سراب
سراب
أضواء باهرة تصطدم بعيني .. وجوه تركض هنا و هنا .. أين المشرط .. أين المخدّر ؟؟ أين الكمّامة ؟ أين الأوكسجين .. أطباء و ممرضات يتدافعون هنا و هناك و بعضهم يتحلق حولي أنا المسجّى في غرفة العمليات .. ممرضة تهمس لي بصوت يتصنع الثبات : لا تخف .. إنها عملية بسيطة جدا .. لا تفكر فيما حولك .. حاول أن تتذكر أحلى أيام عمرك .. قلت لها بهدوء : ماذا ستفعلون ؟؟ قالت : سيقومون بتغيير عدة صمامات في قلبك ..!! قلت : هل سيفتحون قلبي ؟ قالت بدهشة : طبعا .. قلت : و أين أخبئها الآن ؟؟ أين أبعدها عن العيون ؟؟ قالت : من هي ؟؟ قلت : أين الطبيب .؟ نادت عليه فيما هو يرتدي القفازات الطبية .. قال وهو يتصنع ابتسامة غطتها سحب القلق : خيراً عزيزي .. ؟؟ قلت : أنت ستفتح قلبي .. ستتجول بين أروقته .. ستطأ أرضه و تقتحم جدرانه و غرفه .. أدخل بصمت أيها الطبيب .. لا تفزعها بمشارطك و أسلحتك .. لا تزعجها بطنين أدواتك .. لا تؤلمها بوخز سيوفك و عتادك .. ستجدها هناك .. وحيدة .. يتيمة .. سامحها أيها الطبيب .. لقد عبثت هذه الصبية بقلبي .. أحالته إلى ساحة معركة .. إلى أشلاء ممزقة .. أتظن أنك ستجد قلباً ؟؟ لا .. لا يا طبيبي .. بل ستجد بقايا قلب .. ستجد بقايا عمر .. ستجد بقايا إنسان .. لقد مَارَسَتْ شتى صنوف العنف و العدوان على هذا الخافق الضعيف بين الحنايا ..ولكن .. لم أنهرها .. لم أعاتبها .. سبحان الله .. أيعاتب المرء ذاك الهواء الذي يتنفسه ؟ أيعاتب الإنسان ذاك الليل الذي يغفو على نافذته كلما داهمته الهموم ؟؟ أتركها يا طبيبي بين أن أنقاض قلبي .. دعها تعبث كما تريد ..دعها ترسم خريطة حياتها هنا .. قل لها أن النقش على القلب أحلى و أجمل من الكتابة على الأوراق أو صفحات الماء ..و قل لها أن تلك الصمامات التي دمرتها هي أحلى ذكرى لاعتلائها هذه القلب العليل .. طبيبي .. لا تزدحم أنت و ممرضاتك على باب قلبي فتفزعوها ..أنقر الأبواب قبل اقتحامها .. و استأذنها قبل أن تمد يدك بمشرط أو خيط .. قل لها لقد آن أوان هذا القلب أن يُرمّم و يُعاد بعثه للحياة .. قل لها ان تلك الصمامات هوت أخيرا بعد أن عجزت عن استيعاب هذا حب الذي يقوم على زرع القنابل و الألغام بين الحنايا و الضلوع .. قال الطبيب : أنت تهذي .. ابتسمت له وقلت : إنها أجمل هذيان و أحلى وهم .. قال : سنضطر إلى أخذ شريان من جسدك لنزرعه في قلبك .. قلت :لن تجد الشريان الذي تنشده .. أبحث عن شريان لم تمزقه اللوعة و لم ينسفه الحزن و لم يبليه الهوى ..لن تجد سوى شرايين تنزف من كل اتجاه .. تنزف شكوى و ألما و بكاء ..يا سيدي لا أملك لك أي شرايين ولا أحمل داخلي أي نبض .. أنت تضيع وقتك مع عاشق متهدم كذاك الجبل الذي زرعوا بين جوانبه على حين غفلة قنابل و مفرقعات فتهاوى فجأة في لمح البصر .. خذ يدي .. هل تجد نبضاً ؟ خذ بصري هل تجد نوراً ؟ خذ عمري هل تجد أملا ؟ أنظر إلى سمائي هل تجد شمساً ساطعة ؟ أنظر في بحري هل تجد مرافئ آمنة ؟؟ أنظر في أرضي هل تجد سوى القبور و الأشلاء ؟؟ يا طبيبي .. اتركني و شأني .. خذ أسلحتك و أدواتك و أجمع ممرضاتك و اتركني وحيداً ..فأنت لن تزيد دقيقة واحدة من عمري .. اتركني معها .. لقد غدرت بصمامات قلبي .. و غدرت بابتسامات عمري .. ولم يبق على النهاية الكثير .. فهذه الدقات المتهالكة التي يضج بها كياني تقول بأن الدرب على آخره و أن القمر إلى محاق و أن الشمس إلى كسوف و أن النور إلى زوال و أن الغد إلى انقضاء و أن العمر إلى فناء و أن القبر أصبح أقرب من ذي قبل ..
أضواء باهرة تصطدم بعيني .. وجوه تركض هنا و هنا .. أين المشرط .. أين المخدّر ؟؟ أين الكمّامة ؟ أين...
الى عاشقة الشهادة
تحياتي ..
اضطررت الى نبش هذا الموضوع من وسط الركام بعد أن وجدته في كل منتدى و بإسماء مختلفة ..!!!!!
كل الشكر لتواصلك ...
الساحل الشرقي
أضواء باهرة تصطدم بعيني .. وجوه تركض هنا و هنا .. أين المشرط .. أين المخدّر ؟؟ أين الكمّامة ؟ أين الأوكسجين .. أطباء و ممرضات يتدافعون هنا و هناك و بعضهم يتحلق حولي أنا المسجّى في غرفة العمليات .. ممرضة تهمس لي بصوت يتصنع الثبات : لا تخف .. إنها عملية بسيطة جدا .. لا تفكر فيما حولك .. حاول أن تتذكر أحلى أيام عمرك .. قلت لها بهدوء : ماذا ستفعلون ؟؟ قالت : سيقومون بتغيير عدة صمامات في قلبك ..!! قلت : هل سيفتحون قلبي ؟ قالت بدهشة : طبعا .. قلت : و أين أخبئها الآن ؟؟ أين أبعدها عن العيون ؟؟ قالت : من هي ؟؟ قلت : أين الطبيب .؟ نادت عليه فيما هو يرتدي القفازات الطبية .. قال وهو يتصنع ابتسامة غطتها سحب القلق : خيراً عزيزي .. ؟؟ قلت : أنت ستفتح قلبي .. ستتجول بين أروقته .. ستطأ أرضه و تقتحم جدرانه و غرفه .. أدخل بصمت أيها الطبيب .. لا تفزعها بمشارطك و أسلحتك .. لا تزعجها بطنين أدواتك .. لا تؤلمها بوخز سيوفك و عتادك .. ستجدها هناك .. وحيدة .. يتيمة .. سامحها أيها الطبيب .. لقد عبثت هذه الصبية بقلبي .. أحالته إلى ساحة معركة .. إلى أشلاء ممزقة .. أتظن أنك ستجد قلباً ؟؟ لا .. لا يا طبيبي .. بل ستجد بقايا قلب .. ستجد بقايا عمر .. ستجد بقايا إنسان .. لقد مَارَسَتْ شتى صنوف العنف و العدوان على هذا الخافق الضعيف بين الحنايا ..ولكن .. لم أنهرها .. لم أعاتبها .. سبحان الله .. أيعاتب المرء ذاك الهواء الذي يتنفسه ؟ أيعاتب الإنسان ذاك الليل الذي يغفو على نافذته كلما داهمته الهموم ؟؟ أتركها يا طبيبي بين أن أنقاض قلبي .. دعها تعبث كما تريد ..دعها ترسم خريطة حياتها هنا .. قل لها أن النقش على القلب أحلى و أجمل من الكتابة على الأوراق أو صفحات الماء ..و قل لها أن تلك الصمامات التي دمرتها هي أحلى ذكرى لاعتلائها هذه القلب العليل .. طبيبي .. لا تزدحم أنت و ممرضاتك على باب قلبي فتفزعوها ..أنقر الأبواب قبل اقتحامها .. و استأذنها قبل أن تمد يدك بمشرط أو خيط .. قل لها لقد آن أوان هذا القلب أن يُرمّم و يُعاد بعثه للحياة .. قل لها ان تلك الصمامات هوت أخيرا بعد أن عجزت عن استيعاب هذا حب الذي يقوم على زرع القنابل و الألغام بين الحنايا و الضلوع .. قال الطبيب : أنت تهذي .. ابتسمت له وقلت : إنها أجمل هذيان و أحلى وهم .. قال : سنضطر إلى أخذ شريان من جسدك لنزرعه في قلبك .. قلت :لن تجد الشريان الذي تنشده .. أبحث عن شريان لم تمزقه اللوعة و لم ينسفه الحزن و لم يبليه الهوى ..لن تجد سوى شرايين تنزف من كل اتجاه .. تنزف شكوى و ألما و بكاء ..يا سيدي لا أملك لك أي شرايين ولا أحمل داخلي أي نبض .. أنت تضيع وقتك مع عاشق متهدم كذاك الجبل الذي زرعوا بين جوانبه على حين غفلة قنابل و مفرقعات فتهاوى فجأة في لمح البصر .. خذ يدي .. هل تجد نبضاً ؟ خذ بصري هل تجد نوراً ؟ خذ عمري هل تجد أملا ؟ أنظر إلى سمائي هل تجد شمساً ساطعة ؟ أنظر في بحري هل تجد مرافئ آمنة ؟؟ أنظر في أرضي هل تجد سوى القبور و الأشلاء ؟؟ يا طبيبي .. اتركني و شأني .. خذ أسلحتك و أدواتك و أجمع ممرضاتك و اتركني وحيداً ..فأنت لن تزيد دقيقة واحدة من عمري .. اتركني معها .. لقد غدرت بصمامات قلبي .. و غدرت بابتسامات عمري .. ولم يبق على النهاية الكثير .. فهذه الدقات المتهالكة التي يضج بها كياني تقول بأن الدرب على آخره و أن القمر إلى محاق و أن الشمس إلى كسوف و أن النور إلى زوال و أن الغد إلى انقضاء و أن العمر إلى فناء و أن القبر أصبح أقرب من ذي قبل ..
أضواء باهرة تصطدم بعيني .. وجوه تركض هنا و هنا .. أين المشرط .. أين المخدّر ؟؟ أين الكمّامة ؟ أين...
يعطيك الف ومليون عافية اخي سراب وسلمت يداك وسخر اللة قلمك لطاعتة وجعلك سيف اديب مسلول في سبيل اللة وعلى فكرةهذة اول مشاركة لي في المنتدىواشكركم جميعا على ردودكم وتقييمكم
سراب
سراب
تعال أيها القلب .. أريد الليلة أن أعزف أنشودة للفرح .. أريد أن أفتح نافذة نحو الشمس .. تعال أيها الصديق نبذر معاً في أرض اليوم ورداً للغد .. هناك أوراق ممزقة من الأمس .. تعال نطمرها هنا هناك معزوفات جنائزية يضج بها المكان .. دعنا نوقفها .. نسكتها .. نزيحها عن أيامنا .. هناك ذكريات دامعة في البال .. لا بأس .. أحتفظ بها يا صديقي و لكن .. لا تجعلها ترفرف فوق رأسك كل لحظة .. يا قلمي نريد أن نرسم شمساً تشرق بين هذه السطور .. لستَ عاجزاً عن ذلك يا رفيقي ..أنبش بين جوانحك ستجد عصافير كثيرة مختبئة هنا و هناك .. هل أصغيت إلى إنشادها ؟؟ هل استمعت إلى نغمة الفرح التي تعزفها صباح مساء ..؟؟ ابحث بين أشيائك يا عزيزي .. ستجد في تلك الدهاليز المظلمة ورودا كثيرة بحاجة إلى قطرة ماء كي ترفع رأسها نحو الشمس .. بحاجة إلى بصيص أمل كي تنثر عبيرها نحو الكون .. انظر هناك .. هل ترى ذلك البرواز الفارغ إلا من الهم و الغم و الحزن .. أكسره يا صاحبي .. حطمه .. فخلف ذاك الباب ستجد ألف برواز تضع فيه أحلى الذكريات و أجمل الصور .. لا تحنّط آلامك .. لا تتجمد أمام حاضرك القاتم ..قم .. انهض .. أضيء شمعة .. أضيء أناملك .. أضيء ابتسامتك .. أطرد هذه الأشباح المختبئة تحت رداء روحك و نفسك .. وأزح هذا المأتم الذي نصبته أمام أبواب حياتك .. أفتح النوافذ جميعها .. تلك الخفافيش التي استوطنت نفسك أطردها .. إنها لا تجيد أغاني الأمل .. وتلك الساحرة الشمطاء التي أوهمتك بالطرق المسدودة و الجسور المحطمة و الأيام المحترقة أقتلها .. أحرق جثتها .. لن تجد جثة إذا فعلت .. ستجد وهما زرعته أنت في قلبك .. هات يدك يا صديقي .. أمسك هذه المطرقة .. حطم بها كل التوابيت التي حنطت بها آلامك و ذكرياتك التي مضت .. حطم يا صاحبي .. حطم .. لا تتردد .. انظر عبر النافذة .. الشمس تسير .. لن تنتظرك .. الكون كله لن يلتفت إليك طالما انك هاجع في نوم عميق مع تلك المومياءات داخلك .. تزعم انك مكسور مهموم محزون .. انظر إلى ذاك الطير الذي فقد ساقه .. انه يطير .. لا يكف عن الطيران .. لا يكف عن الغناء للشمس و النور .. انظر إلى تلك الوردة التي سحقوها بأقدامهم .. لازالت تنثر عبيرها في كل مكان .. انظر إلى قلبك العليل .. لا زال ينبض بالحياة .. لا نبض للموت يا صديقي .. لا نبض للسكون و الخضوع .. النبض دوما للحياة و الحركة ..أنظر الى النهر الهادر كيف تحيط به الحياة من كل جانب ..و انظر الى تلك البحيرة الساكنة التي تسكنها الأشباح و الأوهام .. انظر الى ذاك الكوخ الذي فتحت نوافذه للنور و الشمس كيف يضج بالحياة و تأمل ذاك القصر المهجور الذي تحيط به المنايا و الرزايا من كل صوب .. الخيار لك يا صاحبي .. ان تكون إنسانا او جثة متحركة ..
تعال أيها القلب .. أريد الليلة أن أعزف أنشودة للفرح .. أريد أن أفتح نافذة نحو الشمس .. تعال أيها...
نافذة غرفتي تطل على المقابر .. وهكذا وجت نفسي كلما داهمني ملل أو قلق أقف وراء نافذتي أرقب هذه الجموع الغفيرة الصامتة .. المستكينة .. تنتظر اليوم الموعود ..
وقد اعتدت عصر كل يوم أن أرى رجلا يجر عصاه وقدميه بين القبور ليصل إلى قبر في إحدى الزوايا .. و ما أن يصل إليه حتى يجلس بجواره ويرفع يديه داعيا أو باكيا أو مناجيا ..و يجلس إلى ما شاء الله وقبل أن يهبط الظلام يستلم عصاه مودعا و مسلّما على من ضمه الثرى ..
استمر هذا الحال عدة أيام .. بل عدة أسابيع .. و تسرب الفضول إلى نفسي فأحببت أن اعرف حكاية هذا العجوز .. فبحثت وسألت فعلمت أن الرجل يزور قبر رفيقة عمره التي احبها كل الحب فمنحها كل شيء رغم أنها لم تنجب له ذرية ..
وماتت رفيقة العمر بمرض مفاجئ لم يمهلها سوى عدة أيام حيث كانت بعدها رقدتها الأخيرة ..
و من يومها و الحزن بنى أعشاشه و أوكاره في نفس الرجل و ضربت الكآبة جذورها في قلبه وجفت دموعه و فاضت آهاته وبقيت الذكرى منتصبة أمامه كعامود من الوفاء لا يهتز ..
ورغم حداثة سني إلا أني أحببت التقرب إلى الرجل و مواساته فمثلي عرف الفجيعة اكثر من مرة برحيل قريب أو صديق ..
وبالفعل توطدت معرفتي بالرجل و اصبح يستأنس برفقتي وحديثي وحكى لي من همومه و أحزانه الكثير و قال ان زيارته اليومية لرفيقة دربه تمنع عنه الوحشة و تساعده على تقبل المصاب الجلل ..
وفجأة وجدته يقول لي :
إذا حل قضاء الله و لحقتُ بها فأرجو أن تدفنوني معها ..هل تعرف قبرها ؟
قلت مرتبكا : نعم .. نعم .. اعرفه ..
قال : لقد فقدت أبى و أمي مبكرا ولا اعرف قبرهما .. وفقدت أكثر من حبيب لم يكن يتحملني حيا فلن أزعجه ميتا .. ولا احب ان اكون وحيدا في قبري ..
قلت : أمدك الله بالصحة والعافية ..
قال : الحمد لله .. قضاء أهون من قضاء ..
وفي الخامسة من عصر كل يوم يشق الرجل صمت القبور بعصاه ليصل إلى مرقد رفيقته ..
إلا ذاك اليوم الذي كانت السماء تبرق و ترعد و تنذر بالمطر .. فقد أطل الرجل محمولا على الأكتاف وجنازته تسابق الرياح .. فدفنوه في قبر جاهز مسبقا ..
لم اكن موجودا وقتها .. ولكن علمت بالأمر في اليوم التالي ..فسارعت إلى المقبرة وسألت عن قبره فدلوني عليه .. فمشيت منكّس الرأس أجر أذيال الألم والفجيعة و .. المرارة ..
سلام عليك أيها الرجل الطيب .. سامحني .. لم أكن موجودا .. سامحني ..
وبقيت بعدها كلما وقفت أمام نافذتي اسمع أنينا و همسا كأنه عتاب .. ولم تعد نفسي تطاوعني على الوقوف من جديد فأغلقت النافذة بالمفتاح الذي تخلصت منه حتى لا أفكر بفتح النافذة من جديد ..
ولكن هل انتهى عذابي ؟؟
لا .. فقد أطل الرجل عليّ في منامي وقال :
يا صديقي .. افتح نافذتك .... افتح قلبك .. افتح عينيك .. فالأماكن المغلقة للأموات.. ولا تهجرني يا صديقي .. لا تهجرني ..!!
ريــآالسنين
ريــآالسنين
نافذة غرفتي تطل على المقابر .. وهكذا وجت نفسي كلما داهمني ملل أو قلق أقف وراء نافذتي أرقب هذه الجموع الغفيرة الصامتة .. المستكينة .. تنتظر اليوم الموعود .. وقد اعتدت عصر كل يوم أن أرى رجلا يجر عصاه وقدميه بين القبور ليصل إلى قبر في إحدى الزوايا .. و ما أن يصل إليه حتى يجلس بجواره ويرفع يديه داعيا أو باكيا أو مناجيا ..و يجلس إلى ما شاء الله وقبل أن يهبط الظلام يستلم عصاه مودعا و مسلّما على من ضمه الثرى .. استمر هذا الحال عدة أيام .. بل عدة أسابيع .. و تسرب الفضول إلى نفسي فأحببت أن اعرف حكاية هذا العجوز .. فبحثت وسألت فعلمت أن الرجل يزور قبر رفيقة عمره التي احبها كل الحب فمنحها كل شيء رغم أنها لم تنجب له ذرية .. وماتت رفيقة العمر بمرض مفاجئ لم يمهلها سوى عدة أيام حيث كانت بعدها رقدتها الأخيرة .. و من يومها و الحزن بنى أعشاشه و أوكاره في نفس الرجل و ضربت الكآبة جذورها في قلبه وجفت دموعه و فاضت آهاته وبقيت الذكرى منتصبة أمامه كعامود من الوفاء لا يهتز .. ورغم حداثة سني إلا أني أحببت التقرب إلى الرجل و مواساته فمثلي عرف الفجيعة اكثر من مرة برحيل قريب أو صديق .. وبالفعل توطدت معرفتي بالرجل و اصبح يستأنس برفقتي وحديثي وحكى لي من همومه و أحزانه الكثير و قال ان زيارته اليومية لرفيقة دربه تمنع عنه الوحشة و تساعده على تقبل المصاب الجلل .. وفجأة وجدته يقول لي : إذا حل قضاء الله و لحقتُ بها فأرجو أن تدفنوني معها ..هل تعرف قبرها ؟ قلت مرتبكا : نعم .. نعم .. اعرفه .. قال : لقد فقدت أبى و أمي مبكرا ولا اعرف قبرهما .. وفقدت أكثر من حبيب لم يكن يتحملني حيا فلن أزعجه ميتا .. ولا احب ان اكون وحيدا في قبري .. قلت : أمدك الله بالصحة والعافية .. قال : الحمد لله .. قضاء أهون من قضاء .. وفي الخامسة من عصر كل يوم يشق الرجل صمت القبور بعصاه ليصل إلى مرقد رفيقته .. إلا ذاك اليوم الذي كانت السماء تبرق و ترعد و تنذر بالمطر .. فقد أطل الرجل محمولا على الأكتاف وجنازته تسابق الرياح .. فدفنوه في قبر جاهز مسبقا .. لم اكن موجودا وقتها .. ولكن علمت بالأمر في اليوم التالي ..فسارعت إلى المقبرة وسألت عن قبره فدلوني عليه .. فمشيت منكّس الرأس أجر أذيال الألم والفجيعة و .. المرارة .. سلام عليك أيها الرجل الطيب .. سامحني .. لم أكن موجودا .. سامحني .. وبقيت بعدها كلما وقفت أمام نافذتي اسمع أنينا و همسا كأنه عتاب .. ولم تعد نفسي تطاوعني على الوقوف من جديد فأغلقت النافذة بالمفتاح الذي تخلصت منه حتى لا أفكر بفتح النافذة من جديد .. ولكن هل انتهى عذابي ؟؟ لا .. فقد أطل الرجل عليّ في منامي وقال : يا صديقي .. افتح نافذتك .... افتح قلبك .. افتح عينيك .. فالأماكن المغلقة للأموات.. ولا تهجرني يا صديقي .. لا تهجرني ..!!
نافذة غرفتي تطل على المقابر .. وهكذا وجت نفسي كلما داهمني ملل أو قلق أقف وراء نافذتي أرقب هذه...
قصة هادئه ...جميلة ..

تلبست بثوب الحزن ...

أشعر انها من واقع الحياة ..وليست من الخيال ..

ما أروع الوفاء بين الازواج ..وهو نادر ...

كلماتك واضحة المعنى لاتحتاج إلى من يفكها أو يتأمل فيها ..

أسلوب سهل ..

لكن بقي ان نعرف هل هي من خيالك ..أم من واقع ملموس لك ..

أي هل هي حقيقة ..
أميرة الإحساس
نافذة غرفتي تطل على المقابر .. وهكذا وجت نفسي كلما داهمني ملل أو قلق أقف وراء نافذتي أرقب هذه الجموع الغفيرة الصامتة .. المستكينة .. تنتظر اليوم الموعود .. وقد اعتدت عصر كل يوم أن أرى رجلا يجر عصاه وقدميه بين القبور ليصل إلى قبر في إحدى الزوايا .. و ما أن يصل إليه حتى يجلس بجواره ويرفع يديه داعيا أو باكيا أو مناجيا ..و يجلس إلى ما شاء الله وقبل أن يهبط الظلام يستلم عصاه مودعا و مسلّما على من ضمه الثرى .. استمر هذا الحال عدة أيام .. بل عدة أسابيع .. و تسرب الفضول إلى نفسي فأحببت أن اعرف حكاية هذا العجوز .. فبحثت وسألت فعلمت أن الرجل يزور قبر رفيقة عمره التي احبها كل الحب فمنحها كل شيء رغم أنها لم تنجب له ذرية .. وماتت رفيقة العمر بمرض مفاجئ لم يمهلها سوى عدة أيام حيث كانت بعدها رقدتها الأخيرة .. و من يومها و الحزن بنى أعشاشه و أوكاره في نفس الرجل و ضربت الكآبة جذورها في قلبه وجفت دموعه و فاضت آهاته وبقيت الذكرى منتصبة أمامه كعامود من الوفاء لا يهتز .. ورغم حداثة سني إلا أني أحببت التقرب إلى الرجل و مواساته فمثلي عرف الفجيعة اكثر من مرة برحيل قريب أو صديق .. وبالفعل توطدت معرفتي بالرجل و اصبح يستأنس برفقتي وحديثي وحكى لي من همومه و أحزانه الكثير و قال ان زيارته اليومية لرفيقة دربه تمنع عنه الوحشة و تساعده على تقبل المصاب الجلل .. وفجأة وجدته يقول لي : إذا حل قضاء الله و لحقتُ بها فأرجو أن تدفنوني معها ..هل تعرف قبرها ؟ قلت مرتبكا : نعم .. نعم .. اعرفه .. قال : لقد فقدت أبى و أمي مبكرا ولا اعرف قبرهما .. وفقدت أكثر من حبيب لم يكن يتحملني حيا فلن أزعجه ميتا .. ولا احب ان اكون وحيدا في قبري .. قلت : أمدك الله بالصحة والعافية .. قال : الحمد لله .. قضاء أهون من قضاء .. وفي الخامسة من عصر كل يوم يشق الرجل صمت القبور بعصاه ليصل إلى مرقد رفيقته .. إلا ذاك اليوم الذي كانت السماء تبرق و ترعد و تنذر بالمطر .. فقد أطل الرجل محمولا على الأكتاف وجنازته تسابق الرياح .. فدفنوه في قبر جاهز مسبقا .. لم اكن موجودا وقتها .. ولكن علمت بالأمر في اليوم التالي ..فسارعت إلى المقبرة وسألت عن قبره فدلوني عليه .. فمشيت منكّس الرأس أجر أذيال الألم والفجيعة و .. المرارة .. سلام عليك أيها الرجل الطيب .. سامحني .. لم أكن موجودا .. سامحني .. وبقيت بعدها كلما وقفت أمام نافذتي اسمع أنينا و همسا كأنه عتاب .. ولم تعد نفسي تطاوعني على الوقوف من جديد فأغلقت النافذة بالمفتاح الذي تخلصت منه حتى لا أفكر بفتح النافذة من جديد .. ولكن هل انتهى عذابي ؟؟ لا .. فقد أطل الرجل عليّ في منامي وقال : يا صديقي .. افتح نافذتك .... افتح قلبك .. افتح عينيك .. فالأماكن المغلقة للأموات.. ولا تهجرني يا صديقي .. لا تهجرني ..!!
نافذة غرفتي تطل على المقابر .. وهكذا وجت نفسي كلما داهمني ملل أو قلق أقف وراء نافذتي أرقب هذه...
أسلوبك جميل جداً...
سهل
قريب من النفس.

شكراً لك .