@@@الجوووري@@@
@@@الجوووري@@@
تفسير سورة والضحى

وهي مكية
‏‏ ‏بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ ‏{وَالضُّحَى * وَاللَّيْلِ إِذَا سَجَى * مَا وَدَّعَكَ رَبُّكَ وَمَا قَلَى * وَلَلْآخِرَةُ خَيْرٌ لَكَ مِنَ الْأُولَى * وَلَسَوْفَ يُعْطِيكَ رَبُّكَ فَتَرْضَى * أَلَمْ يَجِدْكَ يَتِيمًا فَآوَى * وَوَجَدَكَ ضَالًّا فَهَدَى * وَوَجَدَكَ عَائِلًا فَأَغْنَى * فَأَمَّا الْيَتِيمَ فَلَا تَقْهَرْ * وَأَمَّا السَّائِلَ فَلَا تَنْهَرْ * وَأَمَّا بِنِعْمَةِ رَبِّكَ فَحَدِّث‏}
أقسم تعالى بالنهار إذا انتشر ضياؤه بالضحى، وبالليل إذا سجى وادلهمت ظلمته، على اعتناء الله برسوله ـ صلى الله عليه وسلم ـ فقال‏:‏ ‏{‏مَا وَدَّعَكَ رَبُّكَ‏}‏ أي‏:‏ ما تركك منذ اعتنى بك، ولا أهملك منذ رباك ورعاك، بل لم يزل يربيك أحسن تربية، ويعليك درجة بعد درجة‏.‏
‏{‏وَمَا قَلا‏}‏ ك الله أي‏:‏ ما أبغضك منذ أحبك، فإن نفي الضد دليل على ثبوت ضده، والنفي المحض لا يكون مدحًا، إلا إذا تضمن ثبوت كمال، فهذه حال الرسول ـ صلى الله عليه وسلم ـ الماضية والحاضرة، أكمل حال وأتمها، محبة الله له واستمرارها، وترقيته في درج الكمال، ودوام اعتناء الله به‏.‏
وأما حاله المستقبلة، فقال‏:‏ ‏{‏وَلَلْآخِرَةُ خَيْرٌ لَكَ مِنَ الْأُولَى‏}‏ أي‏:‏ كل حالة متأخرة من أحوالك، فإن لها الفضل على الحالة السابقة‏.‏
فلم يزل ـ صلى الله عليه وسلم ـ يصعد في درج المعالي ويمكن له الله دينه، وينصره على أعدائه، ويسدد له أحواله، حتى مات، وقد وصل إلى حال لا يصل إليها الأولون والآخرون، من الفضائل والنعم، وقرة العين، وسرور القلب‏.‏
ثم بعد ذلك، لا تسأل عن حاله في الآخرة، من تفاصيل الإكرام، وأنواع الإنعام، ولهذا قال‏:‏ ‏{‏وَلَسَوْفَ يُعْطِيكَ رَبُّكَ فَتَرْضَى‏}‏ وهذا أمر لا يمكن التعبير عنه بغير هذه العبارة الجامعة الشاملة‏.‏
ثم امتن عليه بما يعلمه من أحواله ‏‏ فقال‏:‏
{‏أَلَمْ يَجِدْكَ يَتِيمًا فَآوَى‏}‏ أي‏:‏ وجدك لا أم لك، ولا أب، بل قد مات أبوه وأمه وهو لا يدبر نفسه، فآواه الله، وكفله جده عبد المطلب، ثم لما مات جده كفله الله عمه أبا طالب، حتى أيده بنصره وبالمؤمنين‏.‏
{‏وَوَجَدَكَ ضَالًّا فَهَدَى‏}‏ أي‏:‏ وجدك لا تدري ما الكتاب ولا الإيمان، فعلمك ما لم تكن تعلم، ووفقك لأحسن الأعمال والأخلاق‏.‏
‏{‏وَوَجَدَكَ عَائِلًا‏}‏ أي‏:‏ فقيرًا ‏{‏فَأَغْنَى‏}‏ بما فتح الله عليك من البلدان، التي جبيت لك أموالها وخراجها‏.‏
فالذي أزال عنك هذه النقائص، سيزيل عنك كل نقص، والذي أوصلك إلى الغنى، وآواك ونصرك وهداك، قابل نعمته بالشكران‏.‏
‏‏ ‏{‏فَأَمَّا الْيَتِيمَ فَلَا تَقْهَر‏}‏ أي‏:‏ لا تسيء معاملة اليتيم، ولا يضق صدرك عليه، ولا تنهره، بل أكرمه، وأعطه ما تيسر، واصنع به كما تحب أن يصنع بولدك من بعدك‏.‏
{‏وَأَمَّا السَّائِلَ فَلَا تَنْهَر‏}‏ أي‏:‏ لا يصدر منك إلى السائل كلام يقتضي رده عن مطلوبه، بنهر وشراسة خلق، بل أعطه ما تيسر عندك أو رده بمعروف ‏‏‏.‏
وهذا يدخل فيه السائل للمال، والسائل للعلم، ولهذا كان المعلم مأمورًا بحسن الخلق مع المتعلم، ومباشرته بالإكرام والتحنن عليه، فإن في ذلك معونة له على مقصده، وإكرامًا لمن كان يسعى في نفع العباد والبلاد‏.‏
{‏وَأَمَّا بِنِعْمَةِ رَبِّكَ‏}‏ ‏‏ النعم الدينية والدنيوية ‏{‏فَحَدِّث‏}‏ أي‏:‏ أثن على الله بها، وخصصها بالذكر إن كان هناك مصلحة‏.‏ وإلا فحدث بنعم الله على الإطلاق، فإن التحدث بنعمة الله، داع لشكرها، وموجب لتحبيب القلوب إلى من أنعم بها، فإن القلوب مجبولة على محبة المحسن‏.‏
@@@الجوووري@@@
@@@الجوووري@@@
تفسير سورة والليل

وهي مكية
‏‏ ‏بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ ‏{وَاللَّيْلِ إِذَا يَغْشَى * وَالنَّهَارِ إِذَا تَجَلَّى * وَمَا خَلَقَ الذَّكَرَ وَالْأُنْثَى * إِنَّ سَعْيَكُمْ لَشَتَّى * فَأَمَّا مَنْ أَعْطَى وَاتَّقَى * وَصَدَّقَ بِالْحُسْنَى * فَسَنُيَسِّرُهُ لِلْيُسْرَى * وَأَمَّا مَنْ بَخِلَ وَاسْتَغْنَى * وَكَذَّبَ بِالْحُسْنَى * فَسَنُيَسِّرُهُ لِلْعُسْرَى * وَمَا يُغْنِي عَنْهُ مَالُهُ إِذَا تَرَدَّى * إِنَّ عَلَيْنَا لَلْهُدَى * وَإِنَّ لَنَا لَلْآخِرَةَ وَالْأُولَى * فَأَنْذَرْتُكُمْ نَارًا تَلَظَّى *
لَا يَصْلَاهَا إِلَّا الْأَشْقَى * الَّذِي كَذَّبَ وَتَوَلَّى * وَسَيُجَنَّبُهَا الْأَتْقَى * الَّذِي يُؤْتِي مَالَهُ يَتَزَكَّى * وَمَا لِأَحَدٍ عِنْدَهُ مِنْ نِعْمَةٍ تُجْزَى * إِلَّا ابْتِغَاءَ وَجْهِ رَبِّهِ الْأَعْلَى * وَلَسَوْفَ يَرْضَى‏}

هذا قسم من الله بالزمان الذي تقع فيه أفعال العباد على تفاوت أحوالهم، فقال‏:‏ ‏{‏وَاللَّيْلِ إِذَا يَغْشَى‏}‏ ‏‏ الخلق بظلامه، فيسكن كل إلى مأواه ومسكنه، ويستريح العباد من الكد والتعب‏.‏
{‏وَالنَّهَارِ إِذَا تَجَلَّى‏}‏ للخلق، فاستضاءوا بنوره، وانتشروا في مصالحهم‏.‏
{‏وَمَا خَلَقَ الذَّكَرَ وَالْأُنْثَى‏}‏ إن كانت ‏"‏ ما ‏"‏ موصولة، كان إقسامًا بنفسه الكريمة الموصوفة، بأنه خالق الذكور والإناث، وإن كانت مصدرية، كان قسمًا بخلقه للذكر والأنثى، وكمال حكمته في ذلك أن خلق من كل صنف من الحيوانات التي يريد بقاءها ذكرًا وأنثى، ليبقى النوع ولا يضمحل، وقاد كلا منهما إلى الآخر بسلسلة الشهوة، وجعل كلًا منهما مناسبًا للآخر، فتبارك الله أحسن الخالقين‏.‏
وقوله‏:‏ ‏{‏إِنَّ سَعْيَكُمْ لَشَتَّى‏}‏ هذا ‏‏ المقسم عليه أي‏:‏ إن سعيكم أيها المكلفون لمتفاوت تفاوتا كثيًرا، وذلك بحسب تفاوت نفس الأعمال ومقدارها والنشاط فيها، وبحسب الغاية المقصودة بتلك الأعمال، هل هو وجه الله الأعلى الباقي‏؟‏ فيبقى السعي له ببقائه، وينتفع به صاحبه، أم هي غاية مضمحلة فانية، فيبطل السعي ببطلانها، ويضمحل باضمحلالها‏؟‏
وهذا كل عمل يقصد به غير وجه الله تعالى، بهذا الوصف، ولهذا فصل الله تعالى العاملين، ووصف أعمالهم، فقال‏:‏ ‏{‏فَأَمَّا مَنْ أَعْطَى‏}‏ ‏‏ ما أمر به من العبادات المالية، كالزكوات، والكفارات والنفقات، والصدقات، والإنفاق في وجوه الخير، والعبادات البدنية كالصلاة، والصوم ونحوهما‏.‏
والمركبة منهما، كالحج والعمرة ‏‏ ‏{‏وَاتَّقَى‏}‏ ما نهي عنه، من المحرمات والمعاصي، على اختلاف أجناسها‏.‏
‏{‏وَصَدَّقَ بِالْحُسْنَى‏}‏ أي‏:‏ صدق بـ ‏"‏ لا إله إلا الله ‏"‏ وما دلت عليه، من جميع العقائد الدينية، وما ترتب عليها من الجزاء الأخروي‏.‏
‏{‏فَسَنُيَسِّرُهُ لِلْيُسْرَى‏}‏ أي‏:‏ نسهل عليه أمره، ونجعله ميسرا له كل خير، ميسرًا له ترك كل شر، لأنه أتى بأسباب التيسير، فيسر الله له ذلك‏.‏
{‏وَأَمَّا مَنْ بَخِلَ‏}‏ بما أمر به، فترك الإنفاق الواجب والمستحب، ولم تسمح نفسه بأداء ما وجب لله، ‏{‏وَاسْتَغْنَى‏}‏ عن الله، فترك عبوديته جانبًا، ولم ير نفسه مفتقرة غاية الافتقار إلى ربها، الذي لا نجاة لها ولا فوز ولا فلاح، إلا بأن يكون هو محبوبها ومعبودها، الذي تقصده وتتوجه إليه‏.‏
‏{‏وَكَذَّبَ بِالْحُسْنَى‏}‏ أي‏:‏ بما أوجب الله على العباد التصديق به من العقائد الحسنة‏.‏
‏{‏فَسَنُيَسِّرُهُ لِلْعُسْرَى‏}‏ أي‏:‏ للحالة العسرة، والخصال الذميمة، بأن يكون ميسرًا للشر أينما كان، ومقيضًا له أفعال المعاصي، نسأل الله العافية‏.‏
{‏وَمَا يُغْنِي عَنْهُ مَالُهُ‏}‏ الذي أطغاه واستغنى به، وبخل به إذا هلك ومات، فإنه لا يصحبه إلا عمله الصالح ‏.‏
وأما ماله ‏‏ فإنه يكون وبالًا عليه، إذ لم يقدم منه لآخرته شيئًا‏.‏
{‏إِنَّ عَلَيْنَا لَلْهُدَى‏}‏ أي‏:‏ إن الهدى المستقيم طريقه، يوصل إلى الله، ويدني من رضاه، وأما الضلال، فطرق مسدودة عن الله، لا توصل صاحبها إلا للعذاب الشديد‏.‏
{‏وَإِنَّ لَنَا لَلْآخِرَةَ وَالْأُولَى‏}‏ ملكًا وتصرفًا، ليس له فيهما مشارك، فليرغب الراغبون إليه في الطلب، ولينقطع رجاؤهم عن المخلوقين‏.‏
{‏فَأَنْذَرْتُكُمْ نَارًا تَلَظَّى‏}‏ أي‏:‏ تستعر وتتوقد‏.‏
{‏لَا يَصْلَاهَا إِلَّا الْأَشْقَى الَّذِي كَذَّبَ‏}‏ بالخبر ‏{‏وَتَوَلَّى‏}‏ عن الأمر‏.‏
{‏وَسَيُجَنَّبُهَا الْأَتْقَى الَّذِي يُؤْتِي مَالَهُ يَتَزَكَّى‏}‏ بأن يكون قصده به تزكية نفسه، وتطهيرها من الذنوب والعيوب ، قاصدًا به وجه الله تعالى، فدل هذا على أنه إذا تضمن الإنفاق المستحب ترك واجب، كدين ونفقة ونحوهما، فإنه غير مشروع، بل تكون عطيته مردودة عند كثير من العلماء، لأنه لا يتزكى بفعل مستحب يفوت عليه الواجب‏.‏
{‏وَمَا لِأَحَدٍ عِنْدَهُ مِنْ نِعْمَةٍ تُجْزَى‏}‏ أي‏:‏ ليس لأحد من الخلق على هذا الأتقى نعمة تجزى إلا وقد كافأه بها، وربما بقي له الفضل والمنة على الناس، فتمحض عبدًا لله، لأنه رقيق إحسانه وحده، وأما من بقي عليه نعمة للناس لم يجزها ويكافئها، فإنه لا بد أن يترك للناس، ويفعل لهم ما ينقص ‏‏‏.‏
وهذه الآية، وإن كانت متناولة لأبي بكر الصديق رضي الله عنه، بل قد قيل إنها نزلت في سببه، فإنه ـ رضي الله عنه ـ ما لأحد عنده من نعمة تجزى، حتى ولا رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ إلا نعمة الرسول التي لا يمكن جزاؤها، وهي ‏‏ الدعوة إلى دين الإسلام، وتعليم الهدى ودين الحق، فإن لله ورسوله المنة على كل أحد، منة لا يمكن لها جزاء ولا مقابلة، فإنها متناولة لكل من اتصف بهذا الوصف الفاضل، فلم يبق لأحد عليه من الخلق نعمة تجزى، فبقيت أعماله خالصة لوجه الله تعالى‏.‏ ولهذا قال‏:‏ ‏{‏إِلَّا ابْتِغَاءَ وَجْهِ رَبِّهِ الْأَعْلَى وَلَسَوْفَ يَرْضَى‏}‏ هذا الأتقى بما يعطيه الله من أنواع الكرامات والمثوبات، والحمد لله رب العالمين‏.‏
@@@الجوووري@@@
@@@الجوووري@@@
تفسير سورة والشمس وضحاها

وهي مكية
‏‏ ‏بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ ‏{وَالشَّمْسِ وَضُحَاهَا * وَالْقَمَرِ إِذَا تَلَاهَا * وَالنَّهَارِ إِذَا جَلَّاهَا * وَاللَّيْلِ إِذَا يَغْشَاهَا * وَالسَّمَاءِ وَمَا بَنَاهَا * وَالْأَرْضِ وَمَا طَحَاهَا * وَنَفْسٍ وَمَا سَوَّاهَا * فَأَلْهَمَهَا فُجُورَهَا وَتَقْوَاهَا * قَدْ أَفْلَحَ مَنْ زَكَّاهَا * وَقَدْ خَابَ مَنْ دَسَّاهَا * كَذَّبَتْ ثَمُودُ بِطَغْوَاهَا * إِذِ انْبَعَثَ أَشْقَاهَا * فَقَالَ لَهُمْ رَسُولُ اللَّهِ نَاقَةَ اللَّهِ وَسُقْيَاهَا * فَكَذَّبُوهُ فَعَقَرُوهَا فَدَمْدَمَ عَلَيْهِمْ رَبُّهُمْ بِذَنْبِهِمْ فَسَوَّاهَا * وَلَا يَخَافُ عُقْبَاهَا‏}‏
أقسم تعالى بهذه الآيات العظيمة، على النفس المفلحة، وغيرها من النفوس الفاجرة، فقال‏:‏
‏{‏وَالشَّمْسِ وَضُحَاهَا‏}‏ أي‏:‏ نورها، ونفعها الصادر منها‏.‏
{‏وَالْقَمَرِ إِذَا تَلَاهَا‏}‏ أي‏:‏ تبعها في المنازل والنور‏.‏
{‏وَالنَّهَارِ إِذَا جَلَّاهَا‏}‏ أي‏:‏ جلى ما على وجه الأرض وأوضحه‏.‏
{‏وَاللَّيْلِ إِذَا يَغْشَاهَا‏}‏ أي‏:‏ يغشى وجه الأرض، فيكون ما عليها مظلمًا‏.‏
فتعاقب الظلمة والضياء، والشمس والقمر، على هذا العالم، بانتظام وإتقان، وقيام لمصالح العباد، أكبر دليل على أن الله بكل شيء عليم، وعلى كل شيء قدير، وأنه المعبود وحده، الذي كل معبود سواه فباطل‏.‏
{‏وَالسَّمَاءِ وَمَا بَنَاهَا‏}‏ يحتمل أن ‏"‏ ما ‏"‏ موصولة، فيكون الإقسام بالسماء وبانيها، الذي هو الله تبارك وتعالى، ويحتمل أنها مصدرية، فيكون الإقسام بالسماء وبنيانها، الذي هو غاية ما يقدر من الإحكام والإتقان والإحسان، ونحو ذلك قوله‏:‏ ‏{‏وَالْأَرْضِ وَمَا طَحَاهَا‏}‏ أي‏:‏ مدها ووسعها، فتمكن الخلق حينئذ من الانتفاع بها، بجميع وجوه الانتفاع‏.‏
{‏وَنَفْسٍ وَمَا سَوَّاهَا‏}‏ يحتمل أن المراد نفس سائر المخلوقات الحيوانية، كما يؤيد هذا العموم، ويحتمل أن المراد بالإقسام بنفس الإنسان المكلف، بدليل ما يأتي بعده‏.‏
وعلى كل، فالنفس آية كبيرة من آياته التي حقيقة بالإقسام بها فإنها في غاية اللطف والخفة، سريعة التنقل ‏‏ والتغير والتأثر والانفعالات النفسية، من الهم، والإرادة، والقصد، والحب، والبغض، وهي التي لولاها لكان البدن مجرد تمثال لا فائدة فيه، وتسويتها على هذا الوجه آية من آيات الله العظيمة‏.‏
وقوله‏:‏ ‏{‏قَدْ أَفْلَحَ مَنْ زَكَّاهَا‏}‏ أي‏:‏ طهر نفسه من الذنوب، ونقاها من العيوب، ورقاها بطاعة الله، وعلاها بالعلم النافع والعمل الصالح‏.‏
{‏وَقَدْ خَابَ مَنْ دَسَّاهَا‏}‏ أي‏:‏ أخفى نفسه الكريمة، التي ليست حقيقة بقمعها وإخفائها، بالتدنس بالرذائل، والدنو من العيوب، والاقتراف للذنوب، وترك ما يكملها وينميها، واستعمال ما يشينها ويدسيها‏.‏
{‏كَذَّبَتْ ثَمُودُ بِطَغْوَاهَا‏}‏ أي‏:‏ بسبب طغيانها وترفعها عن الحق، وعتوها على رسل الله
{‏إِذِ انْبَعَثَ أَشْقَاهَا‏}‏ أي‏:‏ أشقى القبيلة، ‏‏ ‏"‏ قدار بن سالف ‏"‏ لعقرها حين اتفقوا على ذلك، وأمروه فأتمر لهم‏.‏
{‏فَقَالَ لَهُمْ رَسُولُ اللَّهِ‏}‏ صالح عليه السلام محذرًا‏:‏ ‏{‏نَاقَةَ اللَّهِ وَسُقْيَاهَا‏}‏ أي‏:‏ احذروا عقر ناقة الله، التي جعلها لكم آية عظيمة، ولا تقابلوا نعمة الله عليكم بسقي لبنها أن تعقروها، فكذبوا نبيهم صالحًا‏.‏
{‏فَعَقَرُوهَا فَدَمْدَمَ عَلَيْهِمْ رَبُّهُمْ بِذَنْبِهِم‏}‏ أي‏:‏ دمر عليهم وعمهم بعقابه، وأرسل عليهم الصيحة من فوقهم، والرجفة من تحتهم، فأصبحوا جاثمين على ركبهم، لا تجد منهم داعيًا ولا مجيبا‏.‏
‏{‏فَسَوَّاهَا‏}‏ عليهم أي‏:‏ سوى بينهم بالعقوبة
{‏وَلَا يَخَافُ عُقْبَاهَا‏}‏ أي‏:‏ تبعتها‏.‏
وكيف يخاف من هو قاهر، لا يخرج عن قهره وتصرفه مخلوق، الحكيم في كل ما قضاه وشرعه‏؟‏ تمت ولله الحمد
@@@الجوووري@@@
@@@الجوووري@@@
تفسير سورة البلد

لا أقسم
بهذا البلد مكية
‏‏ ‏بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ ‏{لَا أُقْسِمُ بِهَذَا الْبَلَدِ * وَأَنْتَ حِلٌّ بِهَذَا الْبَلَدِ * وَوَالِدٍ وَمَا وَلَدَ * لَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنْسَانَ فِي كَبَدٍ * أَيَحْسَبُ أَنْ لَنْ يَقْدِرَ عَلَيْهِ أَحَدٌ * يَقُولُ أَهْلَكْتُ مَالًا لُبَدًا * أَيَحْسَبُ أَنْ لَمْ يَرَهُ أَحَدٌ * أَلَمْ نَجْعَلْ لَهُ عَيْنَيْنِ * وَلِسَانًا وَشَفَتَيْنِ * وَهَدَيْنَاهُ النَّجْدَيْنِ * فَلَا اقْتَحَمَ الْعَقَبَةَ * وَمَا أَدْرَاكَ مَا الْعَقَبَةُ * فَكُّ رَقَبَةٍ * أَوْ إِطْعَامٌ فِي يَوْمٍ ذِي مَسْغَبَةٍ * يَتِيمًا ذَا مَقْرَبَةٍ * أَوْ مِسْكِينًا ذَا مَتْرَبَةٍ * ثُمَّ كَانَ مِنَ الَّذِينَ آمَنُوا وَتَوَاصَوْا بِالصَّبْرِ وَتَوَاصَوْا بِالْمَرْحَمَةِ * أُولَئِكَ أَصْحَابُ الْمَيْمَنَةِ * وَالَّذِينَ كَفَرُوا بِآيَاتِنَا هُمْ أَصْحَابُ الْمَشْأَمَةِ * عَلَيْهِمْ نَارٌ مُؤْصَدَةٌ‏}‏
يقسم تعالى ‏{‏بِهَذَا الْبَلَدِ‏}‏ الأمين، الذي هو مكة المكرمة، أفضل البلدان على الإطلاق، خصوصًا وقت حلول الرسول ـ صلى الله عليه وسلم ـ فيها، ‏{‏وَوَالِدٍ وَمَا وَلَدَ‏}‏ أي‏:‏ آدم وذريته‏.‏
والمقسم عليه قوله‏:‏ ‏{‏لَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنْسَانَ فِي كَبَدٍ‏}‏ يحتمل أن المراد بذلك ما يكابده ويقاسيه من الشدائد في الدنيا، وفي البرزخ، ويوم يقوم الأشهاد، وأنه ينبغي له أن يسعى في عمل يريحه من هذه الشدائد، ويوجب له الفرح والسرور الدائم‏.‏
وإن لم يفعل، فإنه لا يزال يكابد العذاب الشديد أبد الآباد‏.‏
ويحتمل أن المعنى‏:‏ لقد خلقنا الإنسان في أحسن تقويم، وأقوم خلقة، مقدر على التصرف والأعمال الشديدة، ومع ذلك، ‏‏ لم يشكر الله على هذه النعمة ‏‏، بل بطر بالعافية وتجبر على خالقه، فحسب بجهله وظلمه أن هذه الحال ستدوم له، وأن سلطان تصرفه لا ينعزل، ولهذا قال تعالى‏:‏ ‏{‏أَيَحْسَبُ أَنْ لَنْ يَقْدِرَ عَلَيْهِ أَحَدٌ‏}‏ ويطغى ويفتخر بما أنفق من الأموال على شهوات نفسه‏.‏ فـ ‏{‏يَقُولُ أَهْلَكْتُ مَالًا لُبَدًا‏}‏ أي‏:‏ كثيًرا، بعضه فوق بعض‏.‏
وسمى الله تعالى الإنفاق في الشهوات والمعاصي إهلاكًا، لأنه لا ينتفع المنفق بما أنفق، ولا يعود عليه من إنفاقه إلا الندم والخسار والتعب والقلة، لا كمن أنفق في مرضاة الله في سبيل الخير، فإن هذا قد تاجر مع الله، وربح أضعاف أضعاف ما أنفق‏.‏
قال الله متوعدًا هذا الذي يفتخر بما أنفق في الشهوات‏:‏ ‏{‏أَيَحْسَبُ أَنْ لَمْ يَرَهُ أَحَدٌ‏}‏ أي‏:‏ أيحسب في فعله هذا، أن الله لا يراه ويحاسبه على الصغير والكبير‏؟‏
بل قد رآه الله، وحفظ عليه أعماله، ووكل به الكرام الكاتبين، لكل ما عمله من خير وشر‏.‏
ثم قرره بنعمه، فقال‏:‏ ‏{‏أَلَمْ نَجْعَلْ لَهُ عَيْنَيْنِ وَلِسَانًا وَشَفَتَيْنِ‏}‏ للجمال والبصر والنطق، وغير ذلك من المنافع الضرورية فيها، فهذه نعم الدنيا، ثم قال في نعم الدين‏:‏ ‏{‏وَهَدَيْنَاهُ النَّجْدَيْن‏}‏ أي‏:‏ طريقي الخير والشر، بينا له الهدى من الضلال، والرشد من الغي‏.‏
فهذه المنن الجزيلة، تقتضي من العبد أن يقوم بحقوق الله، ويشكر الله على نعمه، وأن لا يستعين بها على معاصيه ، ولكن هذا الإنسان لم يفعل ذلك‏.‏
{‏فَلَا اقْتَحَمَ الْعَقَبَةَ‏}‏ أي‏:‏ لم يقتحمها ويعبر عليها، لأنه متبع لشهواته ‏.‏
وهذه العقبة شديدة عليه، ثم فسر ‏‏ العقبة ‏{‏فَكُّ رَقَبَةٍ‏}‏ أي‏:‏ فكها من الرق، بعتقها أو مساعدتها على أداء كتابتها، ومن باب أولى فكاك الأسير المسلم عند الكفار‏.‏
{‏أَوْ إِطْعَامٌ فِي يَوْمٍ ذِي مَسْغَبَةٍ‏}‏ أي‏:‏ مجاعة شديدة، بأن يطعم وقت الحاجة أشد الناس حاجة‏.‏
{‏يَتِيمًا ذَا مَقْرَبَةٍ‏}‏ أي‏:‏ جامعًا بين كونه يتيمًا، فقيرًا ذا قرابة‏.‏
{‏أَوْ مِسْكِينًا ذَا مَتْرَبَةٍ‏}‏ أي‏:‏ قد لزق بالتراب من الحاجة والضرورة‏.‏
{‏ثُمَّ كَانَ مِنَ الَّذِينَ آمَنُوا‏}‏ أي‏:‏ آمنوا بقلوبهم بما يجب الإيمان به، وعملوا الصالحات بجوارحهم‏.‏ من كل قول وفعل واجب أو مستحب‏.‏ ‏{‏وَتَوَاصَوْا بِالصَّبْرِ‏}‏ على طاعة الله وعن معصيته، وعلى أقدار المؤلمة بأن يحث بعضهم بعضًا على الانقياد لذلك، والإتيان به كاملًا منشرحًا به الصدر، مطمئنة به النفس‏.‏
‏{‏وَتَوَاصَوْا بِالْمَرْحَمَةِ‏}‏ للخلق، من إعطاء محتاجهم، وتعليم جاهلهم، والقيام بما يحتاجون إليه من جميع الوجوه، ومساعدتهم على المصالح الدينية والدنيوية، وأن يحب لهم ما يحب لنفسه، ويكره لهم ما يكره لنفسه، أولئك الذين قاموا بهذه الأوصاف، الذين وفقهم الله لاقتحام هذه العقبة ‏{‏أُولَئِكَ أَصْحَابُ الْمَيْمَنَةِ‏}‏ لأنهم أدوا ما أمر الله به من حقوقه وحقوق عباده، وتركوا ما نهوا عنه، وهذا عنوان السعادة وعلامتها‏.‏ {‏وَالَّذِينَ كَفَرُوا بِآيَاتِنَا‏}‏ بأن نبذوا هذه الأمور وراء ظهورهم، فلم يصدقوا بالله، ‏‏، ولا عملوا صالحًا، ولا رحموا عباد الله، ‏{‏والذين كفروا بآياتنا همْ أَصْحَابُ الْمَشْئَمَة عَلَيْهِمْ نَارٌ مُؤْصَدَةٌ‏}‏ أي‏:‏ مغلقة، في عمد ممددة، قد مدت من ورائها، لئلا تنفتح أبوابها، حتى يكونوا في ضيق وهم وشدة ‏‏‏.‏
@@@الجوووري@@@
@@@الجوووري@@@
تفسير سورة الفجر

وهي مكية
‏‏ ‏بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ ‏{وَالْفَجْرِ * وَلَيَالٍ عَشْرٍ * وَالشَّفْعِ وَالْوَتْرِ * وَاللَّيْلِ إِذَا يَسْرِ * هَلْ فِي ذَلِكَ قَسَمٌ لِذِي حِجْرٍ‏}‏
الظاهر أن المقسم به، هو المقسم عليه، وذلك جائز مستعمل، إذا كان أمرًا ظاهرًا مهمًا، وهو كذلك في هذا الموضع‏.‏
فأقسم تعالى بالفجر، الذي هو آخر الليل ومقدمة النهار، لما في إدبار الليل وإقبال النهار، من الآيات الدالة على كمال قدرة الله تعالى، وأنه وحده المدبر لجميع الأمور، الذي لا تنبغي العبادة إلا له، ويقع في الفجر صلاة فاضلة معظمة، يحسن أن يقسم الله بها، ولهذا أقسم بعده بالليالي العشر، وهي على الصحيح‏:‏ ليالي عشر رمضان، أو ‏‏ ذي الحجة، فإنها ليال مشتملة على أيام فاضلة، ويقع فيها من العبادات والقربات ما لا يقع في غيرها‏.‏
وفي ليالي عشر رمضان ليلة القدر، التي هي خير من ألف شهر، وفي نهارها، صيام آخر رمضان الذي هو ركن من أركان الإسلام‏.‏
وفي أيام عشر ذي الحجة، الوقوف بعرفة، الذي يغفر الله فيه لعباده مغفرة يحزن لها الشيطان، فما رئي الشيطان أحقر ولا أدحر منه في يوم عرفة، لما يرى من تنزل الأملاك والرحمة من الله لعباده، ويقع فيها كثير من أفعال الحج والعمرة، وهذه أشياء معظمة، مستحقة لأن يقسم الله بها‏.‏
{‏وَاللَّيْلِ إِذَا يَسْرِ‏}‏ أي‏:‏ وقت سريانه وإرخائه ظلامه على العباد، فيسكنون ويستريحون ويطمئنون، رحمة منه تعالى وحكمة‏.‏
{‏هَلْ فِي ذَلِكَ‏}‏ المذكور ‏{‏قَسَمٌ لِذِي حِجْرٍ‏}‏ أي‏:‏ ‏‏ عقل‏؟‏ نعم، بعض ذلك يكفي، لمن كان له قلب أو ألقى السمع وهو شهيد‏.‏
‏‏ ‏{‏أَلَمْ تَرَ كَيْفَ فَعَلَ رَبُّكَ بِعَادٍ * إِرَمَ ذَاتِ الْعِمَادِ * الَّتِي لَمْ يُخْلَقْ مِثْلُهَا فِي الْبِلَادِ * وَثَمُودَ الَّذِينَ جَابُوا الصَّخْرَ بِالْوَادِ * وَفِرْعَوْنَ ذِي الْأَوْتَادِ * الَّذِينَ طَغَوْا فِي الْبِلَادِ * فَأَكْثَرُوا فِيهَا الْفَسَادَ * فَصَبَّ عَلَيْهِمْ رَبُّكَ سَوْطَ عَذَابٍ * إِنَّ رَبَّكَ لَبِالْمِرْصَادِ‏}
يقول تعالى‏:‏ ‏{‏أَلَمْ تَرَ‏}‏ بقلبك وبصيرتك كيف فعل بهذه الأمم الطاغية، وهي ‏{‏إِرَمَ‏}‏ القبيلة المعروفة في اليمن ‏{‏ذَاتِ الْعِمَادِ‏}‏ أي‏:‏ القوة الشديدة، والعتو والتجبر‏.‏
{‏الَّتِي لَمْ يُخْلَقْ مِثْلُهَا‏}‏ أي‏:‏ مثل عاد ‏{‏فِي الْبِلَادِ‏}‏ أي‏:‏ في جميع البلدان ‏‏، كما قال لهم نبيهم هود عليه السلام‏:‏ ‏{‏وَاذْكُرُوا إِذْ جَعَلَكُمْ خُلَفَاءَ مِنْ بَعْدِ قَوْمِ نُوحٍ وَزَادَكُمْ فِي الْخَلْقِ بَسْطَةً فَاذْكُرُوا آلَاءَ اللَّهِ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ‏}‏ ‏.‏
{‏وَثَمُودَ الَّذِينَ جَابُوا الصَّخْرَ بِالْوَادِ‏}‏ أي‏:‏ وادي القرى، نحتوا بقوتهم الصخور، فاتخذوها مساكن، ‏{‏وَفِرْعَوْنَ ذِي الْأَوْتَاد‏}‏ أي‏:‏ ‏‏ الجنود الذين ثبتوا ملكه، كما تثبت الأوتاد ما يراد إمساكه بها، ‏{‏الَّذِينَ طَغَوْا فِي الْبِلَادِ‏}‏ هذا الوصف عائد إلى عاد وثمود وفرعون ومن تبعهم، فإنهم طغوا في بلاد الله، وآذوا عباد الله، في دينهم ودنياهم، ولهذا قال‏:‏
{‏فَأَكْثَرُوا فِيهَا الْفَسَادَ‏}‏ وهو العمل بالكفر وشعبه، من جميع أجناس المعاصي، وسعوا في محاربة الرسل وصد الناس عن سبيل الله، فلما بلغوا من العتو ما هو موجب لهلاكهم، أرسل الله عليهم من عذابه ذنوبًا وسوط عذاب، ‏{‏إِنَّ رَبَّكَ لَبِالْمِرْصَادِ‏}‏ لمن عصاه يمهله قليلًا، ثم يأخذه أخذ عزيز مقتدر‏.‏
‏‏ ‏{‏فَأَمَّا الْإِنْسَانُ إِذَا مَا ابْتَلَاهُ رَبُّهُ فَأَكْرَمَهُ وَنَعَّمَهُ فَيَقُولُ رَبِّي أَكْرَمَنِ * وَأَمَّا إِذَا مَا ابْتَلَاهُ فَقَدَرَ عَلَيْهِ رِزْقَهُ فَيَقُولُ رَبِّي أَهَانَنِي * كَلَّا بَل لَا تُكْرِمُونَ الْيَتِيمَ * وَلَا تَحَاضُّونَ عَلَى طَعَامِ الْمِسْكِينِ * وَتَأْكُلُونَ التُّرَاثَ أَكْلًا لَمًّا * وَتُحِبُّونَ الْمَالَ حُبًّا جَمًّا‏}‏
يخبر تعالى عن طبيعة الإنسان من حيث هو، وأنه جاهل ظالم، لا علم له بالعواقب، يظن الحالة التي تقع فيه تستمر ولا تزول، ويظن أن إكرام الله في الدنيا وإنعامه عليه يدل على كرامته عنده وقربه منه، وأنه إذا ‏{‏قدر عَلَيْهِ رِزْقُهُ‏}‏ أي‏:‏ ضيقه، فصار يقدر قوته لا يفضل منه، أن هذا إهانة من الله له، فرد الله عليه هذا الحسبان‏:‏ بقوله ‏{‏كَلَّا‏}‏ أي‏:‏ ليس كل من نعمته في الدنيا فهو كريم علي، ولا كل من قدرت عليه رزقه فهو مهان لدي، وإنما الغنى والفقر، والسعة والضيق، ابتلاء من الله، وامتحان يمتحن به العباد، ليرى من يقوم له بالشكر والصبر، فيثيبه على ذلك الثواب الجزيل، ممن ليس كذلك فينقله إلى العذاب الوبيل‏.‏
وأيضًا، فإن وقوف همة العبد عند مراد نفسه فقط، من ضعف الهمة، ولهذا لامهم الله على عدم اهتمامهم بأحوال الخلق المحتاجين، فقال‏:‏ ‏{‏كَلَّا بَل لَا تُكْرِمُونَ الْيَتِيمَ‏}‏ الذي فقد أباه وكاسبه، واحتاج إلى جبر خاطره والإحسان إليه‏.‏
فأنتم لا تكرمونه بل تهينونه، وهذا يدل على عدم الرحمة في قلوبكم، وعدم الرغبة في الخير‏.‏
{‏وَلَا تَحَاضُّونَ عَلَى طَعَامِ الْمِسْكِين‏}‏ أي‏:‏ لا يحض بعضكم بعضًا على إطعام المحاويج من المساكين والفقراء، وذلك لأجل الشح على الدنيا ومحبتها الشديدة المتمكنة من القلوب، ولهذا قال‏:‏ ‏{‏وَتَأْكُلُونَ التُّرَاثَ‏}‏ أي‏:‏ المال المخلف ‏{‏أَكْلًا لَمًّا‏}‏ أي‏:‏ ذريعًا، لا تبقون على شيء منه‏.‏
{‏وَتُحِبُّونَ الْمَالَ حُبًّا جَمًّا‏}‏ أي‏:‏ كثيرًا شديدًا، وهذا كقوله تعالى‏:‏ ‏{‏بَلْ تُؤْثِرُونَ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا وَالْآخِرَةُ خَيْرٌ وَأَبْقَى‏}‏ ‏{‏كَلَّا بَلْ تُحِبُّونَ الْعَاجِلَةَ وَتَذَرُونَ الْآخِرَةَ‏}‏ ‏.‏
‏‏ ‏{‏كَلَّا إِذَا دُكَّتِ الْأَرْضُ دَكًّا دَكًّا * وَجَاءَ رَبُّكَ وَالْمَلَكُ صَفًّا صَفًّا * وَجِيءَ يَوْمَئِذٍ بِجَهَنَّمَ يَوْمَئِذٍ يَتَذَكَّرُ الْإِنْسَانُ وَأَنَّى لَهُ الذِّكْرَى * يَقُولُ يَا لَيْتَنِي قَدَّمْتُ لِحَيَاتِي * فَيَوْمَئِذٍ لَا يُعَذِّبُ عَذَابَهُ أَحَدٌ * وَلَا يُوثِقُ وَثَاقَهُ أَحَدٌ * يَا أَيَّتُهَا النَّفْسُ الْمُطْمَئِنَّةُ * ارْجِعِي إِلَى رَبِّكِ رَاضِيَةً مَرْضِيَّةً * فَادْخُلِي فِي عِبَادِي * وَادْخُلِي جَنَّتِي‏}
‏{‏كَلَّا‏}‏ أي‏:‏ ليس ‏‏ ما أحببتم من الأموال، وتنافستم فيه من اللذات، بباق لكم، بل أمامكم يوم عظيم، وهول جسيم، تدك فيه الأرض والجبال وما عليها حتى تجعل قاعًا صفصفًا لا عوج فيه ولا أمت‏.‏
ويجيء الله تعالى لفصل القضاء بين عباده في ظلل من الغمام، وتجيء الملائكة الكرام، أهل السماوات كلهم، صفًا صفا أي‏:‏ صفًا بعد صف، كل سماء يجيء ملائكتها صفا، يحيطون بمن دونهم من الخلق، وهذه الصفوف صفوف خضوع وذل للملك الجبار‏.‏
{‏وَجِيءَ يَوْمَئِذٍ بِجَهَنَّمَ‏}‏ تقودها الملائكة بالسلاسل‏.‏
فإذا وقعت هذه الأمور فـ ‏{‏يَوْمَئِذٍ يَتَذَكَّرُ الْإِنْسَانُ‏}‏ ما قدمه من خير وشر‏.‏
{‏وَأَنَّى لَهُ الذِّكْرَى‏}‏ فقد فات أوانها، وذهب زمانها، يقول متحسرًا على ما فرط في جنب الله‏:‏ ‏{‏يَا لَيْتَنِي قَدَّمْتُ لِحَيَاتِي‏}‏ الدائمة الباقية، عملًا صالحًا، كما قال تعالى‏:‏ ‏{‏يَقُولُ يَا لَيْتَنِي اتَّخَذْتُ مَعَ الرَّسُولِ سَبِيلًا يَا وَيْلَتَى لَيْتَنِي لَمْ أَتَّخِذْ فُلَانًا خَلِيلًا‏}‏ ‏.‏
وفي الآية دليل على أن الحياة التي ينبغي السعي في أصلها وكمالها ، وفي تتميم لذاتها، هي الحياة في دار القرار، فإنها دار الخلد والبقاء‏.‏
{‏فَيَوْمَئِذٍ لَا يُعَذِّبُ عَذَابَهُ أَحَدٌ‏}‏ لمن أهمل ذلك اليوم ونسي العمل له‏.‏
{‏وَلَا يُوثِقُ وَثَاقَهُ أَحَدٌ‏}‏ فإنهم يقرنون بسلاسل من نار، ويسحبون على وجوههم في الحميم، ثم في النار يسجرون، فهذا جزاء المجرمين، وأما من اطمأن إلى الله وآمن به وصدق رسله، فيقال له‏:‏ ‏{‏يَا أَيَّتُهَا النَّفْسُ الْمُطْمَئِنَّةُ‏}‏ إلى ذكر الله، الساكنة ‏‏ حبه، التي قرت عينها بالله‏.‏
{‏ارْجِعِي إِلَى رَبِّكِ‏}‏ الذي رباك بنعمته، وأسدى عليك من إحسانه ما صرت به من أوليائه وأحبابه ‏{‏رَاضِيَةً مَرْضِيَّةً‏}‏ أي‏:‏ راضية عن الله، وعن ما أكرمها به من الثواب، والله قد رضي عنها‏.‏ {‏فَادْخُلِي فِي عِبَادِي وَادْخُلِي جَنَّتِي‏}‏ وهذا تخاطب به الروح يوم القيامة، وتخاطب به حال الموت ‏‏‏.‏