مناير العز
مناير العز
في اليوم الحادي عشر .. وفي الصباح الباكر الذي لم يختلف لونه كثيرا عن لون الليل البهيم .. فالغيوم هي ليل آخر معتم يقبع على قلوب أهل هذهـ القرية الكئيبة
خرج الجميع للعمل ما عدا جوهبار الذي تأخر في نومه .. ولم يكن ذلك من عادته .. أمه التي لم تنم ليلا من كثرة التفكير بابنها الذي قرر الرحيل والعمل في المدينة من دون أن يعلم أباه
- جوهبار يا بني .. لقد طلع الصباح
- ماذا؟
- هل أنت عازم على نيتك؟
- نعم ( قالها وهو يفرك عينيه وينظر للنافذة التي مازالت معتمة) .. تقولين طلع الصباح؟
- نعم .. ولكن السماء سوداء من الغيوم .. لا بد أن مطرا كثيرا سينزل اليوم
- ربما (ثم نهض ونفض فراشه وقام ليقبل والدته الحزينة) صباحك جيد يا أمي
- وأي صباح جيد هذا الذي ستغيب فيه عن عيني؟ (ثم فاضت دموعها)
- أمي .. تفاءلي .. فهذهـ بداية الطريق السعيدة .. لن تنتظري كثيرا حتى تري ابنك رجلا قادما من هذا الباب يحمل طفله وخلفه زوجته (ثم أشار إلى ناحية باب المنزل)

قال جوهبار ذلك الكلام ليخفف عنها أحزانها وليلفت نظرها إلى المستقبل الزاهر الذي ينتظره والذي يجب أن لا تحول بينه وبين مستقبله بعاطفتها وأحزانها
- هل ما زلت مصرا على أنت تذهب دون علم والدك؟ !
- أنا أعرف أبي يا أمي .. إنه لن يقبل برحيلي .. ويريدني مثل أخوتي .. أعمل عملا تافها في هذه القرية .. والذي لا يكاد يجعلني أبني بيتا أو يمنحني زوجا
- (نظرت أمه إلى الباب الذي يخفي خلفه جوا عاصفا وخطرا) ولكن الجو ممطر اليوم .. هلّا أجلت السفر ليوم يكون صحوا
- لا أستطيع الانتظار .. وربما استمر الجو هكذا أياما عديدة .. لا عليك يا أمي فابنك رجل ..لا تخافي عليه .. فقط ضعي ثقتك بي وسترتاحين
- (تنهدت أمه ثم قالت) في الحفظ يا بني

توجه جوهبار ليحمل قماشا جمع فيه بعض متاعه ليرحل سريعا وما إن وصل باب المنزل حتى استوقفته والدته قليلا وقالت:
بني انتظر قليلا فقد خبزت لك بعض الخبز وخبأت لك بعض المئونة التي ستعينك في رحلتك
نظر جوهبار في عيني والدته ثم قبلها على جبينها ثم وعدها أنه لن ينساها وسيزورها في أقرب فرصة .. وإن لم يستطع فسيرسل رسالة تخبرها عنه
0
0
7
مناير العز
مناير العز
خرج جوهبار مسرعا وقد لف رأسه عن المطر ووضع قطعة كرتون فوقه حتى لا يبتل .. وتجه إلى الطريق الرئيسي في القرية ليستأجر سيارة تقله إلى المدينة

تزايد هطول المطر حتى أضحت الطرقات الترابية طرقا من طين تبتلع الرائحين وتصطاد سياراتهم المهترئة .. فاضطر السائق للانتظار على حافة أحد الجبال حتى يخف المطر قليلا
كان الركاب في تلك الشاحنة لا يتجاوز خمسة رجال أصغرهم جوهبار وأكبرهم هو سائق الشاحنة والبقية رجال من أهل القرية الذين يعملون بالتجارة بين القرية والمدينة فيبيعون ما بأيديهم في المدينة ويجلبوا معهم بعض الحاجيات التي يبيعونها بدورهم لأهالي قريتهم

كانوا يعرفون مسبقا أن رحلتهم تلك قد تتطلب أكثر من يوم أو يومين وفي أسوأ الظروف ربما ثلاثة أيام .. فكانوا متقبلين للوضع .. أما جوهبار فهو الوحيد الذي تبرم وتململ من الانتظار .. وكان يراقب هطول المطر والسيل المتزايد في جنبات الجبال المحيطة بهم ..

وعندما أحس بالجوع أراد أن يخرج خبزاته التي أعطته أمه ليأكلها ولكن ..
لم يخرج أحد من الركاب طعامه .. هل سيأكل وحيدا من بينهم ؟ أم ينتظر؟ أم يعطيهم من زاده القليل؟
هنا قرر الانتظار فليس من الذوق أن يأكل أمام رجال يكبرونه سنا ويتحملون الجوع.. وهو الشاب القوي لا يتحمل !

لم يتوقف المطر إلا عندما دخل المساء .. وها هو شعاع الشمس الآتي من الغرب يكاد ينطفئ خلف الأفق البعيد .. والأرض حولهم غارقة بالسيل والطين
عندما غربت الشمس التفت السائق إلى الركاب ليقول : لن نستطيع السير في الليل .. فالأرض طينية وربما تعطلت السيارة .. وسننتظر إلى الصباح
نزلوا جميعا ليصفعهم الهواء البارد .. ومشوا في المكان رغم قوة الرياح العاصفة التي تكاد تطير بهم من فوق سفح الجبل .. ثم تفرقوا في المكان للبحث عن بعض الحطب وكأن هؤلاء الرجال اعتادوا هذا الوضع الذي يتكرر كثيرا في فصل الشتاء الصعب

أشعلوا النار ليتجمعوا حولها وينعموا ببعض الدفء .. وكانوا قد بلغوا مبلغا عظيما من الجوع .. فقام السائق ليحضر إبريقا ويملؤه ماءا وسكرا ثم يضعه على النار .. ثم نظر للرجال وقال ليخرج كلٌ زاده ريثما يغلي الماء .. سأصنع لكم شاي ينعش نفوسكم المثقلة بالبرد

لم يقاوم جوهبار منظر الماء المغلي وهو يبتلع حبات الشاي من يد السائق .. فسال لعابه .. ثم أخرج خبزه وبعض المنجا المتبل بالفلفل ليأكله مع الخبز
وكزه الرجل الذي بجانبه وقال: سنأكل جميعا .. فالسائق سيشاركنا طعامنا ونحن نشرب من الشاي الذي أعده لنا .. أفهمت؟
رد جوهبار : فهمت
ثم مد طعامه إلى منتصف المكان بجانب النار ليتناوله الجميع مع ما وضعوه من طعامهم .. أما السائق فكأنه يشتري من طعامهم بقليل من الشاي الذي قدمه لهم

بعد العشاء فرش الرجال بعض قطع الصوف في صحن الشاحنة الخلفي المغطى بالقماش الثقيل وتغطوا بالطرف الآخر من الصوف .. وجوهبار تمدد تحت أرجلهم حيث صار الأقرب لفتحة الشاحنة الخلفية والتي تدخل الهواء البارد
7
مناير العز
مناير العز
وفي الصباح عندما كانوا يستعدون للركوب قال أحد الرجال لجوهبار: يبدو أنك شاب طيب ؟
- أتمنى ذلك
- ولماذا أنت ذاهب إلى المدينة؟
- للعمل
- فقط؟؟
- نعم
- ألا تبحث عن مأوى؟
- بلى
- وزوجة؟
- (فتح جوهبار عينيه وكأن هذا الرجل يعرفه أو يقرأ أفكاره) بلى ! .. ولكن ليس قبل أن أعمل وأكسب رزقا
- لتكن موفقا يا بني .. ولكن هل لديك خبرة أو معرفة بالمدينة؟
- لا
- وهل تريد مساعدة؟
- أكن شاكرا لك إن قدمتها لي
- ولم لا .. فأنا أعجبت بجلدك وصبرك .. وأيضا طعامك البارحة كان طيبا جدا .. هل عملته والدتك ؟؟
- نعم
- هيا يا رجال .. نريد السير قبل أن ينزل المطر ثانية (ناداهما السائق بعصبية)
- حسنا .. هيا يا جوهبار .. وما إن نصل المدينة حتى تتبعني .. سأرشدك هناك
- شكرا

ثم ركبا بسرعة لتنطلق السيارة مسرعة وهي تتجنب الطريق الترابية التي تحولت طينا .. ثم هطل المطر مجددا لتخفق قلوب الرجال مرة أخرى خوفا من الوقوف ثانية
وبعد ساعتين انعطفت السيارة حيث الطريق الاسمنتي الممهد فتنهد الرجال .. الآن باستطاعتهم مواصلة السفر حتى إن استمر المطر في الهطول

دخلوا المدينة لتتوقف السيارة في موقف قديم مقابل سوق شعبي من الصفيح .. يكثر فيه القادمون من القرى المجاورة .. حيث يعرضون خضرهم ومحاصيلهم ومن ثم يذهبون إلى داخل المدينة لشراء حاجياتهم

نزل جوهبار ليتبع إشارة الرجل الذي تحدث معه في الصباح ومشى خلفه طويلا .. كان ما بين فترة وأخرى يلتفت ليرى النساء والفتيات بأعداد كثيرة ثم يفطن إلى الرجل الذي يمشي أمامه فيسرع خلفه خوف الضياع

ثم ينظر بدهشة القروي البسيط إلى المباني الحديثة والمرتفعة والطرقات النظيفة فيتوقف لحظات متأملا .. فتمر امرأة ما ليلحقها ببصره .. ثم يفطن للرجل الذي ابتعد أمامه فيلحقه مسرعا

وعندما وصل إلى حي متواضع وبيوت صفيح وقف الرجل قليلا ليقول له: ربما انبهرت بمنظر النساء الكثيرات؟ (وغمز بعينه)
ارتبك جوهبار ولم يرد
فأكمل الرجل : غالبا ما أستأجر هنا إن اضطررت للبقاء يومين فأكثر .. وسأجد لك الرجل الذي يؤجرك غرفة .. انتظر قليلا
ثم انطلق في زحمة هذهـ البيوت العشوائية ليغيب عن ناظريه دقائق معدودة ثم يرجع مصطحبا معه كهلا هو القائم بأعمال هذه المنازل

وقف جوهبار أمام الغرفة المتواضعة جدا والرجل الكهل يكلمه بشأن الدفع .. فهو سيدفع كل سبعة أيام لفترة محدودة .. وإن طال بقاؤه فسيدفع كل شهر

- إنه قروي انظري إلى ملابسه ..
- نعم .. لقد كثر القرويين المهاجرين ..

التفت جوهبار ليرى فتاتين تضحكان على منظره وشعره الأشعث .. فسكت وفي نفسه أن يريهن هذا القروي الأغبر من سيكون؟؟

وللقصة بقية
أم عبادي*
أم عبادي*
لاتطولين شوقتينا

سى يو
نسائم ود
نسائم ود
معاااااك للأمام سر
قصة رااائعة
ننتظرك