للسالكين بياضهم .. همس الرّبيع ..
للسالكين بياضهم .. همس الربيع ..
الربيع أتى ...
فتهيّأت لاستقباله عرائس المروج
بمهرجان الألوان ، وكرنفال الحياة ..
واستنفرت كل حلم عانق النور ...
فتجسّدت روح الربيع ... شلّال بهجة ..!
الربيع أتى ...
فافترشت حمائم السحب البيضاء ... القبة الزرقاء
وباتت تتقلب منعّمة ... في أحضان السماء
تحملها برفق أكفّ الهواء الساري بين حواشي الفضاء ..
تلقى هنا رفيقة تائهة ... فتمضيان سويّاً حيث تجري بهما الأقدار ..
تمتزجان ... تتشكّلان ... غزالاً شارداً... أو بلابل مغرّدة ..
أو جِمالاً تقطع البيدْ ..
أو وجوه صبايا غيد ..!
الربيع أتى ..
فالغبش تمطّى ... وانتفض من إغفاءةٍ لذيذة
واستبهمت أنفاس الضباب الساحر المرائي البعيدة
ونفحت في الجوّ ... رزاذاً ناعماً لايكاد يلامس الروح
حتى يرفضَّ عليها بمثل الندى...
الربيع أتى ...
فانثنت أعطاف الغصون ...
وتكسّر العسجد اللدن ... بين طيات الموج المفتون..
وتصدّرت عروس الربيع الذهبية منصة السماء
مرسلةً جدائل حريريٌة .. بها ميلٌ وانثناء...
فهي رفيقة الشعاع ... غضة الدفء .. مترفة بالألقِ الرقيق
تتكسر أعطافها دلّاً وجمالاً ..
تسفر وتحتجب ..
من بين نوافذ السحب ..
كعذراء ...
تسارق النظر في خفر وحياء ...
الربيع أتى ..
مرسلاً عبيراً من شذى الخلد..
فالروض يتنفس على القلب
بثغر ضاحك ...ومبسمٍ عذب...
وثنايا تفترّ ..
عن أفانين من الزهر
متألّقة ... في موجٍ زاخرٍ من الألوان.
يهتاج له الخيال ...!
فيخال إليه أن مااحتواه ..أكوان مشاعر
الربيع أتى ...
فالحياة من حوله .. نبع جمالٍ ... وروضٍ مخصّب
كلّ شيءٍ يتوهّج فيه رونقه...
ويكتسي من البُرد الملوّنة مايفعم الروح مرآه
فأهاب هذا السحر بالصمت .. أن يلقي السمع
ويصغي ... ويستشف وحي اللغات ..
بين غصن أملود .. وجدول مرقرق ...
وورق يهمس ... وفراشة تحلّق ..
ثم تسرق ...
لثمةً من شفة الزهر ...رحيقاً ...
وهزار ... غادرت الأوكار ..
لتستجمّ على الغصون...
وتطلق تغريدها المفتون...
الربيع أتى ...
فربّ عينٍ وقفت عند ظاهر جماله..
وأنعشتها لطائف أنسامه
ورب نفسٍ استشفت كنه معانيه واجتلت روحه الساربة..
وتغلغلت في خفاياه ..
تلك هي النفس الثاقبة ..
كالضوء يشفّ من كأس البلور ...
تفتتن بظاهر الجمال ... وتمتزج بحقائقه ...
ترى الربيع اثنان ...
حيث تراه النفوس ... واحداً ..
أحدهما تشهده ... والآخر تعيشه ..
تتصالح في أحضان الربيع .. مع الروح ..
يتكاشفان ويجلوان مرآتيهما ... ويتوحّدان ..
فلا يعود للنفس ... سوى جانب واحد ..
يرى الخير حياة الجمال ... ويرى الحياة خيراً جميلاً
فتتألق الروح بنفسها .. وتزهو النفس بروحها ...
لينطلقان في رحلة استكشاف في مجالي البهاء...!
في الربيع ...
بين أرواح الحدائق حيث تلبس الخمائل وشيها
يستيقظ الكائن الروحي المكتنّ فينا
لينبّه معاني الطبيعة في القلب الغافل
فيشرق من حولنا كل شيء ...
وينبض عرق النور في الحياة ..
في الربيع ...
كلٌّ روحٍ عاشقةٍ ..
تحس أنها ارتفعت عن طبيعة الأرض ...
وتماهت في الأطياف والأفياء والخصب ...
واستوعبت كل لغات الكون ..
في الربيع ...
يترجم النسرين ألوانه ...
ويسكب العندليب ألحانه ...
ويطرب البحر .. ويعزف النهر .. وتنشد المورقات
وتزرع القوافي الورد ... فيغني العطر ...
كل شيء في الربيع نغمة تنساب في وجدان الآفاق ..
ولكن ... إن تزيّن الربيع بأبهى حلله
وأسفر للروح الشغوف .. عن وجهه اللطيف ...
ثمّ أغلق منافذ القلب دونه ...
فهل ستشعر الروح دون قلبها مذاق الربيع ...؟!!
قلب يفتقد الربيع ~
أينه الربيع ..؟
عن ذلك الساكن بين الضلوع ..؟
المفعم بالموج .. ؟
المضطرب في بحرٍ بلا ضفتين ..؟
المشوق إلى ألوان ذلك الغائب
ليستحمّ فيها ... وتتماهى فيه .. ؟
فتهدأ منه عواصفه .. وترق فيه حواشيه ..؟!
أينه ؟!
ليهدي إلى بحر القلب زهوره الموشاة ببهيج المعاني ؟
لتتراقص على سطح أمواجه...
وتنطق كل زهرة حرفاً ولوناً وأريجاً..
تغزو به منافيَ الصمت والحلم العصي ..
فتزهو خضرة البوح ..؟
ويوغل في ترانيمه ..؟؟
والكلام الجميل
متألقة دائماً فيض