فوجئت أم غادة برؤية ابنتها مغشيا عليها .. وأفزعتها أكثر الفوضى التي لحقت بغرفتها ..
لم تستطع أن تخمن ما حدث .. بل إنها لم تجد وقتا للتفكير .. فأسرعت بالاتصال على الطوارئ .. ثم حاولت أن تيقظ غادة ببضع قطرات من العطر ..
فتحت غادة عينيها بألم .. وكأنها لا ترغب في الاستيقاظ .. فشجعتها والدتها على النهوض والذهاب إلى غرفة رهف لأن غرفتها ليست صالحة حاليا لاستقبال الطبيب ..
فيما بعد قالت غادة بأنها لا تذكر أنها نهضت وسارت على قدميها كل هذه المسافة ..
جلست الأم بجانب ابنتها تبكي .. وهي تشعر بالعجز التام عن مساعدة هذه البنية الضعيفة .. دعت في قلبها أن يعود رائف ليشد من أزرها .. فالبيت من دون رجل بيت مائل ..
وصل الطبيب .. وفحص غادة جيدا .. ثم قال :
- يبدو أنها أصيبت بانهيار عصبي .. ضغطها منخفض جدا .. ألم تكوني معها ؟؟
- لا يا دكتور .. كنت في الخارج عندما حدث لها ذلك ..
- ألم تلاحظي شيئا غير عادي ؟؟
- بلى.. وجدت زجاج مرآتها محطما .. والفوضى تعم حجرتها ..
- هذا يؤكد أقوالي .. إن ذلك خطير يا سيدتي .. خصوصا إذا تكرر .. أرجو أن تسمحي لي بمتابعتها إن حدث ذلك مرة أخرى ..
-هذا لطف منك يا دكتور .. أعدك أن أوافيك بأخبارها إن استجد شيء لا سمح الله .. ولكن لماذا أصابتها هذه الحالة ؟؟
-أعتقد أنها تعاني من قلق وقلة في النوم .. أو أن لديها مشكلة تكتمها .. عليك ألا تسمحي لها أن تكثر من المهدئات والحبوب المنومة .. إلا بعد استشارة الطبيب .. تفضلي .. هذه ورقة العلاج .. والآن إلى اللقاء ..
-شكرا لك يا دكتور ..
جلست الأم تنتظر استيقاظ ابنتها وهي تفكر .. لم يعد لديها ما تفعله سوى الانتظار جوار الفراش .. كل يوم تستيقظ لتفطر على عجل ثم تتوجه إلى المشفى حيث رهف .. تسلم عليها وبعدها تتوجه إلى مسجد المستشفى ... لتصلي الضحى ثم تدعو لابنتها بالشفاء .. وتعود وقت الغداء لتجلس مع غادة قليلا ثم تخرج ثانية إلى المشفى ..
يالها من حياة .. حتى عندما تعود إلى البيت لتأخذ قسطا من الراحة تجد ابنتها الثانية في غيبوبة .. هل ستفقدهم جميعا كما فقدت أباهم ؟؟
بدأت غادة تتحرك ويتقلص جفناها .. إنها على وشك الاستيقاظ .. فتحت عينيها بإرهاق ونظرت إلى أمها ثم أسبلتهما ثانية .. فأمسكت الأم بيدها مشجعة وقالت :
-هل أنت بخير يا حبيبتي ؟؟ ماذا حدث لك ؟؟
-أممممممم
-ارتاحي ..
-أمي ..
اقتربت الأم منها وهي تقول :
-نعم يا صغيرتي ..
-.... ماذا حدث ؟؟
-أنا التي أسألك .. فقد وجدتك مغشيا عليك في حجرتك .. لماذا كسرت المرآة ؟؟
قطبت غادة حاجبيها وقالت :
-أنا ؟؟
وفجأة تذكرت كل شيء .. وزمت شفتيها ثم قالت :
-يبدو أنني أرهقت نفسي أكثر من اللازم ..
-غادة .. هل هذا بسبب عادل ؟؟
اجتاح الألم قلب غادة ثانية عند سماعها اسم عادل .. فلم تتمالك نفسها ووجدت دموعها تهمي ..
-غادة حبيبتي .. لا يعني ذلك أنك فشلت .. كثيرات هن اللاتي يفسخن خطوبتهن أكثر من مرة .. لكنهن يتزوجن فيما بعد ويسعدن في حياتهن ..
-ليس هذا ما يعذبني يا أمي .. أنا أبكي ندما .. لقد كنت حمقاء .. حمقاء جدا ..
-لا تؤنبي نفسك هكذا .. إن عادل لم يعرف قيمتك .. فلماذا تعذبين نفسك من أجله ..
-عادل لم يعرف قيمتي ؟؟؟ أرجوك لا تقولي هذا يا أمي .. أرجوك ألا تسيئي إليه .. أنت لم تعرفيه كما عرفته ..
-ولكنه رغم ذلك تركك يا ابنتي ..
-بل أنا التي تركته يا أمي ..
اتسعت عينا الوالدة وهي تقول بذهول :
-ماذا تقولين ؟؟
-أجل .. ألم أقل لك كنت حمقاء .. لكن .. لقد انتهى كل شيء .. أواااه يا أمي .. أنا أتعذب .. أتعذب كثيرا ..
أجهشت غادة بالبكاء .. فتقطع قلب والدتها عليها وأخذت تبكي معها .. بكت الاثنتان طويلا .. ثم راحت الأم تتحدث من بين دموعها قائلة :
-ليتني أعرف ما تخبئينه عني .. كلكم هكذا .. لم يصارحني أحد منكم بتفاصيل حياته .. تعيشون بغموض .. تتعذبون .. ولكنكم لا تشكون لي .. ألست أمكم ؟؟ أين أنت يا رائف ؟؟ تعال وانظر إلى أختيك كيف تذبلان .. أو عساك تكون مثليهما ؟؟ ما أثقل الحمل بدونك يا أبا رائف .. تركتني وحيدة أعيل ثلاثة أطفال .. ورحلت أنت .. رحلت بعيدا جدا .. رحلت إلى عالم آخر .. رحمك الله يا أبا رائف .. كنت خير عون لي في كل شيء .. والآن .. ما حيلتي وأنا بلا رجل ؟؟ حتى ابني تركني وذهب ..
ارتاعت غادة لكل هذا الزخم المكبوت من المشاعر .. لم تعتد من والدتها أن تتحدث عن معاناتها الشخصية .. فهي تخدم الجميع وتتفانى من أجلهم على حساب نفسها .. ولم يفكر أحد منهم يوما ما أن يهتم بآلامها هي .. بمشاكلها هي .. وكأنها آلة وليست بشرا .. لكنها لم تتذمر .. بل رضيت بقدرها وكتمت كل ذلك في قلبها .. وكانت تردد في أعماق الليل : ( إنما أشكو بثي وحزني لله )
أسرعت غادة بتجفيف دموعها .. والتقطت كف أمها المعروقة لتقبلها وتقول :
-كفاك يا أمي .. كفاك .. سامحيني لأني أثرت شجونك .. سامحيني لأني كنت أنانية .. لم أكن أفكر سوى بنفسي حين اتخذت قراراتي الغبية .. حين أهملت صحتي ودراستي .. حين عشت متوحدة في غرفتي .. لم أفكر بك .. كم أنا عاقة .. لذلك لم أوفق في حياتي .. أرجوك أن تغفري لي .. دموعك تعذبني أكثر .. كفى يا أمي أتوسل إليك ..
كفكفت الأم دموعها .. وحاولت أن تبتسم وهي تقول :
-رضي الله عنك يا حبيبتي .. لا تقولي بأنك لست موفقة .. فأنا أدعو لك دائما .. وأريدك أن تكوني ناجحة في كل شيء .. وترفعي رأسي بين الناس ..
احتضنت غادة أمها وهي تبكي وتقول :
-أنت أم طيبة ..
*******************
-هل أنت جاهزة يا غادة ؟؟
التقطت غادة حقيبتها وأصلحت هندامها ثم ركضت إلى السلم وهي تصرخ :
-أجل يا أمي .. لنذهب ..
ركبتا السيارة وقالت الأم :
-إلى المطار يا حسين ..
ثم غرقت في أفكارها .. ولم تكن غادة ببعيدة كثيرا عما تفكر فيه والدتها .. كلتاهما انتظرتا هذه اللحظة طويلا .. ها هو رائف سيعود أخيرا ..
-كم اشتقت إليك يا أخي .. أتمنى أن يصل بالسلامة ..
ولما وصلتا .. أخذتا تبحثان بين المسافرين الكثر .. لكن دون جدوى .. ومن بعيد أقبل رجل طويل له جسد رياضي .. ولحية كثة .. يدفع عربة حقائب أمامه .. تطلعت غادة إليه بريبة .. ثم ما لبثت أن اتسعت عيناها بدهشة كبيرة وهي ترى ابتسامته :
-رااااااائف .. انظري يا أمي ..
بالطبع عرفت الأم ابنها قبل غادة لكنها كانت أيضا مندهشة فلم تتكلم ..
-السلام عليكم ..
-وعليكم السلام يا ولدي .. أهلا بك يا حبيبي ..
قبل رائف رأس أمه .. ثم صافح غادة مراعاة لأنظار الناس .. وقال مداعبا :
-لنترك الأحضان في البيت ..
لم تكن غادة قد خرجت من دهشتها بعد لكنها قالت :
-رائف .. لقد تغيرت كثيرا .. بالكاد عرفتك ..
لم لحيته بقبضته وقال :
-أمن أجل اللحية ؟؟
-أجل .. منذ متى وأنت تربيها ؟؟
أمسك بيدها ووضعها على عربة الحقائب وقال :
-دعك من الأسئلة الفضولية الآن وادفعي لي العربة .. أريد أن أحادث أمي ..
-يا سلام .. أنا أدفع لك عربتك .. حسنا .. إكرام الضيف ثلاثة أيام .. وبعدها سأريك النجوم في الظهر ..
ضحك الجميع وهم يتوجهون نحو السيارة .. واشتركوا في حوار محموم .. وحين وصلوا لم يكن الكلام قد انتهى رغم طول المسافة ..
لكن رائف ما كاد يرى البيت حتى خيم عليه الوجوم ..
هبط من السيارة ببطء .. ثم همس :
-هل هي هنا ؟؟
ردت عليه غادة وهي تشاركه حزنه :
-لا .. إنها بالمشفى منذ سقطت في غيبوبتها .. ونحن نزورها كل يوم ..
-أريد أن أذهب إليها ..
ربتت الأم على كتفه وقالت :
-لنؤجل الزيارة .. عليك أن ترتاح قليلا فركوب الطائرة لثمانية عشر ساعة ليس بالأمر الهين ..
أذعن رائف لأمه وارتقى السلم .. وكانت أمه قد جهزت له حماما .. وبخرت له حجرته .. فقالت غادة :
-الله الله .. ما كل هذا التدليل .. ألا يحق لي أن أغار ؟؟
قرصت الأم غادة في ذراعها وقالت :
-أنت لا تشبعين أبدا .. هيا لنتركه الآن ..
شيعهما رائف بنظراته .. ثم أخذ حماما على عجل .. وراح في سبات عميق ..
التسنيم
•
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته...
تسلم يديكما يا تيمه ودونا.. انا مشتركه من قريب ولقد قراءة قصتكما في يوم واحد ولكن الان اتابع الاجزاء
.
تسلم يديكما يا تيمه ودونا.. انا مشتركه من قريب ولقد قراءة قصتكما في يوم واحد ولكن الان اتابع الاجزاء
.
الصفحة الأخيرة
جزء رائع وبالغ في الروعة ..
اتمنى ان تستطيع ان تستخرج الكلمات من وسط زحام المشاغل الخاصة ..
وانا اتوقع ان يكون اجمل واجمل مما سبق ..
مع تحياتي : الوردة الشتوية الحمراء ..:24: :24: