بارلا
•
بارلا :
للقراءة المتأنيةللقراءة المتأنية
الربح الثالث:
يرتفع ثمن كل عضو وحاسة ويغلو من الواحدة الى الألف.
فمثلاً:
العقل عضو وآلة، إن لم تبعه ـ يا اخي ـ لله ولم تستعمله في سبيله،
بل جعلته في سبيل الهوى والنفس، فانه يتحول الى عضو مشؤوم مزعج وعاجز،
اذ يحمّلك آلام الماضي الحزينة وأهوال المستقبل المخيفة، فينحدر عندئذٍ الى درك آلة ضارة مشؤومة، ألا ترى كيف يهرب الفاسق من واقع حياته وينغمس في اللهو أو السكر انقاذاً لنفسه من ازعاجات عقله؟
ولكن اذا بيع العقل الى الله، واُستُعمل في سبيله ولأجله، فانه يكون مفتاحاً رائعاً بحيث يفتح ما لا يعد من خزائن الرحمة الإلهية وكنوز الحكمة الربانية
فاينما ينظر صاحبه وكيفما يفكر يرى الحكمة الإلهية في كل شئ، وكل موجود، وكل حادثة. ويشاهد الرحمة الإلهية متجلية على الوجود كله، فيرقى العقل بهذا الى مرتبة مرشدٍ رباني يهئ صاحبه للسعادة الخالدة.
ومثلاً: العين حاسة، تطل الروح منها على هذا العالم، فان لم تستعملها في سبيل الله، واستعملتها لأجل النفس والهوى، فانها بمشاهدتها بعض المناظر الجميلة المؤقتة الزائلة تصبح في درك الخادمة والسمسارة الدنيئة لإثارة شهوات النفس والهوى. ولكن إن بعتها الى خالقها البصير واستعملتها فيما يرضيه، عندئذٍ تكون العين مطالِعة لكتاب الكون الكبير هذا وقارئة له، ومشاهِدة لمعجزات الصنعة الربانية في الوجود،
وكأنها نحلة بين ازاهير الرحمة الإلهية في بستان الارض، فتقطّر من شَهْد العبرة والمعرفة والمحبة نور الشهادة الى القلب المؤمن.
ومثلاً: ان لم تبع حاسة الذوق ـ التي في اللسان ـ الى فاطرها الحكيم، واستعملتها لأجل المعدة والنفس، فحينئذٍ تهوي الى درك بوّاب معمل المعدة واصطبلها، فتهبط قيمتها. ولكن ان بعتَها الى الرزاق الكريم، فانها ترقى الى درجة ناظر ماهر لخزائن الرحمة الإلهية، ومفتش شاكر لمطابخ القدرة الصمدانية.
فيا ايها العقل! أفق، اين الآلة المشؤومة من مفتاح كنوز الكائنات؟
ويا ايتها العين! ابصري جيداً، اين السمسرة الدنيئة من الامعان في المكتبة الإلهية؟
-ويا أيها اللسان! ذق بحلاوة اين بواب المعمل والاصطبل من ناظر خزينة الرحمة الإلهية؟.
فان شئت ـ يا اخي ـ فقس بقية الاعضاء والحواس على هذا، وعندها تفهم ان المؤمن يكسب حقاً خاصية تليق بالجنة، كما ان الكافر يكتسب ماهية توافق جهنم.
فما جوزي كل منهما بهذا الجزاء العادل إلاّ لأن المؤمن يستعمل بايمانه أمانة خالقه سبحانه بأسمه وضمن دائرة مرضاته، وان الكافر يخون الأمانة فيستعملها لهواه ولنفسه الأمارة بالسوء.
يتبع
الصفحة الأخيرة
انظري من خلال منظار هذه الحكاية الى وجه
الحقيقة الناصعة. فالسلطان هو سلطان الازل والأبد
وهو ربك وخالقك. وتلك المزرعة والمكائن
والآلات والموازين هي ما تملكينه في الحياة الدنيا
من جسم وروح وقلب، وما فيها من سمع وبصر
وعقل وخيال، اي جميع الحواس الظاهرة والباطنة.
وأما الرسول الكريم فهو سيدنا محمد .
وأما الأمر السلطاني المحكم فهو القرآن الكريم
الذي يعلن هذا البيع والتجارة الرابحة في هذه الآية الكريمة:
] إنَّ الله اشترى من المؤمنينَ أنفُسَهم
وأموالَهُم بأنَّ لَهم الجنّةَ
وأما الميدان المضطرب
والحرب المدمّرة فهي احوال هذه الدنيا، اذ لا قرار
فيها ولا ثبات، كلها تقلبات تلحّ على فكر الانسان
بهذا السؤال
ان جميع ما نملك لا يستقر ولا يبقى في ايدينا، بل
يفنى ويغيب عنّا، أليس هناك من علاج لهذا؟
ألا
يمكن ان يحل البقاء بهذا الفناء؟!
وبينما الانسان غارق في هذا التفكير، إذا به يسمع
صدى القرآن السماوي يدوّي في الآفاق ويقول له
بتلك الآية الكريمة:
نعم! ان هناك علاجاً لهذا الداء، بل هو علاج
لطيف فيه ربح عظيم في خمس مراتب.
سؤال: وما العلاج؟
الجواب: بيعُ الامانة الى مالكها الحقيقي، في هذا
البيع خمس درجات من الربح في صفقة واحدة.
الربح الاول: المال الفاني يجد البقاء، لأن العمر
الزائل الذي يوهب للحي القيوم الباقي، ويبذل في
سبيله سبحانه، ينقلب عمراً ابدياً باقياً. عندئذٍ تثمر
دقائق العمر ثماراً يانعة وازاهير سعادة وضاءة في
عالم البقاء مثلما تفنى البذور ظاهراً وتنشق عنها
الازهار والسنابل.
الربح الثاني: الثمن هو الجنة.
يتبع بإذن الله
***********