دونا
دونا
الجزء الثاني و الثلاثون (وداعاً أيها الماضي)

أشرقت الشمس معلنة ولادة يوم جديد و سعيد.. و أقبلت تحتوي الأرض بنورها الذهبي كأم حنونة.. وقد أرسلت في الفضاء دفئاً و نوراً بلا حدود.. و على عجل تسللت أشعتها عبر زجاج النافذة إلى الغرفة.. غير آبهة بقماش الستارة الثقيل.. و مضت تجوب المكان في بهجة طفل صغير.. قبل أن تداعب وجه سامية في محاولة لإيقاظها من النوم..
فتحت سامية عينيها في بطء شديد.. و تطلعت إلى الساعة القابعة بجوارها.. و من ثم تحسست بيدها المنطقة المجاورة لها من السرير.. فبدت لها خالية.. عندها اعتدلت سامية بحركة حادة.. و جابت ببصرها أنحاء الغرفة و هي تتمتم:عجباً أين هو؟!
غادرت سامية سريرها متجهة نحو النافذة.. أزاحت بعضاً من أجزاء الستارة جانباً و ألقت نظرة عبر الزجاج و قد ارتسمت ابتسامة على شفتيها.. و بدأت تتسع شيئاً فشيئاً و هي تهمس:ما زلت لا أصدق.. و كأنني أعيش حلماً جميلاً.. لقد مضى أسبوع كامل على زواجنا أنا و رائف.. ياه ما أسرع الأيام!.. لقد بدت لي كساعات معدودة.. بل ثوان.
مضت سامية تستبدل ثيابها و تسرح شعرها.. و ما أن انتهت حتى ألقت نظرة مطولة على مظهرها في المرآة و هي تسترجع ذكريات الأسبوع الأخير في مخيلتها.. و عقبت قائلة:الحمد الله.. إنه واقع رائع.. يفوق جمال الأساطير.. الحمد الله.
تعالى طرق على الباب.. فهتفت سامية في حنان:أدخل يا رائف..
دلف رائف إلى الحجرة.. و أغلق الباب خلفه و هو يقول: كيف حال وردتي اليوم؟
ابتسمت سامية و هي تجيب:بخير..ما دام هناك رائف ليسقيها بحبه.
ابتسم رائف بدوره و قد تعلق بصره بسامية.. و عقب قائلاً: تبدين اليوم جميلة جداً.. كفتاة من دنيا الحكايات.
توردت وجنتا سامية خجلاً.. و عقبت في خفوت:أنت تقول ذلك كل يوم.. أواتفعل ذلك لتسعدني؟!
اقترب رائف منها و أمسك كفيها و هو يعقب في حنان جارف:هذه حقيقة يا سامية.. فأنت عالم من الجمال و الحنان و الحب.. وردة أشرقت في حياتي.. و سأظل أحتويها بين ذراعي حتى لا تذبل أبداً.
نظرت سامية إلى عيني رائف و قلبها الغض يرقص فرحاً في أعماقها.. عالمها كله يبتسم الآن أمامها.. و في صورة رجل لطالما حلمت به.. في رائف.
أطلقت سامية ضحكة هادئة و من ثم عقبت قائلة و نظرات رائف المحبة تحتويها: كم أنت رائع يا رائف!.. كلماتك صنعت لي جناحين.. و علمتني كيف أطير في حياة تنبع بالأمل و الحب و السعادة.. كيف تفعل ذلك؟!
اتسعت ابتسامة رائف و هو يعقب قائلاً:ذلك لأن الكلمات لا تنبع من لساني..
عقبت سامية بدورها قائلة:من أين إذن؟!
ضم رائف كفي سامية بين كفيه و حملهما في ببطء و من ثم أشار بهما إلى قلبه.. بينما تابعته نظرات سامية حتى توقفت حيث أشار.. فهمس رائف قائلاً:أحبك يا سامية.
رفعت سامية بصرها نحوه و عقبت في سعادة:و أنا أحبك أيضاً يا رائف.. و سأظل أحبك لآخر يوم في حياتي.
مرت دقائق من الصمت و إن كانت نظراتهما تتحدث بآلاف الكلمات.. بكلمات يعجز عن وصفها لسان.. لأنها تذوب في القلوب.. بقوة و سلاسة.
و في محاولة لإزالة ذلك الصمت قالت سامية:و الآن أين كنت يا زوجي الحبيب؟
ضحك رائف و عقب قائلاً:أسبح في أعماق خيالك.. و أغوص في بحور حبك.
عقدت سامية ذراعيها و هي تقول:و ماذا وجدت؟!
-وجدت كل ما أبحث عنه.. في قلب نابض و روح رائعة.. فيك يا زوجتي الحبيبة.
ضحكت سامية و من ثم عقبت قائلة:رائف بالله عليك إلى أين ذهبت هذا الصباح؟
-أخبرتك..لقد كنت أسبح في.
قاطعته سامية قائلة:رائف أرجوك.
-يا إلهي.. أنت تشبهين غادة إلى حد ما.
-و غادة تقول بأنني أشبهك.
-اليوم عرفت كم غادة تحبني.. إذ جمعتني بك.
-و جمعتني بك.. رائف.. أنت ربيع عمري كله.. حبي الأول و الأخير.
-حقاً؟!
-أوفي ذلك شك يا فارسي.. و الآن أين كنت؟
-يا إلهي كم أنت عنيدة!
-رائف.. إلى متى علي أن انتظر الإجابة؟!
-حسناً.. لقد ذهبت لشراء تذاكر السفر.
-سبحان الله.. الوقت يمضي سريعاً.. و دون أن نشعر به.
-كنت أنوي أن أخبرك حالما وصلت.. و لكني خشيت أن تضيع ابتسامتك من على ثغرك.
-ما دمت بجواري فلن تضيع ابتسامتي إن شاء الله.
تعالى صوت الطرق على الباب مجدداً.. و لكن الطارق هذه المرة كان يطرق بشدة.. مما جعل رائف يمضي مسرعاً نحو الباب.. و يفتحه بحركة حادة.. و ما أن وقع نظره على الطارق حتى هتف في قلق:غادة ما الأمر؟.. هل حصل شيء؟
و استدركت سامية بدورها و قد انتقل إليها قلق رائف:ما الأمر يا غادة؟
التقطت غادة أنفاسها في عجل و أجابتهما بصوت متقطع و هي تشعر بنظراتهما تحاصرها في حيرة: هيا تعالا معي بسرعة.. فهناك مفاجأة تنتظركما في الأسفل.
عقب رائف في استنكار:مفاجأة؟!
جذبت غادة سامية و رائف ليتبعاها و هي تجيب أخاها في حماس شديد: نعم إنها مفاجأة رائعة.. هيا بالله عليكما أسرعا.
التفت رائف نحو سامية في عجب.. ليقابله وجه سامية الذي حمل العديد من التساؤلات.. و مضى الاثنان خلف غادة التي كانت تسير بسرعة.. و كل الحماس يغمرها.. حتى وصلت إلى باب الفناء الخارجي.. عندها فتحت الباب بقوة و على مصراعيه و هي تهتف في سعادة:ما رأيكما؟
ما أن وقع بصر سامية و رائف على ذلك الصندوق الخشبي الضخم.. حتى هتفا معاً و في آن واحد:مستحيل!
ضحكت غادة ضحكة قصيرة.. و مضت تقترب من ذلك الصندوق بخطى بطيئة و هي تقول:هل فاجأتكما؟
سألها رائف في حيرة:غادة.. هل هذا هو البيانو الذي كان في غرفتك؟
عقبت سامية بدورها قائلة و هي تهز رأسها نفياً:لا أظن يا رائف.. ربما كان يشبهه فقط.
ربتت غادة على سطح الصندوق الخشبي و عقبت في نشوة:لقد أزلت مفاتيح العزف.. و أزلت الأوتار أيضاً.. باختصار أزلت كل ما فيه من أدوات و معدات.. و ذلك بمساعدة مختص طبعاً.. و أبقيت هيكله العام كما هو.. و من ثم اتفقت مع منسق للحدائق.. فأبقينا غطاء البيانو العلوي مفتوحاً و من ثم ملأنا الجزء الداخلي من البيانو بتربة زراعية.. و زرعنا فيها هذه الشتلات الملونة الرائعة.. و كذا فعلنا بالمسار العميق الناتج عن إزالة مفاتيح العزف.. ما رأيكما الآن بهذه الهدية؟
اقتربت سامية من ذلك الصندوق و هي تهتف في سعادة: يا لها من هدية رائعة يا غادة.. بل مذهلة.. الآن فقط فهمت لماذا كنت لا تسمحين لنا بدخول غرفتك مؤخراً.. حتى لا نكتشف غياب البيانو.
عقب رائف بدوره في اندهاش:إنها تحفة رائعة بحق.. كيف فعلت ذلك؟
ابتسمت غادة في حبور وعقبت قائلة:أ نسيت أنني طالبة في كلية التربية الفنية؟
و من ثم وضعت غادة يديها على خصرها و أكملت قائلة:كما أن هناك شيئاً مهماً لم تعرفه عني بعد يا أخي العزيز.
وضع رائف يديه على خصره بدوره و هو يجبها قائلاً:و ما هو يا أختي العزيزة؟
ضحكت غادة و عقبت قائلة:أنت أمام فتاة عبقرية تحمل اسم غادة.
مط رائف شفتيه و عقب قائلاً: حقاً؟!.. إذن فأنت ورثت العبقرية مني.
اقتربت سامية من غادة و أحاطتها بذراعها و هي تقول:أنت مخطئ.. لا أحد يمتلك عبقرية غادة.. فهي فتاة بارعة بحق.. و خير دليل على ذلك هديتها المدهشة.
ابتسمت غادة ابتسامة هادئة و عقبت في خفوت:حمداً لله أنها قد أعجبتكما.. كان علي أن أقدمها لكما ليلة زفافكما.. و لكنها كانت تحتاج إلى بعض الوقت حتى تكتمل.
أجابتها سامية في حنان:و لكنك قدمت لكلينا هدية لا تقدر بثمن منذ زمن.
سألت غادة في استنكار:حقاً.. و ماذا قدمت لكما يا ترى؟
اقترب رائف من أخته و همس قائلاً:جمعتنا أنا و سامية معاً.. و هل مثل هذه الهدية يقدر بثمن؟!
عقبت سامية في خفوت:بالطبع لا.
أدارت غادة ببصرها بينهما و من ثم عقبت قائلة:بل أنا المحظوظة بكما و بأمي.. فأنتم هديتي..
و سعادتي..
و عائلتي كلها.
*************************
تقلبت غادة في فراشها عدة مرات.. و من ثم رمت نظرة سريعة على ساعة يدها و تمتمت في ضيق:إنها الثانية صباحاً و لم أنم بعد..
غادرت غادة سريرها.. و مضت تجوب غرفتها في خطى بطيئة.. و قد تركت أناملها تسبح هنا و هناك.. بينما بدأ عقلها يترجم كل شيء يقابلها إلى ذكرى.. حتى وصلت إلى حقيبتها التي أعدتها للسفر.. ألقت عليها نظرة مطولة.. و من ثم تنهدت في حزن.. و بدأت تمسح سطحها الجلدي بكفها و هي تحدث نفسها:لا أصدق أنها ليلتي الأخيرة هنا.. غداً أغادر غرفتي.. بيتي.. وطني.. إلى عالم آخر.. بعيد جداً.. و لكني سأحمل ذكرياتي معي.. و سيظل الحنين يرافقني إلى أن أعود.. حتماً سأعود يوماً.. إن شاء الله.
تنهدت غادة مرة أخرى.. و أدارت ببصرها في أنحاء غرفتها.. حتى وقع بصرها على خزانة ملابسها.. فمضت نحوها تجر الخطى.. و اقتربت يدها من مقبض الخزانة.. لكنها عادت إلى الخلف في حركة حادة.. أشاحت غادة ببصرها بعيداً و هي تتمتم: آه يا خزانتي.. جمعت في داخلك ذكريات شتى.. و بصور متعددة.. ماض أليم.. أتمنى أن أنساه.. و أتوق لذكراه.. عجباً لي!.
عادت غادة تنظر لخزانتها و من ثم استجمعت شجاعتها و فتحتها قائلة:و لن أغادر حتى أضع حداً لهذا التناقض.
و من ثم أخرجت صندوقاً صغيراً من أحد أدراجها و هي تكمل:إن كنت سأبدأ حياة جديدة.. فلأبدأها بشجاعة.
أزالت غادة غطاء الصندوق و عقبت في خفوت:و بمواجهة أخيرة..مع الماضي.
أخرجت غادة ظرفاً بني اللون من صندوقها.. و فتحته ببطء شديد.. و بنفس ذلك البطء أخرجت محتوياته التي كانت مجموعة من الصور الفوتوغرافية.. صور لها مع ربيع.. و أخرى مع عادل.. و بدأت تقلبها بين يديها.. فأمطرت الذكريات عليها من كل صوب.. لترتسم ابتسامة على شفتيها.. لا تلبث أن تمحى بزفرة حادة.. و فجأة سقطت الصور من بين يديها.. و عقبت و هي تهز رأسها في عنف:لا.. لا يحق لي النظر إلى هذه الصور.. ربيع وعادل غادرا حياتي للأبد.. و أصبحا رجلين أجنبيين بالنسبة لي.. صورهما باتت ماض لا يحق لي الاحتفاظ به.
أخذت غادة تلتقط صورة تلو أخرى من على الأرض.. لتمزقها في عجل.. و قلبها يخفق بقوة.. و تناثرت الأجزاء الممزقة هنا و هناك..
عادت غادة إلى صندوقها.. و أخذت تبحث فيه عن صور أخرى لتمزقها.. و لكن بصرها و قع على ذلك العقد الماسي.. هدية عادل الأخيرة لها.. فحملته بين كفيها.. و مضت به نحو المرآة.. و لبسته حول عنقها.. و تحسسته بأطراف أصابعها.. و أغمضت عينيها و هي تستعيد كلمات عذبة من الماضي.. كلمات عادل..
"كم أنت رائعة يا أميرتي".
أطلقت غادة زفرة حارة و هي تقول في أسى:أه يا عادل.. كم أخطأت في حقك.. و في حق نفسي.. لطالما تساءلت عن ذلك الشعور الذي يكنه لك قلبي.. أعلم أنك أحببتني.. و لكنني بعت ذلك الحب بحب زائف.. ما أغباني.. أضعتك من أجل إنسان لا يحمل من الإنسانية إلا الاسم فحسب.. ليتك أخذتني معك يومها.. ليتك لم ترحل و تتركني.. أنت لم تخسر يا عادل.. أنا من خسر.. كيف لا و قد خسرت قلباً أحبني حتى النخاع!
اتجهت غادة نحو خزانتها.. و أخرجت منها الفستان التفاحي اللون الذي أهداه لها ربيع.. و أمسكته بيديها و هي تردد في صوت مخنوق:عندما رأيتك لأول مرة شعرت بسعادة تغمرني.. تحلق بي فوق الغيوم.. و همست لنفسي.. مبارك يا غادة.. قد عاد حبك.. يبدو أن الحياة ستبتسم لك أخيراً.. اليوم فقط عرفت الحقيقة.. لقد كنت أول خيوط اللهب التي أحاطت بي لتحرقني.. لتقتلني ببطء.. لتسلبني أغلى ما أملك.. أختي.. و حياتي.. و حبي.
ابتسمت غادة في سخرية و هي تكمل: لا أعرف كيف صدقتك يا ربيع.. لا أعرف كيف أسرتني كلماتك.. لم دمرتني؟..لم أحلتني في لحظة من اللحظات إلى رماد؟.. حبك مات في قلبي.. بل أنا من خنقه في مهده.. أوهمت نفسي أنني أحبك.. كذبت على قلبي و قلبي صدق الكذبة.. كم أكرهك يا ربيع.. كم أكرهك.. لم دمرتني؟..لم فعلت ذلك بي؟.
و أخذت غادة تهز الفستان بقوة و صوتها المخنوق يعلو شيئاً فشيئاً:لم فعلت ذلك؟.. أجبني.. أجبني أيها المخادع.. نعم مخادع.. خدعتني بكلماتك.. ألم تقل لي كم أبدو جميلة في الفساتين الضيقة والملابس العارية القصيرة؟!.. حتى أنك بدأت تهديني إياها.. ألم تعلم أصابعي العزف على البيانو؟!.. حتى غدوت أعزف لك في كل يوم مقطوعتين أو ثلاث.. ألم تحملني على كشف وجهي كلما رافقتك في نزهة؟!.. أحطتني بالأغاني.. رجوتني أن أرقص حتى باتت تلك عادتي.. ماذا جنيت منك يا ربيع؟!.. لقد جذبتني نحو الهلاك.. نحو الظلام.. حتى كدت أن أقع في الهاوية.. و أنا بغبائي تبعتك.. صماء.. عمياء.. أسمع بأذنيك.. و أرى بعينيك.. ماذا فعلت بي يا ربيع؟!.. حرقت أيامي و كدت تحرقني.. أي إنسان أنت؟!.. أتكون من شياطين الإنس؟!.. أجبني يا ربيع.. لم هويت علي بالطعنات؟!.. أجب قلباً وأدته.. أجبني.
ركضت غادة نحو مكتبها.. و تناولت من أحد أدراجه مقصا ًحاداً.. و هوت به على الفستان التفاحي.. حتى أحالته إلى قطع قماش بالية و هي تصرخ:كم أكرهك يا ربيع..كم أكرهك..
رمت المقص جانباً.. و دموعها تهطل سيلاً جارفاً على وجنتيها.. و بدأت تمزق ما بقي منه بيديها و هي ما زالت تردد:كم أكرهك يا ربيع.. لم أعد بحاجة إليك.
و عندما لم يبقى من الفستان شيء تستطيع أن تمزقه.. أمسكت بالعقد الماسي الذي كان يحيط بعنقها.. و جذبته بقوة.. و من ثم نظرت إليه في تحد و هي تقول: سأدمر ماضي الحزين كله.. سأعيش حياة بلا ربيع.. و بلا عادل.
و رفعت يدها بغية أن تلقي بالعقد عبر النافذة.. لكن يدها توقفت حيث هي لحظات.. لتنطلق كلمات خافتة من ثغر غادة: لن أستطيع.. لن أكذب على نفسي مجدداً.. لن أنساك يا عادل ما حييت.. لأنني.. لأنني..
ضمت غادة العقد إلى صدرها و أخذت تبكي بحرقة و هي تقول: لأنني أحبك.. أحبك.. تأخرت كثيراً حتى عرفت حقيقة مشاعري.. عرفتها في وقت لم يعد فيه من حقي أن أحبك.. أنا آسفة يا عادل.. آسفة.
مسحت غادة دموعها.. و مضت نحو نافذة غرفتها.. و ما أن فتحتها حتى عبأت رئتيها بالهواء.. و رسمت ابتسامة واهنة على شفتيها و هي تتمتم: كان علي أن أواجه الماضي بحلوه و مره.. فهناك حياة جديدة تماماً في انتظاري.. و علي أن أواجهها بقوة و إيمان.. أعدك يا نفسي.. لن أخذلك ثانية.. أعدك.
أسرعت غادة ترتب غرفتها.. و ما أن انتهت حتى أقبلت نحو العقد الماسي.. و وضعته داخل حقيبة السفر.. و بجانب شريط رهف و هي تهمس: يبدو أنك سترافقني في رحلتي أيها العقد.
و مع حروف كلماتها الأخيرة ارتفع آذان الفجر.. فأقبلت غادة نحو نافذتها.. و أخذت تردد خلف المؤذن في خشوع حتى انتهى.. كلمات عذبة تذوب في أعماقها.. نداء يبدد سكون الليل.. لتعلن ولادة يوم جديد.
و من أعمق أعماقها دعت الله أن يوفقها في رحلتها.. و أن يهديها لما فيه الخير و الفلاح.. في الدنيا و الآخرة..
و برغم من أن دموعها عادت لتسقط من جديد..
إلا أن شعوراً بالراحة و الأمان غمرها..
مع نسيمات الفجر الأولى..
*******************************
غادرت غادة غرفتها.. و مضت لتنزل الدرج.. لكنها توقفت فجأة و اتجهت إلى غرفة رهف القابعة في نهاية الممر.. و ما أن وصلت حتى فتحت باب الغرفة بهدوء.. و جابت بنظرها هنا و هناك.. و أخيراً تنهدت في أسى.. و همست قائلة: يبدو أن وقت الرحيل قد حان.. لا تقلقي يا رهف سنصطحبك معنا.. فحبك سيظل في قلوبنا.. إلى الأبد.
وصل لمسمعي غادة صوت رائف يستعجلها في النزول.. فأقفلت باب الغرفة و مضت مسرعة لتركب السيارة بصحبة سامية و والدتها.. و رائف طبعاً.. و بينما كانت السيارة تسير في شوارع المدينة.. تعلق بصر غادة بالنافذة.. فكل ما كان يمر بها في طريقها كان يشعل في قلبها قناديل الحنين و الحزن من أجل الفراق.. هنا كتبت قصة حياتها.. هنا عاشتها لحظة بلحظة.. منذ ولادتها و إلى اليوم.. هنا عرفت الحب.. و الأخوة.. و الصداقة.
وقفت السيارة.. و غادرها الجميع إلى داخل المطار.. و على نحو سريع أنهى رائف إجراءات السفر.. و ما هي إلا دقائق حتى كانت غادة فوق مقعدها في الطائرة المتجهه إلى لندن.
تلاحقت أنفاسها.. فربتت سامية على كتفها في حنان و هي تقول:ما بك يا غادة.. هل أنت خائفة ؟!
ابتسمت غادة و عقبت:ربما قليلاً.. ماذا عنك؟
-أنا أيضاً أشعر ببعض الخوف.. و الحزن أيضاً.. فنحن سنغادر عالمنا إلى عالم آخر غريب عنا..
-و بعيد أيضاً.
-بدأت أفتقد أهلي.. إخوتي و أبي.. و أمي.
-انتظري قليلاً فلم نقلع بعد.
-لا أستطيع.. بدأت اشتاق لكل شيء.. حتى هديتك.
-هديتي؟!
-كان بودي أن آخذها معي.. و لكن ذلك صعب جداً بسبب حجمها.. لذا طلبت من أمي الاعتناء بها إلى أن نعود.
-و ماذا لو أسرتنا أرض الغربة للأبد..؟
-مستحيل.. فجذورنا هنا.. و ماضينا هنا.. و أحلامنا ستزهر حتماً هنا..
-معك حق..
-أدعو الله أن يساعدنا في نشر النور.. و أن يعيد الحياة إلى كثير من القلوب بعبق الإسلام.
-أميين..
-أميين..
أقلعت الطائرة.. و بدأت ترتفع شيئاً فشيئاً.. عندها سمعت غادة صوت بكاء خافت.. فالتفتت إلى مصدره لتجد أمها تذرف الدمع غزيراً.. فمالت غادة نحوها و همست قائلة :لا تبكي يا أمي.. فدموعك غالية.
عقبت الأم بصوت متهدج:ليس بيدي يا بنيتي.. ليس بيدي.
مالت غادة أكثر و هي تمسك بكفي والدتها و تضمهما في حنان بين كفيها: سنعود يوماً ما يا أمي..إن شاء الله.. لا تبكي.. بل ادعي لنا بالتوفيق.. أرجوك يا أمي كفكفي دموعك.
هتفت الأم و الدموع لا تفارق عينيها:أسأل الله أن يبارك لنا حيث ذهبنا.. و أن يرزقنا الصبر على فراق الأحبة.. و أن يوفقنا لما يحبه و يرضاه.
عقبت غادة في خفوت: أميين.
و أشاحت ببصرها نحو النافذة.. لتراقب مدينتها التي أخذت تصغر و تصغر.. حتى اختفت تماماً.. عندها لم تستطع غادة أن تحبس دموعها أكثر.. فغادرت دموعها المقل..
بينما همس لسانها..
إلى اللقاء يا أرضي..
يا ذكرياتي..
يا حبي..
يا نبضي..
يا كل عمري.
*********************************

ي

ت

ب

ع
في أمان الله
ليل غربة ومطر
ليل غربة ومطر
حمداً لله على سلامتك يادونا
فلقد اتعبنا الانتظار.....

وهكذا جاء ثمن الصبر ..... والانتظار.... كلمات جميلة وهدية رائعة
زهرةالايمان
زهرةالايمان
جزء يسمو عن مدحه ببضع كلمات مع كل إضافة تزداد القصة تألقاً
بورك الإبداع والتميز:26:
مهاوي20
مهاوي20
:24: :24: :24: :26: :26: :26:
سنــــ البرق ــــــــى
بارك الله فيك أختي
دونا
:26: :26: :24: :26: :26: