ضــــــوء
•
فووووووووووووووووق
المشهد العشرون
الصداقة الحقيقية!!
الحب, الوفاء, الثقة المتبادلة هي مقومات الصداقة الحقيقية, و بدونها لا تدوم الصداقة و لا تستمر. وفي رأيي أن الصداقة التي تعتمد على الثقة المتبادلة هي اشد العلاقات ثباتا و صلابة. و لا يتوفر هذا العنصر بين شخصين إلا بالمحاولة الجادة لكل منهما في حفظ اسرار الطرف الاخر, و توفير الدعم النفسي و المادي في اوقات الأزمات, وكما قيل في الأثر "الصديق وقت الضيق", ومن هذا المنطلق تنشأ الثقة التي لا يمكن لأي كان أن يزعزعها أو يشكك فيها.
ومن جانب اخر, إذا نشأت الغيرة, او نشا الحسد بين الصديقين فان ذلك سيوثر سلبا على علاقتهما و ثقتهما ببعضهما البعض وبالتالي ينفصلان. ومن الشروط المهمة لدوام الصداقة, وجود الاهتمامات المشتركة بين الطرفين, و خصوصا في ما يتعلق بالميول الاديولوجية.
* * *
بينما كانت ريما وشهد تتحدثان على الهاتف, قالت شهد لريما:
- لوحتك التي رسمتها رائعة جداً
- لابد انك تجامليني..
- أنا لا أجاملك..ما دامت أثارت إعجاب الأستاذة أريج فلابد أنها أكثر من رائعة!!
ضحكت ريما وهي تقول:
- هكذا إذن... لا ادري إلى أين سيودى بك هذا الإعجاب يا شهد؟
- كفي عن ذلك يا ريما لن نعود مجددا إلى النصائح..
ساد الصمت لبرهة قبل أن تقول ريما:
- أردت أن أسالك اليوم عن السبب الذي دفعك للدخول في مشاجرة مع أبرار.. لم يكن هناك أي داع لذلك؟
- لقد شعرت بالغضب.. فهي تستهزئ بكل شيء يخص الأستاذة أسماء والأستاذة سارة كما إنها أساءت للمعلمة أريج..
- وما شانك أنت؟ هل أنت "المصلحة الاجتماعية" ؟
- وهل أنت أمي؟
- أنا أريد مصلحتك..و ارغب في أن تبتعدي عن الفتيات أمثالها...
قالت شهد بهدوء:
- لم اقصد أن أحتك بها و لكني فقدت أعصابي..
- لا تغضبي ابدآ.. فديننا الحنيف نهى عن الغضب ومقابلة الخطأ بالخطأ..فإذا كانت أبرار مخطئة فلا مبرر لارتكاب خطأ فادح لردعها..كان بإمكانك أن تنصحيها بدلا عن ذلك..
تنهدت شهد وهي تقول:
- لن يتكرر هذا صدقيني..
قالت شهد بعد ان تذكرت شيئا:
- لقد قلقت عليك كثيرا اليوم, لم تكوني متحمسة كما عهدك حين ترسمين..
سكتت ريما لبرهة ثم قالت:
- لقد تحدثت مع والدتي عن رغبتي في الالتحاق بكلية الاقتصاد..ولكنها رفضت..
تنهدت ريما لتزفر الاحباط الذي ملأ صدرها..و عقْبت:
- كنت اشعر بحماس كبير للتخرج من الثانوية, و لكنني الان اتمنى لو اعود عاماً الى الوراء..
- الا يمكنك ان تقنعيها؟
اطلقت ريما ضحكة مقتضبة:
- لو كان في الامكان اقناعها لتمكنت اختي رنا من ذلك و قبلها اختي سامية يرحمها الله..
سألتها ريما لتغير دفة الموضوع:
- هل اتصل والدك؟
أطلقت شهد ضحكة صغيرة وهي تجيب:
- اجل قبل أسبوعين..
- الحمد لله! أردت أن اطمئن على سلامته..
- أشكرك يا عزيزتي...
فكرت شهد بهدوء وحمدت الله على أن منّ عليها بصحبة هذه الصديقة الطيبة التي تفكر بها قبل أن تفكر بنفسها.
كانت ريما من الأشخاص الذين يميلون لمشاركة الناس أحاسيسهم وهمومهم ويحبون الخير للغير أكثر مما يحبونه لأنفسهم.
وفي الحقيقة, شهد تشعر بأنها, بفضل من الله ثم بفضل وجود ريما إلى جانبها, لما صارت تحمل كل هذا التفاؤل باقتراب الفرج وإلتئام شمل عائلتها بوالدها.
ريما كانت ولا تزال تشد من أزرها وتشجعها وتحثها على التفاؤل, الأمر الذي يجعل شهد تتمسك بصديقتها هذه وتثق بها اكثر من اي شخص اخر.
سألتها ريما:
- هل ذهبت إلى المدينة الترفيهية؟
- اجل..و لكن خسارة..تمنيت أن تكوني معنا..
تابعت شهد بحماس:
- لقد جاءت غادة و بنات خالتها..و استمتعنا كثيرا باللعب و التسوق..كانت رحلة ممتعة..
- هل وزعت الكتيبات التي أعطتك الأستاذة سارة؟
- اجل..لا يمكنك أن تتخيلي مدى فرحة الناس بها..البعض دعى لي بالتوفيق و البعض اخذ أكثر من نسخة..
ضحكت ريما وهي تقول بسعادة:
- هذا جيد!!..لقد ظننت العكس, فلو كانت أشرطة محاضرات أو كتباً دينية لتحمس الناس لها و سعدوا بها.. و لكني خشيت أن لا يحرص الناس على كتيبات الأذكار..
تنهدت شهد و قالت بهدوء:
- هذه هي مشكلتنا! نستصغر عمل الخير, ونقلل من أهميته حتى نضحي متقاعسين عن أي عمل..
قالت ريما مفسرة:
- كتيبات الأذكار منتشرة في كل مكان..
- ستتعجبين لو أخبرتك أن بعض المنازل تخلو منها..
ثم تابعت:
- وعلى كل حال, هناك من يحتاج إلى أي عمل تقدمينه. فلا تثبطي همتك بالتقليل من نفسك وفجري كوامن الخير في قلبك و روحك..
فكرت شهد بهدوء, انه يجب أن لا تهتم بحجم العمل الذي تقدمه للناس, بل يجب أن تهتم بقيمته. فمتى كان العمل قيّماً و مستمراً تطور إلى أعمال أخرى أهم و شجع أهل الخير على خوض تجارب أخرى مماثله..
قالت ريما ممازحة:
- كأنني اسمع درساً للأستاذة سارة!
وبختها شهد بحنق:
- لا ادري متى اكف عن محادثتك, فأنت على ما يبدو بلهاء خرقاء..أعان الله والدتك و جبر مصيبتها!!
ضحكت ريما و تابعت الحوار بشغف!!
* * *
الصداقة الحقيقية!!
الحب, الوفاء, الثقة المتبادلة هي مقومات الصداقة الحقيقية, و بدونها لا تدوم الصداقة و لا تستمر. وفي رأيي أن الصداقة التي تعتمد على الثقة المتبادلة هي اشد العلاقات ثباتا و صلابة. و لا يتوفر هذا العنصر بين شخصين إلا بالمحاولة الجادة لكل منهما في حفظ اسرار الطرف الاخر, و توفير الدعم النفسي و المادي في اوقات الأزمات, وكما قيل في الأثر "الصديق وقت الضيق", ومن هذا المنطلق تنشأ الثقة التي لا يمكن لأي كان أن يزعزعها أو يشكك فيها.
ومن جانب اخر, إذا نشأت الغيرة, او نشا الحسد بين الصديقين فان ذلك سيوثر سلبا على علاقتهما و ثقتهما ببعضهما البعض وبالتالي ينفصلان. ومن الشروط المهمة لدوام الصداقة, وجود الاهتمامات المشتركة بين الطرفين, و خصوصا في ما يتعلق بالميول الاديولوجية.
* * *
بينما كانت ريما وشهد تتحدثان على الهاتف, قالت شهد لريما:
- لوحتك التي رسمتها رائعة جداً
- لابد انك تجامليني..
- أنا لا أجاملك..ما دامت أثارت إعجاب الأستاذة أريج فلابد أنها أكثر من رائعة!!
ضحكت ريما وهي تقول:
- هكذا إذن... لا ادري إلى أين سيودى بك هذا الإعجاب يا شهد؟
- كفي عن ذلك يا ريما لن نعود مجددا إلى النصائح..
ساد الصمت لبرهة قبل أن تقول ريما:
- أردت أن أسالك اليوم عن السبب الذي دفعك للدخول في مشاجرة مع أبرار.. لم يكن هناك أي داع لذلك؟
- لقد شعرت بالغضب.. فهي تستهزئ بكل شيء يخص الأستاذة أسماء والأستاذة سارة كما إنها أساءت للمعلمة أريج..
- وما شانك أنت؟ هل أنت "المصلحة الاجتماعية" ؟
- وهل أنت أمي؟
- أنا أريد مصلحتك..و ارغب في أن تبتعدي عن الفتيات أمثالها...
قالت شهد بهدوء:
- لم اقصد أن أحتك بها و لكني فقدت أعصابي..
- لا تغضبي ابدآ.. فديننا الحنيف نهى عن الغضب ومقابلة الخطأ بالخطأ..فإذا كانت أبرار مخطئة فلا مبرر لارتكاب خطأ فادح لردعها..كان بإمكانك أن تنصحيها بدلا عن ذلك..
تنهدت شهد وهي تقول:
- لن يتكرر هذا صدقيني..
قالت شهد بعد ان تذكرت شيئا:
- لقد قلقت عليك كثيرا اليوم, لم تكوني متحمسة كما عهدك حين ترسمين..
سكتت ريما لبرهة ثم قالت:
- لقد تحدثت مع والدتي عن رغبتي في الالتحاق بكلية الاقتصاد..ولكنها رفضت..
تنهدت ريما لتزفر الاحباط الذي ملأ صدرها..و عقْبت:
- كنت اشعر بحماس كبير للتخرج من الثانوية, و لكنني الان اتمنى لو اعود عاماً الى الوراء..
- الا يمكنك ان تقنعيها؟
اطلقت ريما ضحكة مقتضبة:
- لو كان في الامكان اقناعها لتمكنت اختي رنا من ذلك و قبلها اختي سامية يرحمها الله..
سألتها ريما لتغير دفة الموضوع:
- هل اتصل والدك؟
أطلقت شهد ضحكة صغيرة وهي تجيب:
- اجل قبل أسبوعين..
- الحمد لله! أردت أن اطمئن على سلامته..
- أشكرك يا عزيزتي...
فكرت شهد بهدوء وحمدت الله على أن منّ عليها بصحبة هذه الصديقة الطيبة التي تفكر بها قبل أن تفكر بنفسها.
كانت ريما من الأشخاص الذين يميلون لمشاركة الناس أحاسيسهم وهمومهم ويحبون الخير للغير أكثر مما يحبونه لأنفسهم.
وفي الحقيقة, شهد تشعر بأنها, بفضل من الله ثم بفضل وجود ريما إلى جانبها, لما صارت تحمل كل هذا التفاؤل باقتراب الفرج وإلتئام شمل عائلتها بوالدها.
ريما كانت ولا تزال تشد من أزرها وتشجعها وتحثها على التفاؤل, الأمر الذي يجعل شهد تتمسك بصديقتها هذه وتثق بها اكثر من اي شخص اخر.
سألتها ريما:
- هل ذهبت إلى المدينة الترفيهية؟
- اجل..و لكن خسارة..تمنيت أن تكوني معنا..
تابعت شهد بحماس:
- لقد جاءت غادة و بنات خالتها..و استمتعنا كثيرا باللعب و التسوق..كانت رحلة ممتعة..
- هل وزعت الكتيبات التي أعطتك الأستاذة سارة؟
- اجل..لا يمكنك أن تتخيلي مدى فرحة الناس بها..البعض دعى لي بالتوفيق و البعض اخذ أكثر من نسخة..
ضحكت ريما وهي تقول بسعادة:
- هذا جيد!!..لقد ظننت العكس, فلو كانت أشرطة محاضرات أو كتباً دينية لتحمس الناس لها و سعدوا بها.. و لكني خشيت أن لا يحرص الناس على كتيبات الأذكار..
تنهدت شهد و قالت بهدوء:
- هذه هي مشكلتنا! نستصغر عمل الخير, ونقلل من أهميته حتى نضحي متقاعسين عن أي عمل..
قالت ريما مفسرة:
- كتيبات الأذكار منتشرة في كل مكان..
- ستتعجبين لو أخبرتك أن بعض المنازل تخلو منها..
ثم تابعت:
- وعلى كل حال, هناك من يحتاج إلى أي عمل تقدمينه. فلا تثبطي همتك بالتقليل من نفسك وفجري كوامن الخير في قلبك و روحك..
فكرت شهد بهدوء, انه يجب أن لا تهتم بحجم العمل الذي تقدمه للناس, بل يجب أن تهتم بقيمته. فمتى كان العمل قيّماً و مستمراً تطور إلى أعمال أخرى أهم و شجع أهل الخير على خوض تجارب أخرى مماثله..
قالت ريما ممازحة:
- كأنني اسمع درساً للأستاذة سارة!
وبختها شهد بحنق:
- لا ادري متى اكف عن محادثتك, فأنت على ما يبدو بلهاء خرقاء..أعان الله والدتك و جبر مصيبتها!!
ضحكت ريما و تابعت الحوار بشغف!!
* * *
الفصل الثاني
العلاقات البشرية التي فطرنا الله عليها, هي أساس السعادة و من دون هذه العلاقات لا يحس ابن ادم بطعم الحياة, و ينتابه الملل. فمهما كانت علاقته بالآخرين, سلبية كانت أم ايجابية فهو لا يستطيع أن يعيش وحيداً. و من دون هؤلاء البشر لا تكتمل حياته و لا يهنأ له عيش, لأنه يعيش معهم و من اجلهم يعمل و من اجلهم يكدح و لسعادتهم يصارع عقبات الحياة.
في البشر صفات عدة, لا تنتمي الى الخير أو الى الشر بصفة دائمة, بل هي مزيج من الاثنين؛ فلدى كل انسان نازع الى الخير او الى الشر, و لكن قد يغلب عليه احدهما فيوصف به. الا اننا قد نجد بعضهم يتصرف بطريقة سيئة ثم ما يلبث ان يبدر منه تصرف مناقض تماماً؛ و على هذا فلا يجب ان ننسب كمال الخير او كل الشر الى اي شخص.
المشهد الحادي والعشرون
لغز أريج!!
((وصف رسول الله صلى الله عليه وسلم المؤمنين فقال: " مثل المؤمنين في توادهم وتعاطفهم وتراحمهم كمثل الجسد الواحد.. إذا اشتكى منه عضو تداعى له سائر الجسد بالسهر والحمى" رواه البخاري..))
ما اجمل المعاني المتمثلة في هذا الحديث الشريف, والتي تدل على حب المؤمنين لبعضهم البعض و إحساسهم بما يعانيه الآخرين..فما أروعها من أخوة تلك التي يربطها الإيمان...
* * *
بعد عدة أيام كانت سارة و أسماء جالستان في غرفة المعلمات تتناقشان مواضيع متعددة. وبينما كانتا تتبادلان الأحاديث وصل بهما الحوار إلى مناقشة حالة زميلتهن أريج العامة مؤخرا. وقد كانتا قلقتين لعدة أيام لما بدى على وجه أريج من إرهاق وشحوب. وكان لكل منهما وجه نظر مختلفة..
قالت سارة:
- اشعر انها تغيرت كثيرا خلال الاشهر القليلة الماضية..
- هذا صحيح.. لأن ابنتها تكبر, و حين يكبر الطفل, تكبر مسئوليته معه.. و اثناء ذلك تكون المرأة متعبة بعض الشيء و متوترة عاطفياً وصحياً..
- أنا متأكدة بأنها تشكو من مشكلة ما.. الم تلاحظي وجهها.. تبدو شاحبة و مرهقة..
أصرت سارة على أن افتراض أسماء غير صحيح.
قالت اسماء:
- لا اعتقد ذلك..
- على كل, لا يمكننا ان نجزم بأي شيء ما لم تخبرنا أريج بنفسها...
- معك حق...خذي هذا
مدت أسماء يدها بكوب شاي دافئ وسلمته لسارة التي تمتمت شاكرة ثم تابعت أسماء وهي تتناول رشفة من الشاي:
- على كل حال أين هي أريج اليوم؟ لم أرها منذ الصباح..
- لم تكن موجودة بالأمس ايضا.. البارحة اتصلت بها و لكني لم أواصل الاتصال خوفا من إزعاجها..
فجأة اعتدلت سارة في جلستها وهي تقول:
- أوه.. ها هي..
التفتت أسماء لترى أريج مقبلة نحوهما فابتسمت:
- مرحبا! كيف حالك يا اريج؟
جلست أريج وهي تقول:
- بخير.. كيف حالكما؟
وضعت أريج حقيبتها على الطاولة وقالت:
- اشعر بالجوع.. أوه يا ربي!
أمعنت أسماء النظر إلى أريج وسألتها:
- لقد افتقدناك بالامس وظننا انك لم تحضري الى المدرسة اليوم..
- لقد جئت متأخرة هذا الصباح و لم أجدكما بالغرفة ثم ذهبت إلى الصف مباشرة. كنت متعبة بالأمس ولم أتمكن من النوم جيدا فتأخرت اليوم..
- سلامتك يا أم بسمة..
تفحصت سارة وجه صديقتها أريج فلحظت شحوبا بالغاً لا يمكن ان ينسب سببه الى الامومة, فأغلب المعلمات امهات و لكنهن لا يبدين شاحبات او كئيبات كحال أريج.
ربما تكون أسماء على حق في افتراضها في ان أريج مبتدئة في عالم الامومة, و لكن الحزن الذي يغيم على وجه أريج و عينيها يثير الشكوك.
ترى هل هي مريضة؟
احست سارة بالحزن على حالتها و على الصمت المطبق الذي تفرضه على نفسها, و لكن ربما لصمتها هذا سبب منطقي. فأريج إمراة ملتزمة تعرف أن ما يصيبها هو ابتلاء من الله و لذلك فهي نادرا ما تشتكي.
اكثر ما يعجب سارة بصديقتها الغالية أريج هو التزامها و هدوءها و حسن اخلاقها, فلم يسبق ان سمعت منها كلمة مؤذية او ساخرة, كما لم يسبق و ان سمعتها تغتاب احداً, و لم تسمعها يوماً تشتكي من احد.
ابتسامتها التي تزين وجهها كل صباح, توهم الناظر اليها بأنها اسعد مخلوقة في الحياة, و لكنها حين تخلو بنفسها وتعكف على اوراقها و رسوماتها, و تظن ان لا احد يراها او يراقبها, تتيح لنفسها و لعينيها حرية الالم.
و ربما لدموعها حرية الانسياب.
ترى ما الذي يجري في عالمك يا أريج؟
قالت سارة:
- كيف حال الطفلة؟ فقد اشتقنا لرؤيتها..
ضحكت أسماء وقالت:
- لو استطعت أن أكون أما لما تمنيت طفلة أجمل أو أروع منها..
أسرعت سارة تقول :
- ستنجبين طفلة جميلة مثلك بإذن الله..
- ماذا عنك أنت يا سارة؟
- أظن أنني أريد الانتظار قليلاً..
- لا أنصحك بهذا..
قالت أريج ذلك و هي تغادر الغرفة, وتتوجه إلى الفناء.
نظرت إليها أسماء لحظة قبل أن تقول:
- هذا القرار لك ولزوجك يا سارة..لا تنسي هذا..إياك أن تتخذي أي قرار بشان تحديد الإنجاب بدون إذنه..
أرخت سارة رأسها شاعرة بالذنب فقد كانت فعلا تفعل ذلك ولكنها ظنت بأن وليد لن يمانع..وهي لم تستشره بالموضوع أبدا لأنه لم يخطر ببالها انه قد يمانع..
و ربما هي لم تفكر فيه أصلا, ظنا منها أن لا شأن له بهذا الأمر..
كيف يمكنها أن تكون بهذا الغباء؟ لماذا ظنت انه لا شأن له؟ أو كيف فكرت و اتخذت قراراها من دون استشارته؟
كيف يمكنها أن تتحدث معه بالأمر؟..إنها تخجل من ذلك!
سألتها أسماء لتبدد التوتر:
- أظن أن زوجك سيزوركم في نهاية هذا الأسبوع...أليس كذلك؟
هزت سارة رأسها وذهنها يفكر في في مشكلة اكبر!
* * *
العلاقات البشرية التي فطرنا الله عليها, هي أساس السعادة و من دون هذه العلاقات لا يحس ابن ادم بطعم الحياة, و ينتابه الملل. فمهما كانت علاقته بالآخرين, سلبية كانت أم ايجابية فهو لا يستطيع أن يعيش وحيداً. و من دون هؤلاء البشر لا تكتمل حياته و لا يهنأ له عيش, لأنه يعيش معهم و من اجلهم يعمل و من اجلهم يكدح و لسعادتهم يصارع عقبات الحياة.
في البشر صفات عدة, لا تنتمي الى الخير أو الى الشر بصفة دائمة, بل هي مزيج من الاثنين؛ فلدى كل انسان نازع الى الخير او الى الشر, و لكن قد يغلب عليه احدهما فيوصف به. الا اننا قد نجد بعضهم يتصرف بطريقة سيئة ثم ما يلبث ان يبدر منه تصرف مناقض تماماً؛ و على هذا فلا يجب ان ننسب كمال الخير او كل الشر الى اي شخص.
المشهد الحادي والعشرون
لغز أريج!!
((وصف رسول الله صلى الله عليه وسلم المؤمنين فقال: " مثل المؤمنين في توادهم وتعاطفهم وتراحمهم كمثل الجسد الواحد.. إذا اشتكى منه عضو تداعى له سائر الجسد بالسهر والحمى" رواه البخاري..))
ما اجمل المعاني المتمثلة في هذا الحديث الشريف, والتي تدل على حب المؤمنين لبعضهم البعض و إحساسهم بما يعانيه الآخرين..فما أروعها من أخوة تلك التي يربطها الإيمان...
* * *
بعد عدة أيام كانت سارة و أسماء جالستان في غرفة المعلمات تتناقشان مواضيع متعددة. وبينما كانتا تتبادلان الأحاديث وصل بهما الحوار إلى مناقشة حالة زميلتهن أريج العامة مؤخرا. وقد كانتا قلقتين لعدة أيام لما بدى على وجه أريج من إرهاق وشحوب. وكان لكل منهما وجه نظر مختلفة..
قالت سارة:
- اشعر انها تغيرت كثيرا خلال الاشهر القليلة الماضية..
- هذا صحيح.. لأن ابنتها تكبر, و حين يكبر الطفل, تكبر مسئوليته معه.. و اثناء ذلك تكون المرأة متعبة بعض الشيء و متوترة عاطفياً وصحياً..
- أنا متأكدة بأنها تشكو من مشكلة ما.. الم تلاحظي وجهها.. تبدو شاحبة و مرهقة..
أصرت سارة على أن افتراض أسماء غير صحيح.
قالت اسماء:
- لا اعتقد ذلك..
- على كل, لا يمكننا ان نجزم بأي شيء ما لم تخبرنا أريج بنفسها...
- معك حق...خذي هذا
مدت أسماء يدها بكوب شاي دافئ وسلمته لسارة التي تمتمت شاكرة ثم تابعت أسماء وهي تتناول رشفة من الشاي:
- على كل حال أين هي أريج اليوم؟ لم أرها منذ الصباح..
- لم تكن موجودة بالأمس ايضا.. البارحة اتصلت بها و لكني لم أواصل الاتصال خوفا من إزعاجها..
فجأة اعتدلت سارة في جلستها وهي تقول:
- أوه.. ها هي..
التفتت أسماء لترى أريج مقبلة نحوهما فابتسمت:
- مرحبا! كيف حالك يا اريج؟
جلست أريج وهي تقول:
- بخير.. كيف حالكما؟
وضعت أريج حقيبتها على الطاولة وقالت:
- اشعر بالجوع.. أوه يا ربي!
أمعنت أسماء النظر إلى أريج وسألتها:
- لقد افتقدناك بالامس وظننا انك لم تحضري الى المدرسة اليوم..
- لقد جئت متأخرة هذا الصباح و لم أجدكما بالغرفة ثم ذهبت إلى الصف مباشرة. كنت متعبة بالأمس ولم أتمكن من النوم جيدا فتأخرت اليوم..
- سلامتك يا أم بسمة..
تفحصت سارة وجه صديقتها أريج فلحظت شحوبا بالغاً لا يمكن ان ينسب سببه الى الامومة, فأغلب المعلمات امهات و لكنهن لا يبدين شاحبات او كئيبات كحال أريج.
ربما تكون أسماء على حق في افتراضها في ان أريج مبتدئة في عالم الامومة, و لكن الحزن الذي يغيم على وجه أريج و عينيها يثير الشكوك.
ترى هل هي مريضة؟
احست سارة بالحزن على حالتها و على الصمت المطبق الذي تفرضه على نفسها, و لكن ربما لصمتها هذا سبب منطقي. فأريج إمراة ملتزمة تعرف أن ما يصيبها هو ابتلاء من الله و لذلك فهي نادرا ما تشتكي.
اكثر ما يعجب سارة بصديقتها الغالية أريج هو التزامها و هدوءها و حسن اخلاقها, فلم يسبق ان سمعت منها كلمة مؤذية او ساخرة, كما لم يسبق و ان سمعتها تغتاب احداً, و لم تسمعها يوماً تشتكي من احد.
ابتسامتها التي تزين وجهها كل صباح, توهم الناظر اليها بأنها اسعد مخلوقة في الحياة, و لكنها حين تخلو بنفسها وتعكف على اوراقها و رسوماتها, و تظن ان لا احد يراها او يراقبها, تتيح لنفسها و لعينيها حرية الالم.
و ربما لدموعها حرية الانسياب.
ترى ما الذي يجري في عالمك يا أريج؟
قالت سارة:
- كيف حال الطفلة؟ فقد اشتقنا لرؤيتها..
ضحكت أسماء وقالت:
- لو استطعت أن أكون أما لما تمنيت طفلة أجمل أو أروع منها..
أسرعت سارة تقول :
- ستنجبين طفلة جميلة مثلك بإذن الله..
- ماذا عنك أنت يا سارة؟
- أظن أنني أريد الانتظار قليلاً..
- لا أنصحك بهذا..
قالت أريج ذلك و هي تغادر الغرفة, وتتوجه إلى الفناء.
نظرت إليها أسماء لحظة قبل أن تقول:
- هذا القرار لك ولزوجك يا سارة..لا تنسي هذا..إياك أن تتخذي أي قرار بشان تحديد الإنجاب بدون إذنه..
أرخت سارة رأسها شاعرة بالذنب فقد كانت فعلا تفعل ذلك ولكنها ظنت بأن وليد لن يمانع..وهي لم تستشره بالموضوع أبدا لأنه لم يخطر ببالها انه قد يمانع..
و ربما هي لم تفكر فيه أصلا, ظنا منها أن لا شأن له بهذا الأمر..
كيف يمكنها أن تكون بهذا الغباء؟ لماذا ظنت انه لا شأن له؟ أو كيف فكرت و اتخذت قراراها من دون استشارته؟
كيف يمكنها أن تتحدث معه بالأمر؟..إنها تخجل من ذلك!
سألتها أسماء لتبدد التوتر:
- أظن أن زوجك سيزوركم في نهاية هذا الأسبوع...أليس كذلك؟
هزت سارة رأسها وذهنها يفكر في في مشكلة اكبر!
* * *
المشهد الثاني والعشرون
الإعجاب و الحب في الله
(( حسب المتحابين و المتحابات في الله شرفاً و عزة و رفعة و تكريما أن رب العزة يحفل بهم يوم القيامة فينادي: أين المتحابون بجلالي؟ اليوم أظلهم في ظلي يوم لا ظل إلا ظلي... د. محمد الهاشمي))
* * *
في حوالي الساعة الثانية عشرة والنصف خرجت سارة من غرفة المعلمات وتوجهت إلى الفناء الخارجي لتجلس بجانب البوابة الخارجية. كان عليها أن تتأخر اليوم وتنتبه للطالبات حتى خروج آخر طالبة من المدرسة فاليوم هو يوم المناوبة الخاصة بها. لذلك اتصلت بوالدتها وأخبرتها بأن على ياسر أن ينتظر حتى تتصل به.
- قولي له أن لا يأتي إلى المدرسة حتى اتصل به.
- لماذا لم تتصلي به على هاتفه؟
- جهازه المحمول مغلق.. وددت لو تتصلين به في المكتب
- حسن سأفعل
جلست سارة على احد المقاعد الخشبية و وضعت جهازها المحمول في حقيبتها. وعندما التفتت حولها لمحت شهد تتقدم نحوها.
- مرحبا سارة
قالت لها سارة بنبرة منخفضة:
- كم مرة علي أن انبهك بان لا تناديني باسمي المجرد في المدرسة؟
- اطمئني الجميع يعلم بأنك قريبتي وزوجة أخي
رمقتها سارة بنظرة معاتبة فضحكت شهد وهي تجلس و تقول:
- لقد اشتقنا إليك..لم تزورينا منذ ثلاثة أسابيع..زارتنا خالتي قبل يومين ولم تأتي معها..لماذا؟
- إنني منشغلة بعملي كما تعلمين..
- وهل سيشغلك عملك عن وليد؟؟ ...لو.. جاء نهاية هذا الأسبوع؟
كانت شهد تظن بان سارة لا تعلم بان وليد ينوي زيارة الرياض خلال عطلة نهاية الأسبوع.
- وهذا ما يجعلني منشغلة بعملي..فانا أحاول إنهاء أشغالي قبل مجيئه..
قال شهد:
- أخبرك إذن؟ ظننت انه يريد أن يجعلها مفاجأة..
قالت سارة لشهد لتدير دفة الحوار:
- سمعت عن شجارك مع أبرار..
نظرت إليها شهد باندهاش:
- هل وصل الخبر إليك بهذه السرعة؟ هل علمت الأستاذة أريج بهذا الأمر؟
منحتها سارة نظرة عتاب:
- خجلة مما فعلت, أليس كذلك؟
زمت شهد شفتيها بأسف, وتابعت سارة بقولها:
- الا يكفي ما حدث بينكما قبل عدة سنوات؟
- لم اندم يوما على ما حدث بيني و بينها في الماضي..
قالت سارة:
- حسنا..و الشجار الأخير ما سببه؟ فلنتغاضى الشجار و لنركز على السبب..
تورد خدا شهد:
- انه مجرد شجار!! لا شيء مهم!!
- الاستاذة أريج..هي السبب..أليس كذلك؟ ألن تتخلصي من هذا الإعجاب؟ هل تعلمين أن هذا خطا كبير؟
اعترضت شهد بقولها:
- لم افعل ذلك بسبب إعجابي بالأستاذة ولكن..
قاطعتها سارة باستغراب:
- وتعترفين بهذا الإعجاب وبكل صراحة..
احمرت وجنتا شهد وهي تخفض صوتها:
- الأستاذة أريج..طيبة والكل يحبها..و أنا أحبها كما يحبها الجميع.. ألا تحبينها أنت؟
أجابت سارة:
- أنا أحبها بالطبع.. ولكن أحبها كأخت غالية إلى قلبي..أحبها حب خالص لوجه الله
- و أنا كذلك
منحتها سارة نظرة صامته قبل أن تقول برصانة:
- هذا صحيح.. ولكن لا يصح لك أن تنجرفي بمشاعرك إلى تلك الدرجة من الغلو في حبها دون غيرها..فلو كان حبك لها سببه طيبتها ورقة قلبها لكان حرياً بك أن تحبي ثلث معلمات المدرسة ولكنك تخصينها بالإعجاب وتبالغين في ذلك..
تنهدت شهد وهي تقول:
- الأستاذة أريج تقول لي هذا أيضا..
ردت سارة بقولها:
- الأستاذة أريج معها حق..فهذا الإعجاب الذي تكنينه لها أمر مذموم وهو باعتقادي لا يليق بمسلمة..
قالت شهد محتجة:
- لماذا يبالغ الجميع في هذا الأمر؟ لماذا تفسرونه بطريقة سيئة؟
أجابت سارة بهدوء:
- لأنه يجر إلى المعصية..والانشغال عن الطاعة فأنت تفكرين دوماً بها و تجتهدين في دروسك من أجلها وهذا خطأ..
تنهدت شهد و تململت في مكانها, فاستدارت سارة و أستخرجت من حقيبتها كتاباً وقدمته إليها.
- خذي هذا الكتاب وافتحي الصفحة السابعة...كنت انوي أن أهديك هذا الكتاب في نهاية الأسبوع ولكن بما انك الآن معي..فهو لك الآن
فتحت شهد الكتاب على الصفحة المطلوبة و قرأت بهدوء:
- (وَمِنَ النَّاسِ مَن يَتَّخِذُ مِن دُونِ اللّهِ أَندَاداً يُحِبُّونَهُمْ كَحُبِّ اللّهِ وَالَّذِينَ آمَنُواْ أَشَدُّ حُبّاً لِّلّه) الآية..ِ
رفعت شهد رأسها فقالت سارة:
- و الآن افتحي الصفحة رقم عشرة.
فتحت شهد الصفحة المطلوبة و قرأت:
- قال صلى الله عليه وسلم ( ثلاث من كنّ فيه وجد حلاوة الإيمان: أن يكون الله ورسوله أحب إليه مما سواهما، وأن يحب المرء لا يحبه إلا لله، وأن يكره أن يعود إلى الكفر كما يكره أن يُقذف في النار ) متفق عليه.
- لا أظنك تريدين أن تكون الأستاذة أريج أحب إليك من رسول الله..؟؟
هزت شهد رأسها وقالت:
- كلا.. لا أحب أن تكون أحب إلي من رسول الله..
ربتت سارة على كتف شهد و ابتسمت لها بعطف.
رن هاتف سارة المحمول فقالت:
- ها قد جاء ياسر, اتريدين ان نقلك الى منزلك؟
نظرت شهد الى ساعتها ثم قالت:
- لا بأس, أظن أحمد سيتأخر اليوم..
خرجت شهد مع سارة والخجل يغطي وجنتيها بحمرة واضحة. ياسر يكبرها بأربع سنوات و قد مضى وقت طويل منذ ان لعبت معه اخر مرة هو واخوها احمد.
نظرت اليها سارة و شعرت بترددها:
- ما الامر يا شهد؟
لم تجب شهد فابتسمت سارة بينها وبين نفسها, فهي تعلم مقدار الاحراج الذي تمر به شهد الان, فقد مرت سارة بمواقف عديدة مماثلة عندما كانت في سن شهد.
الفتيات في مثل سنها يخجلن من مثل هذه المواقف و بعضهن قد تفسر اي حركة تصدر امامها و كأنها موجهة اليها, بينما في الواقع, يكون الشاب غافلاً لا يدري اصلاً عن وجودها و ربما لا يعرف من تكون هي.
ومن الطبيعي, ان تنتاب الفتيات مشاعر خيالية في مواقف كهذه لأنهن الاكثر "رومانسية" و عاطفية, و لأن أحلام الحب و الزواج تداعب مخيلتهن بشكل دائم, لذا فيلاحظ اهتمام الفتاة بمثل هذه المواقف فتجدها تحفظ كل تفاصيل تلك المغامرة, حتى ولو مرت بمثلها مرات و مرات, و ربما تقوم الفتاة بكتابة خاطرة عن ذلك المشهد العاطفي, كما صورة لها ذهنها البريء, و ربما يزيد الامر بأن تحكي الموقف لصديقاتها, و سط تنهدات وآهات لا متناهية, و فضول يطلب المزيد, مهما كانت مصداقيته. وربما تضطر الراوية الحالمة الى زيادة الموقف اثارة بوصف نظرات اعجاب خجلى استرقها نحوها ذلك المغلوب على امره و الذي اعجب بها.
و عموما الفتاة العاطفية معرضة للكثير من هذه المواقف المحرجة, و هذا امر طبيعي و غريزي, و لكن يجب على الفتاة ان تكون مدركة لحقيقة المشاعر التي تسكن قلبها فتكون على وعي تام بكيفية السيطرة على خيالها الخصب و على عواطفها الجياشة, ومن المهم ان تدرك كيف تكبحها و توجهها التوجية السليم.
كانت السيارة تفوح برائحة عطر رجالي, ذكّرها بأحد عطور احمد, ولكنها رائحة جميلة تدغدغ المشاعر.
وبخت شهد نفسها, ما هذه الافكار الغريبة؟
كانت قبل لحظات تستمع الى درس عن الاعجاب بمعلمتها و التي كانت انثى مثلها, ولكنها الان تكاد تعجب بأبن خالتها.
تنهدت بصمت, وحاولت ان تركز على الطريق.
قالت لها سارة فجأة:
- سأترجل من السيارة و ادخل معك الى البيت لأني أريد ان أسلم على خالتي..
لم تعلق شهد على جملتها, و فكرت سارة بسرور بأن هذا ما تحبه سارة في شهد؛ حياؤها و أدبها.
* * *
الإعجاب و الحب في الله
(( حسب المتحابين و المتحابات في الله شرفاً و عزة و رفعة و تكريما أن رب العزة يحفل بهم يوم القيامة فينادي: أين المتحابون بجلالي؟ اليوم أظلهم في ظلي يوم لا ظل إلا ظلي... د. محمد الهاشمي))
* * *
في حوالي الساعة الثانية عشرة والنصف خرجت سارة من غرفة المعلمات وتوجهت إلى الفناء الخارجي لتجلس بجانب البوابة الخارجية. كان عليها أن تتأخر اليوم وتنتبه للطالبات حتى خروج آخر طالبة من المدرسة فاليوم هو يوم المناوبة الخاصة بها. لذلك اتصلت بوالدتها وأخبرتها بأن على ياسر أن ينتظر حتى تتصل به.
- قولي له أن لا يأتي إلى المدرسة حتى اتصل به.
- لماذا لم تتصلي به على هاتفه؟
- جهازه المحمول مغلق.. وددت لو تتصلين به في المكتب
- حسن سأفعل
جلست سارة على احد المقاعد الخشبية و وضعت جهازها المحمول في حقيبتها. وعندما التفتت حولها لمحت شهد تتقدم نحوها.
- مرحبا سارة
قالت لها سارة بنبرة منخفضة:
- كم مرة علي أن انبهك بان لا تناديني باسمي المجرد في المدرسة؟
- اطمئني الجميع يعلم بأنك قريبتي وزوجة أخي
رمقتها سارة بنظرة معاتبة فضحكت شهد وهي تجلس و تقول:
- لقد اشتقنا إليك..لم تزورينا منذ ثلاثة أسابيع..زارتنا خالتي قبل يومين ولم تأتي معها..لماذا؟
- إنني منشغلة بعملي كما تعلمين..
- وهل سيشغلك عملك عن وليد؟؟ ...لو.. جاء نهاية هذا الأسبوع؟
كانت شهد تظن بان سارة لا تعلم بان وليد ينوي زيارة الرياض خلال عطلة نهاية الأسبوع.
- وهذا ما يجعلني منشغلة بعملي..فانا أحاول إنهاء أشغالي قبل مجيئه..
قال شهد:
- أخبرك إذن؟ ظننت انه يريد أن يجعلها مفاجأة..
قالت سارة لشهد لتدير دفة الحوار:
- سمعت عن شجارك مع أبرار..
نظرت إليها شهد باندهاش:
- هل وصل الخبر إليك بهذه السرعة؟ هل علمت الأستاذة أريج بهذا الأمر؟
منحتها سارة نظرة عتاب:
- خجلة مما فعلت, أليس كذلك؟
زمت شهد شفتيها بأسف, وتابعت سارة بقولها:
- الا يكفي ما حدث بينكما قبل عدة سنوات؟
- لم اندم يوما على ما حدث بيني و بينها في الماضي..
قالت سارة:
- حسنا..و الشجار الأخير ما سببه؟ فلنتغاضى الشجار و لنركز على السبب..
تورد خدا شهد:
- انه مجرد شجار!! لا شيء مهم!!
- الاستاذة أريج..هي السبب..أليس كذلك؟ ألن تتخلصي من هذا الإعجاب؟ هل تعلمين أن هذا خطا كبير؟
اعترضت شهد بقولها:
- لم افعل ذلك بسبب إعجابي بالأستاذة ولكن..
قاطعتها سارة باستغراب:
- وتعترفين بهذا الإعجاب وبكل صراحة..
احمرت وجنتا شهد وهي تخفض صوتها:
- الأستاذة أريج..طيبة والكل يحبها..و أنا أحبها كما يحبها الجميع.. ألا تحبينها أنت؟
أجابت سارة:
- أنا أحبها بالطبع.. ولكن أحبها كأخت غالية إلى قلبي..أحبها حب خالص لوجه الله
- و أنا كذلك
منحتها سارة نظرة صامته قبل أن تقول برصانة:
- هذا صحيح.. ولكن لا يصح لك أن تنجرفي بمشاعرك إلى تلك الدرجة من الغلو في حبها دون غيرها..فلو كان حبك لها سببه طيبتها ورقة قلبها لكان حرياً بك أن تحبي ثلث معلمات المدرسة ولكنك تخصينها بالإعجاب وتبالغين في ذلك..
تنهدت شهد وهي تقول:
- الأستاذة أريج تقول لي هذا أيضا..
ردت سارة بقولها:
- الأستاذة أريج معها حق..فهذا الإعجاب الذي تكنينه لها أمر مذموم وهو باعتقادي لا يليق بمسلمة..
قالت شهد محتجة:
- لماذا يبالغ الجميع في هذا الأمر؟ لماذا تفسرونه بطريقة سيئة؟
أجابت سارة بهدوء:
- لأنه يجر إلى المعصية..والانشغال عن الطاعة فأنت تفكرين دوماً بها و تجتهدين في دروسك من أجلها وهذا خطأ..
تنهدت شهد و تململت في مكانها, فاستدارت سارة و أستخرجت من حقيبتها كتاباً وقدمته إليها.
- خذي هذا الكتاب وافتحي الصفحة السابعة...كنت انوي أن أهديك هذا الكتاب في نهاية الأسبوع ولكن بما انك الآن معي..فهو لك الآن
فتحت شهد الكتاب على الصفحة المطلوبة و قرأت بهدوء:
- (وَمِنَ النَّاسِ مَن يَتَّخِذُ مِن دُونِ اللّهِ أَندَاداً يُحِبُّونَهُمْ كَحُبِّ اللّهِ وَالَّذِينَ آمَنُواْ أَشَدُّ حُبّاً لِّلّه) الآية..ِ
رفعت شهد رأسها فقالت سارة:
- و الآن افتحي الصفحة رقم عشرة.
فتحت شهد الصفحة المطلوبة و قرأت:
- قال صلى الله عليه وسلم ( ثلاث من كنّ فيه وجد حلاوة الإيمان: أن يكون الله ورسوله أحب إليه مما سواهما، وأن يحب المرء لا يحبه إلا لله، وأن يكره أن يعود إلى الكفر كما يكره أن يُقذف في النار ) متفق عليه.
- لا أظنك تريدين أن تكون الأستاذة أريج أحب إليك من رسول الله..؟؟
هزت شهد رأسها وقالت:
- كلا.. لا أحب أن تكون أحب إلي من رسول الله..
ربتت سارة على كتف شهد و ابتسمت لها بعطف.
رن هاتف سارة المحمول فقالت:
- ها قد جاء ياسر, اتريدين ان نقلك الى منزلك؟
نظرت شهد الى ساعتها ثم قالت:
- لا بأس, أظن أحمد سيتأخر اليوم..
خرجت شهد مع سارة والخجل يغطي وجنتيها بحمرة واضحة. ياسر يكبرها بأربع سنوات و قد مضى وقت طويل منذ ان لعبت معه اخر مرة هو واخوها احمد.
نظرت اليها سارة و شعرت بترددها:
- ما الامر يا شهد؟
لم تجب شهد فابتسمت سارة بينها وبين نفسها, فهي تعلم مقدار الاحراج الذي تمر به شهد الان, فقد مرت سارة بمواقف عديدة مماثلة عندما كانت في سن شهد.
الفتيات في مثل سنها يخجلن من مثل هذه المواقف و بعضهن قد تفسر اي حركة تصدر امامها و كأنها موجهة اليها, بينما في الواقع, يكون الشاب غافلاً لا يدري اصلاً عن وجودها و ربما لا يعرف من تكون هي.
ومن الطبيعي, ان تنتاب الفتيات مشاعر خيالية في مواقف كهذه لأنهن الاكثر "رومانسية" و عاطفية, و لأن أحلام الحب و الزواج تداعب مخيلتهن بشكل دائم, لذا فيلاحظ اهتمام الفتاة بمثل هذه المواقف فتجدها تحفظ كل تفاصيل تلك المغامرة, حتى ولو مرت بمثلها مرات و مرات, و ربما تقوم الفتاة بكتابة خاطرة عن ذلك المشهد العاطفي, كما صورة لها ذهنها البريء, و ربما يزيد الامر بأن تحكي الموقف لصديقاتها, و سط تنهدات وآهات لا متناهية, و فضول يطلب المزيد, مهما كانت مصداقيته. وربما تضطر الراوية الحالمة الى زيادة الموقف اثارة بوصف نظرات اعجاب خجلى استرقها نحوها ذلك المغلوب على امره و الذي اعجب بها.
و عموما الفتاة العاطفية معرضة للكثير من هذه المواقف المحرجة, و هذا امر طبيعي و غريزي, و لكن يجب على الفتاة ان تكون مدركة لحقيقة المشاعر التي تسكن قلبها فتكون على وعي تام بكيفية السيطرة على خيالها الخصب و على عواطفها الجياشة, ومن المهم ان تدرك كيف تكبحها و توجهها التوجية السليم.
كانت السيارة تفوح برائحة عطر رجالي, ذكّرها بأحد عطور احمد, ولكنها رائحة جميلة تدغدغ المشاعر.
وبخت شهد نفسها, ما هذه الافكار الغريبة؟
كانت قبل لحظات تستمع الى درس عن الاعجاب بمعلمتها و التي كانت انثى مثلها, ولكنها الان تكاد تعجب بأبن خالتها.
تنهدت بصمت, وحاولت ان تركز على الطريق.
قالت لها سارة فجأة:
- سأترجل من السيارة و ادخل معك الى البيت لأني أريد ان أسلم على خالتي..
لم تعلق شهد على جملتها, و فكرت سارة بسرور بأن هذا ما تحبه سارة في شهد؛ حياؤها و أدبها.
* * *
الصفحة الأخيرة