حصل لهم برحمة الله ومنته عليهم لا بحولهم وقوتهم‏.‏
‏‏ ‏{‏هَلْ يَنْظُرُونَ إِلَّا أَنْ تَأْتِيَهُمُ الْمَلَائِكَةُ أَوْ يَأْتِيَ أَمْرُ رَبِّكَ كَذَلِكَ فَعَلَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ وَمَا ظَلَمَهُمُ اللَّهُ وَلَكِنْ كَانُوا أَنْفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ * فَأَصَابَهُمْ سَيِّئَاتُ مَا عَمِلُوا وَحَاقَ بِهِمْ مَا كَانُوا بِهِ يَسْتَهْزِئُونَ‏}‏
يقول تعالى‏:‏ هل ينظر هؤلاء الذين جاءتهم الآيات فلم يؤمنوا، وذكِّروا فلم يتذكروا، ‏{‏إِلَّا أَنْ تَأْتِيَهُمُ الْمَلَائِكَةُ‏}‏ لقبض أرواحهم ‏{‏أَوْ يَأْتِيَ أَمْرُ رَبِّكَ‏}‏ بالعذاب الذي سيحل بهم فإنهم قد استحقوا وقوعه فيهم، ‏{‏كَذَلِكَ فَعَلَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ‏}‏ كذبوا وكفروا، ثم لم يؤمنوا حتى نزل بهم العذاب‏.‏
{‏وَمَا ظَلَمَهُمُ اللَّهُ‏}‏ إذ عذبهم ‏{‏وَلَكِنْ كَانُوا أَنْفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ‏}‏ فإنها مخلوقة لعبادة الله ليكون مآلها إلى كرامة الله فظلموها وتركوا ما خلقت له، وعرضوها للإهانة الدائمة والشقاء الملازم‏.‏
{‏فَأَصَابَهُمْ سَيِّئَاتُ مَا عَمِلُوا‏}‏ أي‏:‏ عقوبات أعمالهم وآثارها، ‏{‏وَحَاقَ بِهِمْ‏}‏ أي‏:‏ نزل ‏{‏مَا كَانُوا بِهِ يَسْتَهْزِئُونَ‏}‏ فإنهم كانوا إذا أخبرتهم رسلهم بالعذاب استهزأوا به، وسخروا ممن أخبر به فحل بهم ذلك الأمر الذي سخروا منه‏.‏
‏‏ ‏{‏وَقَالَ الَّذِينَ أَشْرَكُوا لَوْ شَاءَ اللَّهُ مَا عَبَدْنَا مِنْ دُونِهِ مِنْ شَيْءٍ نَحْنُ وَلَا آبَاؤُنَا وَلَا حَرَّمْنَا مِنْ دُونِهِ مِنْ شَيْءٍ كَذَلِكَ فَعَلَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ فَهَلْ عَلَى الرُّسُلِ إِلَّا الْبَلَاغُ الْمُبِينُ‏}
أي‏:‏ احتج المشركون على شركهم بمشيئة الله، وأن الله لو شاء ما أشركوا، ولا حرموا شيئا من ‏‏ التي أحلها كالبحيرة والوصيلة والحام ونحوها من دونه، وهذه حجة باطلة، فإنها لو كانت حقا ما عاقب الله الذين من قبلهم حيث أشركوا به، فعاقبهم أشد العقاب‏.‏ فلو كان يحب ذلك منهم لما عذبهم، وليس قصدهم بذلك إلا رد الحق الذي جاءت به الرسل، وإلا فعندهم علم أنه لا حجة لهم على الله‏.‏
فإن الله أمرهم ونهاهم ومكنهم من القيام بما كلفهم وجعل لهم قوة ومشيئة تصدر عنها أفعالهم‏.‏ فاحتجاجهم بالقضاء والقدر من أبطل الباطل، هذا وكل أحد يعلم بالحس قدرة الإنسان على كل فعل يريده من غير أن ينازعه منازع، فجمعوا بين تكذيب الله وتكذيب رسله وتكذيب الأمور العقلية والحسية، ‏{‏فَهَلْ عَلَى الرُّسُلِ إِلَّا الْبَلَاغُ الْمُبِينُ‏}‏ أي‏:‏ البين الظاهر الذي يصل إلى القلوب، ولا يبقى لأحد على الله حجة، فإذا بلغتهم الرسل أمر ربهم ونهيه، واحتجوا عليهم بالقدر، فليس للرسل من الأمر شيء، وإنما حسابهم على الله عز وجل‏.‏
‏‏ ‏{‏وَلَقَدْ بَعَثْنَا فِي كُلِّ أُمَّةٍ رَسُولًا أَنِ اُعْبُدُوا اللَّهَ وَاجْتَنِبُوا الطَّاغُوتَ فَمِنْهُمْ مَنْ هَدَى اللَّهُ وَمِنْهُمْ مَنْ حَقَّتْ عَلَيْهِ الضَّلَالَةُ فَسِيرُوا فِي الْأَرْضِ فَانْظُرُوا كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الْمُكَذِّبِينَ * إِنْ تَحْرِصْ عَلَى هُدَاهُمْ فَإِنَّ اللَّهَ لَا يَهْدِي مَنْ يُضِلُّ وَمَا لَهُمْ مِنْ نَاصِرِينَ‏}
يخبر تعالى أن حجته قامت على جميع الأمم، وأنه ما من أمة متقدمة أو متأخرة إلا وبعث الله فيها رسولا، وكلهم متفقون على دعوة واحدة ودين واحد، وهو عبادة الله وحده لا شريك له ‏{‏أَنِ اُعْبُدُوا اللَّهَ وَاجْتَنِبُوا الطَّاغُوتَ‏}‏ فانقسمت الأمم بحسب استجابتها لدعوة الرسل وعدمها قسمين، ‏{‏فَمِنْهُمْ مَنْ هَدَى اللَّهُ‏}‏ فاتبعوا المرسلين علما وعملا، ‏{‏وَمِنْهُمْ مَنْ حَقَّتْ عَلَيْهِ الضَّلَالَةُ‏}‏ فاتبع سبيل الغي‏.‏
{‏فَسِيرُوا فِي الْأَرْضِ‏}‏ بأبدانكم وقلوبكم ‏{‏فَانْظُروا كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الْمُكَذِّبِينَ‏}‏ فإنكم سترون من ذلك العجائب، فلا تجدون مكذبا إلا كان عاقبته الهلاك‏.‏
{‏إِنْ تَحْرِصْ عَلَى هُدَاهُمْ‏}‏ وتبذل جهدك في ذلك ‏{‏فَإِنَّ اللَّهَ لَا يَهْدِي مَنْ يُضِلُّ‏}‏ ولو فعل كل سبب لم يهده إلا الله، ‏{‏وَمَا لَهُمْ مِنْ نَاصِرِينَ‏}‏ ينصرونهم من عذاب الله ويقونهم بأسه‏.‏
‏‏ ‏{‏وَأَقْسَمُوا بِاللَّهِ جَهْدَ أَيْمَانِهِمْ لَا يَبْعَثُ اللَّهُ مَنْ يَمُوتُ بَلَى وَعْدًا عَلَيْهِ حَقًّا وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَعْلَمُونَ * لِيُبَيِّنَ لَهُمُ الَّذِي يَخْتَلِفُونَ فِيهِ وَلِيَعْلَمَ الَّذِينَ كَفَرُوا أَنَّهُمْ كَانُوا كَاذِبِينَ * إِنَّمَا قَوْلُنَا لِشَيْءٍ إِذَا أَرَدْنَاهُ أَنْ نَقُولَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ‏}
يخبر تعالى عن المشركين المكذبين لرسوله أنهم ‏{‏أَقْسَمُوا بِاللَّهِ جَهْدَ أَيْمَانِهِمْ‏}‏ أي‏:‏ حلفوا أيمانا مؤكدة مغلظة على تكذيب الله، وأن الله لا يبعث الأموات، ولا يقدر على إحيائهم بعد أن كانوا ترابا، قال تعالى مكذبا لهم‏:‏ ‏{‏بَلَى‏}‏ سيبعثهم ويجمعهم ليوم لا ريب فيه ‏{‏وَعْدًا عَلَيْهِ حَقًّا‏}‏ لا يخلفه ولا يغيره ‏{‏وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَعْلَمُونَ‏}‏ ومن جهلهم العظيم إنكارهم للبعث والجزاء، ثم ذكر الحكمة في الجزاء والبعث فقال‏:‏ ‏{‏لِيُبَيِّنَ لَهُم الَّذِي يَخْتَلِفُونَ فِيهِ‏}‏ من المسائل الكبار والصغار، فيبين حقائقها ويوضحها‏.‏
{‏وَلِيَعْلَمَ الَّذِينَ كَفَرُوا أَنَّهُمْ كَانُوا كَاذِبِينَ‏}‏ حين يرون أعمالهم حسرات عليهم، وما نفعتهم آلهتهم التي يدعون مع الله من شيء لما جاء أمر ربك، وحين يرون ما يعبدون حطبا لجهنم، وتكور الشمس والقمر وتتناثر النجوم، ويتضح لمن يعبدها أنها عبيد مسخرات، وأنهن مفتقرات إلى الله في جميع الحالات، وليس ذلك على الله بصعب، ولا شديد فإنه إذا أراد شيئا قال له‏:‏ كن فيكون، من غير منازعة ولا امتناع، بل يكون على طبق ما أراده وشاءه‏.‏
‏‏ ‏{‏وَالَّذِينَ هَاجَرُوا فِي اللَّهِ مِنْ بَعْدِ مَا ظُلِمُوا لَنُبَوِّئَنَّهُمْ فِي الدُّنْيَا حَسَنَةً وَلَأَجْرُ الْآخِرَةِ أَكْبَرُ لَوْ كَانُوا يَعْلَمُونَ * الَّذِينَ صَبَرُوا وَعَلَى رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ‏}
يخبر تعالى بفضل المؤمنين الممتحنين ‏{‏الَّذِينَ هَاجَرُوا فِي اللَّهِ‏}‏ أي‏:‏ في سبيله وابتغاء مرضاته ‏{‏مِنْ بَعْدِ مَا ظُلِمُوا‏}‏ بالأذية والمحنة من قومهم، الذين يفتنونهم ليردوهم إلى الكفر والشرك، فتركوا الأوطان والخلان، وانتقلوا عنها لأجل طاعة الرحمن، فذكر لهم ثوابين‏:‏ ثوابا عاجلا في الدنيا من الرزق الواسع والعيش الهنيء، الذي رأوه عيانا بعد ما هاجروا، وانتصروا على أعدائهم، وافتتحوا البلدان وغنموا منها الغنائم العظيمة، فتمولوا وآتاهم الله في الدنيا حسنة‏.‏
‏{‏وَلَأَجْرُ الْآخِرَةِ‏}‏ الذي وعدهم الله على لسان رسوله ‏{‏أَكْبَرُ‏}‏ من أجر الدنيا، كما قال تعالى‏:‏ ‏{‏الَّذِينَ آمَنُوا وَهَاجَرُوا وَجَاهَدُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنْفُسِهِمْ أَعْظَمُ دَرَجَةً عِنْدَ اللَّهِ وَأُولَئِكَ هُمُ الْفَائِزُونَ يُبَشِّرُهُمْ رَبُّهُمْ بِرَحْمَةٍ مِنْهُ وَرِضْوَانٍ وَجَنَّاتٍ لَهُمْ فِيهَا نَعِيمٌ مُقِيمٌ خَالِدِينَ فِيهَا أَبَدًا إِنَّ اللَّهَ عِنْدَهُ أَجْرٌ عَظِيمٌ‏}‏ وقوله‏:‏ ‏{‏لَوْ كَانُوا يَعْلَمُونَ‏}‏ أي‏:‏ لو كان لهم علم ويقين بما عند الله من الأجر والثواب لمن آمن به وهاجر في سبيله لم يتخلف عن ذلك أحد‏.‏
ثم ذكر وصف أوليائه فقال‏:‏ ‏{‏الَّذِينَ صَبَرُوا‏}‏ على أوامر الله وعن نواهيه، وعلى أقدار الله المؤلمة، وعلى الأذية فيه والمحن ‏{‏وَعَلَى رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ‏}‏ أي‏:‏ يعتمدون عليه في تنفيذ محابّه، لا على أنفسهم‏.‏ وبذلك تنجح أمورهم وتستقيم أحوالهم، فإن الصبر والتوكل ملاك الأمور كلها، فما فات أحدا شيء من الخير إلا لعدم صبره وبذل جهده فيما أريد منه، أو لعدم توكله واعتماده على الله‏.‏
‏‏ ‏{‏وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ إِلَّا رِجَالًا نُوحِي إِلَيْهِمْ فَاسْأَلُوا أَهْلَ الذِّكْرِ إِنْ كُنْتُمْ لَا تَعْلَمُونَ * بِالْبَيِّنَاتِ وَالزُّبُرِ وَأَنْزَلْنَا إِلَيْكَ الذِّكْرَ لِتُبَيِّنَ لِلنَّاسِ مَا نُزِّلَ إِلَيْهِمْ وَلَعَلَّهُمْ يَتَفَكَّرُونَ‏}
يقول تعالى لنبيه محمد ـ صلى الله عليه وسلم ـ ‏:‏ ‏{‏وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ إِلَّا رِجَالًا‏}‏ أي‏:‏ لست ببدع من الرسل، فلم نرسل قبلك ملائكة بل رجالا كاملين لا نساء‏.‏ ‏{‏نُوحِي إِلَيْهِمْ‏}‏ من الشرائع والأحكام ما هو من فضله وإحسانه على العبيد من غير أن يأتوا بشيء من قبل أنفسهم، ‏{‏فَاسْأَلُوا أَهْلَ الذِّكْرِ‏}‏ أي‏:‏ الكتب السابقة ‏{‏إِنْ كُنْتُمْ لَا تَعْلَمُونَ‏}‏ نبأ الأولين، وشككتم هل بعث الله رجالا‏؟‏ فاسألوا أهل العلم بذلك الذين نزلت عليهم الزبر والبينات فعلموها وفهموها، فإنهم كلهم قد تقرر عندهم أن الله ما بعث إلا رجالا يوحي إليهم من أهل القرى، وعموم هذه الآية فيها مدح أهل العلم، وأن أعلى أنواعه العلم بكتاب الله المنزل‏.‏ فإن الله أمر من لا يعلم بالرجوع إليهم في جميع الحوادث، وفي ضمنه تعديل لأهل العلم وتزكية لهم حيث أمر بسؤالهم، وأن بذلك يخرج الجاهل من التبعة، فدل على أن الله ائتمنهم على وحيه وتنزيله، وأنهم مأمورون بتزكية أنفسهم، والاتصاف بصفات الكمال‏.‏
وأفضل أهل الذكر أهل هذا القرآن العظيم، فإنهم أهل الذكر على الحقيقة، وأولى من غيرهم بهذا الاسم، ولهذا قال تعالى‏:‏ ‏{‏وَأَنْزَلْنَا إِلَيْكَ الذِّكْرَ‏}‏ أي‏:‏ القرآن الذي فيه ذكر ما يحتاج إليه العباد من أمور دينهم ودنياهم الظاهرة والباطنة، ‏{‏لِتُبَيِّنَ لِلنَّاسِ مَا نُزِّلَ إِلَيْهِمْ‏}‏ وهذا شامل لتبيين ألفاظه وتبيين معانيه، ‏{‏وَلَعَلَّهُمْ يَتَفَكَّرُونَ‏}‏ فيه فيستخرجون من كنوزه وعلومه بحسب استعدادهم وإقبالهم عليه‏.‏
‏‏ ‏{‏أَفَأَمِنَ الَّذِينَ مَكَرُوا السَّيِّئَاتِ أَنْ يَخْسِفَ اللَّهُ بِهِمُ الْأَرْضَ أَوْ يَأْتِيَهُمُ الْعَذَابُ مِنْ حَيْثُ لَا يَشْعُرُونَ * أَوْ يَأْخُذَهُمْ فِي تَقَلُّبِهِمْ فَمَا هُمْ بِمُعْجِزِينَ * أَوْ يَأْخُذَهُمْ عَلَى تَخَوُّفٍ فَإِنَّ رَبَّكُمْ لَرَءُوفٌ رَحِيمٌ‏}
هذا تخويف من الله تعالى لأهل الكفر والتكذيب وأنواع المعاصي، من أن يأخذهم بالعذاب على غرَّة وهم لا يشعرون، إما أن يأخذهم العذاب من فوقهم، أو من أسفل منهم بالخسف وغيره، وإما في حال تقلُّبهم وشغلهم وعدم خطور العذاب ببالهم، وإما في حال تخوفهم من العذاب، فليسوا بمعجزين لله في حالة من هذه الأحوال، بل هم تحت قبضته ونواصيهم بيده ‏.‏ ولكنه رءوف رحيم لا يعاجل العاصين بالعقوبة، بل يمهلهم ويعافيهم ويرزقهم وهم يؤذونه ويؤذون أولياءه، ومع هذا يفتح لهم أبواب التوبة، ويدعوهم إلى الإقلاع من السيئات التي تضرهم، ويعدهم بذلك أفضل الكرامات، ومغفرة ما صدر منهم من الذنوب، فليستح المجرم من ربه أن تكون نعم الله عليه نازلة في جميع اللحظات ومعاصيه صاعدة إلى ربه في كل الأوقات، وليعلم أن الله يمهل ولا يهمل وأنه إذا أخذ العاصي أخذه أخذ عزيز مقتدر، فليتب إليه، وليرجع في جميع أموره إليه فإنه رءوف رحيم‏.‏ فالبدار البدار إلى رحمته الواسعة وبره العميم وسلوك الطرق الموصلة إلى فضل الرب الرحيم، ألا وهي تقواه والعمل بما يحبه ويرضاه‏.‏
@@@الجوووري@@@
@@@الجوووري@@@
تفسير سورة الحجر

وهي مكية
‏‏ ‏بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ ‏{الر تِلْكَ آيَاتُ الْكِتَابِ وَقُرْآنٍ مُبِينٍ * رُبَمَا يَوَدُّ الَّذِينَ كَفَرُوا لَوْ كَانُوا مُسْلِمِينَ * ذَرْهُمْ يَأْكُلُوا وَيَتَمَتَّعُوا وَيُلْهِهِمُ الْأَمَلُ فَسَوْفَ يَعْلَمُونَ * وَمَا أَهْلَكْنَا مِنْ قَرْيَةٍ إِلَّا وَلَهَا كِتَابٌ مَعْلُومٌ * مَا تَسْبِقُ مِنْ أُمَّةٍ أَجَلَهَا وَمَا يَسْتَأْخِرُونَ‏}‏
يقول تعالى معظما لكتابه مادحا له ‏{‏تِلْكَ آيَاتُ الْكِتَابِ‏}‏ أي‏:‏ الآيات الدالة على أحسن المعاني وأفضل المطالب، ‏{‏وَقُرْآنٍ مُبِينٍ‏}‏ للحقائق بأحسن لفظ وأوضحه وأدله على المقصود، وهذا مما يوجب على الخلق الانقياد إليه، والتسليم لحكمه وتلقيه بالقبول والفرح والسرور‏.‏
فأما من قابل هذه النعمة العظيمة بردها والكفر بها، فإنه من المكذبين الضالين، الذين سيأتي عليهم وقت يتمنون أنهم مسلمون، أي‏:‏ منقادون لأحكامه وذلك حين ينكشف الغطاء وتظهر أوائل الآخرة ومقدمات الموت، فإنهم في أحوال الآخرة كلها يتمنون أنهم مسلمون، وقد فات وقت الإمكان، ولكنهم في هذه الدنيا مغترون‏.‏
فـ ‏{‏ذَرْهُمْ يَأْكُلُوا وَيَتَمَتَّعُوا‏}‏ بلذاتهم ‏{‏وَيُلْهِهِمُ الْأَمَلُ‏}‏ أي‏:‏ يؤملون البقاء في الدنيا فيلهيهم عن الآخرة، ‏{‏فَسَوْفَ يَعْلَمُونَ‏}‏ أن ما هم عليه باطل وأن أعمالهم ذهبت خسرانا عليهم ولا يغتروا بإمهال الله تعالى فإن هذه سنته في الأمم‏.‏
{‏وَمَا أَهْلَكْنَا مِنْ قَرْيَةٍ‏}‏ كانت مستحقة للعذاب ‏{‏إِلَّا وَلَهَا كِتَابٌ مَعْلُومٌ‏}‏ مقدر لإهلاكها‏.‏
{‏مَا تَسْبِقُ مِنْ أُمَّةٍ أَجَلَهَا وَمَا يَسْتَأْخِرُونَ‏}‏ وإلا فالذنوب لا بد من وقوع أثرها وإن تأخر‏.‏
‏‏ ‏{‏وَقَالُوا يَا أَيُّهَا الَّذِي نُزِّلَ عَلَيْهِ الذِّكْرُ إِنَّكَ لَمَجْنُونٌ * لَوْ مَا تَأْتِينَا بِالْمَلَائِكَةِ إِنْ كُنْتَ مِنَ الصَّادِقِينَ * مَانُنَزِّلُ الْمَلَائِكَةَ إِلَّا بِالْحَقِّ وَمَا كَانُوا إِذًا مُنْظَرِينَ * إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ‏}‏
أي‏:‏ وقال المكذبون لمحمد ـ صلى الله عليه وسلم ـ استهزاء وسخرية‏:‏ ‏{‏يا أيها الذي نزل عليه الذكر‏}‏ على زعمك ‏{‏إنك لمجنون‏}‏ إذ تظن أنا سنتبعك ونترك ما وجدنا عليه آباءنا لمجرد قولك‏.‏
{‏لو ما تأتينا بالملائكة‏}‏ يشهدون لك بصحة ما جئت به ‏{‏إن كنت من الصادقين‏}‏ فلما لم تأت بالملائكة فلست بصادق، وهذا من أعظم الظلم والجهل‏.‏
أما الظلم فظاهر فإن هذا تجرؤ على الله وتعنت بتعيين الآيات التي لم يخترها وحصل المقصود والبرهان بدونها من الآيات الكثيرة الدالة على صحة ما جاء به، وأما الجهل، فإنهم جهلوا مصلحتهم من مضرتهم، فليس في إنزال الملائكة، خير لهم بل لا ينزل الله الملائكة إلا بالحق الذي لا إمهال على من لم يتبعه وينقد له‏.‏
{‏وما كانوا إذا‏}‏ أي‏:‏ حين تنزل الملائكة، إن لم يؤمنوا، ولن يؤمنوا ب ـ ‏{‏منظرين‏}‏ أي‏:‏ بمهملين، فصار طلبهم لإنزال الملائكة تعجيلا لأنفسهم بالهلاك والدمار، فإن الإيمان ليس في أيديهم وإنما هو بيد الله، ‏{‏ولو أننا نزلنا إليهم الملائكة وكلمهم الموتى وحشرنا عليهم كل شيء قبلا ما كانوا ليؤمنوا إلا أن يشاء الله ولكن أكثرهم يجهلون‏}‏ ويكفيهم من الآيات إن كانوا صادقين، هذا القرآن العظيم ولهذا قال هنا‏:‏ ‏{‏إنا نحن نزلنا الذكر‏}‏ أي‏:‏ القرآن الذي فيه ذكرى لكل شيء من المسائل والدلائل الواضحة، وفيه يتذكر من أراد التذكر، ‏{‏وإنا له لحافظون‏}‏ أي‏:‏ في حال إنزاله وبعد إنزاله، ففي حال إنزاله حافظون له من استراق كل شيطان رجيم، وبعد إنزاله أودعه الله في قلب رسوله، واستودعه فيها ثم في قلوب أمته، وحفظ الله ألفاظه من التغيير فيها والزيادة والنقص، ومعانيه من التبديل، فلا يحرف محرف معنى من معانيه إلا وقيض الله له من يبين الحق المبين، وهذا من أعظم آيات الله ونعمه على عباده المؤمنين، ومن حفظه أن الله يحفظ أهله من أعدائهم، ولا يسلط عليهم عدوا يجتاحهم‏.‏
‏‏ ‏{‏وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ فِي شِيَعِ الْأَوَّلِينَ * وَمَا يَأْتِيهِمْ مِنْ رَسُولٍ إِلَّا كَانُوا بِهِ يَسْتَهْزِئُونَ * كَذَلِكَ نَسْلُكُهُ فِي قُلُوبِ الْمُجْرِمِينَ * لَا يُؤْمِنُونَ بِهِ وَقَدْ خَلَتْ سُنَّةُ الْأَوَّلِينَ‏}
يقول تعالى لنبيه إذ كذبه المشركون‏:‏ لم يزل هذا دأب الأمم الخالية والقرون الماضية‏:‏ ‏{‏ولقد أرسلنا من قبلك في شيع الأولين‏}‏ أي‏:‏ فرقهم وجماعتهم رسلا‏.‏
{‏وما يأتيهم من رسول‏}‏ يدعوهم إلى الحق والهدى ‏{‏إلا كانوا به يستهزئون‏}
‏{‏كذلك نسلكه‏}‏ أي‏:‏ ندخل التكذيب ‏{‏في قلوب المجرمين‏}‏ أي‏:‏ الذين وصفهم لظلم والبهت، عاقبناهم لما اشتبهت قلوبهم بالكفر والتكذيب، تشابهت معاملتهم لأنبيائهم ورسلهم بالاستهزاء والسخرية وعدم الإيمان ولهذا قال‏:‏ ‏{‏لا يؤمنون به وقد خلت سنة الأولين‏}‏ أي‏:‏ عادة الله فيهم بإهلاك من لم يؤمن بآيات الله‏.‏
‏‏ ‏{‏وَلَوْ فَتَحْنَا عَلَيْهِمْ بَابًا مِنَ السَّمَاءِ فَظَلُّوا فِيهِ يَعْرُجُونَ * لَقَالُوا إِنَّمَا سُكِّرَتْ أَبْصَارُنَا بَلْ نَحْنُ قَوْمٌ مَسْحُورُونَ‏}
أي‏:‏ ولو جاءتهم كل آية عظيمة لم يؤمنوا وكابروا ‏{‏ولو فتحنا عليهم بابا من السماء‏}‏ فصاروا يعرجون فيه، ويشاهدونه عيانا بأنفسهم لقالوا من ظلمهم وعنادهم منكرين لهذه الآية‏:‏ ‏{‏إنما سكرت أبصارنا‏}‏ أي‏:‏ أصابها سكر وغشاوة حتى رأينا ما لم نر، ‏{‏بل نحن قوم مسحورون‏}‏ أي‏:‏ ليس هذا بحقيقة، بل هذا سحر، وقوم وصلت بهم الحال إلى هذا الإنكار، فإنهم لا مطمع فيهم ولا رجاء، ثم ذكر الآيات الدالات على ما جاءت به الرسل من الحق فقال‏:‏
‏‏ ‏{‏وَلَقَدْ جَعَلْنَا فِي السَّمَاءِ بُرُوجًا وَزَيَّنَّاهَا لِلنَّاظِرِينَ * وَحَفِظْنَاهَا مِنْ كُلِّ شَيْطَانٍ رَجِيمٍ * إِلَّا مَنِ اسْتَرَقَ السَّمْعَ فَأَتْبَعَهُ شِهَابٌ مُبِينٌ * وَالْأَرْضَ مَدَدْنَاهَا وَأَلْقَيْنَا فِيهَا رَوَاسِيَ وَأَنْبَتْنَا فِيهَا مِنْ كُلِّ شَيْءٍ مَوْزُونٍ * وَجَعَلْنَا لَكُمْ فِيهَا مَعَايِشَ وَمَنْ لَسْتُمْ لَهُ بِرَازِقِينَ‏}‏‏.‏
يقول تعالى ـ مبينا كمال اقتداره ورحمته بخلقه ـ ‏:‏ ‏{‏ولقد جعلنا في السماء بروجا‏}‏ أي‏:‏ نجوما كالأبراج والأعلام العظام يهتدى بها في ظلمات البر والبحر، ‏{‏وزيناها للناظرين‏}‏ فإنه لولا النجوم لما كان للسماء هذا المنظر البهي والهيئة العجيبة، وهذا مما يدعو الناظرين إلى التأمل فيها والنظر في معانيها والاستدلال بها على باريها‏.‏
{‏وحفظناها من كل شيطان رجيم‏}‏ إذا استرق السمع أتبعته الشهب الثواقب فبقيت السماء ظاهرها مجملا بالنجوم النيرات وباطنها محروسا ممنوعا من الآفات‏.‏
{‏إلا من استرق السمع‏}‏ أي‏:‏ في بعض الأوقات قد يسترق بعض الشياطين السمع بخفية واختلاس، ‏{‏فأتبعه شهاب مبين‏}‏ أي‏:‏ بين منير يقتله أو يخبله‏.‏ فربما أدركه الشهاب قبل أن يوصلها الشيطان إلى وليه فينقطع خبر السماء عن الأرض، وربما ألقاها إلى وليه قبل أن يدركه الشهاب فيضمُّها ويكذب معها مائة كذبة، ويستدل بتلك الكلمة التي سمعت من السماء‏.‏
‏{‏والأرض مددناها‏}‏ أي‏:‏ وسعناها سعة يتمكن الآدميون والحيوانات كلها على الامتداد بأرجائها والتناول من أرزاقها والسكون في نواحيها‏.‏
{‏وألقينا فيها رواسي‏}‏ أي‏:‏ جبالا عظاما تحفظ الأرض بإذن الله أن تميد وتثبتها أن تزول ‏{‏وأنبتنا فيها من كل شيء موزون‏}‏ أي‏:‏ نافع متقوم يضطر إليه العباد والبلاد ما بين نخيل وأعناب وأصناف الأشجار وأنواع النبات‏.‏
{‏وجعلنا لكم فيها معايش‏}‏ من الحرث ومن الماشية ومن أنواع المكاسب والحرف‏.‏ ‏{‏ومن لستم له برازقين‏}‏ أي‏:‏ أنعمنا عليكم بعبيد وإماء وأنعام لنفعكم ومصالحكم وليس عليكم رزقها، بل خولكم الله إياها وتكفل بأرزاقها‏.‏
‏‏ ‏{‏وَإِنْ مِنْ شَيْءٍ إِلَّا عِنْدَنَا خَزَائِنُهُ وَمَا نُنَزِّلُهُ إِلَّا بِقَدَرٍ مَعْلُومٍ‏}
أي‏:‏ جميع الأرزاق وأصناف الأقدار لا يملكها أحد إلا الله، فخزائنها بيده يعطي من يشاء، ويمنع من يشاء، بحسب حكمته ورحمته الواسعة، ‏{‏وَمَا نُنَزِّلُهُ‏}‏ أي‏:‏ المقدر من كل شيء من مطر وغيره، ‏{‏إِلَّا بِقَدَرٍ مَعْلُومٍ‏}‏ فلا يزيد على ما قدره الله ولا ينقص منه‏.‏
‏‏ ‏{‏وَأَرْسَلْنَا الرِّيَاحَ لَوَاقِحَ فَأَنْزَلْنَا مِنَ السَّمَاءِ مَاءً فَأَسْقَيْنَاكُمُوهُ وَمَا أَنْتُمْ لَهُ بِخَازِنِينَ‏}
أي‏:‏ وسخرنا الرياح، رياح الرحمة تلقح السحاب، كما يلقح الذكر الأنثى، فينشأ عن ذلك الماء بإذن الله، فيسقيه الله العباد ومواشيهم وأرضهم، ويبقى في الأرض مدخرا لحاجاتهم وضروراتهم ما هو مقتضى قدرته ورحمته، ‏{‏وَمَا أَنْتُمْ لَهُ بِخَازِنِينَ‏}‏ أي‏:‏ لا قدرة لكم على خزنه وادخاره، ولكن الله يخزنه لكم ويسلكه ينابيع في الأرض رحمة بكم وإحسانا إليكم‏.‏
‏‏ ‏{‏وَإِنَّا لَنَحْنُ نُحْيِي وَنُمِيتُ وَنَحْنُ الْوَارِثُونَ * وَلَقَدْ عَلِمْنَا الْمُسْتَقْدِمِينَ مِنْكُمْ وَلَقَدْ عَلِمْنَا الْمُسْتَأْخِرِينَ * وَإِنَّ رَبَّكَ هُوَ يَحْشُرُهُمْ إِنَّهُ حَكِيمٌ عَلِيمٌ‏}
أي‏:‏ هو وحده لا شريك له الذي يحيي الخلق من العدم بعد أن لم يكونوا شيئا مذكورا ويميتهم لآجالهم التي قدرها ‏{‏وَنَحْنُ الْوَارِثُونَ‏}‏ كقوله‏:‏ ‏{‏إِنَّا نَحْنُ نَرِثُ الْأَرْضَ وَمَنْ عَلَيْهَا وَإِلَيْنَا يُرْجَعُونَ‏}‏ وليس ذلك بعزيز ولا ممتنع على الله فإنه تعالى يعلم المستقدمين من الخلق والمستأخرين منهم ويعلم ما تنقص الأرض منهم وما تفرق من أجزائهم، وهو الذي قدرته لا يعجزها معجز فيعيد عباده خلقًا جديدًا ويحشرهم إليه‏.‏
‏{‏إِنَّهُ حَكِيمٌ‏}‏ يضع الأشياء مواضعها، وينزلها منازلها، ويجازي كل عامل بعمله، إن خيرا فخير، وإن شرا فشر‏.‏
‏‏ ‏{‏وَلَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنْسَانَ مِنْ صَلْصَالٍ مِنْ حَمَإٍ مَسْنُونٍ * وَالْجَانَّ خَلَقْنَاهُ مِنْ قَبْلُ مِنْ نَارِ السَّمُومِ * وَإِذْ قَالَ رَبُّكَ لِلْمَلَائِكَةِ إِنِّي خَالِقٌ بَشَرًا مِنْ صَلْصَالٍ مِنْ حَمَإٍ مَسْنُونٍ * فَإِذَا سَوَّيْتُهُ وَنَفَخْتُ فِيهِ مِنْ رُوحِي فَقَعُوا لَهُ سَاجِدِينَ * فَسَجَدَ الْمَلَائِكَةُ كُلُّهُمْ أَجْمَعُونَ * إِلَّا إِبْلِيسَ أَبَى أَنْ يَكُونَ مَعَ السَّاجِدِينَ * قَالَ يَا إِبْلِيسُ مَا لَكَ أَلَّا تَكُونَ مَعَ السَّاجِدِينَ * قَالَ لَمْ أَكُنْ لِأَسْجُدَ لِبَشَرٍ خَلَقْتَهُ مِنْ صَلْصَالٍ مِنْ حَمَإٍ مَسْنُونٍ * قَالَ فَاخْرُجْ مِنْهَا فَإِنَّكَ رَجِيمٌ * وَإِنَّ عَلَيْكَ اللَّعْنَةَ إِلَى يَوْمِ الدِّينِ * قَالَ رَبِّ فَأَنْظِرْنِي إِلَى يَوْمِ يُبْعَثُونَ * قَالَ فَإِنَّكَ مِنَ الْمُنْظَرِينَ * إِلَى يَوْمِ الْوَقْتِ الْمَعْلُومِ * قَالَ رَبِّ بِمَا أَغْوَيْتَنِي لَأُزَيِّنَنَّ لَهُمْ فِي الْأَرْضِ وَلَأُغْوِيَنَّهُمْ أَجْمَعِينَ * إِلَّا عِبَادَكَ مِنْهُمُ الْمُخْلَصِينَ * قَالَ هَذَا صِرَاطٌ عَلَيَّ مُسْتَقِيمٌ * إِنَّ عِبَادِي لَيْسَ لَكَ عَلَيْهِمْ سُلْطَانٌ إِلَّا مَنِ اتَّبَعَكَ مِنَ الْغَاوِينَ * وَإِنَّ جَهَنَّمَ لَمَوْعِدُهُمْ أَجْمَعِينَ * لَهَا سَبْعَةُ أَبْوَابٍ لِكُلِّ بَابٍ مِنْهُمْ جُزْءٌ مَقْسُومٌ‏}
يذكر تعالى نعمته وإحسانه على أبينا آدم عليه السلام، وما جرى من عدوه إبليس، وفي ضمن ذلك التحذير لنا من شره وفتنته فقال تعالى‏:‏ ‏{‏وَلَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنْسَانَ‏}‏ أي آدم عليه السلام ‏{‏مِنْ صَلْصَالٍ مِنْ حَمَإٍ مَسْنُونٍ‏}‏ أي‏:‏ من طين قد يبس بعد ما خمر حتى صار له صلصلة وصوت، كصوت الفخار، والحمأ المسنون‏:‏ الطين المتغير لونه وريحه من طول مكثه‏.‏
‏{‏وَالْجَانَّ‏}‏ وهو‏:‏ أبو الجن أي‏:‏ إبليس ‏{‏خَلَقْنَاهُ مِنْ قَبْلُ‏}‏ خلق آدم ‏{‏مِنْ نَارِ السَّمُومِ‏}‏ أي‏:‏ من النار الشديدة الحرارة، فلما أراد الله خلق آدم قال للملائكة‏:‏ ‏{‏إِنِّي خَالِقٌ بَشَرًا مِنْ صَلْصَالٍ مِنْ حَمَإٍ مَسْنُونٍ فَإِذَا سَوَّيْتُهُ‏}‏ جسدا تاما ‏{‏وَنَفَخْتُ فِيهِ مِنْ رُوحِي فَقَعُوا لَهُ سَاجِدِينَ‏}‏ فامتثلوا أمر ربهم‏.‏
{‏فَسَجَدَ الْمَلَائِكَةُ كُلُّهُمْ أَجْمَعُونَ‏}‏ تأكيد بعد تأكيد ليدل على أنه لم يتخلف منهم أحد، وذلك تعظيما لأمر الله وإكراما لآدم حيث علم ما لم يعلموا‏.‏
{‏إِلَّا إِبْلِيسَ أَبَى أَنْ يَكُونَ مَعَ السَّاجِدِينَ‏}‏ وهذه أول عداوته لآدم وذريته، قال الله‏:‏ ‏{‏يَا إِبْلِيسُ مَا لَكَ أَلَّا تَكُونَ مَعَ السَّاجِدِينَ قَالَ لَمْ أَكُنْ لِأَسْجُدَ لِبَشَرٍ خَلَقْتَهُ مِنْ صَلْصَالٍ مِنْ حَمَإٍ مَسْنُونٍ‏}‏ فاستكبر على أمر الله وأبدى العداوة لآدم وذريته وأعجب بعنصره، وقال‏:‏ أنا خير من آدم‏.‏
‏{‏قَالَ‏}‏ الله معاقبا له على كفره واستكباره ‏{‏فَاخْرُجْ مِنْهَا فَإِنَّكَ رَجِيمٌ‏}‏ أي‏:‏ مطرود مبعد من كل خير، ‏{‏وَإِنَّ عَلَيْكَ اللَّعْنَةَ‏}‏ أي‏:‏ الذم والعيب، والبعد عن رحمة الله، ‏{‏إِلَى يَوْمِ الدِّينِ‏}‏ ففيها وما أشبهها دليل على أنه سيستمر على كفره وبعده من الخير‏.‏
{‏قَالَ رَبِّ فَأَنْظِرْنِي‏}‏ أي‏:‏ أمهلني ‏{‏إِلَى يَوْمِ يُبْعَثُونَ قَالَ فَإِنَّكَ مِنَ الْمُنْظَرِينَ إِلَى يَوْمِ الْوَقْتِ الْمَعْلُومِ‏}‏ وليس إجابة الله لدعائه كرامة في حقه وإنما ذلك امتحان وابتلاء من الله له وللعباد ليتبين الصادق الذي يطيع مولاه دون عدوه ممن ليس كذلك، ولذلك حذرنا منه غاية التحذير، وشرح لنا ما يريده منا‏.‏
{‏قَالَ رَبِّ بِمَا أَغْوَيْتَنِي لَأُزَيِّنَنَّ لَهُمْ فِي الْأَرْضِ‏}‏ أي‏:‏ أزين لهم الدنيا وأدعوهم إلى إيثارها على الأخرى، حتى يكونوا منقادين لكل معصية‏.‏ ‏{‏وَلَأُغْوِيَنَّهُمْ أَجْمَعِينَ‏}‏ أي‏:‏ أصدهم كلهم عن الصراط المستقيم، ‏{‏إِلَّا عِبَادَكَ مِنْهُمُ الْمُخْلَصِينَ‏}‏ أي‏:‏ الذين أخلصتهم واجتبيتهم لإخلاصهم، وإيمانهم وتوكلهم‏.‏
قال الله تعالى‏:‏ ‏{‏هَذَا صِرَاطٌ عَلَيَّ مُسْتَقِيمٌ‏}‏ أي‏:‏ معتدل موصل إليَّ وإلى دار كرامتي‏.‏
{‏إِنَّ عِبَادِي لَيْسَ لَكَ عَلَيْهِمْ سُلْطَانٌ‏}‏ تميلهم به إلى ما تشاء من أنواع الضلالات، بسبب عبوديتهم لربهم وانقيادهم لأوامره أعانهم الله وعصمهم من الشيطان‏.‏
{‏إِلَّا مَنِ اتَّبَعَكَ‏}‏ فرضي بولايتك وطاعتك بدلا من طاعة الرحمن، ‏{‏مِنَ الْغَاوِينَ‏}‏ والغاوي‏:‏ ضد الراشد فهو الذي عرف الحق وتركه، والضال‏:‏ الذي تركه من غير علم منه به‏.‏
{‏وَإِنَّ جَهَنَّمَ لَمَوْعِدُهُمْ أَجْمَعِينَ‏}‏ أي‏:‏ إبليس وجنوده، ‏{‏لَهَا سَبْعَةُ أَبْوَابٍ‏}‏ كل باب أسفل من الآخر، ‏{‏لِكُلِّ بَابٍ مِنْهُمْ‏}‏ أي‏:‏ من أتباع إبليس ‏{‏جُزْءٌ مَقْسُومٌ‏}‏ بحسب أعمالهم‏.‏ قال الله تعالى‏:‏ ‏{‏فَكُبْكِبُوا فِيهَا هُمْ وَالْغَاوُونَ وَجُنُودُ إِبْلِيسَ أَجْمَعُونَ‏}
ولما ذكر تعالى ما أعد لأعدائه أتباع إبليس من النكال والعذاب الشديد ذكر ما أعد لأوليائه من الفضل العظيم والنعيم المقيم فقال‏:‏
‏‏ ‏{‏إِنَّ الْمُتَّقِينَ فِي جَنَّاتٍ وَعُيُونٍ * ادْخُلُوهَا بِسَلَامٍ آمِنِينَ * وَنَزَعْنَا مَا فِي صُدُورِهِمْ مِنْ غِلٍّ إِخْوَانًا عَلَى سُرُرٍ مُتَقَابِلِينَ * لَا يَمَسُّهُمْ فِيهَا نَصَبٌ وَمَا هُمْ مِنْهَا بِمُخْرَجِينَ * نَبِّئْ عِبَادِي أَنِّي أَنَا الْغَفُورُ الرَّحِيمُ * وَأَنَّ عَذَابِي هُوَ الْعَذَابُ الْأَلِيمُ‏}
يقول تعالى‏:‏ ‏{‏إِنَّ الْمُتَّقِينَ‏}‏ الذين اتقوا طاعة الشيطان وما يدعوهم إليه من جميع الذنوب والعصيان ‏{‏فِي جَنَّاتٍ وَعُيُونٍ‏}‏ قد احتوت على جميع الأشجار وأينعت فيها جميع الثمار اللذيذة في جميع الأوقات‏.‏
ويقال لهم حال دخولها‏:‏ ‏{‏ادْخُلُوهَا بِسَلَامٍ آمِنِينَ‏}‏ من الموت والنوم والنصب، واللغوب وانقطاع شيء من النعيم الذي هم فيه أو نقصانه ومن المرض، والحزن والهم وسائر المكدرات، ‏{‏وَنَزَعْنَا مَا فِي صُدُورِهِمْ مِنْ غِلٍّ‏}‏ فتبقى قلوبهم سالمة من كل دغل وحسد متصافية متحابة ‏{‏إخوانا على سرر متقابلين‏}‏‏.‏
دل ذلك على تزاورهم واجتماعهم وحسن أدبهم فيما بينهم في كون كل منهم مقابلا للآخر لا مستدبرا له متكئين على تلك السرر المزينة بالفرش واللؤلؤ وأنواع الجواهر‏.‏
{‏لَا يَمَسُّهُمْ فِيهَا نَصَبٌ‏}‏ لا ظاهر ولا باطن، وذلك لأن الله ينشئهم نشأة وحياة كاملة لا تقبل شيئا من الآفات، ‏{‏وَمَا هُمْ مِنْهَا بِمُخْرَجِينَ‏}‏ على سائر الأوقات‏.‏
ولما ذكر ما يوجب الرغبة والرهبة من مفعولات الله من الجنة والنار، ذكر ما يوجب ذلك من أوصافه تعالى فقال‏:‏ ‏{‏نَبِّئْ عِبَادِي‏}‏ أي‏:‏ أخبرهم خبرا جازما مؤيدا بالأدلة، ‏{‏أَنِّي أَنَا الْغَفُورُ الرَّحِيمُ‏}‏ فإنهم إذا عرفوا كمال رحمته، ومغفرته سَعَوا في الأسباب الموصلة لهم إلى رحمته وأقلعوا عن الذنوب وتابوا منها، لينالوا مغفرته‏.‏ ومع هذا فلا ينبغي أن يتمادى بهم الرجاء إلى حال الأمن والإدلال، فنبئهم ‏{‏وَأَنَّ عَذَابِي هُوَ الْعَذَابُ الْأَلِيمُ‏}‏ أي‏:‏ لا عذاب في الحقيقة إلا عذاب الله الذي لا يقادر قدره ولا يبلغ كنهه نعوذ به من عذابه، فإنهم إذا عرفوا أنه ‏{‏لا يعذب عذابه أحد ولا يوثق وثاقه أحد‏}‏ حذروا وأبعدوا عن كل سبب يوجب لهم العقاب، فالعبد ينبغي أن يكون قلبه دائما بين الخوف والرجاء، والرغبة والرهبة، فإذا نظر إلى رحمة ربه ومغفرته وجوده وإحسانه، أحدث له ذلك الرجاء والرغبة، وإذا نظر إلى ذنوبه وتقصيره في حقوق ربه، أحدث له الخوف والرهبة والإقلاع عنها‏.‏
@@@الجوووري@@@
@@@الجوووري@@@
تفسير سورة إبراهيم عليه الصلاة والسلام

وهي مكية
‏‏ ‏بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ {‏الر كِتَابٌ أَنْزَلْنَاهُ إِلَيْكَ لِتُخْرِجَ النَّاسَ مِنَ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ بِإِذْنِ رَبِّهِمْ إِلَى صِرَاطِ الْعَزِيزِ الْحَمِيدِ * اللَّهِ الَّذِي لَهُ مَا فِي السموات وَمَا فِي الْأَرْضِ وَوَيْلٌ لِلْكَافِرِينَ مِنْ عَذَابٍ شَدِيدٍ * الَّذِينَ يَسْتَحِبُّونَ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا عَلَى الْآخِرَةِ وَيَصُدُّونَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ وَيَبْغُونَهَا عِوَجًا أُولَئِكَ فِي ضَلَالٍ بَعِيدٍ‏}‏
يخبر تعالى أنه أنزل كتابه على رسوله محمد ـ صلى الله عليه وسلم ـ لنفع الخلق، ليخرج الناس من ظلمات الجهل والكفر والأخلاق السيئة وأنواع المعاصي إلى نور العلم والإيمان والأخلاق الحسنة، وقوله‏:‏ ‏{‏بِإِذْنِ رَبِّهِمْ‏}‏ أي‏:‏ لا يحصل منهم المراد المحبوب لله، إلا بإرادة من الله ومعونة، ففيه حث للعباد على الاستعانة بربهم‏.‏
ثم فسر النور الذي يهديهم إليه هذا الكتاب فقال‏:‏ ‏{‏إِلَى صِرَاطِ الْعَزِيزِ الْحَمِيدِ‏}‏ أي‏:‏ الموصل إليه وإلى دار كرامته، المشتمل على العلم بالحق والعمل به، وفي ذكر ‏{‏العزيز الحميد‏}‏ بعد ذكر الصراط الموصل إليه إشارة إلى أن من سلكه فهو عزيز بعز الله قوي ولو لم يكن له أنصار إلا الله، محمود في أموره، حسن العاقبة‏.‏
وليدل ذلك على أن صراط الله من أكبر الأدلة على ما لله من صفات الكمال، ونعوت الجلال، وأن الذي نصبه لعباده، عزيز السلطان، حميد في أقواله وأفعاله وأحكامه، وأنه مألوه معبود بالعبادات التي هي منازل الصراط المستقيم، وأنه كما أن له ملك السماوات والأرض خلقا ورزقا وتدبيرا، فله الحكم على عباده بأحكامه الدينية، لأنهم ملكه، ولا يليق به أن يتركهم سدى، فلما بيَّن الدليل والبرهان توعد من لم ينقد لذلك، فقال‏:‏ ‏{‏وَوَيْلٌ لِلْكَافِرِينَ مِنْ عَذَابٍ شَدِيدٍ‏}‏ لا يقدر قدره، ولا يوصف أمره، ثم وصفهم بأنهم ‏{‏الَّذِينَ يَسْتَحِبُّونَ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا عَلَى الْآخِرَةِ‏}‏ فرضوا بها واطمأنوا، وغفلوا عن الدار الآخرة‏.‏
‏{‏وَيَصُدُّونَ‏}‏ الناس ‏{‏عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ‏}‏ التي نصبها لعباده وبينها في كتبه وعلى ألسنة رسله، فهؤلاء قد نابذوا مولاهم بالمعاداة والمحاربة، ‏{‏وَيَبْغُونَهَا‏}‏ أي‏:‏ سبيل الله ‏{‏عِوَجًا‏}‏ أي‏:‏ يحرصون على تهجينها وتقبيحها، للتنفير عنها، ولكن يأبى الله إلا أن يتم نوره ولو كره الكافرون‏.‏
‏{‏أُولَئِكَ‏}‏ الذين ذكر وصفهم ‏{‏فِي ضَلَالٍ بَعِيدٍ‏}‏ لأنهم ضلوا وأضلوا، وشاقوا الله ورسوله وحاربوهما، فأي ضلال أبعد من هذا‏؟‏‏"‏ وأما أهل الإيمان فبعكس هؤلاء يؤمنون بالله وآياته، ويستحبون الآخرة على الدنيا ويدعون إلى سبيل الله ويحسنونها مهما أمكنهم، ويبينون استقامتها‏.‏
‏‏ ‏{‏وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ رَسُولٍ إِلَّا بِلِسَانِ قَوْمِهِ لِيُبَيِّنَ لَهُمْ فَيُضِلُّ اللَّهُ مَنْ يَشَاءُ وَيَهْدِي مَنْ يَشَاءُ وَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ‏}
وهذا من لطفه بعباده أنه ما أرسل رسولا ‏{‏إلا بلسان قومه ليبين لهم‏}‏ ما يحتاجون إليه، ويتمكنون من تعلم ما أتى به، بخلاف ما لو كانوا على غير لسانهم، فإنهم يحتاجون إلى أن يتعلموا تلك اللغة التي يتكلم بها، ثم يفهمون عنه، فإذا بين لهم الرسول ما أمروا به، ونهوا عنه وقامت عليهم حجة الله ‏{‏فيضل الله من يشاء‏}‏ ممن لم ينقد للهدى، ويهدي من يشاء ممن اختصه برحمته‏.‏
{‏وهو العزيز الحكيم‏}‏ الذي ـ من عزته ـ أنه انفرد بالهداية والإضلال، وتقليب القلوب إلى ما شاء، ومن حكمته أنه لا يضع هدايته ولا إضلاله إلا بالمحل اللائق به‏.‏
ويستدل بهذه الآية الكريمة على أن علوم العربية الموصلة إلى تبيين كلامه وكلام رسوله أمور مطلوبة محبوبة لله لأنه لا يتم معرفة ما أنزل على رسوله إلا بها إلا إذا كان الناس بحالة لا يحتاجون إليها، وذلك إذا تمرنوا على العربية، ونشأ عليها صغيرهم وصارت طبيعة لهم فحينئذ قد اكتفوا المؤنة، وصلحوا لأن يتلقوا عن الله وعن رسوله ابتداء كما تلقى عنهم الصحابة رضي الله عنهم‏.‏
‏‏ ‏{‏وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا مُوسَى بِآيَاتِنَا أَنْ أَخْرِجْ قَوْمَكَ مِنَ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ وَذَكِّرْهُمْ بِأَيَّامِ اللَّهِ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَاتٍ لِكُلِّ صَبَّارٍ شَكُورٍ *وَإِذْ قَالَ مُوسَى لِقَوْمِهِ اذْكُرُوا نِعْمَةَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ إِذْ أَنْجَاكُمْ مِنْ آلِ فِرْعَوْنَ يَسُومُونَكُمْ سُوءَ الْعَذَابِ وَيُذَبِّحُونَ أَبْنَاءَكُمْ وَيَسْتَحْيُونَ نِسَاءَكُمْ وَفِي ذَلِكُمْ بَلَاءٌ مِنْ رَبِّكُمْ عَظِيمٌ * وَإِذْ تَأَذَّنَ رَبُّكُمْ لَئِنْ شَكَرْتُمْ لَأَزِيدَنَّكُمْ وَلَئِنْ كَفَرْتُمْ إِنَّ عَذَابِي لَشَدِيدٌ * وَقَالَ مُوسَى إِنْ تَكْفُرُوا أَنْتُمْ وَمَنْ فِي الْأَرْضِ جَمِيعًا فَإِنَّ اللَّهَ لَغَنِيٌّ حَمِيدٌ‏}
يخبر تعالى‏:‏ أنه أرسل موسى بآياته العظيمة الدالة على صدق ما جاء به وصحته، وأمره بما أمر الله به رسوله محمدا ـ صلى الله عليه وسلم ـ بل وبما أمر به جميع الرسل قومهم ‏{‏أَنْ أَخْرِجْ قَوْمَكَ مِنَ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ‏}‏ أي‏:‏ ظلمات الجهل والكفر وفروعه، إلى نور العلم والإيمان وتوابعه‏.‏
{‏وَذَكِّرْهُمْ بِأَيَّامِ اللَّهِ‏}‏ أي‏:‏ بنعمه عليهم وإحسانه إليهم، وبأيامه في الأمم المكذبين، ووقائعه بالكافرين، ليشكروا نعمه وليحذروا عقابه، ‏{‏إِنَّ فِي ذَلِكَ‏}‏ أي‏:‏ في أيام الله على العباد ‏{‏لآيات لِكُلِّ صَبَّارٍ شَكُورٍ‏}‏ أي‏:‏ صبار في الضراء والعسر والضيق، شكور على السراء والنعمة‏.‏
فإنه يستدل بأيامه على كمال قدرته وعميم إحسانه، وتمام عدله وحكمته، ولهذا امتثل موسى عليه السلام أمر ربه، فذكرهم نعم الله فقال‏:‏ ‏{‏اذْكُرُوا نِعْمَةَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ‏}‏ أي‏:‏ بقلوبكم وألسنتكم‏.‏ ‏{‏إِذْ أَنْجَاكُمْ مِنْ آلِ فِرْعَوْنَ يَسُومُونَكُمْ‏}‏ أي‏:‏ يولونكم ‏{‏سُوءَ الْعَذَابِ‏}‏ أي‏:‏ أشده وفسر ذلك بقوله‏:‏ ‏{‏وَيُذَبِّحُونَ أَبْنَاءَكُمْ وَيَسْتَحْيُونَ نِسَاءَكُمْ‏}‏ أي‏:‏ يبقونهن فلا يقتلونهن، ‏{‏وَفِي ذَلِكُمْ‏}‏ الإنجاء ‏{‏بَلَاءٌ مِنْ رَبِّكُمْ عَظِيمٌ‏}‏ أي‏:‏ نعمة عظيمة، أو وفي ذلكم العذاب الذي ابتليتم به من فرعون وملئه ابتلاء من الله عظيم لكم، لينظر هل تصبرون أم لا‏؟‏
وقال لهم حاثا على شكر نعم الله‏:‏ ‏{‏وَإِذْ تَأَذَّنَ رَبُّكُمْ‏}‏ أي‏:‏ أعلم ووعد، ‏{‏لَئِنْ شَكَرْتُمْ لَأَزِيدَنَّكُمْ‏}‏ من نعمي ‏{‏وَلَئِنْ كَفَرْتُمْ إِنَّ عَذَابِي لَشَدِيدٌ‏}‏ ومن ذلك أن يزيل عنهم النعمة التي أنعم بها عليهم‏.‏
والشكر‏:‏ هو اعتراف القلب بنعم الله والثناء على الله بها وصرفها في مرضاة الله تعالى‏.‏ وكفر النعمة ضد ذلك‏.‏
{‏وَقَالَ مُوسَى إِنْ تَكْفُرُوا أَنْتُمْ وَمَنْ فِي الْأَرْضِ جَمِيعًا‏}‏ فلن تضروا الله شيئا، ‏{‏فَإِنَّ اللَّهَ لَغَنِيٌّ حَمِيدٌ‏}‏ فالطاعات لا تزيد في ملكه والمعاصي لا تنقصه، وهو كامل الغنى حميد في ذاته وأسمائه وصفاته وأفعاله، ليس له من الصفات إلا كل صفة حمد وكمال، ولا من الأسماء إلا كل اسم حسن، ولا من الأفعال إلا كل فعل جميل‏.‏
‏‏ ‏{‏أَلَمْ يَأْتِكُمْ نَبَأُ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ قَوْمِ نُوحٍ وَعَادٍ وَثَمُودَ وَالَّذِينَ مِنْ بَعْدِهِمْ لَا يَعْلَمُهُمْ إِلَّا اللَّهُ جَاءَتْهُمْ رُسُلُهُمْ بِالْبَيِّنَاتِ فَرَدُّوا أَيْدِيَهُمْ فِي أَفْوَاهِهِمْ وَقَالُوا إِنَّا كَفَرْنَا بِمَا أُرْسِلْتُمْ بِهِ وَإِنَّا لَفِي شَكٍّ مِمَّا تَدْعُونَنَا إِلَيْهِ مُرِيبٍ * قَالَتْ رُسُلُهُمْ أَفِي اللَّهِ شَكٌّ فَاطِرِ السموات وَالْأَرْضِ يَدْعُوكُمْ لِيَغْفِرَ لَكُمْ مِنْ ذُنُوبِكُمْ وَيُؤَخِّرَكُمْ إِلَى أَجَلٍ مُسَمًّى قَالُوا إِنْ أَنْتُمْ إِلَّا بَشَرٌ مِثْلُنَا تُرِيدُونَ أَنْ تَصُدُّونَا عَمَّا كَانَ يَعْبُدُ آبَاؤُنَا فَأْتُونَا بِسُلْطَانٍ مُبِينٍ *قَالَتْ لَهُمْ رُسُلُهُمْ إِنْ نَحْنُ إِلَّا بَشَرٌ مِثْلُكُمْ وَلَكِنَّ اللَّهَ يَمُنُّ عَلَى مَنْ يَشَاءُ مِنْ عِبَادِهِ وَمَا كَانَ لَنَا أَنْ نَأْتِيَكُمْ بِسُلْطَانٍ إِلَّا بِإِذْنِ اللَّهِ وَعَلَى اللَّهِ فَلْيَتَوَكَّلِ الْمُؤْمِنُونَ * وَمَا لَنَا أَلَّا نَتَوَكَّلَ عَلَى اللَّهِ وَقَدْ هَدَانَا سُبُلَنَا وَلَنَصْبِرَنَّ عَلَى مَا آذَيْتُمُونَا وَعَلَى اللَّهِ فَلْيَتَوَكَّلِ الْمُتَوَكِّلُونَ‏}‏‏.‏
يقول تعالى مخوفا عباده ما أحله بالأمم المكذبة حين جاءتهم الرسل، فكذبوهم، فعاقبهم بالعقاب العاجل الذي رآه الناس وسمعوه فقال‏:‏ ‏{‏أَلَمْ يَأْتِكُمْ نَبَأُ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ قَوْمِ نُوحٍ وَعَادٍ وَثَمُودَ‏}‏ وقد ذكر الله قصصهم في كتابه وبسطها، ‏{‏وَالَّذِينَ مِنْ بَعْدِهِمْ لَا يَعْلَمُهُمْ إِلَّا اللَّهُ‏}‏ من كثرتهم وكون أخبارهم اندرست‏.‏
فهؤلاء كلهم ‏{‏جَاءَتْهُمْ رُسُلُهُمْ بِالْبَيِّنَاتِ‏}‏ أي‏:‏ بالأدلة الدالة على صدق ما جاءوا به، فلم يرسل الله رسولا إلا آتاه من الآيات ما يؤمن على مثله البشر، فحين أتتهم رسلهم بالبينات لم ينقادوا لها بل استكبروا عنها، ‏{‏فَرَدُّوا أَيْدِيَهُمْ فِي أَفْوَاهِهِمْ‏}‏ أي‏:‏ لم يؤمنوا بما جاءوا به ولم يتفوهوا بشيء مما يدل على الإيمان كقوله ‏{‏يجْعَلُونَ أَصَابِعَهُمْ فِي آذَانِهِمْ مِنَ الصَّوَاعِقِ حَذَرَ الْمَوْتِ‏}‏‏.‏
‏{‏وَقَالُوا‏}‏ صريحًا لرسلهم‏:‏ ‏{‏إِنَّا كَفَرْنَا بِمَا أُرْسِلْتُمْ بِهِ وَإِنَّا لَفِي شَكٍّ مِمَّا تَدْعُونَنَا إِلَيْهِ مُرِيبٍ‏}‏ أي‏:‏ موقع في الريبة، وقد كذبوا في ذلك وظلموا‏.‏
ولهذا ‏{‏قَالَتِ‏}‏ لهم ‏{‏رُسُلُهُمْ أَفِي اللَّهِ شَكٌّ‏}‏ أي‏:‏ فإنه أظهر الأشياء وأجلاها، فمن شك في الله ‏{‏فَاطِرِ السموات وَالْأَرْضِ‏}‏ الذي وجود الأشياء مستند إلى وجوده، لم يكن عنده ثقة بشيء من المعلومات، حتى الأمور المحسوسة، ولهذا خاطبتهم الرسل خطاب من لا يشك فيه ولا يصلح الريب فيه ‏{‏يَدْعُوكُمْ‏}‏ إلى منافعكم ومصالحكم ‏{‏لِيَغْفِرَ لَكُمْ مِنْ ذُنُوبِكُمْ وَيُؤَخِّرَكُمْ إِلَى أَجَلٍ مُسَمًّى‏}‏ أي‏:‏ ليثيبكم على الاستجابة لدعوته بالثواب العاجل والآجل، فلم يدعكم لينتفع بعبادتكم، بل النفع عائد إليكم‏.‏
فردوا على رسلهم رد السفهاء الجاهلين ‏{‏قَالُوا‏}‏ لهم‏:‏ ‏{‏إِنْ أَنْتُمْ إِلَّا بَشَرٌ مِثْلُنَا‏}‏ أي‏:‏ فكيف تفضلوننا بالنبوة والرسالة، ‏{‏تُرِيدُونَ أَنْ تَصُدُّونَا عَمَّا كَانَ يَعْبُدُ آبَاؤُنَا‏}‏ فكيف نترك رأي الآباء وسيرتهم لرأيكم‏؟‏ وكيف نطيعكم وأنتم بشر مثلنا‏؟‏
{‏فَأْتُونَا بِسُلْطَانٍ مُبِينٍ‏}‏ أي‏:‏ بحجة وبينة ظاهرة، ومرادهم بينة يقترحونها هم، وإلا فقد تقدم أن رسلهم جاءتهم بالبينات‏.‏
{‏قَالَتْ لَهُمْ رُسُلُهُمْ‏}‏ مجيبين عن اقتراحهم واعتراضهم‏:‏ ‏{‏إِنْ نَحْنُ إِلَّا بَشَرٌ مِثْلُكُمْ‏}‏ أي‏:‏ صحيح وحقيقة أنا بشر مثلكم، ‏{‏وَلَكِنْ‏}‏ ليس في ذلك ما يدفع ما جئنا به من الحق فإن ‏{‏اللَّهَ يَمُنُّ عَلَى مَنْ يَشَاءُ مِنْ عِبَادِهِ‏}‏ فإذا من الله علينا بوحيه ورسالته، فذلك فضله وإحسانه، وليس لأحد أن يحجر على الله فضله ويمنعه من تفضله‏.‏
فانظروا ما جئناكم به فإن كان حقا فاقبلوه وإن كان غير ذلك فردوه ولا تجعلوا حالنا حجة لكم على رد ما جئناكم به، وقولكم‏:‏ ‏{‏فأتونا بسلطان مبين‏}‏ فإن هذا ليس بأيدينا وليس لنا من الأمر شيء‏.‏
{‏وَمَا كَانَ لَنَا أَنْ نَأْتِيَكُمْ بِسُلْطَانٍ إِلَّا بِإِذْنِ اللَّهِ‏}‏ فهو الذي إن شاء جاءكم به، وإن شاء لم يأتكم به وهو لا يفعل إلا ما هو مقتضى حكمته ورحمته، ‏{‏وَعَلَى اللَّهِ‏}‏ لا على غيره ‏{‏فَلْيَتَوَكَّلِ الْمُؤْمِنُونَ‏}‏ فيعتمدون عليه في جلب مصالحهم ودفع مضارهم لعلمهم بتمام كفايته وكمال قدرته وعميم إحسانه، ويثقون به في تيسير ذلك وبحسب ما معهم من الإيمان يكون توكلهم‏.‏
فعلم بهذا وجوب التوكل، وأنه من لوازم الإيمان، ومن العبادات الكبار التي يحبها الله ويرضاها، لتوقف سائر العبادات عليه، ‏{‏وَمَا لَنَا أَلَّا نَتَوَكَّلَ عَلَى اللَّهِ وَقَدْ هَدَانَا سُبُلَنَا‏}‏‏.‏
أي‏:‏ أي شيء يمنعنا من التوكل على الله والحال أننا على الحق والهدى، ومن كان على الحق والهدى فإن هداه يوجب له تمام التوكل، وكذلك ما يعلم من أن الله متكفل بمعونة المهتدي وكفايته، يدعو إلى ذلك، بخلاف من لم يكن على الحق والهدى، فإنه ليس ضامنا على الله، فإن حاله مناقضة لحال المتوكل‏.‏
وفي هذا كالإشارة من الرسل عليهم الصلاة والسلام لقومهم بآية عظيمة، وهو أن قومهم ـ في الغالب ـ لهم القهر والغلبة عليهم، فتحدتهم رسلهم بأنهم متوكلون على الله، في دفع كيدكم ومكركم، وجازمون بكفايته إياهم، وقد كفاهم الله شرهم مع حرصهم على إتلافهم وإطفاء ما معهم من الحق، فيكون هذا كقول نوح لقومه‏:‏ ‏{‏يا قوم إن كان كبر عليكم مقامي وتذكيري بآيات الله فعلى الله توكلت فأجمعوا أمركم وشركاءكم، ثم لا يكن أمركم عليكم غمة ثم اقضوا إلي ولا تنظرون‏}‏ الآيات‏.‏
وقول هود عليه السلام قال‏:‏ ‏{‏إني أشهد الله واشهدوا أني بريء مما تشركون من دونه فكيدوني جميعا ثم لا تنظرون‏}
{‏وَلَنَصْبِرَنَّ عَلَى مَا آذَيْتُمُونَا‏}‏ أي‏:‏ ولنستمرن على دعوتكم ووعظكم وتذكيركم ولا نبالي بما يأتينا منكم من الأذى فإنا سنوطن أنفسنا على ما ينالنا منكم من الأذى، احتسابا للأجر ونصحا لكم لعل الله أن يهديكم مع كثرة التذكير‏.‏
‏{‏وَعَلَى اللَّهِ‏}‏ وحده لا على غيره ‏{‏فَلْيَتَوَكَّلِ الْمُتَوَكِّلُونَ‏}‏ فإن التوكل عليه مفتاح لكل خير‏.‏
واعلم أن الرسل عليهم الصلاة والسلام توكلهم في أعلى المطالب وأشرف المراتب وهو التوكل على الله في إقامة دينه ونصره، وهداية عبيده، وإزالة الضلال عنهم، وهذا أكمل ما يكون من التوكل‏.‏
‏‏ ‏{‏وَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لِرُسُلِهِمْ لَنُخْرِجَنَّكُمْ مِنْ أَرْضِنَا أَوْ لَتَعُودُنَّ فِي مِلَّتِنَا فَأَوْحَى إِلَيْهِمْ رَبُّهُمْ لَنُهْلِكَنَّ الظَّالِمِينَ * وَلَنُسْكِنَنَّكُمُ الْأَرْضَ مِنْ بَعْدِهِمْ ذَلِكَ لِمَنْ خَافَ مَقَامِي وَخَافَ وَعِيدِ * وَاسْتَفْتَحُوا وَخَابَ كُلُّ جَبَّارٍ عَنِيدٍ * مِنْ وَرَائِهِ جَهَنَّمُ وَيُسْقَى مِنْ مَاءٍ صَدِيدٍ * يَتَجَرَّعُهُ وَلَا يَكَادُ يُسِيغُهُ وَيَأْتِيهِ الْمَوْتُ مِنْ كُلِّ مَكَانٍ وَمَا هُوَ بِمَيِّتٍ وَمِنْ وَرَائِهِ عَذَابٌ غَلِيظٌ‏}
لما ذكر دعوة الرسل لقومهم ودوامهم على ذلك وعدم مللهم، ذكر منتهى ما وصلت بهم الحال مع قومهم فقال‏:‏ ‏{‏وَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لِرُسُلِهِمْ‏}‏ متوعدين لهم ‏{‏لَنُخْرِجَنَّكُمْ مِنْ أَرْضِنَا أَوْ لَتَعُودُنَّ فِي مِلَّتِنَا‏}‏ وهذا أبلغ ما يكون من الرد، وليس بعد هذا فيهم مطمع، لأنه ما كفاهم أن أعرضوا عن الهدى بل توعدوهم بالإخراج من ديارهم ونسبوها إلى أنفسهم وزعموا أن الرسل لا حق لهم فيها، وهذا من أعظم الظلم، فإن الله أخرج عباده إلى الأرض، وأمرهم بعبادته، وسخر لهم الأرض وما عليها يستعينون بها على عبادته‏.‏
فمن استعان بذلك على عبادة الله حل له ذلك وخرج من التبعة، ومن استعان بذلك على الكفر وأنواع المعاصي، لم يكن ذلك خالصا له، ولم يحل له، فعلم أن أعداء الرسل في الحقيقة ليس لهم شيء من الأرض التي توعدوا الرسل بإخراجهم منها‏.‏ وإن رجعنا إلى مجرد العادة فإن الرسل من جملة أهل بلادهم، وأفراد منهم، فلأي شيء يمنعونهم حقا لهم صريحا واضحا‏؟‏‏!‏ هل هذا إلا من عدم الدين والمروءة بالكلية‏؟‏
ولهذا لما انتهى مكرهم بالرسل إلى هذه الحال ما بقي حينئذ إلا أن يمضي الله أمره، وينصر أولياءه، ‏{‏فَأَوْحَى إِلَيْهِمْ رَبُّهُمْ لَنُهْلِكَنَّ الظَّالِمِينَ‏}‏ بأنواع العقوبات‏.‏
{‏وَلَنُسْكِنَنَّكُمُ الْأَرْضَ مِنْ بَعْدِهِمْ ذَلِكَ‏}‏ أي‏:‏ العاقبة الحسنة التي جعلها الله للرسل ومن تبعهم جزاء ‏{‏لِمَنْ خَافَ مَقَامِي‏}‏ عليه في الدنيا وراقب الله مراقبة من يعلم أنه يراه، ‏{‏وَخَافَ وَعِيدِ‏}‏ أي‏:‏ ما توعدت به من عصاني فأوجب له ذلك الانكفاف عما يكرهه الله والمبادرة إلى ما يحبه الله‏.‏
‏{‏وَاسْتَفْتَحُوا‏}‏ أي‏:‏ الكفار أي‏:‏ هم الذين طلبوا واستعجلوا فتح الله وفرقانه بين أوليائه وأعدائه فجاءهم ما استفتحوا به وإلا فالله حليم لا يعاجل من عصاه بالعقوبة، ‏{‏وَخَابَ كُلُّ جَبَّارٍ عَنِيدٍ‏}‏ أي‏:‏ خسر في الدنيا والآخرة من تجبر على الله وعلى الحق وعلى عباد الله واستكبر في الأرض وعاند الرسل وشاقهم‏.‏
{‏مِنْ وَرَائِهِ جَهَنَّمُ‏}‏ أي‏:‏ جهنم لهذا الجبار العنيد بالمرصاد، فلا بد له من ورودها فيذاق حينئذ العذاب الشديد، ‏{‏وَيُسْقَى مِنْ مَاءٍ صَدِيدٍ‏}‏ في لونه وطعمه ورائحته الخبيثة، وهو في غاية الحرارة‏.‏
‏{‏يَتَجَرَّعُهُ‏}‏ من العطش الشديد ‏{‏وَلَا يَكَادُ يُسِيغُهُ‏}‏ فإنه إذا قرب إلى وجهه شواه وإذا وصل إلى بطنه قطع ما أتى عليه من الأمعاء، ‏{‏وَيَأْتِيهِ الْمَوْتُ مِنْ كُلِّ مَكَانٍ وَمَا هُوَ بِمَيِّتٍ‏}‏ أي‏:‏ يأتيه العذاب الشديد من كل نوع من أنواع العذاب، وكل نوع منه من شدته يبلغ إلى الموت ولكن الله قضى أن لا يموتوا كما قال تعالى‏:‏ ‏{‏لا يقضى عليهم فيموتوا ولا يخفف عنهم من عذابها كذلك نجزي كل كفور وهم يصطرخون فيها‏}
‏{‏وَمِنْ وَرَائِهِ‏}‏ أي‏:‏ الجبار العنيد ‏{‏عَذَابٌ غَلِيظٌ‏}‏ أي‏:‏ قوي شديد لا يعلم وصفه وشدته إلا الله تعالى‏.‏
‏‏ ‏{‏مَثَلُ الَّذِينَ كَفَرُوا بِرَبِّهِمْ أَعْمَالُهُمْ كَرَمَادٍ اشْتَدَّتْ بِهِ الرِّيحُ فِي يَوْمٍ عَاصِفٍ لَا يَقْدِرُونَ مِمَّا كَسَبُوا عَلَى شَيْءٍ ذَلِكَ هُوَ الضَّلَالُ الْبَعِيدُ‏}يخبر تعالى عن أعمال الكفار التي عملوها‏:‏ إما أن المراد بها الأعمال التي عملوها لله، بأنها في ذهابها وبطلانها واضمحلالها كاضمحلال الرماد، الذي هو أدق الأشياء وأخفها، إذا اشتدت به الريح في يوم عاصف شديد الهبوب، فإنه لا يبقى منه شيئا، ولا يقدر منه على شيء يذهب ويضمحل، فكذلك أعمال الكفار ‏{‏لَا يَقْدِرُونَ مِمَّا كَسَبُوا عَلَى شَيْءٍ‏}‏ ولا على مثقال ذرة منه لأنه مبني على الكفر والتكذيب‏.‏
@@@الجوووري@@@
@@@الجوووري@@@
تفسير سورة الرعد

وهي مدنية‏,‏ وقيل‏:‏ مكية
‏‏ ‏{ المر تِلْكَ آيَاتُ الْكِتَابِ وَالَّذِي أُنْزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ الْحَقُّ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يُؤْمِنُونَ‏}‏
يخبر تعالى أن هذا القرآن هو آيات الكتاب الدالة على كل ما يحتاج إليه العباد من أصول الدين وفروعه، وأن الذي أنزل إلى الرسول من ربه هو الحق المبين، لأن أخباره صدق، وأوامره ونواهيه عدل، مؤيدة بالأدلة والبراهين القاطعة، فمن أقبل عليه وعلى علمه، كان من أهل العلم بالحق، الذي يوجب لهم علمهم العمل بما أحب الله‏.‏
{‏وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يُؤْمِنُونَ‏}‏ بهذا القرآن، إما جهلاً وإعراضًا عنه وعدم اهتمام به، وإما عنادا وظلما، فلذلك أكثر الناس غير منتفعين به، لعدم السبب الموجب للانتفاع‏.‏
‏‏ ‏{‏اللَّهُ الَّذِي رَفَعَ السموات بِغَيْرِ عَمَدٍ تَرَوْنَهَا ثُمَّ اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ وَسَخَّرَ الشَّمْسَ وَالْقَمَرَ كُلٌّ يَجْرِي لِأَجَلٍ مُسَمًّى يُدَبِّرُ الْأَمْرَ يُفَصِّلُ الْآيَاتِ لَعَلَّكُمْ بِلِقَاءِ رَبِّكُمْ تُوقِنُونَ * وَهُوَ الَّذِي مَدَّ الْأَرْضَ وَجَعَلَ فِيهَا رَوَاسِيَ وَأَنْهَارًا وَمِنْ كُلِّ الثَّمَرَاتِ جَعَلَ فِيهَا زَوْجَيْنِ اثْنَيْنِ يُغْشِي اللَّيْلَ النَّهَارَ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَاتٍ لِقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ * وَفِي الْأَرْضِ قِطَعٌ مُتَجَاوِرَاتٌ وَجَنَّاتٌ مِنْ أَعْنَابٍ وَزَرْعٌ وَنَخِيلٌ صِنْوَانٌ وَغَيْرُ صِنْوَانٍ يُسْقَى بِمَاءٍ وَاحِدٍ وَنُفَضِّلُ بَعْضَهَا عَلَى بَعْضٍ فِي الْأُكُلِ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَاتٍ لِقَوْمٍ يَعْقِلُونَ‏}
يخبر تعالى عن انفراده بالخلق والتدبير، والعظمة والسلطان الدال على أنه وحده المعبود الذي لا تنبغي العبادة إلا له فقال‏:‏ ‏{‏اللَّهُ الَّذِي رَفَعَ السموات‏}‏ على عظمها واتساعها بقدرته العظيمة، ‏{‏بِغَيْرِ عَمَدٍ تَرَوْنَهَا‏}‏ أي‏:‏ ليس لها عمد من تحتها، فإنه لو كان لها عمد، لرأيتموها ‏{‏ثُمَّ‏}‏ بعد ما خلق السماوات والأرض ‏{‏اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ‏}‏ العظيم الذي هو أعلى المخلوقات، استواء يليق بجلاله ويناسب كماله‏.‏
{‏وَسَخَّرَ الشَّمْسَ وَالْقَمَرَ‏}‏ لمصالح العباد ومصالح مواشيهم وثمارهم، ‏{‏كُلِّ‏}‏ من الشمس والقمر ‏{‏يَجْرِي‏}‏ بتدبير العزيز العليم، ‏{‏لأَجَلٍ مُسَمًّى‏}‏ بسير منتظم، لا يفتران ولا ينيان، حتى يجيء الأجل المسمى وهو طي الله هذا العالم، ونقلهم إلى الدار الآخرة التي هي دار القرار، فعند ذلك يطوي الله السماوات ويبدلها، ويغير الأرض ويبدلها‏.‏ فتكور الشمس والقمر، ويجمع بينهما فيلقيان في النار، ليرى من عبدهما أنهما غير أهل للعبادة؛ فيتحسر بذلك أشد الحسرة وليعلم الذين كفروا أنهم كانوا كاذبين‏.‏
وقوله ‏{‏يُدَبِّرُ الْأَمْرَ يُفَصِّلُ الْآيَاتِ‏}‏ هذا جمع بين الخلق والأمر، أي‏:‏ قد استوى الله العظيم على سرير الملك، يدبر الأمور في العالم العلوي والسفلي، فيخلق ويرزق، ويغني ويفقر، ويرفع أقواما ويضع آخرين، ويعز ويذل، ويخفض ويرفع، ويقيل العثرات، ويفرج الكربات، وينفذ الأقدار في أوقاتها التي سبق بها علمه، وجرى بها قلمه، ويرسل ملائكته الكرام لتدبير ما جعلهم على تدبيره‏.‏
وينزل الكتب الإلهية على رسله ويبين ما يحتاج إليه العباد من الشرائع والأوامر والنواهي، ويفصلها غاية التفصيل ببيانها وأيضًاحها وتمييزها، ‏{‏لَعَلَّكُمْ‏}‏ بسبب ما أخرج لكم من الآيات الأفقية والآيات القرآنية، ‏{‏بِلِقَاءِ رَبِّكُمْ تُوقِنُونَ‏}‏ فإن كثرة الأدلة وبيانها ووضوحها، من أسباب حصول اليقين في جميع الأمور الإلهية، خصوصا في العقائد الكبار، كالبعث والنشور والإخراج من القبور‏.‏
وأيضًا فقد علم أن الله تعالى حكيم لا يخلق الخلق سدى، ولا يتركهم عبثا، فكما أنه أرسل رسله وأنزل كتبه لأمر العباد ونهيهم، فلا بد أن ينقلهم إلى دار يحل فيها جزاؤه، فيجازي المحسنين بأحسن الجزاء، ويجازي المسيئين بإساءتهم‏.‏
{‏وَهُوَ الَّذِي مَدَّ الْأَرْضَ‏}‏ أي‏:‏ خلقها للعباد، ووسعها وبارك فيها ومهدها للعباد، وأودع فيها من مصالحهم ما أودع، ‏{‏وَجَعَلَ فِيهَا رَوَاسِيَ‏}‏ أي‏:‏ جبالا عظاما، لئلا تميد بالخلق، فإنه لولا الجبال لمادت بأهلها، لأنها على تيار ماء، لا ثبوت لها ولا استقرار إلا بالجبال الرواسي، التي جعلها الله أوتادا لها‏.‏
‏{‏و‏}‏ جعل فيها ‏{‏أَنْهَارًا‏}‏ تسقي الآدميين وبهائمهم وحروثهم، فأخرج بها من الأشجار والزروع والثمار خيرا كثيرا ولهذا قال‏:‏ ‏{‏وَمِنْ كُلِّ الثَّمَرَاتِ جَعَلَ فِيهَا زَوْجَيْنِ اثْنَيْنِ‏}‏ أي‏:‏ صنفين مما يحتاج إليه العباد‏.‏
{‏يُغْشِي اللَّيْلَ النَّهَارَ‏}‏ فتظلم الآفاق فيسكن كل حيوان إلى مأواه ويستريحون من التعب والنصب في النهار، ثم إذا قضوا مأربهم من النوم غشي النهار الليل فإذا هم مصبحون منتشرون في مصالحهم وأعمالهم في النهار‏.‏
{‏ومن رحمته جعل لكم الليل والنهار لتسكنوا فيه ولتبتغوا من فضله ولعلكم تشكرون‏}
{‏إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَاتٍ‏}‏ على المطالب الإلهية ‏{‏لِقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ‏}‏ فيها، وينظرون فيها نظر اعتبار دالة على أن الذي خلقها ودبرها وصرفها، هو الله الذي لا إله إلا هو، ولا معبود سواه، وأنه عالم الغيب والشهادة، الرحمن الرحيم، وأنه القادر على كل شيء، الحكيم في كل شيء المحمود على ما خلقه وأمر به تبارك وتعالى‏.‏
ومن الآيات على كمال قدرته وبديع صنعته أن جعل ‏{‏فِي الْأَرْضِ قِطَعٌ مُتَجَاوِرَاتٌ وَجَنَّاتٌ‏}‏ فيها أنواع الأشجار ‏{‏مِنْ أَعْنَابٍ وَزَرْعٌ وَنَخِيلٌ‏}‏ وغير ذلك، والنخيل التي بعضها ‏{‏صِنْوَانٌ‏}‏ أي‏:‏ عدة أشجار في أصل واحد، ‏{‏وَغَيْرُ صِنْوَانٍ‏}‏ بأن كان كل شجرة على حدتها، والجميع ‏{‏يُسْقَى بِمَاءٍ وَاحِدٍ‏}‏ وأرضه واحدة ‏{‏وَنُفَضِّلُ بَعْضَهَا عَلَى بَعْضٍ فِي الْأُكُلِ‏}‏ لونا وطعما ونفعا ولذة؛ فهذه أرض طيبة تنبت الكلأ والعشب الكثير والأشجار والزروع، وهذه أرض تلاصقها لا تنبت كلأ ولا تمسك ماء، وهذه تمسك الماء ولا تنبت الكلأ، وهذه تنبت الزرع والأشجار ولا تنبت الكلأ، وهذه الثمرة حلوة وهذه مرة وهذه بين ذلك‏.‏
فهل هذا التنوع في ذاتها وطبيعتها‏؟‏ أم ذلك تقدير العزيز الرحيم‏؟‏
{‏إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَاتٍ لِقَوْمٍ يَعْقِلُونَ‏}‏ أي‏:‏ لقوم لهم عقول تهديهم إلى ما ينفعهم، وتقودهم إلى ما يرشدهم ويعقلون عن الله وصاياه وأوامره ونواهيه، وأما أهل الإعراض، وأهل البلادة فهم في ظلماتهم يعمهون، وفي غيهم يترددون، لا يهتدون إلى ربهم سبيلا ولا يعون له قيلا‏.‏
‏‏ ‏{‏وَإِنْ تَعْجَبْ فَعَجَبٌ قَوْلُهُمْ أَئِذَا كُنَّا تُرَابًا أَئِنَّا لَفِي خَلْقٍ جَدِيدٍ أُولَئِكَ الَّذِينَ كَفَرُوا بِرَبِّهِمْ وَأُولَئِكَ الْأَغْلَالُ فِي أَعْنَاقِهِمْ وَأُولَئِكَ أَصْحَابُ النَّارِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ‏}
يحتمل أن معنى قوله ‏{‏وَإِنْ تَعْجَبْ‏}‏ من عظمة الله تعالى وكثرة أدلة توحيده، فإن العجب ـ مع هذا ـ إنكار المكذبين وتكذيبهم بالبعث، وقولهم ‏{‏أَئِذَا كُنَّا تُرَابًا أَئِنَّا لَفِي خَلْقٍ جَدِيدٍ‏}‏ أي‏:‏ هذا بعيد في غاية الامتناع بزعمهم، أنهم بعد ما كانوا ترابا، أن الله يعيدهم، فإنهم ـ من جهلهم ـ قاسوا قدرة الخالق بقدرة المخلوق‏.‏
فلما رأوا هذا ممتنعا في قدرة المخلوق ظنوا أنه ممتنع على قدرة الخالق، ونسوا أن الله خلقهم أول مرة ولم يكونوا شيئًا‏.‏
ويحتمل أن معناه‏:‏ وإن تعجب من قولهم وتكذيبهم للبعث، فإن ذلك من العجائب، فإن الذي توضح له الآيات، ويرى من الأدلة القاطعة على البعث ما لا يقبل الشك والريب، ثم ينكر ذلك فإن قوله من العجائب‏.‏
ولكن ذلك لا يستغرب على ‏{‏الَّذِينَ كَفَرُوا بِرَبِّهِمْ‏}‏ وجحدوا وحدانيته، وهي أظهر الأشياء وأجلاها، ‏{‏وَأُولَئِكَ الْأَغْلَالُ‏}‏ المانعة لهم من الهدى ‏{‏فِي أَعْنَاقِهِمْ‏}‏ حيث دعوا إلى الإيمان فلم يؤمنوا، وعرض عليهم الهدى فلم يهتدوا، فقلبت قلوبهم وأفئدتهم عقوبة على أنهم لم يؤمنوا به أول مرة، ‏{‏وَأُولَئِكَ أَصْحَابُ النَّارِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ‏}‏ لا يخرجون منها أبدا‏.‏
‏‏ ‏{‏وَيَسْتَعْجِلُونَكَ بِالسَّيِّئَةِ قَبْلَ الْحَسَنَةِ وَقَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِهِمُ الْمَثُلَاتُ وَإِنَّ رَبَّكَ لَذُو مَغْفِرَةٍ لِلنَّاسِ عَلَى ظُلْمِهِمْ وَإِنَّ رَبَّكَ لَشَدِيدُ الْعِقَابِ‏}
يخبر تعالى عن جهل المكذبين لرسوله المشركين به، الذين وعظوا فلم يتعظوا، وأقيمت عليهم الأدلة فلم ينقادوا لها، بل جاهروا بالإنكار، واستدلوا بحلم ‏‏ الواحد القهار عنهم، وعدم معاجلتهم بذنوبهم أنهم على حق، وجعلوا يستعجلون الرسول بالعذاب، ويقول قائلهم‏:‏ ‏{‏اللهم إن كان هذا هو الحق من عندك فأمطر علينا حجارة من السماء أو ائتنا بعذاب أليم‏}
‏{‏و‏}‏ الحال أنه ‏{‏قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِهِمُ الْمَثُلَاتُ‏}‏ أي‏:‏ وقائع الله وأيامه في الأمم المكذبين، أفلا يتفكرون في حالهم ويتركون جهلهم ‏{‏وَإِنَّ رَبَّكَ لَذُو مَغْفِرَةٍ لِلنَّاسِ عَلَى ظُلْمِهِمْ‏}‏ أي‏:‏ لا يزال خيره إليهم وإحسانه وبره وعفوه نازلا إلى العباد، وهم لا يزال شرهم وعصيانهم إليه صاعدًا‏.‏
يعصونه فيدعوهم إلى بابه، ويجرمون فلا يحرمهم خيره وإحسانه، فإن تابوا إليه فهو حبيبهم لأنه يحب التوابين، ويحب المتطهرين وإن لم يتوبوا فهو طبيبهم، يبتليهم بالمصائب، ليطهرهم من المعايب ‏{‏قل يا عبادي الذين أسرفوا على أنفسهم لا تقنطوا من رحمة الله إن الله يغفر الذنوب جميعا إنه هو الغفور الرحيم‏}
{‏وَإِنَّ رَبَّكَ لَشَدِيدُ الْعِقَابِ‏}‏ على من لم يزل مصرا على الذنوب، قد أبى التوبة والاستغفار والالتجاء إلى العزيز الغفار، فليحذر العباد عقوباته بأهل الجرائم، فإن أخذه أليم شديد‏.‏
‏‏ ‏{‏وَيَقُولُ الَّذِينَ كَفَرُوا لَوْلَا أُنْزِلَ عَلَيْهِ آيَةٌ مِنْ رَبِّهِ إِنَّمَا أَنْتَ مُنْذِرٌ وَلِكُلِّ قَوْمٍ هَادٍ‏}
أي‏:‏ ويقترح الكفار عليك من الآيات، التي يعينونها ويقولون‏:‏ ‏{‏لَوْلَا أُنْزِلَ عَلَيْهِ آيَةٌ مِنْ رَبِّهِ‏}‏ ويجعلون هذا القول منهم، عذرا لهم في عدم الإجابة إلى الرسول، والحال أنه منذر ليس له من الأمر شيء، والله هو الذي ينزل الآيات‏.‏
وقد أيده بالأدلة البينات التي لا تخفى على أولي الألباب، وبها يهتدي من قصده الحق، وأما الكافر الذي ـ من ظلمه وجهله ـ يقترح على الله الآيات فهذا اقتراح منه باطل وكذب وافتراء فإنه لو جاءته أي آية كانت لم يؤمن ولم ينقد؛ لأنه لم يمتنع من الإيمان، لعدم ما يدله على صحته وإنما ذلك لهوى نفسه واتباع شهوته ‏{‏وَلِكُلِّ قَوْمٍ هَادٍ‏}‏ أي‏:‏ داع يدعوهم إلى الهدى من الرسل وأتباعهم، ومعهم من الأدلة والبراهين ما يدل على صحة ما معهم من الهدى‏.‏
‏‏ ‏{‏اللَّهُ يَعْلَمُ مَا تَحْمِلُ كُلُّ أُنْثَى وَمَا تَغِيضُ الْأَرْحَامُ وَمَا تَزْدَادُ وَكُلُّ شَيْءٍ عِنْدَهُ بِمِقْدَارٍ * عَالِمُ الْغَيْبِ وَالشَّهَادَةِ الْكَبِيرُ الْمُتَعَالِ * سَوَاءٌ مِنْكُمْ مَنْ أَسَرَّ الْقَوْلَ وَمَنْ جَهَرَ بِهِ وَمَنْ هُوَ مُسْتَخْفٍ بِاللَّيْلِ وَسَارِبٌ بِالنَّهَارِ * لَهُ مُعَقِّبَاتٌ مِنْ بَيْنِ يَدَيْهِ وَمِنْ خَلْفِهِ يَحْفَظُونَهُ مِنْ أَمْرِ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ لَا يُغَيِّرُ مَا بِقَوْمٍ حَتَّى يُغَيِّرُوا مَا بِأَنْفُسِهِمْ وَإِذَا أَرَادَ اللَّهُ بِقَوْمٍ سُوءًا فَلَا مَرَدَّ لَهُ وَمَا لَهُمْ مِنْ دُونِهِ مِنْ وَالٍ‏}
يخبر تعالى بعموم علمه وسعة اطلاعه وإحاطته بكل شيء فقال‏:‏ ‏{‏اللَّهُ يَعْلَمُ مَا تَحْمِلُ كُلُّ أُنْثَى‏}‏ من بني آدم وغيرهم، ‏{‏وَمَا تَغِيضُ الْأَرْحَامُ‏}‏ أي‏:‏ تنقص مما فيها إما أن يهلك الحمل أو يتضاءل أو يضمحل ‏{‏وَمَا تَزْدَادُ‏}‏ الأرحام وتكبر الأجنة التي فيها، ‏{‏وَكُلُّ شَيْءٍ عِنْدَهُ بِمِقْدَارٍ‏}‏ لا يتقدم عليه ولا يتأخر ولا يزيد ولا ينقص إلا بما تقتضيه حكمته وعلمه‏.‏
فإنه ‏{‏عَالِمُ الْغَيْبِ وَالشَّهَادَةِ الْكَبِيرُ‏}‏ في ذاته وأسمائه وصفاته ‏{‏الْمُتَعَالِ‏}‏ على جميع خلقه بذاته وقدرته وقهره‏.‏
‏{‏سَوَاءٌ مِنْكُمْ‏}‏ في علمه وسمعه وبصره‏.‏
{‏مَنْ أَسَرَّ الْقَوْلَ وَمَنْ جَهَرَ بِهِ وَمَنْ هُوَ مُسْتَخْفٍ بِاللَّيْلِ‏}‏ أي‏:‏ مستقر بمكان خفي فيه، ‏{‏وَسَارِبٌ بِالنَّهَارِ‏}‏ أي‏:‏ داخل سربه في النهار والسرب هو ما يختفي فيه الإنسان إما جوف بيته أو غار أو مغارة أو نحو ذلك‏.‏
‏‏ ‏{‏لَه‏}‏ أي‏:‏ للإنسان ‏{‏مُعَقِّبَاتٌ‏}‏ من الملائكة يتعاقبون في الليل والنهار‏.‏
{‏مِنْ بَيْنِ يَدَيْهِ وَمِنْ خَلْفِهِ يَحْفَظُونَهُ مِنْ أَمْرِ اللَّهِ‏}‏ أي‏:‏ يحفظون بدنه وروحه من كل من يريده بسوء، ويحفظون عليه أعماله، وهم ملازمون له دائما، فكما أن علم الله محيط به، فالله قد أرسل هؤلاء الحفظة على العباد، بحيث لا تخفى أحوالهم ولا أعمالهم، ولا ينسى منها شيء، ‏{‏إِنَّ اللَّهَ لَا يُغَيِّرُ مَا بِقَوْمٍ‏}‏ من النعمة والإحسان ورغد العيش ‏{‏حَتَّى يُغَيِّرُوا مَا بِأَنْفُسِهِمْ‏}‏ بأن ينتقلوا من الإيمان إلى الكفر ومن الطاعة إلى المعصية، أو من شكر نعم الله إلى البطر بها فيسلبهم الله عند ذلك إياها‏.‏
وكذلك إذا غير العباد ما بأنفسهم من المعصية، فانتقلوا إلى طاعة الله، غير الله عليهم ما كانوا فيه من الشقاء إلى الخير والسرور والغبطة والرحمة، ‏{‏وَإِذَا أَرَادَ اللَّهُ بِقَوْمٍ سُوءًا‏}‏ أي‏:‏ عذابا وشدة وأمرا يكرهونه، فإن إرادته لا بد أن تنفذ فيهم‏.‏
فـ إنه ‏{‏لَا مَرَدَّ لَهُ‏}‏ ولا أحد يمنعهم منه، ‏{‏وَمَا لَهُمْ مِنْ دُونِهِ مِنْ وَالٍ‏}‏ يتولى أمورهم فيجلب لهم المحبوب، ويدفع عنهم المكروه، فليحذروا من الإقامة على ما يكره الله خشية أن يحل بهم من العقاب ما لا يرد عن القوم المجرمين‏.‏
‏‏ ‏{‏هُوَ الَّذِي يُرِيكُمُ الْبَرْقَ خَوْفًا وَطَمَعًا وَيُنْشِئُ السَّحَابَ الثِّقَالَ * وَيُسَبِّحُ الرَّعْدُ بِحَمْدِهِ وَالْمَلَائِكَةُ مِنْ خِيفَتِهِ وَيُرْسِلُ الصَّوَاعِقَ فَيُصِيبُ بِهَا مَنْ يَشَاءُ وَهُمْ يُجَادِلُونَ فِي اللَّهِ وَهُوَ شَدِيدُ الْمِحَالِ‏}
يقول تعالى‏:‏ ‏{‏هُوَ الَّذِي يُرِيكُمُ الْبَرْقَ خَوْفًا وَطَمَعًا‏}‏ أي‏:‏ يخاف منه الصواعق والهدم وأنواع الضرر، على بعض الثمار ونحوها ويطمع في خيره ونفعه،
{‏وَيُنْشِئُ السَّحَابَ الثِّقَالَ‏}‏ بالمطر الغزير الذي به نفع العباد والبلاد‏.‏
{‏وَيُسَبِّحُ الرَّعْدُ بِحَمْدِهِ‏}‏ وهو الصوت الذي يسمع من السحاب المزعج للعباد، فهو خاضع لربه مسبح بحمده، ‏{‏و‏}‏ تسبح ‏{‏الْمَلَائِكَةُ مِنْ خِيفَتِهِ‏}‏ أي‏:‏ خشعا لربهم خائفين من سطوته، ‏{‏وَيُرْسِلُ الصَّوَاعِقَ‏}‏ وهي هذه النار التي تخرج من السحاب، ‏{‏فَيُصِيبُ بِهَا مَنْ يَشَاءُ‏}‏ من عباده بحسب ما شاءه وأراده وَهُوَ شَدِيدُ الْمِحَالِ أي‏:‏ شديد الحول والقوة فلا يريد شيئا إلا فعله، ولا يتعاصى عليه شيء ولا يفوته هارب‏.‏
فإذا كان هو وحده الذي يسوق للعباد الأمطار والسحب التي فيها مادة أرزاقهم، وهو الذي يدبر الأمور، وتخضع له المخلوقات العظام التي يخاف منها، وتزعج العباد وهو شديد القوة ـ فهو الذي يستحق أن يعبد وحده لا شريك له‏.‏
ولهذا قال‏:‏
‏‏ ‏{‏لَهُ دَعْوَةُ الْحَقِّ وَالَّذِينَ يَدْعُونَ مِنْ دُونِهِ لَا يَسْتَجِيبُونَ لَهُمْ بِشَيْءٍ إِلَّا كَبَاسِطِ كَفَّيْهِ إِلَى الْمَاءِ لِيَبْلُغَ فَاهُ وَمَا هُوَ بِبَالِغِهِ وَمَا دُعَاءُ الْكَافِرِينَ إِلَّا فِي ضَلَالٍ‏}‏ أي‏:‏ لله وحده ‏{‏دَعْوَةُ الْحَقِّ‏}‏ وهي‏:‏ عبادته وحده لا شريك له، وإخلاص دعاء العبادة ودعاء المسألة له تعالى، أي‏:‏ هو الذي ينبغي أن يصرف له الدعاء، والخوف، والرجاء، والحب، والرغبة، والرهبة، والإنابة؛ لأن ألوهيته هي الحق، وألوهية غيره باطلة ‏{‏وَالَّذِينَ يَدْعُونَ مِنْ دُونِهِ‏}‏ من الأوثان والأنداد التي جعلوها شركاء لله‏.‏
{‏لَا يَسْتَجِيبُونَ لَهُمْ‏}‏ أي‏:‏ لمن يدعوها ويعبدها بشيء قليل ولا كثير لا من أمور الدنيا ولا من أمور الآخرة ‏{‏إِلَّا كَبَاسِطِ كَفَّيْهِ إِلَى الْمَاءِ‏}‏ الذي لا تناله كفاه لبعده، ‏{‏لِيَبْلُغَ‏}‏ ببسط كفيه إلى الماء ‏{‏فَاهُ‏}‏ فإنه عطشان ومن شدة عطشه يتناول بيده، ويبسطها إلى الماء الممتنع وصولها إليه، فلا يصل إليه‏.‏
كذلك الكفار الذين يدعون معه آلهة لا يستجيبون لهم بشيء ولا ينفعونهم في أشد الأوقات إليهم حاجة لأنهم فقراء كما أن من دعوهم فقراء، لا يملكون مثقال ذرة في الأرض ولا في السماء، وما لهم فيهما من شرك وما له منهم من ظهير‏.‏
{‏وَمَا دُعَاءُ الْكَافِرِينَ إِلَّا فِي ضَلَالٍ‏}‏ لبطلان ما يدعون من دون الله، فبطلت عباداتهم ودعاؤهم؛ لأن الوسيلة تبطل ببطلان غايتها، ولما كان الله تعالى هو الملك الحق المبين، كانت عبادته حقًّا متصلة النفع لصاحبها في الدنيا والآخرة‏.‏
وتشبيه دعاء الكافرين لغير الله بالذي يبسط كفيه إلى الماء ليبلغ فاه من أحسن الأمثلة؛ فإن ذلك تشبيه بأمر محال، فكما أن هذا محال، فالمشبه به محال، والتعليق على المحال من أبلغ ما يكون في نفي الشيء كما قال تعالى‏:‏ ‏{‏إن الذين كذبوا بآياتنا واستكبروا عنها لا تفتح لهم أبواب السماء ولا يدخلون الجنة حتى يلج الجمل في سم الخياط‏}
‏‏ ‏{‏وَلِلَّهِ يَسْجُدُ مَنْ فِي السموات وَالْأَرْضِ طَوْعًا وَكَرْهًا وَظِلَالُهُمْ بِالْغُدُوِّ وَالْآصَالِ‏}أي‏:‏ جميع ما احتوت عليه السماوات والأرض كلها خاضعة لربها، تسجد له ‏{‏طَوْعًا وَكَرْهًا‏}‏ فالطوع لمن يأتي بالسجود والخضوع اختيارا كالمؤمنين، والكره لمن يستكبر عن عبادة ربه، وحاله وفطرته تكذبه في ذلك، ‏{‏وَظِلَالُهُمْ بِالْغُدُوِّ وَالْآصَالِ‏}‏ أي‏:‏ ويسجد له ظلال المخلوقات أول النهار وآخره وسجود كل شيء بحسب حاله كما قال تعالى‏:‏ ‏{‏وإن من شيء إلا يسبح بحمده ولكن لا تفقهون تسبيحهم‏}‏ فإذا كانت المخلوقات كلها تسجد لربها طوعا وكرها كان هو الإله حقا المعبود المحمود حقا وإلاهية غيره باطلة، ولهذا ذكر بطلانها وبرهن عليه بقوله‏:‏