دونا
دونا
الجزء الثاني و العشرين (حنين)
ألقت غادة نظرة متعجبة على تلك البكرات التي ما زالت تدور،و أسرعت تخرج الشريط من المسجل ،لتقلبه بين يديها بشيء من الشك.تساءلت في أعماقها :منذ متى يبيت هذا الشريط هنا..؟
تنهدت غادة بعمق حالما ظهرت صورة شقيقتها في مخيلتها..و همست لنفسها :يا ه يا رهف ..كم اشتقت إليك..و لصوتك..رؤيتي لتلك الأجهزة التي تحيط بك تخفيني..تقيدك..و تعذبني..إلى متى يا رهف؟..إنني أحترق ..و ببطء..ما هي إلا أيام و أستحيل إلى خيط دخان..أنا في أشد الحاجة إليك..يقتلني الحنين إلى أيامنا الغابرة..آه يا رهف..
ألقت غادة نظرة أخرى على الشريط،و من ثم وضعته حيث كان بعد أن أعادته من إلى بدايته...
جلست بجواره و كلها آذان صاغية،فدارت البكرات و تعالى ذلك الصوت الهادئ ناشراً في أنحاء الغرفة مزيجاً من الحنين..
الشوق..
الألم..
(( السلام عليك و رحمة الله و بركاته..عزيزتي غادة..في البداية لا أخفيك أنني كنت قد تراجعت أكثر من مرة عن تسجيل هذا الشريط..ربما لأنني كنت قلقة من ردة فعلك..و ربما لأنني خشيت أن أفقدك..رغم أنني أشعر بذلك الآن..فأنت بعيدة عني..بيين و بينك مسافة بلا حدود..بلا نهاية..اقترب منك خطوة..فتتراجعين عني خطوات..رغم أن دماءنا واحدة..و أصولنا واحدة..تربينا معاً..و كبرنا معاً..ما الذي حدث؟..ماذا أصابنا؟..هل غيرنا الزمان كما تغير؟..لست أدري..لا أنكر أنني قد أسأت إليك يوماً..ولكن صدقيني كان ذلك رغماً عني..أخشى أن يأتي يوم ننسى فيه أننا أختان..
صديقتان...
أتذكرين يا غادة..أتذكرين طفولتنا؟..فتلك الأيام لا تنسى..حينها كنا نفكر بقلوبنا لا بعقولنا....إذا غضبنا سرعان ما نغفر..و إذا بكينا سرعان ما نضحك..
رغم أنك كنت تصغرينني بسنة إلا أنك كنت معي ..فقد كتبنا حروفنا الأولى معاً..و تعلمنا الصلاة لله معاًاً..أذكر يومها كم كنت سعيدة بذلك الشرشف الأرجواني الذي أهدته لك جدتنا...رغم أنه كان كبيراً جداً عليك حينها..و أذكر أيضاً أن أمي كانت تضعه لك في درج في خزانتك..لكنك كنت في كل ليلة تخرجينه..و تحتضنينه..تحدثيه..و تلاعبينه..و كأنه دمية..لقد وعدته أن لا تتخلي عنه أبداً..لكنك خلفت وعدك..و أصبحت قطعة القماش الأرجوانية وحيدة..تذرف الدموع في ركن من أركان غرفتك..لم يا غادة؟..لم تتحول وعودنا إلى سراب ؟؟...لم تتحول أحلامنا إلى أوهام...؟
أذكر مرة أنك أخبرتني بخوفك من الظلام...فلماذا رضيت بحياة لا تشع فيها نور الطمأنينة؟..و لا تلمع بين حنايا السعادة..؟
هل أنت راضية عن وضعك أختي..لا تقولي لي مقولتك المعهودة..كل فتاة تستطيع أن تصبح عصرية..لا بتخليها عن ما ربيت عليه..بل بتحقيقها طموحاتها..بصمودها في وجه العاصفة..بثباتها على دينها..
لقد اشتقت لغادة..تلك الفتاة الصغيرة البريئة..اشتقت لتلك الفتاة التي كانت تتفاخر علي بسرعة حفظها لسور من القرآن..اشتقت إلى تلك الفتاة التي كانت تضع مصروفها كله في صندوق التبرعات بالمدرسة..اشتقت إلى أختي..
أنا واثقة أن بعض تلك الأعمال ما زالت في أعماقك..تحت طيات أفكارك..كل ما أنت بحاجة إليه هو إيقاظها..استعادتها..
أرجوك يا غادة...أنا لا أطالبك بأكثر من المحاولة..فأنا أشعر بك..نعم أشعر بذلك الأنين الذي يتعالى داخلك..ربما هو أنين الماضي..و ربما كان أنين الحاضر..
لماذا اختلفنا؟..لماذا تفرقنا؟..هل هي دروب الحياة؟..أم تعدد الأهداف؟..أم سوء الصحاب..؟
ليس من العيب أن نخطئ..لكن من المؤسف أن نستمر في الخطأ..أسرعي أختي فباب التوبة مفتوحة..أسرعي قبل أن تشرق الشمس من مغربها..
ما عسانا أن نكسب في هذه الحياة.. حب..زواج.. عمل.. أطفال.. أحفاد..ثم ماذا؟..
مصيرنا أن نتدثر بالتراب...أن نسأل ..أن نحاسب..ثم نتجه نحو دار الخلود..إما جنة..و إما نار..عندها لن تنفع دموع..و لن تنفع أعذار..
ما حياتنا إلا اختبار..إما رسوب..أو نجاح..
قد تكون طريق النجاح شاقة في البداية..لكن ثمارها تستحق بذل الجهد..تستحق الصبر..تستحق المثابرة..
غادة إنني أمد بيدي إليك..أمسكها و لنبحر معاً على سفينة السلام..أرجوك يا غادة أمسكها..تعلقي بها..فصورتك المتعبة..الضائعة..الباهتة.. تعذبني..كيف لا و أنت قطعة مني..
أنت أختي..و حبيبتي..
و صديقتي..
سأدعو لك..
و سأنتظرك يا أخيتي..
و كلي أمل أنك ستأتين..
ستعودين..
أسرعي يا غادة..فالوقت يمضي سريعاً...
........................................
..........................................
........................................))
انتهى الشريط..لكن غادة لم تبرح مكانها..و تساقطت دموع محترقة..تبحث في وجنيها عن قبور تدفن فيها...و بدأ صدرها يعلو و يهبط...و من بين شفتيها تفجرت الكلمات:أنا آتية يا رهف..نعم..لن يطول انتظارك يا عزيزتي..و لن يخيب أملك ..أنا قادمة..يا أختي...
أسرعت غادة تلبس خمارها..و قلبها يرتجف بين ضلوعها في قسوة..لم؟..ليست تدري...و ما هي إلا ثوان حتى كانت تقبع في السيارة..أفكار شتى دارت في مخيلتها..ذكريا ت طفولة..و كلام عميق المعنى..و مشاعر متأججة..حائرة بين الصواب..و الخطأ..
أخيراً وقفت السيارة أمام باب المستشفى ..و هرعت غادة تغادر السيارة..في شوق..و في حنين..و مضت تجوب دهاليز المستشفى..حتى وصلت إلى غرفة أختها..توقفت للحظات..و كأنها تسترجع كلمات رهف..
سأنتظرك يا أخيتي..
و كلي أمل أنك ستأتين..
عندها عقبت غادة:لقد أتيت..أنا هنا يا رهف..
و مع حروف كلماتها الأخيرة فتحت غادة باب الغرفة بقوة و هي تصرخ:رهف لقد أتيت..
لكن صوتاً ناعماً -كانت تجلس صاحبته بجوار سرير رهف -أجابها:لم تخبريني بمرض رهف يا غادة؟..
اقتربت غادة من صاحبة الصوت و هي تتمتم:سامية..كيف عرفت؟
ألقت سامية نظرة حزينة على رهف و هي تجيب:والدتك أخبرتني..كنت أتمنى أن أكون بجوارها منذ دخولها المشفى..
جلست غادة على طرف سرير رهف و هي تجيب:سامية..هوني عليك..
ابتسمت سامية ابتسامة صفراء و هي تقول:لا تقلقي علي يا غادة..أنا بخير..حمداً لله على كل حال..
تنهدت غادة بعمق و هي تعقب:لماذا تتهافت علينا المصائب نحن بالذات؟
-غادة الله يصيب الناس بأنواع البلاء..لعلهم يصبروا و يحتسبوا فيكون لهم الأجر و الثواب..
-انظري إليها يا سامية..إنها أقرب للشبح من الإنسان..ليتها تفيق؟
-ستفيق بإذن الله..أدعي لها يا غادة..إنها بحاجة لدعواتك..
-لا أظن..أشعر بأنها قد ماتت ..كل ما بقي منها جسد يتنفس..جسد بلا صوت..بلا إحساس..لن تعود..صدقيني..
-استغفري الله يا غادة..و لا تيأسي من رحمة الله..استغفري الله يا غادة..فلا يعلم الغيب إلا الله..
-استغفر الله..استغفر الله..
-هل تفتقدينها؟
-أكثر من ما يمكنك تصوره..أنا..
قاطعها صوت هاتفها المحمول..فاستأذنت سامية ..و غادرت غرفة أختها و هي ترمق تلك الأرقام الغريبة التي ارتسمت على شاشة جهازها..
و همست من أعماقها:أتراه ربيع؟..ربما كان هو؟..هل أرد؟
ما زال الهاتف يرن بلا توقف..أخيراً استجمعت غادة شجاعتها و أجابت و هي تقول:ألو..
أتاها صوت يقول:غادة..أين انتم..أتصل عليكم منذ مدة لكن لا من مجيب..هل حدث شيء..؟
تلعثمت غادة و هي تقول: رائف..أ هذا أنت؟
***********************************

سفة لتأخري..
و اغفرن لجزئي..
فقد كتبته على عجل..
في أمان الله..
نــــور
نــــور
تزدادون إبداعا وجمالا

بارك الله بكما

استمرا على بركة الله ونحن نتابع بشوق
حمرة الورد
حمرة الورد
دونا .....بارك الله فيك
جزء موفق ....حزنت كثيرا على ذلك المغترب ...الدنيا تضطرب وهو في غربته يحاول الوصول اليهم ولو بالصوت...
دونا
دونا
نور..
حمرة الورد..
أشكر لكما تواصلكما معنا...
سقيتما براعم صغيرة في اعماقنا..
لم تجد سوى كلمة.
جزيتما خيراً..
بانتظارك يا تيمه..
وردة الشتاء الحمراء
لقد نسيت غادة كل الناس الطيبين ولم تنس ربيع ..

نسيت اختها وسامية واخوها رائف ..

نرجو ان تهتدي غادة الى الطريق الصائب ..

مع تحياتي ..

---------------------------------------------------------------

مهما غابت ردودي ..

فستبقى متابعتي بالقراءة ..

-----------------------------------------

تمنياتي لكما ولكل العضوات بمستقبل أدبي جميل ..