عصفورة الربيع
الجزء الثامن عشر ..

( 18) ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ بارقة أمل ...

( ... الصبر .. خلق فاضل من أخلاق النفس ، يمتنع به عن فعل ما لا يحسن ولا يجمل ، وهو قوة من قوى النفس التي بها صلاح شأنها وقوام أمرها ..
الصبر .. تجرع المرارة من غير تعبس ..
هو التباعد بين المخالفات .. والسكون عند تجرع غصص البلية ..
هو الوقوف مع البلاء بحسن الأدب .. وهو الغنى في البلوى بلا ظهور شكوى .. الصبر .. هو الاستعانة بالله .. الصبر .. مطية لا تكبو ... )

رحت أقرأ في كتاب ( عدة الصابرين ) مأخوذة بجمال عباراته وتألق معانيه .. كما هو الحال في كتب ابن القيم ـ رحمه الله ـ كلها .. ولم انتبه إلى تأخر الوقت حيث كانت الساعة قد تجاوزت الثانية عشرة بعد منتصف الليل ..
لكني كنت كالظمآن الذي وجد الماء بعد عناء من العطش .. أو كالحيران الذي وجد الدليل ليكمل طريقه .. هكذا شدني الكتاب فرحلت إلى عالم جميل مفعم بالطمأنينة لا مثيل له على أرض الواقع المر المؤلم ..

بقيت أقرأ حتى غزا النعاس مقلتي ..
ألقيت نظرة على الساعة .. لا بد أن أخلد للنوم الآن .. فغداً لدي موعد في المستشفى ..
عسى أن يكون الغد أفضل من اليوم ...

****************

ألقى الملل علي بظلاله حين اتخذت مكاني بين جمع غفير من النساء .. كلهن ينتظرن أدوارهن .. بينما الصخب يكاد يفقدني حاسة السمع !!
قد يخبو أحياناً عندما تخرج الممرضة لتنادي على المريض .. ولكن ما إن تغيب حتى يعود كما كان من جديد ..!

ألقيت نظرة على الورقة التي بيدي وقد كتب فيها الرقم 17 .. لا يزال أمامي وقت طويل ريثما يأتي دوري .. ربما أمضي قرابة الساعة في الانتظار .. هذا كثير !..
أطلقت زفرة حارة حملت ما يكنه قلبي من تعب ..
جلست وقد استبد بي الملل .. حتى سمعت المرأة التي بجانبي تقول لجارتها :
ـ يا إلهي .. كم أنا متلهفة لاستقبال طفلي الأول ....
لم أسمع بقية عبارتها .. لأني شعرت بوخز في قلبي ..
هكذا كنت قبل أيام .. متلهفة ومتشوقة لأرى طفلي .. ولكني الآن وجلة من مجيئه محروماً من نعمة الأبوة رغم أن والده موجود ..
تنهدت .. وتركت التفكير .. فلن يصيبني إلا ما كتبه الله لي ..

رن هاتفي .. فأخرجته من الحقيبة ونظرت فيه .. إنها ( هدى ) .. ترى لماذا تود الحديث معي الآن ؟

ـ السلام عليكم .. تعرفين أني في المستشفى ...
قاطعتني ضاحكة :
ـ مهلاً مهلاً .. دعيني أرد التحية أولاً ثم سنتفاهم .. وعليكم السلام ورحمة الله ..
قالتها وسكتت .. فصحت :
ـ ( هدى ) .. هل تمزحين معي أم أنك تريدين أن تقولي لي شيئاً مهما ً ؟
ـ أنت غاضبة مما حدث في ذلك اليوم ..! أرجوك تحلي بروح رياضية وانسي ما جرى بيننا ..
ابتسمتُ في رضا .. كنت أعلم أنها ستعتذر رغم أننا لم نغضب رسمياً !!..
ـ لا أبداً .. إن غضبت منك فأين أذهب في هذا العالم المليء بالأحزان ..
لم يأتني صوتها .. فأدركت أنها تجمع الخيوط لتنسج لي بعض الكلمات ..

ـ ( حنان ) .. لا تظني بأني غير قادرة على فهم مشاعرك .. صدقيني .. أنا أحس بك .. وأعرف ما يموج به قلبك الحزين تماماً .. لكن وللمرة الأخيرة أقول لك .. ( سعد ) بحاجتك .. هل تفهمين ؟..
لم أجب .. فكررت سؤالها :
ـ هل فهمتني يا ( حنان ) ؟...
همست في ألم :
ـ أجل فهمت .. أنا شاكرة لك تفهمك .. حسناً الآن ........
وكأنني أطلب منها أن تنهي المكالمة .. لم أكن أقصد أن أجيب عليها بهذا الجفاء ولكني لم أتمالك نفسي وخشيت أن تدمع عيناي كالعادة ....
ـ في أمان الله إذا .. أراك بخير .. السلام عليكم .....

أعدت الهاتف وبقيت سارحة أحدق في الفراغ .. محلقة في فضاء ضائع لا نهاية له .. وانتبهت على صوت الممرضة وهي تقول :
ـ ( حنان عبد العزيز ) .. الرقم 17 ..

قمت أجر خطاي ..
( سعد بحاجة إليك ) ....
وأنا بحاجة إليه كذلك .. حاجة الوردة الذابلة للرواء .. وحاجة القلب المرتعش للدفء واللمسة الحانية ..
أين عساه يكون الآن .. هل مرت ذكراي بخاطره ولو للحظة .. هل لا يزال لي وجود في حياته أم أنني دفنت في صفحات النسيان .. وطواها الزمان فلم يعد لها في دنياه وقع أو معنى ؟...

هكذا لم يطعني عقلي في السكوت و ظل ينسج الأسئلة تلو الأسئلة ليزيد الجرح التهاباً ..

جلست في غرفتي أكمل بعقل مشتت قراءة كتاب ( عدة الصابرين ) .. لأزيل هذه الكآبة المسيطرة علي منذ الصباح .. ولما لم أفلح في ذلك .. فكرت بالاتصال على ( هدى ) .. لعلها تمدني بجرعة من الأمل فتطفئ لهيب الحزن المشتعل ..أو قد يرحل الشجن عن قلبي لحلو حديثها ..
وحين نظرت في هاتفي وجدت مكالمة لم يرد عليها .. لم تكن لدي أدنى فكرة عمن يكون المتصل .. ضغطت على أحد المفاتيح فظهر لي اسم صعقت لرؤيته ..
واتسعت عيناي تنظران في الشاشة المضيئة ... حيث كان اسم ( سعد ) .. واضحا وضوح البدر في الليلة الظلماء ..

لم أصدق عيني .. وفي لحظة شعرت بأن غمام الحزن انجاب عن سمائي ..
وبأنني أعيش حلماً جميلاً ...............

****************
عصفورة الربيع
زهرة الشعر ..
مرحباً بك هنا ..
وأتمنى منك زيارة أخرى ..

لكن أرجوك .....

ابتسمي ..!!
دونا
دونا
أخجلتني بعبارتك يا عصفورة..
لله درك..
مازلت أتابع..
و انتظر الحلقة القادمة بصبر..
:26:
تــيــمــة
تــيــمــة
أخيراً بادرة من سعد ..

الآن صرت أكثر حماساً من ذي قبل ..

عجلي عصفورة فالمنتظرين كثر عزيزتي .. :27:
الـقـلـمـ الـبـاكـي
أبـحـار أخـر
بـأمـواجـه
ونـسـائـمـه
مـع هـذه
ا
ل
ع
ص
ف
و
ر
ه


أختـي الـفـاضـلـه ( عـصـفـورة الـربـيـع )
أسـتـمـري
فـي
الأنـهـمـار
كـمـا
ألــشـلال
وسـوف أبـقـى هـنـا حـتـى
ا
ل
ن
ه
ي
ه