الفـــــــارسـة
دخلتُ إلى المنزل بوجه شديد الاحمرار من الغضب بعد مشادة عنيفة بيني وبين عدوّتي الأولى لأنها حاولت سرقتي ,, حتى السبعة ريالات والنصف استخسرتها فينا وأرادت أن تأخذ جزءاً منها زاعمة أن حسابي خاطئ لأني صغير ,, ولكنني كنت قوياً وأخذت نصيبي وأعطيتها نصيبها وتركتها تصرخ غاضبة وعدت إلى المنزل

استقبلتني أمي الحنون بنظرة قلق ولهفة ,, عندما رأيتها طأطأتُ رأسي ومددت يدي ببضع الريالات التي معي ,, أخذتها أمي وانقلبت نظرتها إلى الحزن والمواساة ,, كان وجه أمي يتمتع بميزة التعبير ,, تستطيع أن تفهم كل ما بداخلها من نظراتها فقط ,, قالت بصوت حنون خافت:
_ لا بأس حبيبي ,, إنه يومك الأول وستتعلم مع مرور الأيام وستكسب الكثير إن شاء الله..

أمي كانت تظن أنها تواسيني ولم تكن تعلم أن كلامها يزيد غضبي ,, فلم يكن سبب فشلي عدم خبرتي فقط بل كان السبب الأكبر هو الظلم الذي وقع عليّ ,, لم أكن أستطيع إخبارها عما حدث في الصباح بيني وبين الخالة جمعة , أمي كانت تتابع كلامها الذي أنشأ توسعة في مساحة الغضب داخل نفسي ,, كانت تقول :
_ حبيبي والدك _ رحمه الله _ كان يعود في بعض الأيام وليس معه قرش واحد ,, كنا نأكل الخبز الجاف بعد أن نبلله بالماء ..

أعماني الغضب وأفقدني كل معنى للاحترام ,, نسيتُ في تلك اللحظة كل مبادئ الاحترام التي لقنوني إياها ,, فقدتُ احترامي لكل الناس حتى أمي وأبي , لا بل حتى نفسي ,,السؤال الذي كنت أكتمه في نفسي من مدة طويلة تفجر في تلك اللحظة .. ولكنه تفجر على شكل اتهام جارح, قلت محتداً :
_ أبي ؟! أبي الذي اشترى تلفازاً ليشاهد الأخبار والمسلسلات وتركنا تحت رحمة هذه الـ...

قطعت كلامي صفعة قوية زلزلت كياني ,, اتسعت عيناي دهشة!! إنها المرة الأولى في حياتي التي أتلقى فيها مثل هذه الصفعة !! أمي التي صفعتني كانت ترتجف من قمة رأسها حتى أخمص قدميها ,, تنظر إليّ بنظرة غريبة جداً لم أشاهدها في عينيها من قبل ! نظرة تجمع بين الغضب الشديد والحزن والألم والشفقة والندم .. قالت بصوت صارم قاسي :
_ والدك _ رحمه الله _ يا أحمد لم يشترِ التلفاز .. والدك لم يكن يوماً أنانياً أو أحمقاً ليشتري تلفازاً ويحرمكم من الطعام ,, لقد كان يحمل الخضار دائماً لرجل ثري يحبه جداً ويصادقه ويرتاح له وهذا الرجل يملك في منزله العديد من الأجهزة المنزلية الفائضة عن حاجته وقد أهدى يوماً هذا التلفاز لوالدك ,, والدك _ رحمه الله وأسكنه الجنة _ كان دائماً يفكر ببيع التلفاز عندما يراكم تتضورون جوعاً وكنت أنا أمنعه من أجلكم ,, لم أكن أريد أن أحرمكم من الرسوم المتحركة التي تحبونها ,, لم أكن أريد أن أحرمكم متعة مناقشة ما تشاهدونه مع أصدقائكم أو أن تكونوا جهلة أمامهم بمثل هذه الأشياء ,, خذ الآن هذه النقود التي أحضرتها واشترِ بها خبزاً وكأس جبن لأنه ليس لدي ما أطعمكم إياه واحتفظ بالباقي لنفسك .

بعد السياط التي جلدتني بها أمي أغلقت بابها على نفسها, وذهبت أنا لأنفذ أمرها ..
زهرة التي شهدت ما حدث هي وإخوتي الصغار ,لحقت بي إلى باب المنزل وقالت :
_ أحمد .. لا تقلق ,سترضى عنك أمي ولن يطول غضبها , فهي تحبك أكثر منا كلنا .
حبيبتي زهرة , رقيقة وناعمة كزهرة , ابتسمت لها ابتسامة ذل وقهر مع بعض الامتنان وخرجت ...



يتبع
الفـــــــارسـة
شكراً تيمة
================
عزيزتي دونا

كنت أتساءل لمَ لم تأتي دونا حتى الآن؟ هل من المعقول أن القصة لم تعجبها؟!

ولكن الحمدلله ها أنتِ هنا

يهمني جداً رأيك دونا .. ويسعدني حضورك

كلماتك المشجعة ترفع من معنوياتي وملاحظتك في محلها عزيزتي وسأحاول إن شاء الله أن أضع هذا الأمر في الحسبان

لا أظنها وراثة في عائلتنا فلا أحد يكتب غيرنا أنا وتيمة

ألف شكر لكِ عزيزتي وأعتذر عن التأخير فأنا أنزل القصة أولاً بأول فور كتابتها لذا يتأخر وقت كتابتها تبعاً لانشغالي .. سأحاول قدر المستطاع أن لا أطيل عليكم ولكن إن حدث فاعذروني وادعوا لي
=================

أمل الروح أهلاً بكِ بين المتابعات وشكراً لكِ .
الفـــــــارسـة
اتجهت إلى دكان العم حسن .. الألم واحتقار النفس كسكين تمزق قلبي .. أشعر بأصابع أمي تحرق خدي .. والعبرات تترقرق في عيني .. لماذا فعلتُ هذا ؟! لمَ قلتُ هذا الكلام عن والدي الحبيب ؟! أبي هل ستسامحني ؟! أبي كم أفتقدك وأفتقد حنانك ودفاعك عني ,, أبي إنني أحتاجك ولا أستطيع العيش بدونك ,, لا أستطيع تحمل كل ما يحدث لي ,, لماذا لم يخبرونا عن مصدر التلفاز؟! لماذا تركوني أنظر إلى أبي هذه النظرة؟! هل كانوا يريدون أن نفخر بأبي ونظنه اشترى لنا التلفاز بدلاً من أن نخجل منه لأن الجهاز أُعطي له كصدقة؟! لماذا لم يوضحوا لنا أن التلفاز كان هدية ؟! هل يظنونا صغاراً لا نعي ولا نفهم؟! وأمي التي غضبت مني الآن كيف سأعتذر لها؟! ماذا سأقول لها؟! لقد كانت تحب والدي أكثر من أي شيء في الدنيا ,, كانت تحبه وتؤثره على نفسها ,, أمي لم تحتمل سماع هذا الكلام عن والدي ومني أنا بالذات,, كيف سأصلح هذا الوضع ؟!

العم حسن رجل طيب .. كان صديق والدي وكان أبي يحبه ويقضي الساعات الطوال في دكانه يتسامران ويبثان بعضهما ما يجدانه من قسوة الحياة .. بالرغم من أن دكان العم سعيد هو الأقرب لبيتنا وفي نفس الصف إلا أنني كنت أفضل الذهاب إلى دكان العم حسن لحبي له

_ السلام عليك ورحمة الله يا عم حسن
_ وعليك السلااااااااااام ورحمة الله وبركاته .. أهلاً بالبطل .. أهلاً بابن الغالي

ابتسمتُ ابتسامة حزينة أشعرت العم حسن أنني في حاجة ماسة لمن يسمعني ,, وأنا كنت أريد أن أخرج ما في قلبي لشخص أثق به وبرأيه ,, سحب كرسياً كان مطوياً تحت طاولة الحساب وفرده , وأشار لي بيده لأجلس إلى أن يفرغ من إعطاء المشتري الذي أمامه طلباته , جلستُ بكل هدوء وهيأت نفسي للحديث ..



يتبع
سكارلت
سكارلت
نحن في الإنتظار غاليتي الفارسة

:26: :26: :26:
الفـــــــارسـة
بعد أن انصرف الزبون جلس العم حسن قبالتي على كرسيه الذي قربه مني وركز عينيه في وجهي قائلاً :
_ ها يا بطل .. أخبرني كيف حالك ؟

نظرتُ إليه بنظرة زائغة ,, وقلت بتلعثم :
_ عمي أنا متعب , متعب جداً , لم أعد أحتمل , أريد أن ألحق بأبي , أحتاج إليه ...

بترتُ حديثي بشهقة ودفنت وجهي بين كفي وأجهشتُ ببكاء عنيف .. كنتُ أبكي كما لم أبكِ في حياتي , حتى عندما توفي والدي_ رحمه الله_ لم أبكِ هكذا !!

فوجئ العم حسن ببكائي فما كان منه إلا أن ضمني إلى صدره الحنون وصار يمسح على شعري وتركني أفرغ ما في نفسي من ألم وحزن , كنت أحتاج جداً لهذا البكاء وفي حضن قوي رائع كحضن العم حسن , لذا كان الطوفان الذي فاض مني كبيراً بحجم ألمي وشقائي ,, ظللتُ لفترة طويلة أبكي وأشهق والعم حسن لا يمنعني ولا يطلب مني أن أتوقف لأنني رجل والرجال لا يبكون !! كنتُ أكره هذه الكلمة ! أليس الرجل إنساناً ؟! .. كما أنني كنتُ طفلاً لا زال في عمري الكثير من سنوات البكاء ,, فلماذا يحرمونني حتى من البكاء؟! ألا يكفي حرماني من طفولتي ومرح الطفولة , وبراءة الطفولة , وفراغ الطفولة , وخفة الطفولة ؟!

عندما هدأت قليلاً رفعت رأسي لتشرق شمس ابتسامة العم حسن وتجفف آثار السيل الجارف الذي أغرقني , بادلته بابتسامة مغتصبة انتزعتها عنوة من بين شفتي عرفاناً بالجميل واللطف الذي كساني به .. سألني وهو يبتسم وبصوت دافئ :
_ والآن , هل يمكننا أن نتحدث ونتناقش كالرجال ؟

أطرقتُ مبتسماً خجلاً وهززت رأسي أن نعم ..
_ حسناً احكِ لي بالتفصيل عما حدث ..

بدأت في سرد كل شيء .. منذ وفاة والدي حتى وصلت إلى دكانه , لم أغفل حتى التفصيلات الصغيرة , أخبرته بمشاعري , بكرهي للخالة جمعة , بما حدث بيني وبينها في الصباح , بمعاناتي في يومي الأول , كل شيء , كل شيء .. كنت أتحدث وتتخلل حديثي شهقات ودمعات , وكان العم حسن يستمع لي بكل جوارحه عدا بعض اللحظات التي يدخل فيها زبون ليطلب شيئاً ..
عندما وصلتُ في حديثي لنقطة دخول أمي إلى حجرتها وإغلاق الباب بعد غضبها سألني فوراً :
_ ولماذا لم تعتذر لها مباشرة يا أحمد ؟؟!

نظرتُ إليه نظرة حائرة مرتبكة وأجبتُ بتلعثم :
_ لا أعرف .. أنا لا أعرف كيف أعتذر ,, عمي هذا الشيء أعاني منه دائماً , كثيرٌ من الأحيان أخطئ وأريد أن أعتذر ولكنني أجد كلمة آسف تنحشر في حلقي .. فلا يمكنني بلعها ولا يمكنني إخراجها , أحاول دائماً وأفكر بكلمات الاعتذار , أجد نفسي أرتب الكلام الذي سأقوله في عقلي وأحفظه عن ظهر قلب وأتخيل ما سيقول محدثي وأتخيل ردة فعله وأنظم قولي بناءً على ردات الفعل , وعند المواجهة يضيع كل شيء .. يتبخر ويتبعثر وأجد نفسي واقفاً كالأبله لا أعرف ما أقول .

هز العم حسن رأسه علامة الفهم ثم قال :
_ إنها عزة النفس والكبرياء يا أحمد .. كل الناس يتمتعون بشيء من عزة النفس ولكن مقدارها يتفاوت من شخص لآخر ,إنها شيء جميل ومطلوب في الشخصية الإسلامية ولكن هناك استثناءات , عليك أن تعود نفسك يا أحمد أن تلغي عزة النفس والكبرياء من داخلك تماماً عندما تتعامل مع بعض الأشخاص وأولهم وأهمهم أمك , وربما لن تجد في حياتك من يستحق أن تتنازل عن عزة نفسك من أجله غيرها , حاول يا أحمد وستنجح إن شاء الله , أنا متأكد من مقدرتك , أعلم ما تكنه لأمك من احترام ومحبة لا توصف وأعلم أن محبتك لها ستساعدك على ذلك ,, ستجد صعوبة في البداية ولكنك عندما تعود نفسك ستجد أنك تقبل قدميها دون حرج ,, الآن يا بني وقبل أن تأتيني في المساء يجب أن تستجمع شجاعتك وتعتذر لوالدتك وتزيل كل ما علق في نفسها من موقفك .

كنتُ أستمع للعم حسن وقلبي يخفق بشدة ,, لا أعلمُ ما هذه المشاعر التي اجتاحتني ,, كنتُ خجلاً من نفسي وفي نفس الوقت كنتُ سعيداً جداً لأنني وجدت من يسبر أغوار نفسي ويفهم تصرفاتي ولا يلومني وينصحني ويعلمني ,, سعادتي كانت لا توصف بوقوف العم حسن بجانبي وشعرتُ كم كانت حاجتي له ماسة
استوقفتني عبارة العم حسن " وقبل أن تأتيني في المساء .. " فسألته :

_ عمي , قلت قبل أن تأتيني في المساء ,, هل تريدني أن آتيك في المساء ؟!
ابتسم وهز رأسه أن نعم .
_ لماذا ؟
_ لأنني أفكر بحل مشكلتك في البيع ,, طرأت فكرة على بالي وأرجو أن توافق عليها وأن تساعدك بعض الشيء وسأعرضها عليك الآن .





يتبع