
:
حينما تدلهم الخطوب ..
وتبلغ الأزمات الذروة ..
وتصل الفتن والابتلاءات أقصى حدّها ..
هنالك تكشف المعادن ، وتختبر الضمائر ، وتظهر حقائق الناس .
فمنهم من تكون الحوادث محك صلابته ، فتظهر حقيقته ، وقوة تحمله ، وجلده ..
ومنهم من تهزمه المصاعب وتضعفه فتظهر حقيقته الهشة ..
:
والأنبياء معدن نادر بين سائر البشر ..
اختارهم الله تعالى من خيرة خلقه ، لحمل تكاليف الرسالة الإلهية ..
وقلّبهم بين الأحداث ، واختبرهم بالمصاعب والابتلاءات ..
ليجلو معدنهم ، ويصقلهم ، وليكونوا قدوة ونبراساً للمؤمنين .
:
إن العظماء أصحاب النفوس العالية ..
يبدون أكثر الناس تمالكاً لنفوسهم ، وأكثرهم جٓلَداً
تجاه الأمور العصيبة التي تعترضهم
وللأنبياء المثل الأعلى ..
:
فالأنبياء هم أعرف الناس بربهم ، وبأن كل مايحل بهم من بلاء
فيه حكمة تخفى عليهم مقاصدها ..
فهم يتقبلوها دون أن يسألوا عن أسبابها ..
فقربهم من الله ، ومعرفتهم به حق المعرفة ، وامتنانهم لاصطفائهم
من دون سائر الناس لحمل أعباء الرسالة ..
يجعلهم على قدر رفيع من قوة الاحتمال والقدرة البشرية
مما لايستطيعه غيرهم من البشر ..
:
والحديث هنا حول الرؤيا التي بدت لإبراهيم كفلق الصبح
وكانت في مضمونها ابتلاءً عظيما له ولولده لم يكن ليحتمله إنسان آخر
فما هي هذه الرؤيا ؟
لقد رأى إبراهيم في منامه أنه يهمّ بناء على أمر الله بذبح ولده اسماعيل ..
فهب من نومه خافق القلب ..
لكنه كان متيقناً أن هذا أمر من الله واضح لالبس فيه ، وأن عليه الطاعة
فقام بنفس مطمئنة إلى الله ليأخذ خطوات تصديق الرؤيا ..
ورأى أن يبلغ ولده اسماعيل أولاً .. ليرى مدى استجابته وتقبله .
:
وفي حديث متبادل بين إبراهيم وإسماعيل ..
نلمس أخلاقيات الحوار ، والهدوء والاتزان في الخطاب .
:
فقد عمد إبراهيم إلى لزوم الوضوح والصدق في مواجهة ولده
بالأمر الرباني مباشرة .. فقال له :
...
( يابني إني أرى في المنام أني أذبحك ..!)
إنه أمر فادحٌ جلل هذا الخبر الذي بلّغه إبراهيم لولده ..
لم ينفذ إبراهيم الأمر قبل أن يعرف به إسماعيل ...
لم يسلبه حقه في الاختيار.. بل عرض الأمر عليه وانتظر ليرى موقفه ..
وهو في ذلك لم يتخل عن الأمر الإلهي ..
لكنه أراد أن يحظى بقبول ولده طواعية وحباً بما أراد الله
وامتثالاً بكامل إرادته لمشيئة الله ..
محتسباً أجره عند الله
لقد رفع إبراهيم بذلك ولده إسماعيل إلى مرتبة آعلى ..!!
:
فماذا كان رد إسماعيل ؟
قال :
...
(ياابت افعل ماتؤمر ..)!
نفذ أمر الله ولا تتردد ياوالدي ..!
وستجدني إن شاء الله من الصابرين
موقف إيمانيٌ عظيم ..بلغ الذروة في اليقين والتوكل ،
وحسن الظن بالله تعالى . ..
موقف لم يكن ليحتمله إلا نبي ..!
:
( فلما أسلما وتله للجبين )
أسمى حالات الإيمان والطاعة هو التسليم لما قضى الله تعالى ..
دون تردد .. دون تراجع .. فالأمر مرجعه الخالق العظيم ،
وهذا يحسم المسألة ، فلا جدال ولا تساؤل عن السبب ، ولا اعتراض !
إنها الثقة المطلقة بالحكمة الإلهية .

إنه اختبار صعب ..!!
وبلاء عظيم ..!!
والأسباب لم تتوضح لدى ابراهيم ..
وإبراهيم لم يراجع ربه ويبحث عن مبررات ..
بل سلم الأمر إلى الله هو وإسماعيل ..
وتقبلا الأمر بالقناعة والرضا وفوضا أمرهما لله ..
وكان أن نجحا في الاختبار الصعب .. نجاحاً باهراً ..!!
بالطاعة المطلقة والامتثال فوراً لأمر الخالق العظيم .
وفديناه بذبح عظيم :
قال تعالى :
(فَلَمَّا أَسْلَمَا وَتَلَّهُ لِلْجَبِينِ ، وَنَادَيْنَاهُ أَن يَا إِبْرَاهِيمُ ، قَدْ صَدَّقْتَ الرُّؤْيَا
ۚ إِنَّا كَذَٰلِكَ نَجْزِي الْمُحْسِنِينَ ،إِنَّ هَٰذَا لَهُوَ الْبَلَاءُ الْمُبِينُ ،
وَفَدَيْنَاهُ بِذِبْحٍ عَظِيمٍ) الصافات.

تعقيب :
قال ابن القيم رحمه الله في الجواب الكافي
ولما سأل ابراهيم عليه السلام الولد فأُعطيه تعلق حبه بقلبه
فامره الله بذبحه وكان الامر في المنام
ليكون تنفيذ المأمور به أعظم ابتلاء وامتحانا
ولم يكن المقصود ذبح الولد
ولكن المقصود ذبحه من قلبه ليخلص القلب للرب
فلما بادر الخليل الى الامتثال
وقدم محبة الله على محبة ولده
حصل المقصود فرفع الذبح وفدى بذبح عظيم.
فان الرب تعالى ما أمر بشيء ثم أبطله رأسا
بل لا بد أن يبقى بعضه أو بدله كما أبقى شريعة الفداء
وكما أبقى استحباب الصدقة عند المناجاة
وكما أبقى الخمس صلوات بعد رفع الخمسين وأبقى ثوابها
وقال لا يبدل القول لدى خمس في الفعل وخمسون في الاجر.
:
أخواتي المؤمنات ..
استبقوا الخيرات ..
وسارعوا إلى مغفرة من الله
وجنة عرضها السماوات والأرض
وإياكم والتواني وحذار من الدعة والكسل
وانتهزوا مابقي من العشر قبل أن تزول ..
وقدموا لأنفسكم خيراً ، تجدوه عند الله خيراً وأعظم أجراً
واستغفروا الله إن الله غفور رحيم .