meme
meme
fatima fatima :
أعزائي .... هذه دعوة لكل واحد منكم .. سجلوا هنا أجمل أبيات الشعر التي مرت عليكم .. وأبدأ بنفسي فأقول : كثيرة تلك الأبيات التي خفق لها قلبي ووجفت لها مشاعري .. ولكني سأحاول بين الفينة والأخرى أن أتحفكم بها : من آخر هذه الأبيات أبيات لشاعر مغربي لا يحضرني اسمه يقول فيها : - قالت وصوت منادي البين قد صدعا * ليت الذي كان من أحلامنا وقعا يا ليت قلبي هذا اليوم طاوعني * أو ليت صبري قبل اليوم قد نفعا إني لغيرك هذا ما رأى أبتي * أما الفؤاد فما ولى وما خدعا إني أحبك ما غنى الحمام هوى * أو حط فوق غصين البان وارتفعا يا مائي الحق يا روحي ويا رَوحي * ويا هوى شب في الأضلاع ما انقشعا ولوحت لي بمنديل مبللة * خيوطه فرط ما نحنا عليه معا
أعزائي .... هذه دعوة لكل واحد منكم .. سجلوا هنا أجمل أبيات الشعر التي مرت عليكم .. وأبدأ بنفسي...
مرحبا فاطمه

هذه قصيده مغناه وكلماتها تعجبني

<IMG SRC="http://www.alshamsi.net/uae/dar_zayed.jpg" border=0>


وهذه قصيده جميله لنزار قباني

تقول حبيبتي اذا ما نموت
ويدرج في الأرض جثماننا
الى أي شيء يصير هوانا
أيبلى كما هي أجسادنا ؟
أيتلف هذا البريق العجيب
كما سوف تتلف أعضاؤنا ؟
اذا كان للحب هذا المصير
فقد ضيعت فيه اوقاتنا
أجبت: ومن قال انّا نموت
وتنأى عن الأرض أشباحنا
ففي غرف الفجر يجري شذانا
وتكمن في الجو أطيابنا
نفيق مع الورد صبحا و عند
العشيّات تقفل أجفاننا
و ان تنفخ الريح طي ّ الشقوق
ففيها صدانا وأصواتنا




<font face="MS Dialog">تم تعديل الموضوع بواسطة meme (بتاريخ 01-01-2001) </font>
fatima
fatima
fatima fatima :
أختي العزيزة .. نينا .. أيتها العذبة عذوبة الفن والإبداع وهو يتغلغل إلى النفس ليحيلها وهجاً وسماء وردية .. أيتها العذبة عذوبة الماء وهو يتغلغل بين الصخور المتحجرة ليحليها ألقاً وخريراً سلسبيلاً .. أختي .. تمر بنا الكثير من المواقف .. منها السار وأكثرها المحزن .. وفجأة نجد أنفسنا في أحداث عصيبة .. وأمرها الفراق .. ولكن ماذا نفعل وقد خطت الأقدار حكمتها في غفلة من نواطير مشاعرنا ؟؟ ماذا نفعل سوى أن نريق هذه الانفعالات وهذه الدموع المكبوتة إلى ألق يسري على الورق .. أخيتي .. مررت بفترة وجدت نفسي فيها ولأول مرة مضطرة لوداع شخص ما عزيز عليّ وهو أخي .. لأول مرة أشعر أن نبضاً في قلبي يريد أن يرحل ويركني بقايا نبضات مهشمة .. ولكني لم أستطع سوى أن أبكي بحرقة بيني وبين وسادتي .. ولم أستطع سوى أن أخط شيئاً من مشاعري أحرفاً على الورق .. ولم أدعها تحت سريري كمصير أكثر ما أكتبه .. لا بل نشرتها للنور وهجاً يقابل وهجاً .. وصرخت في وجه الريح : ألا ذهبي فقلبي سيظل ينبض للأبد حتى لو مات جسدي .. وكتبتها خاطرة .. وكانت أولى خواطري المكتوبة .. وهرعت إلى أخي قبل أن يعتلي صهوة الفراق .. وزججت بها إلى يديه .. لا أعلم ماذا حدث بعد ذلك .. لكن شعوراً ما زاد على مشاعري .. لا أعرف له اسماً .. أخيتي العزيزة .. هيجتني خاطرتك وذكرتني بأيام مريرة .. ولكنها لا تخلو من الجمال والعذوبة والشفافية .. شكراً لك على هذا الابداع .. ودائماً عندما يمس القلب حادث ما فإن القلم يأبى إلا أن يكتب .. هذه دعوة مني لك ولكل الأعضاء للكتابة .. وعدم الاستهانة بالخواطر فوجودها في حياتنا وضمن أوراقنا تدل على أننا بشر .. وأننا نحمل بين جوانحنا قلوباً تنبض .. وأننا لا نتساوى مع الحجارة في شيء .. أشكرك من أعماق قلبي الذي أحبك في الله .. أختك فاطمة
أختي العزيزة .. نينا .. أيتها العذبة عذوبة الفن والإبداع وهو يتغلغل إلى النفس ليحيلها وهجاً...
جمرٌ لن يترمّد
*****************


على جدائل البخار الرمادية المتصاعدة من جسد المكواة ترتسم مدنٌ وشوارع وبشر ..
وعلى فحيحها المحترق تُولد أصوات شتى .. لأشخاص شحنت بهم ذاكرتي يوماً ما ..
ومن بين هذا وذاك تنساب ملامح لامرأة سوداوية تشرد من مهرجان البخار لتتلاشى وهي تصطدم بجدران الغرفة المصقولة .. ولا يبقى منها سوى عينيها .. تنغرزان في كل لبنات الغرفة .. لتحيطاني بهالة من النشيج الدامي ..
أهرب من نظراتها بأن أدفن عينيّ في بياض القميص الممتد بين يديّ ..
- يجب أن تنظرا إلى هنا .. إلى الأسفل .. إلى ظلمة القبر .. وليس إلى الأعلى حيث ضحى الشمس ..
تمتمت بتلك العبارات في محاولة للهرب من حصار حشرجتها المطعونة بالأسى .. وطفقت أرددّها أكثر من مرة وأنا استحضر طعمها المرَّ الذي لسعني عندما مضغتها قبل خمسة عشر عاماً .. وفي كل مرة يعلو صوتي ليعثر بغصة كثيفة تسد حلقي .. فأصمت لتندّ عنها من بين شقوق الغرفة صرخة ملتاعة ..تشق أفقاً من غيوم وبرق ورعد قبل أن تصل إلى قلبي مهشمة الأنحاء فتردية جثة على شفا البكاء ..
أقاوم هذه الشهية العارمة التي تجتاح الآن داخلي وتشق طريقها لتطغى على خارجي .. فأصيح بها :
- اصمتي !!
وعلى صدى صيحتي الذارعة محيط الغرفة تكاثرت عيونها .. فلم تبق مساحة لم تجتاحها ..
أعود لأتابع عملي .. وبخار المكواة يتصاعد ليتبدد بينما أحاول أن أختبئ خلفه .. أطلق يدي بمكواتها شمال الأرض وجنوبها .. شرقها وغربها .. لعلي أتحدُ مغ غيمة عابرة فتطويني في الغيب .. أو لعلي أتبدد في أفقها كما البخار .. أو ربما أجد في بحارها ومحيطاتها ما يستطيع إغراقي فأخنق بذلك رغبة البكاء في جسدي ..
لكنها تأبى تركي وشأني .. فينبعث لحنها شجياً يقطر ألماً :
- انظري
وتشير بطرفي عينيها إلى زاوية توهّج فيها بغتةً نورٌ أبيضٌ يشبه ذلك النور الذي عانق عينيّ على يد القابلة .. ومنعني من إطلاق صرختي الأولى كبقية المواليد ..
فحررت بلا شعور يدي من المكواة .. وذوى جسدي متكوماً بعضه على بعض تحت أفق الجدار .. والتمعت في عينيّ بناتها .. فأحكمت احتوائي لساقيّ المتلاشيتين .. وأبحت رأسي للظلمة .. ولانفتاق الجراح ..
وبنحيب قصير الأمد أخرست كل الخلايا النابضة في جسدي .. ليعلو بعدها صوت تلك الطفلة ذات الخمسة عشر خريفاً .. من بين كومة النور المشعة ..

(2)
عندما ولدت ولم أصرخ .. قالت أمي :
- ابنتي مريضة ..
وأجهشت في البكاء .. بينما هدأت جدتي من روعها .. وقالت :
- لا تجزعي .. هذا طبيعي عند كثير من المواليد ..
واكتفى أبي بأن لجأ إلى زاوية بعيدة وهو يهرش لحيته معلقاً :
- سيكون لها شأنٌ عظيمٌ ومخيفٌ ..
ولم تفارقني بعدها نظرات أبي الفاحصة .
وعندما بدأت يداي تعتادان اللعب بالقلم .. انتدبتني معلمتي من بين كل الطالبات لأكتب لها بعض الحروف على السبورة ..
وأول حرف كان حرف الألف ..
فاحتويت الطبشور بأناملي .. وبثقة لا متناهية كتبت حرف الألف بقامته الممشوقة وعمامته اللذيذة ..
لكن ذلك لم يعجبها فصاحت بي :
- قلت لك اكتبي حرف الألف وليس أمل ..
ثمّ هدرت بأمرٍ آخر انتشلني من حفرة إحباطي ..
- اكتبي حرف الحاء ..
كان حرف الحاء يتعانق مع الباء بطريقة تبعث في نفسي الدهشة وتوقظ كوامن الإعجاب .. فالتفت إليها وما أن فعلت حتى تهشمّت على وجهي صرختها الحادة :
- ما هذا يا حيوانة ..
اذكر أني تهجيت حرف الألف والحاء أكثر من مرة وعيناي مصوبتان على ما كتبت .. وفي كل مرة أكتشف أن ما كتبته صحيح .. ولا ألمس فيها خطأً .. فاقتنعت بصحة ما كتبت ولا زلت ..
وكان ذلك اليوم آخرَ يومٍ لي في المدرسة .. حيث اقتادتني تلك المعلمة وهي تجرني من ضفيرتي الفاحمة لترمي بي عند قدمي أبي .. محتدة :
- ابنتك قليلة أدب .. ولا مكان لها عندنا ..
ولم يفكر أبي في البحث عن مدرسة تأوي قليلات الأدب أمثالي بل قرّرَ أن أظلّ في المنزل .. وأن تُغلق عني كلُّ منافذِ الحلمِ .. وأن تُسدَّ دوني كل شقوق الجدران ..
وازدادت بعدها نظراته الفاحصة ..
ففي المرة الأولى لمحني وأنا أرسم فتاةً تحضنُ قمراً .. فاقتلع فرشاتي من بين يدي ورمى بها نحو الشمس .. بحثت عنها فيما بعد هناك كثيراً لكن لم أعثر لها علىأثر ..
وفي المرة الثانية هشّم قلمي وجعله رميماً أمام ناظري عندما أتيته فرحة بكلمات جديدة كتبتها ..
وفي المرة الثالثة هوى على يدي بكفٍٍّ محترقةٍ منه .. آلمتني ولكنها لم تشلَّ قدرتي على الحلم ..
فتعلّمت في المرات القادمة أن أمارس حياتي بعيداً عن الأنظار ..

(3)
وعندما ازدادت أصابعي طولاً واتسع قلبي وهجاً .. واثمر جسدي وأنا أجتاز عتبة الطفولة بين جدران المنزل المظلمة .. ازدادت عيناي عمقاً .. فتكاثرت أكوام الورق تحت سريري ..
كانت تلك اللحظات التي أقضيها بين كتبي وورقي وألواني أجمل اللحظات في عمري الذي تساقط منه خمسة عشرة غصناً .. كنت أتكوّمُ أسفل سريري في غفلة من نواطيرِ الظلمةِ .. وأبعثرُ روحي على صدر الورق .. ابعثرها دموعاً حائرة .. وضحكاتٍ مكتومةً .. وعيونٍ مرصوفةٍ بالخوف من الغد .. وملغومةٍ بأشباح الماضي ..
تناهي خلال إحدى تلك اللحظات حفيفُ أوراقي إلى مسامع أبي الذي سرعان ما قدم نحوي وهو يضرب الأرض بقدميه مزمجراً .. ويزعق باسمي محتداً .. فيزداد التصاقي بالأرض ويزداد اندفاعي نحوها ..
حاولت كتم أنفاسي المتصاعدة كأفاعٍ تريد التهامي .. ألملم حواف ثوبي وأدسها أسفل جسدي كي لا تسطع في عينيه فينتشلَني من جنتي ويرمي بي إلى الجحيم ..
لكن هيهات .. لم يألُ أبي جهداً في اقتلاعي من تحت السرير .. وقفت خائرة أمامه كقطرة ماء ضاعت ما بين السماء والأرض .. لم أنبس ببنت شفة .. فقد كنت أنتظره أن يهوي على سماء خدي بمشعلٍ من يده .. ولكنّ انتظاري طال .. فتجرأت ورفعت عينيّ نحوه .. كان وجهُه يعربدُ بنيرانِ الغضبِ .. وشفتاه تصطدمان ببعضهما من شدة الغيظ ..
لم يعد عقابك يا أبي يجدي معي .. أنا بنت قليلة الأدب .. اعترف بذلك .. قليلة الأدب لأني لا أرعوي عن ترديد أبجدية الحياة على شفتيِّ ..
لم أتفوه بذلك ولكني غمغمت :
- اذبحني لو شئت يا أبي ..
صاح بكلمات لم أبالِ بفكِّ رموزِها .. وسحبني من يدي إلى غرفةٍ أخرى .. حيث كانَ يقفُ هناكَ رجلٌ لم أره قط من قبل .. دفعني أبي بقسوةٍ نحوَه .. وقال له :
- لا أريد رؤيتها إنها امرأة ستجلب الــ..........
ولم اسمع بقية العبارة حيث كان فكري مشدوهاً إلى هذا الرجل الغريب الذي رماني أبي إلى حضنه ..
هربت من بين سياج أهدابي نظرة إلى عينيه راحت تنقّب فيهما عن فضاءٍ أزرق بلون البحر .. وعن أجنحة بلا أمداء قادرة على احتواء نزقي وحملي إلى النجوم لأنغرس بين تلبداتها نجمةً وارفة النور ..
ولكنها عادت خائبة .. إذ لم تجد سوى مقلتين حجريتين كمقلتي أبي ..
وأرضاً متشقّقةً من الظمأ كوجه أبي ..
ولا شيءَ آخر ..
تراجعت إلى الخلف منتفضة الأوصال .. ولكنّ يدَ أبي كانت أقوى حين انتشل روحي المشتتة من جسدي .. ومن أكوام الورق تحت سريري .. ومن زجاجات الألوان الفارغة .. وألقاها بين يديّ هذا الغريب .. الذي أُمرتُ فيما بعد أن أناديه ( زوجي )
ولم ينسَ أبي أن يقتلع عينيه ويعطيهما إياه هديةَ اقتراننا ..
فلم تفارقني بعدها نظرات أبي الفاحصة ..

(4)
رجوتها أن تختفي من أمامي .. قبل أن يلمحها زوجي .. ولكنها أبت إلا أن تسكنني وتعيش في أحداقي ..
وعندما شمّ زوجي رائحة امرأةٍ غريبة تعيش بيننا ..
بالغ في إغلاق كلّ منافذ الحلم ..
وسدِّ كلَّّ شقوق الجدران ..

تمّت


أنتظر آراءكم ..
فاطمة
وديان
وديان
fatima fatima :
جمرٌ لن يترمّد ***************** على جدائل البخار الرمادية المتصاعدة من جسد المكواة ترتسم مدنٌ وشوارع وبشر .. وعلى فحيحها المحترق تُولد أصوات شتى .. لأشخاص شحنت بهم ذاكرتي يوماً ما .. ومن بين هذا وذاك تنساب ملامح لامرأة سوداوية تشرد من مهرجان البخار لتتلاشى وهي تصطدم بجدران الغرفة المصقولة .. ولا يبقى منها سوى عينيها .. تنغرزان في كل لبنات الغرفة .. لتحيطاني بهالة من النشيج الدامي .. أهرب من نظراتها بأن أدفن عينيّ في بياض القميص الممتد بين يديّ .. - يجب أن تنظرا إلى هنا .. إلى الأسفل .. إلى ظلمة القبر .. وليس إلى الأعلى حيث ضحى الشمس .. تمتمت بتلك العبارات في محاولة للهرب من حصار حشرجتها المطعونة بالأسى .. وطفقت أرددّها أكثر من مرة وأنا استحضر طعمها المرَّ الذي لسعني عندما مضغتها قبل خمسة عشر عاماً .. وفي كل مرة يعلو صوتي ليعثر بغصة كثيفة تسد حلقي .. فأصمت لتندّ عنها من بين شقوق الغرفة صرخة ملتاعة ..تشق أفقاً من غيوم وبرق ورعد قبل أن تصل إلى قلبي مهشمة الأنحاء فتردية جثة على شفا البكاء .. أقاوم هذه الشهية العارمة التي تجتاح الآن داخلي وتشق طريقها لتطغى على خارجي .. فأصيح بها : - اصمتي !! وعلى صدى صيحتي الذارعة محيط الغرفة تكاثرت عيونها .. فلم تبق مساحة لم تجتاحها .. أعود لأتابع عملي .. وبخار المكواة يتصاعد ليتبدد بينما أحاول أن أختبئ خلفه .. أطلق يدي بمكواتها شمال الأرض وجنوبها .. شرقها وغربها .. لعلي أتحدُ مغ غيمة عابرة فتطويني في الغيب .. أو لعلي أتبدد في أفقها كما البخار .. أو ربما أجد في بحارها ومحيطاتها ما يستطيع إغراقي فأخنق بذلك رغبة البكاء في جسدي .. لكنها تأبى تركي وشأني .. فينبعث لحنها شجياً يقطر ألماً : - انظري وتشير بطرفي عينيها إلى زاوية توهّج فيها بغتةً نورٌ أبيضٌ يشبه ذلك النور الذي عانق عينيّ على يد القابلة .. ومنعني من إطلاق صرختي الأولى كبقية المواليد .. فحررت بلا شعور يدي من المكواة .. وذوى جسدي متكوماً بعضه على بعض تحت أفق الجدار .. والتمعت في عينيّ بناتها .. فأحكمت احتوائي لساقيّ المتلاشيتين .. وأبحت رأسي للظلمة .. ولانفتاق الجراح .. وبنحيب قصير الأمد أخرست كل الخلايا النابضة في جسدي .. ليعلو بعدها صوت تلك الطفلة ذات الخمسة عشر خريفاً .. من بين كومة النور المشعة .. (2) عندما ولدت ولم أصرخ .. قالت أمي : - ابنتي مريضة .. وأجهشت في البكاء .. بينما هدأت جدتي من روعها .. وقالت : - لا تجزعي .. هذا طبيعي عند كثير من المواليد .. واكتفى أبي بأن لجأ إلى زاوية بعيدة وهو يهرش لحيته معلقاً : - سيكون لها شأنٌ عظيمٌ ومخيفٌ .. ولم تفارقني بعدها نظرات أبي الفاحصة . وعندما بدأت يداي تعتادان اللعب بالقلم .. انتدبتني معلمتي من بين كل الطالبات لأكتب لها بعض الحروف على السبورة .. وأول حرف كان حرف الألف .. فاحتويت الطبشور بأناملي .. وبثقة لا متناهية كتبت حرف الألف بقامته الممشوقة وعمامته اللذيذة .. لكن ذلك لم يعجبها فصاحت بي : - قلت لك اكتبي حرف الألف وليس أمل .. ثمّ هدرت بأمرٍ آخر انتشلني من حفرة إحباطي .. - اكتبي حرف الحاء .. كان حرف الحاء يتعانق مع الباء بطريقة تبعث في نفسي الدهشة وتوقظ كوامن الإعجاب .. فالتفت إليها وما أن فعلت حتى تهشمّت على وجهي صرختها الحادة : - ما هذا يا حيوانة .. اذكر أني تهجيت حرف الألف والحاء أكثر من مرة وعيناي مصوبتان على ما كتبت .. وفي كل مرة أكتشف أن ما كتبته صحيح .. ولا ألمس فيها خطأً .. فاقتنعت بصحة ما كتبت ولا زلت .. وكان ذلك اليوم آخرَ يومٍ لي في المدرسة .. حيث اقتادتني تلك المعلمة وهي تجرني من ضفيرتي الفاحمة لترمي بي عند قدمي أبي .. محتدة : - ابنتك قليلة أدب .. ولا مكان لها عندنا .. ولم يفكر أبي في البحث عن مدرسة تأوي قليلات الأدب أمثالي بل قرّرَ أن أظلّ في المنزل .. وأن تُغلق عني كلُّ منافذِ الحلمِ .. وأن تُسدَّ دوني كل شقوق الجدران .. وازدادت بعدها نظراته الفاحصة .. ففي المرة الأولى لمحني وأنا أرسم فتاةً تحضنُ قمراً .. فاقتلع فرشاتي من بين يدي ورمى بها نحو الشمس .. بحثت عنها فيما بعد هناك كثيراً لكن لم أعثر لها علىأثر .. وفي المرة الثانية هشّم قلمي وجعله رميماً أمام ناظري عندما أتيته فرحة بكلمات جديدة كتبتها .. وفي المرة الثالثة هوى على يدي بكفٍٍّ محترقةٍ منه .. آلمتني ولكنها لم تشلَّ قدرتي على الحلم .. فتعلّمت في المرات القادمة أن أمارس حياتي بعيداً عن الأنظار .. (3) وعندما ازدادت أصابعي طولاً واتسع قلبي وهجاً .. واثمر جسدي وأنا أجتاز عتبة الطفولة بين جدران المنزل المظلمة .. ازدادت عيناي عمقاً .. فتكاثرت أكوام الورق تحت سريري .. كانت تلك اللحظات التي أقضيها بين كتبي وورقي وألواني أجمل اللحظات في عمري الذي تساقط منه خمسة عشرة غصناً .. كنت أتكوّمُ أسفل سريري في غفلة من نواطيرِ الظلمةِ .. وأبعثرُ روحي على صدر الورق .. ابعثرها دموعاً حائرة .. وضحكاتٍ مكتومةً .. وعيونٍ مرصوفةٍ بالخوف من الغد .. وملغومةٍ بأشباح الماضي .. تناهي خلال إحدى تلك اللحظات حفيفُ أوراقي إلى مسامع أبي الذي سرعان ما قدم نحوي وهو يضرب الأرض بقدميه مزمجراً .. ويزعق باسمي محتداً .. فيزداد التصاقي بالأرض ويزداد اندفاعي نحوها .. حاولت كتم أنفاسي المتصاعدة كأفاعٍ تريد التهامي .. ألملم حواف ثوبي وأدسها أسفل جسدي كي لا تسطع في عينيه فينتشلَني من جنتي ويرمي بي إلى الجحيم .. لكن هيهات .. لم يألُ أبي جهداً في اقتلاعي من تحت السرير .. وقفت خائرة أمامه كقطرة ماء ضاعت ما بين السماء والأرض .. لم أنبس ببنت شفة .. فقد كنت أنتظره أن يهوي على سماء خدي بمشعلٍ من يده .. ولكنّ انتظاري طال .. فتجرأت ورفعت عينيّ نحوه .. كان وجهُه يعربدُ بنيرانِ الغضبِ .. وشفتاه تصطدمان ببعضهما من شدة الغيظ .. لم يعد عقابك يا أبي يجدي معي .. أنا بنت قليلة الأدب .. اعترف بذلك .. قليلة الأدب لأني لا أرعوي عن ترديد أبجدية الحياة على شفتيِّ .. لم أتفوه بذلك ولكني غمغمت : - اذبحني لو شئت يا أبي .. صاح بكلمات لم أبالِ بفكِّ رموزِها .. وسحبني من يدي إلى غرفةٍ أخرى .. حيث كانَ يقفُ هناكَ رجلٌ لم أره قط من قبل .. دفعني أبي بقسوةٍ نحوَه .. وقال له : - لا أريد رؤيتها إنها امرأة ستجلب الــ.......... ولم اسمع بقية العبارة حيث كان فكري مشدوهاً إلى هذا الرجل الغريب الذي رماني أبي إلى حضنه .. هربت من بين سياج أهدابي نظرة إلى عينيه راحت تنقّب فيهما عن فضاءٍ أزرق بلون البحر .. وعن أجنحة بلا أمداء قادرة على احتواء نزقي وحملي إلى النجوم لأنغرس بين تلبداتها نجمةً وارفة النور .. ولكنها عادت خائبة .. إذ لم تجد سوى مقلتين حجريتين كمقلتي أبي .. وأرضاً متشقّقةً من الظمأ كوجه أبي .. ولا شيءَ آخر .. تراجعت إلى الخلف منتفضة الأوصال .. ولكنّ يدَ أبي كانت أقوى حين انتشل روحي المشتتة من جسدي .. ومن أكوام الورق تحت سريري .. ومن زجاجات الألوان الفارغة .. وألقاها بين يديّ هذا الغريب .. الذي أُمرتُ فيما بعد أن أناديه ( زوجي ) ولم ينسَ أبي أن يقتلع عينيه ويعطيهما إياه هديةَ اقتراننا .. فلم تفارقني بعدها نظرات أبي الفاحصة .. (4) رجوتها أن تختفي من أمامي .. قبل أن يلمحها زوجي .. ولكنها أبت إلا أن تسكنني وتعيش في أحداقي .. وعندما شمّ زوجي رائحة امرأةٍ غريبة تعيش بيننا .. بالغ في إغلاق كلّ منافذ الحلم .. وسدِّ كلَّّ شقوق الجدران .. تمّت أنتظر آراءكم .. فاطمة
جمرٌ لن يترمّد ***************** على جدائل البخار الرمادية المتصاعدة من جسد المكواة ترتسم...
هلا بك فاطمه..وكل عام وانتي بخير
قصه جميله.. شدني كل حرف من حروفها
وسلوب رائع..سلمتي
****************
fatima
fatima
fatima fatima :
جمرٌ لن يترمّد ***************** على جدائل البخار الرمادية المتصاعدة من جسد المكواة ترتسم مدنٌ وشوارع وبشر .. وعلى فحيحها المحترق تُولد أصوات شتى .. لأشخاص شحنت بهم ذاكرتي يوماً ما .. ومن بين هذا وذاك تنساب ملامح لامرأة سوداوية تشرد من مهرجان البخار لتتلاشى وهي تصطدم بجدران الغرفة المصقولة .. ولا يبقى منها سوى عينيها .. تنغرزان في كل لبنات الغرفة .. لتحيطاني بهالة من النشيج الدامي .. أهرب من نظراتها بأن أدفن عينيّ في بياض القميص الممتد بين يديّ .. - يجب أن تنظرا إلى هنا .. إلى الأسفل .. إلى ظلمة القبر .. وليس إلى الأعلى حيث ضحى الشمس .. تمتمت بتلك العبارات في محاولة للهرب من حصار حشرجتها المطعونة بالأسى .. وطفقت أرددّها أكثر من مرة وأنا استحضر طعمها المرَّ الذي لسعني عندما مضغتها قبل خمسة عشر عاماً .. وفي كل مرة يعلو صوتي ليعثر بغصة كثيفة تسد حلقي .. فأصمت لتندّ عنها من بين شقوق الغرفة صرخة ملتاعة ..تشق أفقاً من غيوم وبرق ورعد قبل أن تصل إلى قلبي مهشمة الأنحاء فتردية جثة على شفا البكاء .. أقاوم هذه الشهية العارمة التي تجتاح الآن داخلي وتشق طريقها لتطغى على خارجي .. فأصيح بها : - اصمتي !! وعلى صدى صيحتي الذارعة محيط الغرفة تكاثرت عيونها .. فلم تبق مساحة لم تجتاحها .. أعود لأتابع عملي .. وبخار المكواة يتصاعد ليتبدد بينما أحاول أن أختبئ خلفه .. أطلق يدي بمكواتها شمال الأرض وجنوبها .. شرقها وغربها .. لعلي أتحدُ مغ غيمة عابرة فتطويني في الغيب .. أو لعلي أتبدد في أفقها كما البخار .. أو ربما أجد في بحارها ومحيطاتها ما يستطيع إغراقي فأخنق بذلك رغبة البكاء في جسدي .. لكنها تأبى تركي وشأني .. فينبعث لحنها شجياً يقطر ألماً : - انظري وتشير بطرفي عينيها إلى زاوية توهّج فيها بغتةً نورٌ أبيضٌ يشبه ذلك النور الذي عانق عينيّ على يد القابلة .. ومنعني من إطلاق صرختي الأولى كبقية المواليد .. فحررت بلا شعور يدي من المكواة .. وذوى جسدي متكوماً بعضه على بعض تحت أفق الجدار .. والتمعت في عينيّ بناتها .. فأحكمت احتوائي لساقيّ المتلاشيتين .. وأبحت رأسي للظلمة .. ولانفتاق الجراح .. وبنحيب قصير الأمد أخرست كل الخلايا النابضة في جسدي .. ليعلو بعدها صوت تلك الطفلة ذات الخمسة عشر خريفاً .. من بين كومة النور المشعة .. (2) عندما ولدت ولم أصرخ .. قالت أمي : - ابنتي مريضة .. وأجهشت في البكاء .. بينما هدأت جدتي من روعها .. وقالت : - لا تجزعي .. هذا طبيعي عند كثير من المواليد .. واكتفى أبي بأن لجأ إلى زاوية بعيدة وهو يهرش لحيته معلقاً : - سيكون لها شأنٌ عظيمٌ ومخيفٌ .. ولم تفارقني بعدها نظرات أبي الفاحصة . وعندما بدأت يداي تعتادان اللعب بالقلم .. انتدبتني معلمتي من بين كل الطالبات لأكتب لها بعض الحروف على السبورة .. وأول حرف كان حرف الألف .. فاحتويت الطبشور بأناملي .. وبثقة لا متناهية كتبت حرف الألف بقامته الممشوقة وعمامته اللذيذة .. لكن ذلك لم يعجبها فصاحت بي : - قلت لك اكتبي حرف الألف وليس أمل .. ثمّ هدرت بأمرٍ آخر انتشلني من حفرة إحباطي .. - اكتبي حرف الحاء .. كان حرف الحاء يتعانق مع الباء بطريقة تبعث في نفسي الدهشة وتوقظ كوامن الإعجاب .. فالتفت إليها وما أن فعلت حتى تهشمّت على وجهي صرختها الحادة : - ما هذا يا حيوانة .. اذكر أني تهجيت حرف الألف والحاء أكثر من مرة وعيناي مصوبتان على ما كتبت .. وفي كل مرة أكتشف أن ما كتبته صحيح .. ولا ألمس فيها خطأً .. فاقتنعت بصحة ما كتبت ولا زلت .. وكان ذلك اليوم آخرَ يومٍ لي في المدرسة .. حيث اقتادتني تلك المعلمة وهي تجرني من ضفيرتي الفاحمة لترمي بي عند قدمي أبي .. محتدة : - ابنتك قليلة أدب .. ولا مكان لها عندنا .. ولم يفكر أبي في البحث عن مدرسة تأوي قليلات الأدب أمثالي بل قرّرَ أن أظلّ في المنزل .. وأن تُغلق عني كلُّ منافذِ الحلمِ .. وأن تُسدَّ دوني كل شقوق الجدران .. وازدادت بعدها نظراته الفاحصة .. ففي المرة الأولى لمحني وأنا أرسم فتاةً تحضنُ قمراً .. فاقتلع فرشاتي من بين يدي ورمى بها نحو الشمس .. بحثت عنها فيما بعد هناك كثيراً لكن لم أعثر لها علىأثر .. وفي المرة الثانية هشّم قلمي وجعله رميماً أمام ناظري عندما أتيته فرحة بكلمات جديدة كتبتها .. وفي المرة الثالثة هوى على يدي بكفٍٍّ محترقةٍ منه .. آلمتني ولكنها لم تشلَّ قدرتي على الحلم .. فتعلّمت في المرات القادمة أن أمارس حياتي بعيداً عن الأنظار .. (3) وعندما ازدادت أصابعي طولاً واتسع قلبي وهجاً .. واثمر جسدي وأنا أجتاز عتبة الطفولة بين جدران المنزل المظلمة .. ازدادت عيناي عمقاً .. فتكاثرت أكوام الورق تحت سريري .. كانت تلك اللحظات التي أقضيها بين كتبي وورقي وألواني أجمل اللحظات في عمري الذي تساقط منه خمسة عشرة غصناً .. كنت أتكوّمُ أسفل سريري في غفلة من نواطيرِ الظلمةِ .. وأبعثرُ روحي على صدر الورق .. ابعثرها دموعاً حائرة .. وضحكاتٍ مكتومةً .. وعيونٍ مرصوفةٍ بالخوف من الغد .. وملغومةٍ بأشباح الماضي .. تناهي خلال إحدى تلك اللحظات حفيفُ أوراقي إلى مسامع أبي الذي سرعان ما قدم نحوي وهو يضرب الأرض بقدميه مزمجراً .. ويزعق باسمي محتداً .. فيزداد التصاقي بالأرض ويزداد اندفاعي نحوها .. حاولت كتم أنفاسي المتصاعدة كأفاعٍ تريد التهامي .. ألملم حواف ثوبي وأدسها أسفل جسدي كي لا تسطع في عينيه فينتشلَني من جنتي ويرمي بي إلى الجحيم .. لكن هيهات .. لم يألُ أبي جهداً في اقتلاعي من تحت السرير .. وقفت خائرة أمامه كقطرة ماء ضاعت ما بين السماء والأرض .. لم أنبس ببنت شفة .. فقد كنت أنتظره أن يهوي على سماء خدي بمشعلٍ من يده .. ولكنّ انتظاري طال .. فتجرأت ورفعت عينيّ نحوه .. كان وجهُه يعربدُ بنيرانِ الغضبِ .. وشفتاه تصطدمان ببعضهما من شدة الغيظ .. لم يعد عقابك يا أبي يجدي معي .. أنا بنت قليلة الأدب .. اعترف بذلك .. قليلة الأدب لأني لا أرعوي عن ترديد أبجدية الحياة على شفتيِّ .. لم أتفوه بذلك ولكني غمغمت : - اذبحني لو شئت يا أبي .. صاح بكلمات لم أبالِ بفكِّ رموزِها .. وسحبني من يدي إلى غرفةٍ أخرى .. حيث كانَ يقفُ هناكَ رجلٌ لم أره قط من قبل .. دفعني أبي بقسوةٍ نحوَه .. وقال له : - لا أريد رؤيتها إنها امرأة ستجلب الــ.......... ولم اسمع بقية العبارة حيث كان فكري مشدوهاً إلى هذا الرجل الغريب الذي رماني أبي إلى حضنه .. هربت من بين سياج أهدابي نظرة إلى عينيه راحت تنقّب فيهما عن فضاءٍ أزرق بلون البحر .. وعن أجنحة بلا أمداء قادرة على احتواء نزقي وحملي إلى النجوم لأنغرس بين تلبداتها نجمةً وارفة النور .. ولكنها عادت خائبة .. إذ لم تجد سوى مقلتين حجريتين كمقلتي أبي .. وأرضاً متشقّقةً من الظمأ كوجه أبي .. ولا شيءَ آخر .. تراجعت إلى الخلف منتفضة الأوصال .. ولكنّ يدَ أبي كانت أقوى حين انتشل روحي المشتتة من جسدي .. ومن أكوام الورق تحت سريري .. ومن زجاجات الألوان الفارغة .. وألقاها بين يديّ هذا الغريب .. الذي أُمرتُ فيما بعد أن أناديه ( زوجي ) ولم ينسَ أبي أن يقتلع عينيه ويعطيهما إياه هديةَ اقتراننا .. فلم تفارقني بعدها نظرات أبي الفاحصة .. (4) رجوتها أن تختفي من أمامي .. قبل أن يلمحها زوجي .. ولكنها أبت إلا أن تسكنني وتعيش في أحداقي .. وعندما شمّ زوجي رائحة امرأةٍ غريبة تعيش بيننا .. بالغ في إغلاق كلّ منافذ الحلم .. وسدِّ كلَّّ شقوق الجدران .. تمّت أنتظر آراءكم .. فاطمة
جمرٌ لن يترمّد ***************** على جدائل البخار الرمادية المتصاعدة من جسد المكواة ترتسم...
أشكرك يا أختي العزيزة على هذا الإطراء ..

ويسعدني أن تكوني قد استمتعتي بقراءتها ..

وما زلت أنتظر آراء البقية ..
الوائلي.
الوائلي.
fatima fatima :
جمرٌ لن يترمّد ***************** على جدائل البخار الرمادية المتصاعدة من جسد المكواة ترتسم مدنٌ وشوارع وبشر .. وعلى فحيحها المحترق تُولد أصوات شتى .. لأشخاص شحنت بهم ذاكرتي يوماً ما .. ومن بين هذا وذاك تنساب ملامح لامرأة سوداوية تشرد من مهرجان البخار لتتلاشى وهي تصطدم بجدران الغرفة المصقولة .. ولا يبقى منها سوى عينيها .. تنغرزان في كل لبنات الغرفة .. لتحيطاني بهالة من النشيج الدامي .. أهرب من نظراتها بأن أدفن عينيّ في بياض القميص الممتد بين يديّ .. - يجب أن تنظرا إلى هنا .. إلى الأسفل .. إلى ظلمة القبر .. وليس إلى الأعلى حيث ضحى الشمس .. تمتمت بتلك العبارات في محاولة للهرب من حصار حشرجتها المطعونة بالأسى .. وطفقت أرددّها أكثر من مرة وأنا استحضر طعمها المرَّ الذي لسعني عندما مضغتها قبل خمسة عشر عاماً .. وفي كل مرة يعلو صوتي ليعثر بغصة كثيفة تسد حلقي .. فأصمت لتندّ عنها من بين شقوق الغرفة صرخة ملتاعة ..تشق أفقاً من غيوم وبرق ورعد قبل أن تصل إلى قلبي مهشمة الأنحاء فتردية جثة على شفا البكاء .. أقاوم هذه الشهية العارمة التي تجتاح الآن داخلي وتشق طريقها لتطغى على خارجي .. فأصيح بها : - اصمتي !! وعلى صدى صيحتي الذارعة محيط الغرفة تكاثرت عيونها .. فلم تبق مساحة لم تجتاحها .. أعود لأتابع عملي .. وبخار المكواة يتصاعد ليتبدد بينما أحاول أن أختبئ خلفه .. أطلق يدي بمكواتها شمال الأرض وجنوبها .. شرقها وغربها .. لعلي أتحدُ مغ غيمة عابرة فتطويني في الغيب .. أو لعلي أتبدد في أفقها كما البخار .. أو ربما أجد في بحارها ومحيطاتها ما يستطيع إغراقي فأخنق بذلك رغبة البكاء في جسدي .. لكنها تأبى تركي وشأني .. فينبعث لحنها شجياً يقطر ألماً : - انظري وتشير بطرفي عينيها إلى زاوية توهّج فيها بغتةً نورٌ أبيضٌ يشبه ذلك النور الذي عانق عينيّ على يد القابلة .. ومنعني من إطلاق صرختي الأولى كبقية المواليد .. فحررت بلا شعور يدي من المكواة .. وذوى جسدي متكوماً بعضه على بعض تحت أفق الجدار .. والتمعت في عينيّ بناتها .. فأحكمت احتوائي لساقيّ المتلاشيتين .. وأبحت رأسي للظلمة .. ولانفتاق الجراح .. وبنحيب قصير الأمد أخرست كل الخلايا النابضة في جسدي .. ليعلو بعدها صوت تلك الطفلة ذات الخمسة عشر خريفاً .. من بين كومة النور المشعة .. (2) عندما ولدت ولم أصرخ .. قالت أمي : - ابنتي مريضة .. وأجهشت في البكاء .. بينما هدأت جدتي من روعها .. وقالت : - لا تجزعي .. هذا طبيعي عند كثير من المواليد .. واكتفى أبي بأن لجأ إلى زاوية بعيدة وهو يهرش لحيته معلقاً : - سيكون لها شأنٌ عظيمٌ ومخيفٌ .. ولم تفارقني بعدها نظرات أبي الفاحصة . وعندما بدأت يداي تعتادان اللعب بالقلم .. انتدبتني معلمتي من بين كل الطالبات لأكتب لها بعض الحروف على السبورة .. وأول حرف كان حرف الألف .. فاحتويت الطبشور بأناملي .. وبثقة لا متناهية كتبت حرف الألف بقامته الممشوقة وعمامته اللذيذة .. لكن ذلك لم يعجبها فصاحت بي : - قلت لك اكتبي حرف الألف وليس أمل .. ثمّ هدرت بأمرٍ آخر انتشلني من حفرة إحباطي .. - اكتبي حرف الحاء .. كان حرف الحاء يتعانق مع الباء بطريقة تبعث في نفسي الدهشة وتوقظ كوامن الإعجاب .. فالتفت إليها وما أن فعلت حتى تهشمّت على وجهي صرختها الحادة : - ما هذا يا حيوانة .. اذكر أني تهجيت حرف الألف والحاء أكثر من مرة وعيناي مصوبتان على ما كتبت .. وفي كل مرة أكتشف أن ما كتبته صحيح .. ولا ألمس فيها خطأً .. فاقتنعت بصحة ما كتبت ولا زلت .. وكان ذلك اليوم آخرَ يومٍ لي في المدرسة .. حيث اقتادتني تلك المعلمة وهي تجرني من ضفيرتي الفاحمة لترمي بي عند قدمي أبي .. محتدة : - ابنتك قليلة أدب .. ولا مكان لها عندنا .. ولم يفكر أبي في البحث عن مدرسة تأوي قليلات الأدب أمثالي بل قرّرَ أن أظلّ في المنزل .. وأن تُغلق عني كلُّ منافذِ الحلمِ .. وأن تُسدَّ دوني كل شقوق الجدران .. وازدادت بعدها نظراته الفاحصة .. ففي المرة الأولى لمحني وأنا أرسم فتاةً تحضنُ قمراً .. فاقتلع فرشاتي من بين يدي ورمى بها نحو الشمس .. بحثت عنها فيما بعد هناك كثيراً لكن لم أعثر لها علىأثر .. وفي المرة الثانية هشّم قلمي وجعله رميماً أمام ناظري عندما أتيته فرحة بكلمات جديدة كتبتها .. وفي المرة الثالثة هوى على يدي بكفٍٍّ محترقةٍ منه .. آلمتني ولكنها لم تشلَّ قدرتي على الحلم .. فتعلّمت في المرات القادمة أن أمارس حياتي بعيداً عن الأنظار .. (3) وعندما ازدادت أصابعي طولاً واتسع قلبي وهجاً .. واثمر جسدي وأنا أجتاز عتبة الطفولة بين جدران المنزل المظلمة .. ازدادت عيناي عمقاً .. فتكاثرت أكوام الورق تحت سريري .. كانت تلك اللحظات التي أقضيها بين كتبي وورقي وألواني أجمل اللحظات في عمري الذي تساقط منه خمسة عشرة غصناً .. كنت أتكوّمُ أسفل سريري في غفلة من نواطيرِ الظلمةِ .. وأبعثرُ روحي على صدر الورق .. ابعثرها دموعاً حائرة .. وضحكاتٍ مكتومةً .. وعيونٍ مرصوفةٍ بالخوف من الغد .. وملغومةٍ بأشباح الماضي .. تناهي خلال إحدى تلك اللحظات حفيفُ أوراقي إلى مسامع أبي الذي سرعان ما قدم نحوي وهو يضرب الأرض بقدميه مزمجراً .. ويزعق باسمي محتداً .. فيزداد التصاقي بالأرض ويزداد اندفاعي نحوها .. حاولت كتم أنفاسي المتصاعدة كأفاعٍ تريد التهامي .. ألملم حواف ثوبي وأدسها أسفل جسدي كي لا تسطع في عينيه فينتشلَني من جنتي ويرمي بي إلى الجحيم .. لكن هيهات .. لم يألُ أبي جهداً في اقتلاعي من تحت السرير .. وقفت خائرة أمامه كقطرة ماء ضاعت ما بين السماء والأرض .. لم أنبس ببنت شفة .. فقد كنت أنتظره أن يهوي على سماء خدي بمشعلٍ من يده .. ولكنّ انتظاري طال .. فتجرأت ورفعت عينيّ نحوه .. كان وجهُه يعربدُ بنيرانِ الغضبِ .. وشفتاه تصطدمان ببعضهما من شدة الغيظ .. لم يعد عقابك يا أبي يجدي معي .. أنا بنت قليلة الأدب .. اعترف بذلك .. قليلة الأدب لأني لا أرعوي عن ترديد أبجدية الحياة على شفتيِّ .. لم أتفوه بذلك ولكني غمغمت : - اذبحني لو شئت يا أبي .. صاح بكلمات لم أبالِ بفكِّ رموزِها .. وسحبني من يدي إلى غرفةٍ أخرى .. حيث كانَ يقفُ هناكَ رجلٌ لم أره قط من قبل .. دفعني أبي بقسوةٍ نحوَه .. وقال له : - لا أريد رؤيتها إنها امرأة ستجلب الــ.......... ولم اسمع بقية العبارة حيث كان فكري مشدوهاً إلى هذا الرجل الغريب الذي رماني أبي إلى حضنه .. هربت من بين سياج أهدابي نظرة إلى عينيه راحت تنقّب فيهما عن فضاءٍ أزرق بلون البحر .. وعن أجنحة بلا أمداء قادرة على احتواء نزقي وحملي إلى النجوم لأنغرس بين تلبداتها نجمةً وارفة النور .. ولكنها عادت خائبة .. إذ لم تجد سوى مقلتين حجريتين كمقلتي أبي .. وأرضاً متشقّقةً من الظمأ كوجه أبي .. ولا شيءَ آخر .. تراجعت إلى الخلف منتفضة الأوصال .. ولكنّ يدَ أبي كانت أقوى حين انتشل روحي المشتتة من جسدي .. ومن أكوام الورق تحت سريري .. ومن زجاجات الألوان الفارغة .. وألقاها بين يديّ هذا الغريب .. الذي أُمرتُ فيما بعد أن أناديه ( زوجي ) ولم ينسَ أبي أن يقتلع عينيه ويعطيهما إياه هديةَ اقتراننا .. فلم تفارقني بعدها نظرات أبي الفاحصة .. (4) رجوتها أن تختفي من أمامي .. قبل أن يلمحها زوجي .. ولكنها أبت إلا أن تسكنني وتعيش في أحداقي .. وعندما شمّ زوجي رائحة امرأةٍ غريبة تعيش بيننا .. بالغ في إغلاق كلّ منافذ الحلم .. وسدِّ كلَّّ شقوق الجدران .. تمّت أنتظر آراءكم .. فاطمة
جمرٌ لن يترمّد ***************** على جدائل البخار الرمادية المتصاعدة من جسد المكواة ترتسم...
قبل أن أعلق أو أبدي رأياً ، لدي سؤالٌ تردد في خاطري منذ الوهلة الأولى لقراءة القصة :

هل أنت الكاتبة ؟


الوائلي


ولا شيء يدوم فكن حديثاً .... جميل الذكر فالدنيا حديثُ