ملامح وردية :
upup
7
لم ترق لها اللغة الانهزامية لوالدتها .. لكنها ظلت صامتة ، بانتظار تعليق والدها . كان والدها يتأملها بنظرة عميقة ، حملت كثيراً من المعاني .. ليس من بينها الخوف عليها ، أو وضع حدود لحرية تصرفها ، وسلوكها داخل الكلية . كانت متأكدة من ذلك . في اللحظة التي أراد بها أن يتكلم ، استجابة لرجاءات تتلاحق من عينيها ، دخل شقيقها أحمد ، يحمل رزمة من ا لأوراق :
- السلام عليكم .. كأن عندكم اجتماع خاص .. لا تكون عائشة مخطوبة ..؟
قالها وهو يبتسم ، ويقلب الأوراق بين يديه . ثم أضاف ، وقد تأهب للجلوس .. وهو يؤشر بالأوراق التي بيده :
- من قدّها ..! موقفها هي وزميـلاتها في الكلية ، أصبح حديث منتديات الانترنت .. أكيد سيكثر خطابها ..!
لم تبتسم عائشة كعادتها ، على دعابات أحمد ، خاصة المتعلقة منها بالزواج . التقطت الأوراق من على الطاولة ، حيث وضعها أحمد ، وصارت تستعرضها . والدة أحمد ، أخذت زمام الحديث .. وقالت :
- قصة عائشة وزميلاتها ، وصلت الإنترنت .. هذا الذي كان ينقصنا ..!
- ليه يا أمي ..؟ لو أنا مكانك ، أفتخر بعائشة . الشباب في الانترنت اعتبروا موقف البنات مشرفاً ، وأفيدك .. فيه أخبار من داخل الجامعة ، تؤكد أن مدير الجامعة والعميد ، عدَا الذي قامت به عائشة وزميلاتها ، حقاً مشروعاً لهن .
- أكيد يا حبيبي .. أنت لم تصلك الأخبار الثانية . الناس يقولون ، إن البنات يكفرون دكاترة الكلية ، ومنهج التدريس فيها .
- كلام فاضي يا أمي .
عائشة كانت تستعرض الأوراق ، وتفتح عينيها دهشة . صدمتها العناوين المبالغ فيها ، التي تتصدر المقالات . صارت تردد : " ما هذا .. ما هذا ..؟ " . أبوها الذي لاحظ انزعاجها .. سأل :
- ما الأمر يا عائشة ..؟
- اسمع يا أبي ماذا كتبوا في الانترنت : " حفيدات حفصة وعائشة والخنساء ، يتحدين العلمانية في عقر دارها " ، " دكتور ليبرالي في كلية الطب ، يستهزئ بحجاب المرأة المسلمة " ، " دكتور الطب العلماني ، يطلب من بنات المسلمين العبث بأعضاء الرجال التناسلية " ، " كلية الطب أصبحت وكراً للـرذيلة " ، " أين الغيورون مما يحدث لبناتهم من انحلال ، باسم الطب ؟ " .
وجهها امتلأ أسفاً وأسى وغيظاً ، وهي تستعرض الأوراق ، وتقرأ مقاطع مما جاء فيها . والدها لم يكن متأكداً من حقيقة موقفها .. مما تقرأ ، هل هي مع .. أو ضد ..؟ ظل نظره معلقاً بها ، بانتظار أن تفصح عن حقيقة شعورها . أخوها أحمد ، كان مزهواً . فسر تعليقاتها القصيرة على الموضوعات ، وتعابير وجهها ، بأنـــها فرحة طاغية ، وشعور غامر بالسعادة ، لحصولها على مثل هذا التأييد الكبير . رمت الأوراق على الطــاولة .. وقالت :
- هذا الكلام غير صحيح ، وغير منطقي .. ! أي علمانية ، وأي رذيلة ..؟
نظرت إلى والدها ، وعيناها قد احتقنتا بالدمع .. وأضافت :
- نحن بين تطرفين يا أبي .. دعاوى التكفير ، وتهم العلمانية والانحلال ..!
أحمد الذي فاجأه موقف عائشة ، التزم الصمت . تحسس جيبه ، وأخرج ورقة وأعاد طيّها ، ثم أرجعها مرّة أخرى لجيبه . كان واضحاً من مظهرها ، أنها من جنس الأوراق ، التي استعرضتها عائشة ، وقرأت مقاطع منها .. مطبوعات من منتديات الإنترنت . اهتمامه الخاص بهذه الورقة ، أثار استغراب والده .. فسأله :
- ما هذه الورقة التي في جيبك يا أحمد ..؟
ارتبك ونظر إلى عائشة ، التي أدركت ما هي ، فغشيت وجهها حمرة الخجل . والده كرر عليه السؤال .. فأجاب :
- صورة مقال ، مثل المقالات التي كانت عائشة تقرأ منها ..!
- لماذا أنت مهتم به .. بشكل خاص ..؟
تلعثم .. ونظر إلى عائشة مرّة ثانية :
- لا أبداً .. إنه لكاتب تحب عائشة أن تتابع ما يكتب ، وأنا أزودها بمقالاته .
تناول الأب المقال ، وشرع في قراءته . لم يكن مختلفاً عن تلك التي كانت عائشة تقرأ منها ، إلا أن لغته أكثر حدة . حين انتهى من القراءة ، انتبه إلى أن الكاتب اسمه ( شهاب الإسلام ) . نظر إلى عائشة .. وقال : - ما الذي يشدك إلى كتاباته ..؟
ردّت وهي تتصنع عدم اهتمام :
- يتناول أحياناً ، موضوعات لها علاقة بالمرأة العاملة في القطاع الطبي ..
التفت إلى أحمد :
- هل تعرفه شخصياً يا أحمد ..؟
- هاه .. لا .. لا
أحمد كان قد أسرّ إلى عائشة .. في وقت مضى ، أن ( شهاب الاسلام ) ، هو ابن خالتهم عبد السلام الياسر . كتابات شهاب الإسلام ، شدتها منذ البداية ، قبل أن تعرف اسمه الحقيقي . في بداية دخولها الكلية ، كانت متحمسة لطرحه الجريء ، في مواضيع لها علاقة بظروف عمل المرأة ، خاصة في القطاع الصحي . أسلوبه وافق هوى في نفسها ، في بداية دخولها إلى الكلية .. يوم كانت في قمة حماسها . كانت تصور مقالاته ، التي يزودها بها أحمد ، وتوزعها بين الطالبات في كليتها .
شيئاً فشيئاً ، اكتشفت أنها لم تتعلق بمقالاته فقط ، بل بشخصه . صارت تطلب من أحمد ، بطريق غير مباشر ، أن يجمع لها معلومات أكثر عن شخصيته . تتذرع أحياناً بحاجة الطالبات ، إلى الاتصال المباشر به ، لإطْلاعه على خفايا ما يحدث في الكلية . تقول لأحمد ، إنهن لا يمكن أن يتواصلن مع شخص ، حتى يعرفن شخصيته الحقيقية ، ليثقن به . أحمد قام باتصالات كثيرة ، عن طريق البريد الالكتروني ، و ( الماسنجر ) ، مع أعضاء عديدين في المنتدى ، حتى استطاع معرفة الشخصية الحقيقية لشهاب الإسلام . في إحدى المناسبات الاجتماعية ، واجهه بما وصل إليه من معلومات عن شخصيته ، فأقر بذلك ، وطلب منه أن يكتم الأمر .
عندما التحقت عائشة بالجامعة ، كان ( شهاب الإسلام ) ، طالباً في السنة الثانية في كلية التربية . لم تعرف حقيقة شخصيته ، إلا حينما صارت هي في السنة الثالثة ، في كلية الطب ، وهو كان قد تخرج وقتها من الجامعة ، وقلت مشاركاته في منتديات الانترنت ، وإن لم يفتر حماسه . ظلت لغته ، وأسلوبه في الكتابة ، بنفس القوة والحدة . تجربتها في الكلية ، حيث احتكت أكثر ، وتفاعلت على مستويات متفاوته ، مع أفراد مختلفين ، من أساتذة وزميلات .. إضافة إلى كونها صارت أكبر ، وأكثر نضجاً ، جعــلها أقل قابلية لهذا النوع من الطرح ، وأقل انجذاباً ،إلى لَغة بهذا المستوى من الحدة . لكنها .. في أعماقها ، ظلت تشعر بانجذاب إليه .
بعد أن عرفت شخصيته ، تشجعت وأرسلت له رسالة بريد إلكترونية . ذكرت في الرسالة أنها تعرفه ، وعرفته بنفسها ، وشكرته على مواقفه ، وطرحه الجريء . بررت إرسال الرسالة إليه ، بأنها افتقدت حضوره في الانترنت ، وأن مشاركاته قلت بشكل ملحوظ . رد عليها برسالة ، شكرها فيها ، وذكر أن قلة مشاركته في الانترنت ، تعود لتخرجه من الجامعة ، وانشغاله بالبحث عن وظيفة . ختم الرسالة ، بالدعاء لها بالتوفيق في دراستها ، وحياتها المستقبلية .
لغة الرد في رسالته كانت باردة . لم يكن بها احتفاء ، أو حماس ، أو تشجيع من أي نوع .. فضلاً عن أنها لم تشتمل على أي مفردة حميمة . قلق صار يساورها ، وتكدر خاطرها .. لكنها عزت ذلك لطبيعته الجادة ، أو ربما أنه يرى أن التزامه الديني ، يمنعه من استخدام لغة غير رسمية ، وكلمات مجاملة ، مع امرأة ليست من محارمه . وقفت عند عبارته ، التي تمنى لها فيها التوفيق في حياتها المستقبلية . هي الآن في آخر سنتها الرابعة في الكلية ، وبقي على تخرجها سنتان . هل هـذا هو ( المستقبل ) ، الذي تمنى لها التوفيق فيه ..؟ حين أعادت قراءة الرسالة ، وجدت أنه قد أشار إلى دراستها ، وتمنى لها التوفيق فيها أيضاً .. إلى جانب ( حياتها ) ، المستقبلية .
يتبع
لم ترق لها اللغة الانهزامية لوالدتها .. لكنها ظلت صامتة ، بانتظار تعليق والدها . كان والدها يتأملها بنظرة عميقة ، حملت كثيراً من المعاني .. ليس من بينها الخوف عليها ، أو وضع حدود لحرية تصرفها ، وسلوكها داخل الكلية . كانت متأكدة من ذلك . في اللحظة التي أراد بها أن يتكلم ، استجابة لرجاءات تتلاحق من عينيها ، دخل شقيقها أحمد ، يحمل رزمة من ا لأوراق :
- السلام عليكم .. كأن عندكم اجتماع خاص .. لا تكون عائشة مخطوبة ..؟
قالها وهو يبتسم ، ويقلب الأوراق بين يديه . ثم أضاف ، وقد تأهب للجلوس .. وهو يؤشر بالأوراق التي بيده :
- من قدّها ..! موقفها هي وزميـلاتها في الكلية ، أصبح حديث منتديات الانترنت .. أكيد سيكثر خطابها ..!
لم تبتسم عائشة كعادتها ، على دعابات أحمد ، خاصة المتعلقة منها بالزواج . التقطت الأوراق من على الطاولة ، حيث وضعها أحمد ، وصارت تستعرضها . والدة أحمد ، أخذت زمام الحديث .. وقالت :
- قصة عائشة وزميلاتها ، وصلت الإنترنت .. هذا الذي كان ينقصنا ..!
- ليه يا أمي ..؟ لو أنا مكانك ، أفتخر بعائشة . الشباب في الانترنت اعتبروا موقف البنات مشرفاً ، وأفيدك .. فيه أخبار من داخل الجامعة ، تؤكد أن مدير الجامعة والعميد ، عدَا الذي قامت به عائشة وزميلاتها ، حقاً مشروعاً لهن .
- أكيد يا حبيبي .. أنت لم تصلك الأخبار الثانية . الناس يقولون ، إن البنات يكفرون دكاترة الكلية ، ومنهج التدريس فيها .
- كلام فاضي يا أمي .
عائشة كانت تستعرض الأوراق ، وتفتح عينيها دهشة . صدمتها العناوين المبالغ فيها ، التي تتصدر المقالات . صارت تردد : " ما هذا .. ما هذا ..؟ " . أبوها الذي لاحظ انزعاجها .. سأل :
- ما الأمر يا عائشة ..؟
- اسمع يا أبي ماذا كتبوا في الانترنت : " حفيدات حفصة وعائشة والخنساء ، يتحدين العلمانية في عقر دارها " ، " دكتور ليبرالي في كلية الطب ، يستهزئ بحجاب المرأة المسلمة " ، " دكتور الطب العلماني ، يطلب من بنات المسلمين العبث بأعضاء الرجال التناسلية " ، " كلية الطب أصبحت وكراً للـرذيلة " ، " أين الغيورون مما يحدث لبناتهم من انحلال ، باسم الطب ؟ " .
وجهها امتلأ أسفاً وأسى وغيظاً ، وهي تستعرض الأوراق ، وتقرأ مقاطع مما جاء فيها . والدها لم يكن متأكداً من حقيقة موقفها .. مما تقرأ ، هل هي مع .. أو ضد ..؟ ظل نظره معلقاً بها ، بانتظار أن تفصح عن حقيقة شعورها . أخوها أحمد ، كان مزهواً . فسر تعليقاتها القصيرة على الموضوعات ، وتعابير وجهها ، بأنـــها فرحة طاغية ، وشعور غامر بالسعادة ، لحصولها على مثل هذا التأييد الكبير . رمت الأوراق على الطــاولة .. وقالت :
- هذا الكلام غير صحيح ، وغير منطقي .. ! أي علمانية ، وأي رذيلة ..؟
نظرت إلى والدها ، وعيناها قد احتقنتا بالدمع .. وأضافت :
- نحن بين تطرفين يا أبي .. دعاوى التكفير ، وتهم العلمانية والانحلال ..!
أحمد الذي فاجأه موقف عائشة ، التزم الصمت . تحسس جيبه ، وأخرج ورقة وأعاد طيّها ، ثم أرجعها مرّة أخرى لجيبه . كان واضحاً من مظهرها ، أنها من جنس الأوراق ، التي استعرضتها عائشة ، وقرأت مقاطع منها .. مطبوعات من منتديات الإنترنت . اهتمامه الخاص بهذه الورقة ، أثار استغراب والده .. فسأله :
- ما هذه الورقة التي في جيبك يا أحمد ..؟
ارتبك ونظر إلى عائشة ، التي أدركت ما هي ، فغشيت وجهها حمرة الخجل . والده كرر عليه السؤال .. فأجاب :
- صورة مقال ، مثل المقالات التي كانت عائشة تقرأ منها ..!
- لماذا أنت مهتم به .. بشكل خاص ..؟
تلعثم .. ونظر إلى عائشة مرّة ثانية :
- لا أبداً .. إنه لكاتب تحب عائشة أن تتابع ما يكتب ، وأنا أزودها بمقالاته .
تناول الأب المقال ، وشرع في قراءته . لم يكن مختلفاً عن تلك التي كانت عائشة تقرأ منها ، إلا أن لغته أكثر حدة . حين انتهى من القراءة ، انتبه إلى أن الكاتب اسمه ( شهاب الإسلام ) . نظر إلى عائشة .. وقال : - ما الذي يشدك إلى كتاباته ..؟
ردّت وهي تتصنع عدم اهتمام :
- يتناول أحياناً ، موضوعات لها علاقة بالمرأة العاملة في القطاع الطبي ..
التفت إلى أحمد :
- هل تعرفه شخصياً يا أحمد ..؟
- هاه .. لا .. لا
أحمد كان قد أسرّ إلى عائشة .. في وقت مضى ، أن ( شهاب الاسلام ) ، هو ابن خالتهم عبد السلام الياسر . كتابات شهاب الإسلام ، شدتها منذ البداية ، قبل أن تعرف اسمه الحقيقي . في بداية دخولها الكلية ، كانت متحمسة لطرحه الجريء ، في مواضيع لها علاقة بظروف عمل المرأة ، خاصة في القطاع الصحي . أسلوبه وافق هوى في نفسها ، في بداية دخولها إلى الكلية .. يوم كانت في قمة حماسها . كانت تصور مقالاته ، التي يزودها بها أحمد ، وتوزعها بين الطالبات في كليتها .
شيئاً فشيئاً ، اكتشفت أنها لم تتعلق بمقالاته فقط ، بل بشخصه . صارت تطلب من أحمد ، بطريق غير مباشر ، أن يجمع لها معلومات أكثر عن شخصيته . تتذرع أحياناً بحاجة الطالبات ، إلى الاتصال المباشر به ، لإطْلاعه على خفايا ما يحدث في الكلية . تقول لأحمد ، إنهن لا يمكن أن يتواصلن مع شخص ، حتى يعرفن شخصيته الحقيقية ، ليثقن به . أحمد قام باتصالات كثيرة ، عن طريق البريد الالكتروني ، و ( الماسنجر ) ، مع أعضاء عديدين في المنتدى ، حتى استطاع معرفة الشخصية الحقيقية لشهاب الإسلام . في إحدى المناسبات الاجتماعية ، واجهه بما وصل إليه من معلومات عن شخصيته ، فأقر بذلك ، وطلب منه أن يكتم الأمر .
عندما التحقت عائشة بالجامعة ، كان ( شهاب الإسلام ) ، طالباً في السنة الثانية في كلية التربية . لم تعرف حقيقة شخصيته ، إلا حينما صارت هي في السنة الثالثة ، في كلية الطب ، وهو كان قد تخرج وقتها من الجامعة ، وقلت مشاركاته في منتديات الانترنت ، وإن لم يفتر حماسه . ظلت لغته ، وأسلوبه في الكتابة ، بنفس القوة والحدة . تجربتها في الكلية ، حيث احتكت أكثر ، وتفاعلت على مستويات متفاوته ، مع أفراد مختلفين ، من أساتذة وزميلات .. إضافة إلى كونها صارت أكبر ، وأكثر نضجاً ، جعــلها أقل قابلية لهذا النوع من الطرح ، وأقل انجذاباً ،إلى لَغة بهذا المستوى من الحدة . لكنها .. في أعماقها ، ظلت تشعر بانجذاب إليه .
بعد أن عرفت شخصيته ، تشجعت وأرسلت له رسالة بريد إلكترونية . ذكرت في الرسالة أنها تعرفه ، وعرفته بنفسها ، وشكرته على مواقفه ، وطرحه الجريء . بررت إرسال الرسالة إليه ، بأنها افتقدت حضوره في الانترنت ، وأن مشاركاته قلت بشكل ملحوظ . رد عليها برسالة ، شكرها فيها ، وذكر أن قلة مشاركته في الانترنت ، تعود لتخرجه من الجامعة ، وانشغاله بالبحث عن وظيفة . ختم الرسالة ، بالدعاء لها بالتوفيق في دراستها ، وحياتها المستقبلية .
لغة الرد في رسالته كانت باردة . لم يكن بها احتفاء ، أو حماس ، أو تشجيع من أي نوع .. فضلاً عن أنها لم تشتمل على أي مفردة حميمة . قلق صار يساورها ، وتكدر خاطرها .. لكنها عزت ذلك لطبيعته الجادة ، أو ربما أنه يرى أن التزامه الديني ، يمنعه من استخدام لغة غير رسمية ، وكلمات مجاملة ، مع امرأة ليست من محارمه . وقفت عند عبارته ، التي تمنى لها فيها التوفيق في حياتها المستقبلية . هي الآن في آخر سنتها الرابعة في الكلية ، وبقي على تخرجها سنتان . هل هـذا هو ( المستقبل ) ، الذي تمنى لها التوفيق فيه ..؟ حين أعادت قراءة الرسالة ، وجدت أنه قد أشار إلى دراستها ، وتمنى لها التوفيق فيها أيضاً .. إلى جانب ( حياتها ) ، المستقبلية .
يتبع
@@ماء الكافور@@ :
7 لم ترق لها اللغة الانهزامية لوالدتها .. لكنها ظلت صامتة ، بانتظار تعليق والدها . كان والدها يتأملها بنظرة عميقة ، حملت كثيراً من المعاني .. ليس من بينها الخوف عليها ، أو وضع حدود لحرية تصرفها ، وسلوكها داخل الكلية . كانت متأكدة من ذلك . في اللحظة التي أراد بها أن يتكلم ، استجابة لرجاءات تتلاحق من عينيها ، دخل شقيقها أحمد ، يحمل رزمة من ا لأوراق : - السلام عليكم .. كأن عندكم اجتماع خاص .. لا تكون عائشة مخطوبة ..؟ قالها وهو يبتسم ، ويقلب الأوراق بين يديه . ثم أضاف ، وقد تأهب للجلوس .. وهو يؤشر بالأوراق التي بيده : - من قدّها ..! موقفها هي وزميـلاتها في الكلية ، أصبح حديث منتديات الانترنت .. أكيد سيكثر خطابها ..! لم تبتسم عائشة كعادتها ، على دعابات أحمد ، خاصة المتعلقة منها بالزواج . التقطت الأوراق من على الطاولة ، حيث وضعها أحمد ، وصارت تستعرضها . والدة أحمد ، أخذت زمام الحديث .. وقالت : - قصة عائشة وزميلاتها ، وصلت الإنترنت .. هذا الذي كان ينقصنا ..! - ليه يا أمي ..؟ لو أنا مكانك ، أفتخر بعائشة . الشباب في الانترنت اعتبروا موقف البنات مشرفاً ، وأفيدك .. فيه أخبار من داخل الجامعة ، تؤكد أن مدير الجامعة والعميد ، عدَا الذي قامت به عائشة وزميلاتها ، حقاً مشروعاً لهن . - أكيد يا حبيبي .. أنت لم تصلك الأخبار الثانية . الناس يقولون ، إن البنات يكفرون دكاترة الكلية ، ومنهج التدريس فيها . - كلام فاضي يا أمي . عائشة كانت تستعرض الأوراق ، وتفتح عينيها دهشة . صدمتها العناوين المبالغ فيها ، التي تتصدر المقالات . صارت تردد : " ما هذا .. ما هذا ..؟ " . أبوها الذي لاحظ انزعاجها .. سأل : - ما الأمر يا عائشة ..؟ - اسمع يا أبي ماذا كتبوا في الانترنت : " حفيدات حفصة وعائشة والخنساء ، يتحدين العلمانية في عقر دارها " ، " دكتور ليبرالي في كلية الطب ، يستهزئ بحجاب المرأة المسلمة " ، " دكتور الطب العلماني ، يطلب من بنات المسلمين العبث بأعضاء الرجال التناسلية " ، " كلية الطب أصبحت وكراً للـرذيلة " ، " أين الغيورون مما يحدث لبناتهم من انحلال ، باسم الطب ؟ " . وجهها امتلأ أسفاً وأسى وغيظاً ، وهي تستعرض الأوراق ، وتقرأ مقاطع مما جاء فيها . والدها لم يكن متأكداً من حقيقة موقفها .. مما تقرأ ، هل هي مع .. أو ضد ..؟ ظل نظره معلقاً بها ، بانتظار أن تفصح عن حقيقة شعورها . أخوها أحمد ، كان مزهواً . فسر تعليقاتها القصيرة على الموضوعات ، وتعابير وجهها ، بأنـــها فرحة طاغية ، وشعور غامر بالسعادة ، لحصولها على مثل هذا التأييد الكبير . رمت الأوراق على الطــاولة .. وقالت : - هذا الكلام غير صحيح ، وغير منطقي .. ! أي علمانية ، وأي رذيلة ..؟ نظرت إلى والدها ، وعيناها قد احتقنتا بالدمع .. وأضافت : - نحن بين تطرفين يا أبي .. دعاوى التكفير ، وتهم العلمانية والانحلال ..! أحمد الذي فاجأه موقف عائشة ، التزم الصمت . تحسس جيبه ، وأخرج ورقة وأعاد طيّها ، ثم أرجعها مرّة أخرى لجيبه . كان واضحاً من مظهرها ، أنها من جنس الأوراق ، التي استعرضتها عائشة ، وقرأت مقاطع منها .. مطبوعات من منتديات الإنترنت . اهتمامه الخاص بهذه الورقة ، أثار استغراب والده .. فسأله : - ما هذه الورقة التي في جيبك يا أحمد ..؟ ارتبك ونظر إلى عائشة ، التي أدركت ما هي ، فغشيت وجهها حمرة الخجل . والده كرر عليه السؤال .. فأجاب : - صورة مقال ، مثل المقالات التي كانت عائشة تقرأ منها ..! - لماذا أنت مهتم به .. بشكل خاص ..؟ تلعثم .. ونظر إلى عائشة مرّة ثانية : - لا أبداً .. إنه لكاتب تحب عائشة أن تتابع ما يكتب ، وأنا أزودها بمقالاته . تناول الأب المقال ، وشرع في قراءته . لم يكن مختلفاً عن تلك التي كانت عائشة تقرأ منها ، إلا أن لغته أكثر حدة . حين انتهى من القراءة ، انتبه إلى أن الكاتب اسمه ( شهاب الإسلام ) . نظر إلى عائشة .. وقال : - ما الذي يشدك إلى كتاباته ..؟ ردّت وهي تتصنع عدم اهتمام : - يتناول أحياناً ، موضوعات لها علاقة بالمرأة العاملة في القطاع الطبي .. التفت إلى أحمد : - هل تعرفه شخصياً يا أحمد ..؟ - هاه .. لا .. لا أحمد كان قد أسرّ إلى عائشة .. في وقت مضى ، أن ( شهاب الاسلام ) ، هو ابن خالتهم عبد السلام الياسر . كتابات شهاب الإسلام ، شدتها منذ البداية ، قبل أن تعرف اسمه الحقيقي . في بداية دخولها الكلية ، كانت متحمسة لطرحه الجريء ، في مواضيع لها علاقة بظروف عمل المرأة ، خاصة في القطاع الصحي . أسلوبه وافق هوى في نفسها ، في بداية دخولها إلى الكلية .. يوم كانت في قمة حماسها . كانت تصور مقالاته ، التي يزودها بها أحمد ، وتوزعها بين الطالبات في كليتها . شيئاً فشيئاً ، اكتشفت أنها لم تتعلق بمقالاته فقط ، بل بشخصه . صارت تطلب من أحمد ، بطريق غير مباشر ، أن يجمع لها معلومات أكثر عن شخصيته . تتذرع أحياناً بحاجة الطالبات ، إلى الاتصال المباشر به ، لإطْلاعه على خفايا ما يحدث في الكلية . تقول لأحمد ، إنهن لا يمكن أن يتواصلن مع شخص ، حتى يعرفن شخصيته الحقيقية ، ليثقن به . أحمد قام باتصالات كثيرة ، عن طريق البريد الالكتروني ، و ( الماسنجر ) ، مع أعضاء عديدين في المنتدى ، حتى استطاع معرفة الشخصية الحقيقية لشهاب الإسلام . في إحدى المناسبات الاجتماعية ، واجهه بما وصل إليه من معلومات عن شخصيته ، فأقر بذلك ، وطلب منه أن يكتم الأمر . عندما التحقت عائشة بالجامعة ، كان ( شهاب الإسلام ) ، طالباً في السنة الثانية في كلية التربية . لم تعرف حقيقة شخصيته ، إلا حينما صارت هي في السنة الثالثة ، في كلية الطب ، وهو كان قد تخرج وقتها من الجامعة ، وقلت مشاركاته في منتديات الانترنت ، وإن لم يفتر حماسه . ظلت لغته ، وأسلوبه في الكتابة ، بنفس القوة والحدة . تجربتها في الكلية ، حيث احتكت أكثر ، وتفاعلت على مستويات متفاوته ، مع أفراد مختلفين ، من أساتذة وزميلات .. إضافة إلى كونها صارت أكبر ، وأكثر نضجاً ، جعــلها أقل قابلية لهذا النوع من الطرح ، وأقل انجذاباً ،إلى لَغة بهذا المستوى من الحدة . لكنها .. في أعماقها ، ظلت تشعر بانجذاب إليه . بعد أن عرفت شخصيته ، تشجعت وأرسلت له رسالة بريد إلكترونية . ذكرت في الرسالة أنها تعرفه ، وعرفته بنفسها ، وشكرته على مواقفه ، وطرحه الجريء . بررت إرسال الرسالة إليه ، بأنها افتقدت حضوره في الانترنت ، وأن مشاركاته قلت بشكل ملحوظ . رد عليها برسالة ، شكرها فيها ، وذكر أن قلة مشاركته في الانترنت ، تعود لتخرجه من الجامعة ، وانشغاله بالبحث عن وظيفة . ختم الرسالة ، بالدعاء لها بالتوفيق في دراستها ، وحياتها المستقبلية . لغة الرد في رسالته كانت باردة . لم يكن بها احتفاء ، أو حماس ، أو تشجيع من أي نوع .. فضلاً عن أنها لم تشتمل على أي مفردة حميمة . قلق صار يساورها ، وتكدر خاطرها .. لكنها عزت ذلك لطبيعته الجادة ، أو ربما أنه يرى أن التزامه الديني ، يمنعه من استخدام لغة غير رسمية ، وكلمات مجاملة ، مع امرأة ليست من محارمه . وقفت عند عبارته ، التي تمنى لها فيها التوفيق في حياتها المستقبلية . هي الآن في آخر سنتها الرابعة في الكلية ، وبقي على تخرجها سنتان . هل هـذا هو ( المستقبل ) ، الذي تمنى لها التوفيق فيه ..؟ حين أعادت قراءة الرسالة ، وجدت أنه قد أشار إلى دراستها ، وتمنى لها التوفيق فيها أيضاً .. إلى جانب ( حياتها ) ، المستقبلية . يتبع7 لم ترق لها اللغة الانهزامية لوالدتها .. لكنها ظلت صامتة ، بانتظار تعليق والدها . كان والدها...
8
طـافت في ذهنها خــواطر سيئة ، وقلبت أفكاراً سلبية : هل كانت حساباتها خاطئة .. أكانت سنوات من الوهم ..؟ ليس أقسى ، وأكثر فجيعة ، من أن تراهن على وهــم . تمـضي سنوات عمرك .. تراه إلى جانبك ، بناءً عالياً ، صنعته من شوق ، وحب .. وتحسبه مشروع حياة ، ثم تفيق ذات صباح ، فلا ترى إلا سراباً ، وتتلمس .. وليس ثمة شيء . أمس رفضت العريس الثامن ، الذي يتقدم لخطبتها . أغلبهم زملاء في الكلية ، من دفعات سابقة ، تخرجوا أو على وشك التخرج . متفوقون ويغلب على سلوكهم المحافظة والانضباط الشديد .
علامة الاستفهام كبرت : هل فرّطت بمستقبلها ( الحقيقي ) ، متعلقة بسراب ..؟ تتابع على خاطرها ، أسماء الشباب الذين تقدموا لخطبتها .. ورفضتهم . أكثرهم تدور أحاديث الطالبات الخاصة حولهم . لا تتذكر أن واحدة من الطالبات ، التي كانت توزع عليهن نسخاً من مقالات ( شهاب الإسلام ) ، تحدثت عنه بإعجاب ، ولو بطريقة عابرة .. رغم أن بعضهن يتبنين آراءً ، أكثر تطرفاً مما يطرح . تساءلت في سرها بمرارة : " كيف ربطت مستقبلها ، وعلقت قلبها ، بمعرف مجهول في الانترنت " ..؟ كيف لو عرفت زميلاتها ، أنها رفضت مستقبلاً لها ، مع خالد ، ومحمد ، وناصر ، وفهد ، وعبد الكريم .. من أجل شهاب الإسلام ، الذي يتمنى لها ( التوفيق في حياتها المستقبلية ) ..؟ لكن مع من ..؟ سؤال انغرز في قلبها ، مثل مخيط غار في كرة صوف . تعوذت من الشيطان ، وهي تفتح إحدى الصفحات الداخلية لكراسة محاضراتها ، وتتأمل عبارة كتبتها ، قبل سنتين ، بأكثر من لون : " شهاب الإسلام .. أضأت قلبي ..! " . إلى جانب العبارة في أسفل الصفحة ، ألصقت قصاصة مقال ، لشهاب الإسلام عنوانه : عائشة الصالح .. قبس من نور يضيء دهاليز كلية الطب " .
مستقبلها الذي جعلت شهاب الإسلام أهم أركانه ، تشكل من حلمها .. بإنسان يؤمن برسالتها وليس بــ ( صورتها ) . نظرت إلى إقبال الزملاء ، على طلب الزواج بها .. أنه رغبة في جمالها ، وليس إيماناً برسالتها ، وتقديراً لدورها . في الكلية نفرت من زملائها ، الذين يتهافتون كالفراش ، على الجميلات . زميلاتها ممن لم يتوفر لهن حد أدنى من الجمال ، لم تشفع لهن جديتهن ومحافظتهن . التناقض بين المبادئ والأفعال ، بـدا صارخاً ، وهي ترى فتيات يذبلن بين قاعات الكلية ، وممرات المستشفى .. لأن حظهن من الجمال قليل . بينما .. الرجال ، أصحاب الشعارات ، عندما لا يتوفر الجمال يبحثون عنه خارج الكلية ، لدى من هُنّ أكثر جاذبية .. بدعوى ( النقاء ) . تصبح الطالبة أو الطبيبة ، أقل نقاء وطهرانية ، إذا كانت أقل جـمالاً . هذا هو المبدأ ، الذي تتندر عليه ، هي وزميلاتها .. مقابل الهمس ، الذي يعلو أحياناً ، بين ( الذكور ) ، عن تبسّط طالبات الطب والطبيبات ، في علاقاتهن مع زملائهن الرجال .
هي الآن تخطو خطوتها الأخيرة ، نحو نهاية مشوارها . ست سنوات مرت ، هي المسافة بين حلم طفلة التاسعة ، ومشروع امرأة الرابعة والعشرين . إحساسها بالاختلاف ، أصبح أعلى وتيرة ، وأسرع إيقاعاً . ليس فقط نظرة أهل بيتها وأقاربها ، الذين تعودت عليهم منذ سنوات ، ينادونها بالدكتورة . لقد تغيرت صفتها الأكاديمية كذلك . لم تعد طالبة ، بل صارت تسمى Resident ، أو طبيب مقيم . أصـبحت تدخل غرف العمليات .. لتشارك في رفع الألم ، وتخفيف المعاناة عن الناس . منظر الناس يسلمون أرواحهم .. طواعية لآخرين ، ويأتمنونهم على أجسادهم ، لم تكن عملية سهلة . استشعرت المسؤولية ، إلى درجة أنها في بعض المرّات ، تتردد في اتخاذ الخطوة الأولى ، لخوض تجربة معادة ومكررة ، ضمن روتين عملها اليومي .
لم يكن ترددها في دخول غرفة العمليات .. الذي تفـــكر فيه ، ولا تعلنه ، نتيجة خوف ، أو رهاب من أي نوع . ثمة صراع يتنامى داخلها . فهي .. إزاء ما تراه من تقصير وتجاوزات ، تحدث في غرف العمليات .. تجاه المرضى ، طورت لنفسها معادلة صارمة : " يسلمك روحه .. تحافظ عليها ، يأتمنك على جسده .. لا تخونه " . معادلتها الصارمة ، التي لم تتهاون في تطبيقها ، كثيراً ما أدخلتها في جدالات حادة ، مع أساتذة وزملاء . اعترضت مرّة ، على وجـــود زميل بملابسه العادية في غرفة العمليات ، لأنه كما يقول ، وصل متأخراً ، ولم يجد الوقت لتبديل ملابسه . أصرت أن يبدل ملابسه ، أو أن العملية لن تبدأ ، كما هددت بالتصعيد .
في مرّة ثانية كانت المشكلة مع زميلة . جاءت إلى غرفة العمليات ، كما لو كانت تدخل قاعة أفراح .. كما تقول . المكياج طبقات ، والعطور أنواع . أبدت استياءها في البداية ، ولكن .. حينما بدأ المكياج يسيح ويختلط بأحمر الشفاه .. قررت أن تتوقف ، وتوقف كل شيء . لم يكن الوضع يسمح بأي نوع من أنصاف الحلول . تم استبدال الزميلة بأخرى ، لكن القصة خرجت من غرفة العمليات .. ووصلت العميد . لم تحصل محاسبة ، ولا لفت نظر . لكن أصداءها وتداعياتها ، ظلت تتردد داخل الكلية ، عبر التعليقات الساخرة ، التي يتداولها الطلاب والأطباء : غرفة العمليات صار يطلق عليها ( قاعة الديسكو ) ، أما العملية نفسها ، فأصبح اسمها .. بين الطلاب والطالبات ، ( حفلة الدي جي ) .
مسألة الانضباط المهني ، في غرفة العمليات ، تبدو يسيرة ، أمام موقفها الحاد والقطعي ، تجاه حماية خصوصية المرضى . حين يأتي دورها في الجدول ، لتكون ضمن الطاقم الطبي داخل غرفة العمليات ، تحدث حالة استنفار قصوى بين جهاز التمريض ، الذي سيتولى تجهيز المريض . التعليمات تنفذ بدقة ، بخصوص الأجزاء التي يمكن كشفها من جسم المريض ، الذي ستجرى له العملية . عندما يكون المريض أنثى ، تتابع شخصياً إجراءات تجهيزها لغرفة العمليات . في البداية واجهت إهمالاً ، أو تجاهلاً ، أو رفضاً من الأطباء .. بشأن طلباتها بهذا الخصوص . لكنها .. متسلحة بموقف شرعي وأخلاقي ، قاومت كل الضغوط ، وأساليب الإهمال والتجاهل . لم تكن تتردد في التعبير عن اعتراضها ورفضها ، لأي سلوك ترى فيه انتهاكاً لخصوصية مريض ، تحت أي تبرير . كثيرٌ من الألقاب والصفات ألصقت بها ، ويتم تداولها همساً ، بين بعض الأطباء مثل : ( حارسة العورات ) . تتصنع اللامبالاة أحياناً ، وتتظاهر بالقوة . لكن .. حين تخلو بنفسها ، يعتريها الضعف البشري .. فتـبكي . تحدث نفسـها : " الجميع يـؤثر السـلامة " ، حتى ( الطيبون ) . في إشارة منها للأطباء المتدينين .
كان قد بقي أمامها أسابيع لتتخرج وتصبح طبيبة عامة . لكن .. كأن قدرها يأبى إلا أن تنهي مسيرة حياتها الأكاديمية ، بحدث غير اعتيادي ، يضاف إلى سجلها الحافل بالمواجهات والمصادمات والمواقف المدوية . كان يوم اثنين ، خرجت من البيت صائمة ، جدولها اليوم مزدحم . أوصلها السائق إلى المستشفى ، متأخرة خمس دقائق . صعدت إلى القسم ، وأنهت تحرير بعض الأوراق . كانت هناك جولة على بعض المرضى ، حرصت أن تنهيها قبل التاسعة ، حيث إن موعد عملية ، ستكون ضمن طاقمها .. سوف يكون السـاعة التاسعة وعشرين دقيقة . لم تنس أن تتصل بجهاز التمريض ، لتؤكد على تجهيز المريض . صار لها عادة أن تصلي ركعتين ، قبل كل عملية تدخلها .. فاتجهت إلى مكتبها وَصلّت . وصلت غرفة إلى العمليات في التاسعة وخمس دقائق . مريضة اليوم شابة في بداية عشريناتها ، تشتكي من فتق مزمن أسفل البطن . كانت المريضة قد وصلت ، فاتجهت إليها وطمأنتها ، وهدّأت من قلقها . بعد عشر دقائق ، اكتمل وصول الطاقم الطبي .
بدأت العملية ، ومرّت النصف ساعة الأولى بشكل اعتيادي . انتبهت بعد ذلك ، أن الطبيب ومساعده ، يتبادلان إشارات بالأعين . لم تفهم طبيعة هذه الإشارات ، ولم تجد لها تفسيراً .. إلا حين لاحظت أنهما يتعمدان إزاحة الغطاء عن بعض أجزاء جسد المريضة ، بطريقة تبدو عفوية . توترت .. لم يكن بمقدورها أن تفعل شيئاً ، سوى ملاحقتهما ، وتغطية الأجزاء التي تتعرض للكشف . انتهت العملية ، لكنها شعرت بإحباط شديد . مبدؤها : " يأتمنك على جسده .. ولا تخونه " . ، صار يلح عليها بأن تفعل شيئاً . في طريقها لغرفة تغيير الملابس ، قلبت الأمور ، فرأت أنه ليس لديها الكثير لتفعله . سلوكهما بدا عفوياً وتلقائياً ، ولا يمكن إدانتهما بأي شكل من الأشكال . أي تصعيد ، سيكون بالضرورة ضدها .
يتبع
طـافت في ذهنها خــواطر سيئة ، وقلبت أفكاراً سلبية : هل كانت حساباتها خاطئة .. أكانت سنوات من الوهم ..؟ ليس أقسى ، وأكثر فجيعة ، من أن تراهن على وهــم . تمـضي سنوات عمرك .. تراه إلى جانبك ، بناءً عالياً ، صنعته من شوق ، وحب .. وتحسبه مشروع حياة ، ثم تفيق ذات صباح ، فلا ترى إلا سراباً ، وتتلمس .. وليس ثمة شيء . أمس رفضت العريس الثامن ، الذي يتقدم لخطبتها . أغلبهم زملاء في الكلية ، من دفعات سابقة ، تخرجوا أو على وشك التخرج . متفوقون ويغلب على سلوكهم المحافظة والانضباط الشديد .
علامة الاستفهام كبرت : هل فرّطت بمستقبلها ( الحقيقي ) ، متعلقة بسراب ..؟ تتابع على خاطرها ، أسماء الشباب الذين تقدموا لخطبتها .. ورفضتهم . أكثرهم تدور أحاديث الطالبات الخاصة حولهم . لا تتذكر أن واحدة من الطالبات ، التي كانت توزع عليهن نسخاً من مقالات ( شهاب الإسلام ) ، تحدثت عنه بإعجاب ، ولو بطريقة عابرة .. رغم أن بعضهن يتبنين آراءً ، أكثر تطرفاً مما يطرح . تساءلت في سرها بمرارة : " كيف ربطت مستقبلها ، وعلقت قلبها ، بمعرف مجهول في الانترنت " ..؟ كيف لو عرفت زميلاتها ، أنها رفضت مستقبلاً لها ، مع خالد ، ومحمد ، وناصر ، وفهد ، وعبد الكريم .. من أجل شهاب الإسلام ، الذي يتمنى لها ( التوفيق في حياتها المستقبلية ) ..؟ لكن مع من ..؟ سؤال انغرز في قلبها ، مثل مخيط غار في كرة صوف . تعوذت من الشيطان ، وهي تفتح إحدى الصفحات الداخلية لكراسة محاضراتها ، وتتأمل عبارة كتبتها ، قبل سنتين ، بأكثر من لون : " شهاب الإسلام .. أضأت قلبي ..! " . إلى جانب العبارة في أسفل الصفحة ، ألصقت قصاصة مقال ، لشهاب الإسلام عنوانه : عائشة الصالح .. قبس من نور يضيء دهاليز كلية الطب " .
مستقبلها الذي جعلت شهاب الإسلام أهم أركانه ، تشكل من حلمها .. بإنسان يؤمن برسالتها وليس بــ ( صورتها ) . نظرت إلى إقبال الزملاء ، على طلب الزواج بها .. أنه رغبة في جمالها ، وليس إيماناً برسالتها ، وتقديراً لدورها . في الكلية نفرت من زملائها ، الذين يتهافتون كالفراش ، على الجميلات . زميلاتها ممن لم يتوفر لهن حد أدنى من الجمال ، لم تشفع لهن جديتهن ومحافظتهن . التناقض بين المبادئ والأفعال ، بـدا صارخاً ، وهي ترى فتيات يذبلن بين قاعات الكلية ، وممرات المستشفى .. لأن حظهن من الجمال قليل . بينما .. الرجال ، أصحاب الشعارات ، عندما لا يتوفر الجمال يبحثون عنه خارج الكلية ، لدى من هُنّ أكثر جاذبية .. بدعوى ( النقاء ) . تصبح الطالبة أو الطبيبة ، أقل نقاء وطهرانية ، إذا كانت أقل جـمالاً . هذا هو المبدأ ، الذي تتندر عليه ، هي وزميلاتها .. مقابل الهمس ، الذي يعلو أحياناً ، بين ( الذكور ) ، عن تبسّط طالبات الطب والطبيبات ، في علاقاتهن مع زملائهن الرجال .
هي الآن تخطو خطوتها الأخيرة ، نحو نهاية مشوارها . ست سنوات مرت ، هي المسافة بين حلم طفلة التاسعة ، ومشروع امرأة الرابعة والعشرين . إحساسها بالاختلاف ، أصبح أعلى وتيرة ، وأسرع إيقاعاً . ليس فقط نظرة أهل بيتها وأقاربها ، الذين تعودت عليهم منذ سنوات ، ينادونها بالدكتورة . لقد تغيرت صفتها الأكاديمية كذلك . لم تعد طالبة ، بل صارت تسمى Resident ، أو طبيب مقيم . أصـبحت تدخل غرف العمليات .. لتشارك في رفع الألم ، وتخفيف المعاناة عن الناس . منظر الناس يسلمون أرواحهم .. طواعية لآخرين ، ويأتمنونهم على أجسادهم ، لم تكن عملية سهلة . استشعرت المسؤولية ، إلى درجة أنها في بعض المرّات ، تتردد في اتخاذ الخطوة الأولى ، لخوض تجربة معادة ومكررة ، ضمن روتين عملها اليومي .
لم يكن ترددها في دخول غرفة العمليات .. الذي تفـــكر فيه ، ولا تعلنه ، نتيجة خوف ، أو رهاب من أي نوع . ثمة صراع يتنامى داخلها . فهي .. إزاء ما تراه من تقصير وتجاوزات ، تحدث في غرف العمليات .. تجاه المرضى ، طورت لنفسها معادلة صارمة : " يسلمك روحه .. تحافظ عليها ، يأتمنك على جسده .. لا تخونه " . معادلتها الصارمة ، التي لم تتهاون في تطبيقها ، كثيراً ما أدخلتها في جدالات حادة ، مع أساتذة وزملاء . اعترضت مرّة ، على وجـــود زميل بملابسه العادية في غرفة العمليات ، لأنه كما يقول ، وصل متأخراً ، ولم يجد الوقت لتبديل ملابسه . أصرت أن يبدل ملابسه ، أو أن العملية لن تبدأ ، كما هددت بالتصعيد .
في مرّة ثانية كانت المشكلة مع زميلة . جاءت إلى غرفة العمليات ، كما لو كانت تدخل قاعة أفراح .. كما تقول . المكياج طبقات ، والعطور أنواع . أبدت استياءها في البداية ، ولكن .. حينما بدأ المكياج يسيح ويختلط بأحمر الشفاه .. قررت أن تتوقف ، وتوقف كل شيء . لم يكن الوضع يسمح بأي نوع من أنصاف الحلول . تم استبدال الزميلة بأخرى ، لكن القصة خرجت من غرفة العمليات .. ووصلت العميد . لم تحصل محاسبة ، ولا لفت نظر . لكن أصداءها وتداعياتها ، ظلت تتردد داخل الكلية ، عبر التعليقات الساخرة ، التي يتداولها الطلاب والأطباء : غرفة العمليات صار يطلق عليها ( قاعة الديسكو ) ، أما العملية نفسها ، فأصبح اسمها .. بين الطلاب والطالبات ، ( حفلة الدي جي ) .
مسألة الانضباط المهني ، في غرفة العمليات ، تبدو يسيرة ، أمام موقفها الحاد والقطعي ، تجاه حماية خصوصية المرضى . حين يأتي دورها في الجدول ، لتكون ضمن الطاقم الطبي داخل غرفة العمليات ، تحدث حالة استنفار قصوى بين جهاز التمريض ، الذي سيتولى تجهيز المريض . التعليمات تنفذ بدقة ، بخصوص الأجزاء التي يمكن كشفها من جسم المريض ، الذي ستجرى له العملية . عندما يكون المريض أنثى ، تتابع شخصياً إجراءات تجهيزها لغرفة العمليات . في البداية واجهت إهمالاً ، أو تجاهلاً ، أو رفضاً من الأطباء .. بشأن طلباتها بهذا الخصوص . لكنها .. متسلحة بموقف شرعي وأخلاقي ، قاومت كل الضغوط ، وأساليب الإهمال والتجاهل . لم تكن تتردد في التعبير عن اعتراضها ورفضها ، لأي سلوك ترى فيه انتهاكاً لخصوصية مريض ، تحت أي تبرير . كثيرٌ من الألقاب والصفات ألصقت بها ، ويتم تداولها همساً ، بين بعض الأطباء مثل : ( حارسة العورات ) . تتصنع اللامبالاة أحياناً ، وتتظاهر بالقوة . لكن .. حين تخلو بنفسها ، يعتريها الضعف البشري .. فتـبكي . تحدث نفسـها : " الجميع يـؤثر السـلامة " ، حتى ( الطيبون ) . في إشارة منها للأطباء المتدينين .
كان قد بقي أمامها أسابيع لتتخرج وتصبح طبيبة عامة . لكن .. كأن قدرها يأبى إلا أن تنهي مسيرة حياتها الأكاديمية ، بحدث غير اعتيادي ، يضاف إلى سجلها الحافل بالمواجهات والمصادمات والمواقف المدوية . كان يوم اثنين ، خرجت من البيت صائمة ، جدولها اليوم مزدحم . أوصلها السائق إلى المستشفى ، متأخرة خمس دقائق . صعدت إلى القسم ، وأنهت تحرير بعض الأوراق . كانت هناك جولة على بعض المرضى ، حرصت أن تنهيها قبل التاسعة ، حيث إن موعد عملية ، ستكون ضمن طاقمها .. سوف يكون السـاعة التاسعة وعشرين دقيقة . لم تنس أن تتصل بجهاز التمريض ، لتؤكد على تجهيز المريض . صار لها عادة أن تصلي ركعتين ، قبل كل عملية تدخلها .. فاتجهت إلى مكتبها وَصلّت . وصلت غرفة إلى العمليات في التاسعة وخمس دقائق . مريضة اليوم شابة في بداية عشريناتها ، تشتكي من فتق مزمن أسفل البطن . كانت المريضة قد وصلت ، فاتجهت إليها وطمأنتها ، وهدّأت من قلقها . بعد عشر دقائق ، اكتمل وصول الطاقم الطبي .
بدأت العملية ، ومرّت النصف ساعة الأولى بشكل اعتيادي . انتبهت بعد ذلك ، أن الطبيب ومساعده ، يتبادلان إشارات بالأعين . لم تفهم طبيعة هذه الإشارات ، ولم تجد لها تفسيراً .. إلا حين لاحظت أنهما يتعمدان إزاحة الغطاء عن بعض أجزاء جسد المريضة ، بطريقة تبدو عفوية . توترت .. لم يكن بمقدورها أن تفعل شيئاً ، سوى ملاحقتهما ، وتغطية الأجزاء التي تتعرض للكشف . انتهت العملية ، لكنها شعرت بإحباط شديد . مبدؤها : " يأتمنك على جسده .. ولا تخونه " . ، صار يلح عليها بأن تفعل شيئاً . في طريقها لغرفة تغيير الملابس ، قلبت الأمور ، فرأت أنه ليس لديها الكثير لتفعله . سلوكهما بدا عفوياً وتلقائياً ، ولا يمكن إدانتهما بأي شكل من الأشكال . أي تصعيد ، سيكون بالضرورة ضدها .
يتبع
الصفحة الأخيرة
وآسفة على التأخر وذلك بسبب ما حصل في المنتدى
حيث كلما اضفت ردا يختفي
:06:
وكلما اضفت الجزء السادس من القصة لا أراه
شكرا لكل من يتابعني