ما شاء الله لاعدمناك فتاتنا
اختيار رائع ينم عن سمو ورفعة مختاره
... كان يسار يتردد بين حين وآخر على سوق العطَّارين ، وإلى هذا السوق تُجلب أجود أنواع العطور في الدنيا ، ويؤمَّه الرجال والنساء من شتى الأجناس . ولا شيء يستهوي النساء ، وخاصة الأعجميات ، كهذا السوق ، وهو أول ما يستهوي الوفود القادمة من بلاد الروم والترك وفارس والهند ، ومن بلاد الحبشة ، وبلاد أخرى بعيدة لم نسمع بها . و... يمتاز بالأناقة والنظافة والجمال ، فيه الدكاكين الصغيرة المتناسقة ، التي زينت واجهاتها وعني بمظهرها ، والمصابيح الملونة ، وقوارير العطر، وشدات الورد
وكان يسار يتردد على دكان العطَّار أبي علي الأصفهاني ، ومنه يشتري العطر الذي يستعمله ، وهو يقول : إن النبي - صلى الله عليه وسلّم - كان يحب الطيب .
وبعد مضي أسبوعين على محاولة الجارية ، وفي عصر الأربعاء من نهار مشمس جميل ، أقبل يسار على أبي علي الأصفهاني ، وكان هذا قصيرًا سمينًا ، قد أعفى لحيته وخضبها ، وكان لا يكف عن الحديث عن العطور التي يبيعها وأنواعها وجودتها . وما هي إلا هَنَيْهة ، حتى أقبلت الجارية ، والخادم مريد يسير إلى جانبها ووقفت على دكان أبي علي العطَّار ، وراحت تسأله باللغة الفارسية عما لديه من العطور ، دون أن تلتفت إلى يسار ، أما مريد فإنه ألقى التحية عليه ، ووقف ينتظر . واحتفل العطَّار بها ، وأخذ يعرض عليها نماذج كثيرة ، وهي ترفضها بإشارة من يدها ، ولم يبد على يسار أي اهتمام بالجارية ، ولكنه انتبه بعد ذلك عندما سمع العطَّار يقول باللغة العربية ، وهو يعرض عليها نوعًا من العطر :
- إنه أجود أنواع العطور يا سيدتي ، إن يسارًا يستعمله . أليس كذلك يا سيدي ؟
ولم يجب يسار ، ولم يرفع إليها نظره .
أما الجارية ، فقد التفتت إليه ، وألقت عليه نظرة سريعة ، ثم عادت تخاطب العطَّار ، وقد غيرت من أسلوبها وحركاتها وقالت :
- لقد ذكرت لي مرة أن لديك نوعًا من العطر الصيني .
فهزَّ العطار رأسه وقال بأسف :
- لقد نفذ يا سيدتي ، لم يبق منه شيء ، أتدرين - يا سيدتي - إنه يستخرج من زهرة الحياة ، إنها زهرة تنبت على الهضاب الزرقاء في بلاد الصين ، إن أوراقها - يا سيدتي - تجلب الشفاء ، إنها...
وانتبه العطَّار أن الجارية لم تكن تنظر إليه ، ولا تستمع لحديثه ، كانت تنظر خِلْسة إلى يسار ، إلى الفتى الذي ضاق بحديث العطار ، والذي سمعه منه مرات ومرات ، هذا هو الفتى الذي حدَّثها عنه حبيب بن مسعود ، إنه لم يتجاوز في وصفه ، بل لم يبلغ في وصفه .
وتنحنح العطَّار وهو يرفع يده يعدل عمامته ، وقال :
- انتظري لحظه.
ثم خرج من دكانه وهو يقول :
- سأجلب لك من آخر السوق .
وهمَّ يسار بالانصراف ، فلم يكن يرغب في البقاء طويلاً في مثل هذا السوق ، ولم يكن يلبث إلا بمقدار ما يتناول حاجته من العطر ثم يعود سريعًا .
... فالتفتت إليه الجارية وقالت بصوت ناعم :
- إنني متأسفة يا سيدي .
والتفت إليها ، ولم يكن قد وقع عليها نظره حتى هذه الساعة ، فلما التقت العينان ، أسبلت جفونها في خفر العذارى ، وقالت بصوت هامس :
- إنني متأسفة يا سيدي ! لم أستطع أن أكتب مشكلتي ، ليتك تسمعها ! فغضّ بصره ، وقد تذكر الرقعة التي حملها إليه مريد ، وقال :
- تكلَّمي :
قالت ، وبصوت كأنين الوتر الحزين :
- الآن يا سيدي ؟
قال ، ودون أن يلتفت إليها ، أو يرفع نظره مرة أخرى :
- نعم .
قالت ، وهي تحاول أن تجره للحديث :
- هنا في السوق ؟
قال : نعم .
وعاد العطَّار وهو يمسح جبينه من العرق وينفخ ، وقال متعذرًا :
- لم يبق لديه شيء يا سيدتي .
وتنهَّدت الجارية وقالت :
- سأعود مرة أخرى .
ثم انصرف بعد أن ألقت على يسار نظرة ، جعلته يطرق خجلاً .
ثم انتبه إلى صوت العطَّار يقول :
إن هذه الجارية ليست فارسية .
والتفت يسار ، وكأنه يسأله فأضاف العطَّار قائلاً :
- إنها ليست فارسية ، علمت ذلك من لهجتها ...( أبو علي العطَّار أعلم بلهجات القوم من غيره )
... لم تنل الجارية من يسار ، إلا كما ينال التراب من السحاب ، كيف لا ؟! وهو الفتى الذي لم يترك ثغرة ينفذ منها الشيطان إلى نفسه إلا أغلقها .
وعندما عاد تلك الليلة ، بعد صلاة العشاء ، وقبل أن يقف للصلاة لقيام الليل ، خيل إليه كأنه يسمع همسة ، أو لحنًا ، أو صوتًا أليفًا! ولم يفكر في ذلك ، وإنما انصرف إلى صلاته ، لا يشغله عنها شاغل ، فالليل مركب الصالحين ، ومطيَّة العباد ، وأقرب ما يكون العبد من ربه في جوف الليل .
وبعد أن صلى ثماني ركعات ، وختمها بصلاة الوتر ، استلقى على فراشه ، وأخذ يردد بصوت خافت خاشع :" باسمك ربي وضعت جنبي ، وبك أرفعه ، إن أمسكت نفسي فاغفر لها ، وإن أرسلتها فاحفظها بما تحفظ به عبادك الصالحين " وقبل أن يلفه النوم بين أحضانه ، تذكر أين سمع ذلك الهمس ، أو اللحن ، سمعه عصر اليوم ، عند دكان العطَّار ، سمعه من الجارية الفارسية التي ذكرت أن لديها مشكلة تريد أن تعرضها عليه .
وأسرع يسار فصرف هذه الخواطر ، وشعر أنها دخيلة عليه ، دخيلة على محرابه الآمن الذي تعمره التقوى ، إنها ليست من مدد السماء . وانتقل إلى جو الآية التي كان يرددها أثناء الصلاة :{ إن لدينا أنكالاً وجحيمًا وطعامًا ذا غصة وعذابًا أليمًا} . كل هذا العذاب ينتظر الإنسان الضال ، الإنسان الآبق من رحمة الله ! إن الناس نيام ، فإذا ماتوا انتبهوا . وتدحرجت دمعة كبيرة على خده ، وتبعتها دموع ، حتى بلَّلت الوسادة ، ثم راح في نوم هادئ عميق .
يتبع
أختاه كلما قرأت الصفات التي يتصف بها يسار تتبادر إلى ذهني نهايته في مجلس الجارية
وتركه طريق الإيمان وقد قال صلى الله عليه وسلم عندما مر بمساكن ثمود قوم سيدنا صالح
الذين كفروا وأهلكهم الله{ لاتمروا بمساكن الذين ظلموا أنفسهم إلا وأنتم باكين }
أخواتي فلنستعذ بالله من فتن الشيطان والنفس ولنبتعد عن طريق الغواية ونسلك سبيل الهداية القويم
وتركه طريق الإيمان وقد قال صلى الله عليه وسلم عندما مر بمساكن ثمود قوم سيدنا صالح
الذين كفروا وأهلكهم الله{ لاتمروا بمساكن الذين ظلموا أنفسهم إلا وأنتم باكين }
أخواتي فلنستعذ بالله من فتن الشيطان والنفس ولنبتعد عن طريق الغواية ونسلك سبيل الهداية القويم
الصفحة الأخيرة
قم صلّ فجرك إن الله رحمــان..... والفجر قرأنه نورٌ وبهتان
وإضرع إلى الله في ذل ومسكنة..... كي يغفر الذنب إن الله حنان