لكل مقام مقال ولكل داء دواء ... قال الشاعر :
لَئِنْ كُنْتَ مُحْتَاجًا إِلَى الْحِلْمِ إِنَّنِي .... إِلَى الْجَهْلِ فِي بَعْضِ الأَحَايِينِ أَحْوَجُ
فَمَنْ رَامَ تَقْوِيمِي فَإِنِّي مُقَوَّمٌ .... وَمَنْ رَامَ تَعْوِيجِي فَإِنِّي مُعَوَّجُ
وَلِي فَرَسٌ لِلْحِلْمِ بِالْحِلْمِ مُلْجَمٌ ..... وَلِي فَرَسٌ لِلْجَهْلِ بِالْجَهْلِ مُسْرَجُ .
يقول الأصمعي :
دخلت البادية فإذا أنا بعجوز و بين يديها شاة مقتولة و جرو ذئب مقفى فنظرت إليها فقالت : أو يعجبك هذا
قلت : بلى و ما قصتك
قالت : أعلم أن هذا جرو ذئب قد أخذناه فأدخلناه بيتنا فلما كبر قتل شاتنا
فقلت : أو قلت في ذلك شعرا
قالت : بلى ثم أنشأت تقول :
بقرت شويهتي وفجعت قلبي ... وأنت لشاتنا ولد ربيب
غذيت بدرها ونشأت معها ... فمن أنباك أن أباك ذيب
إذا كان الطباع طباع سوء ... فلا أدب يفيد ولا أديب
دخلت البادية فإذا أنا بعجوز و بين يديها شاة مقتولة و جرو ذئب مقفى فنظرت إليها فقالت : أو يعجبك هذا
قلت : بلى و ما قصتك
قالت : أعلم أن هذا جرو ذئب قد أخذناه فأدخلناه بيتنا فلما كبر قتل شاتنا
فقلت : أو قلت في ذلك شعرا
قالت : بلى ثم أنشأت تقول :
بقرت شويهتي وفجعت قلبي ... وأنت لشاتنا ولد ربيب
غذيت بدرها ونشأت معها ... فمن أنباك أن أباك ذيب
إذا كان الطباع طباع سوء ... فلا أدب يفيد ولا أديب
يقول علّامة العربية ومحققها الفذ أبو فهر محمود محمد شاكر ـ رحمه الله تعالى ـ عن أول حصة تلقّاها في التعليم في الصف الأول الابتدائي :
.... حين ساقونا إلى الفصول كالقطيع صفوفا صفوفا . ولكن لم يلبث فزعي أن تبدد بعد أن دخلنا الفصل ، واستقر بنا الجلوس .
ثم بدأ الدرس الأول ، على الريق ، وهو درس اللغة الإنجليزية ! ونسيت كل ما نالني حين سمعت هذه الحروف الغريبة النطق التي لم آلفها ، وفتنتني وغلبني الاهتمام بها ، وجعلت أسارع في ترديدها وحفظها . اغتالت هذه الحروف الجديدة وكلماتها كلّ همّتي ، اغتالتها بالفرح المشوب بطيش الطفولة . وكأن حبّ الجديد الذي لم آلفه ، قد بز حسن الانتباه إلى القديم الذي ألفته منذ ولدت ، فقل انتباهي إلى لغتي العربية ، ومضت الأيام ففتر انتباهي إليها ، بل لعلي استثقلتها يومئذ وكدت أنفر منها . وكذلك صرت في العربية ضعيفا جدًا ، لا أكاد اجتاز امتحانها إلا على عسر ، وعلى شفى . وهكذا انفذ ( دنلوب ) اللعين أول سهامه في قلبي من حيث لا أشعر ! ودرجت على ذلك أربع سنوات في التعليم الابتدائي ، والبلاء يطغى عليّ عاما بعد عام ولكن كان من رحمة الله بي ، أن أدركتني ثورة مصر سنة 1919 م وأنا يومئذ في السنة الثالثة ... الخ
أبو فهر من كتاب أباطيل وأسمار
.... حين ساقونا إلى الفصول كالقطيع صفوفا صفوفا . ولكن لم يلبث فزعي أن تبدد بعد أن دخلنا الفصل ، واستقر بنا الجلوس .
ثم بدأ الدرس الأول ، على الريق ، وهو درس اللغة الإنجليزية ! ونسيت كل ما نالني حين سمعت هذه الحروف الغريبة النطق التي لم آلفها ، وفتنتني وغلبني الاهتمام بها ، وجعلت أسارع في ترديدها وحفظها . اغتالت هذه الحروف الجديدة وكلماتها كلّ همّتي ، اغتالتها بالفرح المشوب بطيش الطفولة . وكأن حبّ الجديد الذي لم آلفه ، قد بز حسن الانتباه إلى القديم الذي ألفته منذ ولدت ، فقل انتباهي إلى لغتي العربية ، ومضت الأيام ففتر انتباهي إليها ، بل لعلي استثقلتها يومئذ وكدت أنفر منها . وكذلك صرت في العربية ضعيفا جدًا ، لا أكاد اجتاز امتحانها إلا على عسر ، وعلى شفى . وهكذا انفذ ( دنلوب ) اللعين أول سهامه في قلبي من حيث لا أشعر ! ودرجت على ذلك أربع سنوات في التعليم الابتدائي ، والبلاء يطغى عليّ عاما بعد عام ولكن كان من رحمة الله بي ، أن أدركتني ثورة مصر سنة 1919 م وأنا يومئذ في السنة الثالثة ... الخ
أبو فهر من كتاب أباطيل وأسمار
الصفحة الأخيرة
وكثير من الرماة يختار التأخر عن البداءة وهم الحذّاق ومنهم من يختار البداءة ومنهم من يستوي عنده الأمران .
والتأخر أحسن موقعا وأعظم قدرا ، ولهذا قال موسى للسحرة وقد خيروه بين أن يبتدئ هو أو أن يبتدئوا قبله
فاختار بداءتهم أولا ، ثم ألقى هو بعدهم ، وفي ذلك وجوه كثيرة من الحكمة :
منها : أن المبطل يستفرغ وسعه ويستنفذ حيله ولا يبقى له شيء يقال : إنه لو أتى به لغلب .
ومنها : أن يكون هو الباغي ، فيكون أدعى إلى نصرة المحق عليه .
ومنها : أن نفوس الناس دائما تستشرف إلى المجيب أكثر من السائل وإلى المتأخر في المغالبات والمقارعات أكثر من استشرافها إلى الأول ، فيكون ظفره وغلبه أعظم موقعا .
ومنها : أن همة المحق تقوى وتتضاعف إذا شاهد خصمه وقد وضع له أسباب الغلبة واستنفذ سهامه فتصير همته على مقدار ما شاهد من كيد خصمه
ومنها : اللغط يصفوا وينقطع هيج البداوات وهرجها
ومنها : أن يجمع همه وعزمه ويستعد للمقابلة
ومنها : أنه يأمن رجوع خصمه واستقالته ، فإن خصمه قد يرجع عن مقارعته إذا رأى قوته واستظهاره فلا تظهر غلبته فإذا بدأ خصمه أمن من رجوعه واستقالته
الإمام ابن القيم الجوزية ( من كتاب الفروسية المحمدية )